الأدب الشّعبيّ : تثقيف وإمتاع “الأمثال والطرائف”

0

 

الأدب الشّعبيّ : تثقيف وإمتاع

“الأمثال والطرائف”

د.باسمة زين الدين([1])

المقدمة

الأدب الشّعبيّ، أو ما إصطلح على تسميته ب “الأثنولوجيا”([2]) ETHNOLOGY  وهو فرع من فروع الأنثروبولوجيا، بصفة عامة، يستهدف جمع التراث وحفظه، لأنه يعبر عن روح الجماعة، وهو فن أفرزته الثقافة ومارسه الناس إبداعًا وتذوقًا، وهو يتألف من الحكايات والخرافات والأغانيّ والأمثال الألفاظ والطرائف التي تدخل جميعها في مجال الآداب الشّعبيّة لمؤلف مجهول الهوية لكنّه ملك للجماعة والإنسانيّة. لأنّه جزء لا يتجزأ من شخصية أمتنا وتراثها وتاريخها أردت أن أجول في دراستي هذه في نزهة خفيفة، في مجرى أو رافد من روافد الأدب الشّعبيّ المتداول بالفعل، والمتوارث جيلاً بعد جيل والمرتبط بالعادات والتّقاليد، وقد وجدت أنّ المادة الشّعبيّة في طبيعتها وبشكلها ومضمونها، لا تخضع لأدب النّخبة وأدب العامة، فالشّعب كل متكامل، وكثيرًا ما نجد النّخبة يعتقدون باعتقادات البسطاء ويطربون لفنونهم، ومن ناحية أخرى، يتذوق العامة والبسطاء آداب النّخبة ويتفاعلون معها، إنّه التّداخل الجميل والتّلاقح السليم ما دفعني للغوص في بحر ليس له قرار، وأمّا الإدعاء بأنّ دراسة الأدب الشّعبيّ ممكنة مع هذا الكم الكبير من موضوعاته، فهذا بلا شك ضرب من الجنون. وذلك لإتساع رقعة محتوياته، ولأنه من الصعب جمعها في دراسة بحثية واحدة كان لا بد لي أنّ أخصص دراستي، وأركز الموضوع تحديدًا في الأمثال الشّعبيّة والطرائف الشّعبيّة في محاولة متواضعة لأنشط الذاكرة وأعيد الحيوية لرصيد وتراث قديم جديد يربطنا بحضارتنا التي كنا نتغنى بها ونحن اليوم بأمس الحاجة إليها، دافع حفزني لتنشق هذا الرّحيق في بستان أزهر ولا يزال عطره منتشرًا في فضاء أمتنا وبين أبناء مجتمعاتنا في روحه المرحة، وفرحه الدائم، ثم في إعادة ترميم العلاقة بين جيل اليوم وأجيال سالفة مضت، ورحلت.أعيد ترميمها وتوطيد العلاقة لما لها من آثار إيجابيّة على مستقبل أمتنا وشعوب مجتمعاتنا، يؤازر هذا الدّافع ما للأدب الشّعبيّ من أهمية بوصفه الرّابط الصّحيّ والحيويّ بين الأزمنة بأبعادها الثّلاثة، هذا فضلاً عن كونه حاضنة لأفراح الإنسان وأحزانه، وفي الوقت نفسه المعين لفهم إنسانيته، وبالتالي فهم أهمية التّعايش ومشاركة فعل الحياة مع أخيه في الإنسانية من خلال تجارب، وحكم الذين سبقونا في الحياة لننهل من علومهم وثقافتهم، ونصل كما وصلوا بهمة عالية وحضارة راقية لا تشوبها شائبة.

إنّني في دراستي هذه لا أدّعي أنّها كافية ووافية، إنّما هي محاولة لإضافة جديد، وتقديم فائدة لطلابنا وقرائنا العطشى لفوائد من هذا النوع. ولقد واجهتني في مسار بحثي هذا صعوبات كثيرة ليس أقلها قلة المصادر والمراجع في هذا المجال، كما أنني وجدت من المفيد أن أرتب دراستي في فصلين:

الفصل الأول عنوانه: «الأمثال الشّعبيّة: سجل ردع وتوعية.»

الفصل الثاني وعنوانه: «الطرائف الشّعبيّة: حاضنة رقي الإنسانية.»

ثم أختتم دراستي بأهم النتائج التي توصلت إليها. وقد قمت بمحاولة أترك للقارئ العزيز المجال للاطلاع عليها، ولأنقل له بعض من جوانب هذا الأدب الجميلة، في بساطة وعمق، وكذا المتعة من دون أن أنسى الدور الكبير الذي يلعبه هذا الأدب في تربية وتعليم الناشئة، وفي تعزيز ثقتهم بماضيهم وتراثهم، وليس من المعيب الرجوع للأخذ منه، والنهل من علومه في خطوة جريئة جمعتها في قالب جديد.

الفصل الأول: الأمثال الشّعبيّة: سجل ردع وتوعيّة

الأمثال الشّعبيّة لغة النّاس وروح المجتمع

إن كلمة “المثل” تعني في المعاجم العربية: “الحديث، العبرة، الحجيّة، القول السائد “(1) هذه التّركبية اللغوية والتي تعدُّ محور أهم الدّراسات الحديثة تحتوي على لفظين (المثل + الشّعبيّ)، وقبل أن نحلل هذه المعادلة يجب أن نتعرف على حدودها، كل طرف على حدا، والمعروف في تراثنا الأدبي أن المثل مرتبط أشد الإرتباط بالحكمة، فإذا سأل أحد منا عن المثل يجيب تلقائيًا بأنّه حكمة، وعلاقة التّشابه بينهما تأتي في مراحلها المعنوية الأولى من حيث تعبيرهما عن محتوى التجربة والخبرة الحياتية” (2).

وقد أعطي المثل، في هذا المعنى، تعريفات كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، قول الفارابي: “المثل ما ترخاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه”(3). وقول أرسطو: “المثل هو العبارة التي تتصف بالشّيوع، والإيجاز، وحدة المعنى، وصحته”(4). ونذكر تعريف ورد ” الأمثال في كل قوم خلاصة تجاربهم ومحصول خبرتهم …الأمثال ضرب من التّعبير عما تزخر به النّفس من علم وخبرة وحقائق واقعية بعيدة البعد كله عن الوهم والخيال”(5).

أما خصائص المثل فقد ذكرها إبراهيم النّظاميّ المعتزليّ إذ قال: “في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التّشبيه وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة”(6) .

أمّا بشكل عام فنقول أن هناك خصائص معينة سمحت للمثل الشّعبيّ من أن يجد مكانته بين مختلف أشكال التّعبير الشّعبيّ، أن ينقش في الذاكرة الشّعبيّة كالأصالة لأنّه يخرج من روح المجتمع كإثبات على نتيجة أو واقع لمواقف وقعت على مجموعة من النّاس، فهو يحمل في باطنه روح الرّدع والتّوعية.

المثل سجل يوثق تصرفات النّاس، كل الناس. فلا يوجد مكان في العالم يستطيع شعبه أن يعيش في معزل عن موروثه الشّعبيّ الذي هو نتاج لثقافات متراكمة توارثتها الأجيال أبًا عن جد، وهي لا تحتاج إلى مدرسة او جامعة تعطى الأمثال فيها كمواد أو مقررات، بل هي تخرج بعفوية، من رحم الفطرة، تشكل ثقافة محكية تضيف لقائلها نوعًا من الحكمة والخبرة في الحياة فهي قائمة على الاستماع والحفظ ويُستعان بها في أوقات ومواقف الحدث الذي يشابهها وإن لم يكن دائمًا، فلنقل أحيانًا، هذا فضلاً عن أنّ صحتها وحقيقة تطابقها على تصرفاتنا وسلوكنا فالحكم المطلق بشكل عام لا يصح، لأن المثال تعبر إلى حد كبير عن أمور صادقة وإن لم تكن مباشرة. المثل الشّعبيّ كما يقول المثل الإنكليزي “المثل صوت الشعب”، كما أنه يقول إنه “لا شيء ينبئنا بروح الشّعب أكثر من أمثاله”.

إنّ المثل فن قديم، حديث في الوقت نفسه، قديم يصاغ انطلاقًا من تجارب وخبرات عميقة، يحملها التّراث إلينا، وتتناقلها الأجيال شفاهًا أو كتابة، تعمل على توحيد الوجدان وتعدُّ حكمة الشّعوب وينبوعها الذي لا ينضب، وهي تقوم في هذا المجال بدور فعال في دفع عجلة المجتمع إلى الأمام بعد أن تحيطه بسياج من التّجارب والعِبر التي في مجموعها تشكل وثيقة مهمة تردع الإنسان عن الخطأ وتجنب المجتمع من السقوط وتنشر الوعي وتذيعه في أوساط المجتمع الإنسانيّ.

الأمثال الشّعبيّة: جزء من واقع لا يموت

“الأمثال هي وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحلى المعاني التي تخيرتها العرب، وقدمتها العجم، ونطق بها كل زمان وعلى كل لسان، فهي أبقى من الشّعر وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء كسيرها، ولا عم عمومها، حتى قالوا: أسير من مثل”(7). الإنسان قديم العهد بالأمثال، فهي تسكن معظم تفاصيل حياتنا، ولها أهمية كبرى في مجتمعاتنا، فهي مرآة صادقة وحقيقية لحضارة الإنسان والمجتمع، لا بل هي مرآة لحياة الإنسان وحياة مجتمعه، وأقول أكثر هي تعكس تفكيره وفلسفته وقيمه الأخلاقية والاجتماعيّة، وقد قال المثل الإنكليزي “أمثال الأمة كتاب ضخم تقرأ فيها أخلاقها بسهولة”(8). فهي خلاصة التّجربة الإنسانيّة، تساهم في تهذيب الأجيال وترشدهم، كما أنّها تقوم سلوكياتهم وأخلاقهم، فعلها أقوى من الوعظ، ولست أبالغ إذا قلت إن مئة محاضرة في الأخلاق تقصر لا بل تعجز في التهذيب الاجتماعيّ والتّوعيّة التي تقدمها هذه المثال.

والسؤال نطرحه اليوم: أما تزال هذه الأمثال تشكل جزءًا من واقعنا المعاش؟ أم أنّ هذا الصخب والضجيج الذي يملأ الفضاء قد حال دون ذلك؟

إنه وعلى الرّغم من الحكم العظيمة، والعِبر الرائعة، والدروس القيمة التي تحملها الأمثال الشّعبيّة، والتي تعكس خلاصة تجارب من سبقنا على أرض الواقع، إلا أنّها وللأسف الشديد أصبحت اليوم في محدودية ظاهرة، وفي وضعية خطرة، تتهددها عوامل كثيرة لانتزاعها أو محوها أو حتى إلغائها أوموتها. لقد أصبحت تندثر شيئًا فشيئًا وأصبح استخدامها لا يتعدى بحدود الاستدلال بها في محاولات الاقناع في مجالات ضيقة، أما العمل بها فقد أصبح شبه معدوم لأنها صارت في غياهب النسيان ولا تذكر إلا في مناسبات محدودة وعلى نطاق ضيق، مع أنّها مهمة للغاية ليس لشئ إنما لأنها تساعدنا على مواجهة تقلبات ظروف الحياة بالاستناد على تجارب سابقة. ولا شك ولا ريب إنّ تنوع وسائل التّواصل الاجتماعيّ في عصرنا الحاضر، ومزاحمة الوسائل الإلكترونيّة جعل من المقارنة أو حتى مقاربة هذا الموضوع أمرًا صعبًا لا بل قد يكون مستحيلاً غير أنّه يمكننا القياس على بعض الحالات التي نجد فيها تشابهًا وحلقات وصل بين المواقف والظروف بدرجة نسبية معقولة. هذا ولا بد هنا أن نشير إالى نقطة مهمة تتمثل في ارتفاع نسبة الجهل بمعاني هذه الأمثال القديمة فنجد أنهم يذكرونها ببغائيًا من دون فهم لها ما يؤدي بهم إلى استخدامها بشكل خاطئ، وفي غير أماكنها.

إنّها الثّورة المعلوماتيّة التي أفقدت هذه الأمثال الشّعبيّة جزءًا كبيرًا من قيمتها، وأطفأت جزءًا مهمًّا من وهجها فالوقت يمرّ والزّمن يختلف ومعه يضعف صدى هذه الأمثال في مسامع النّاس مع دخولهم دوامة الحياة ومتطلباتها الصعبة. إنني أرى أن البعض يسعى لطمثها وإخفائها أو الابتعاد منها لأنه اندمج مع الثقافة الحديثة المتموضة التي وبمفهوم البعض تنكر القديم وتنتقده وتعدُّه غير لائق بحداثتهم وإن صح التعبير البرستيج، أيّ الدخول في المظهر الذي لا يخدع أحد بقدر خداع صاحبه الذي يعيش بسطحية وبذهنية لا ترى إلا ما يظهر أمامها من دون تعب أو حتى محاولة بذل الجهد للتحقق، وهذا مع الأسف يضعف شخصيتنا ويزعزع ثقتنا بتاريخنا وتراثنا، واعتقاد البعض الخاطئ أن كل جديد هو لافت  ولو حق لي أن أستخدم هنا مثالًا شائعًا لأختم ” ليس كل ما يلمع ذهبًا ” وبمثل آخر ” إلي ما إلو قديم ما إلو جديد”.

             الفصل الثاني

الطرائف الشّعبيّة: حاضنة رقي الإنسانية

الضحك مظهر من أرقى المظاهر الإنسانية

الضّحك يعدّ شكلاً من أشكال التّعبير عن الفرح أو السّعادة، وهو ميزة خصّها الله سبحانه بالإنسان دون الحيوان، وآثاره تظهر خارجيًّا على الإنسان، وهي تعدُّ جزءًا من السّلوك الإنسانيّ الذي ينظّمه المخّ، كما أنّه يساعد على إيضاح النوايا، ويزيد من انسجام الإنسان وتفاعله مع الذين يشاركونه في العيش، وهو مظهر من المظاهر الثقة بالنفس، والاعتداد بها، فضلًا عن فوائده التي تعدد بالنّفع على الذّات وعلى حاجتها إلى أوقات تجلو الصدور فيها، كما يجلو الصدأ عن المعادن.

الضّحك إشارة إلى قبول الإنسان لتجاوز مخاطر الحياة وصعوباتها، تجاوز المحن الشاملة، كما أنّه يساعد في التّخلص من بعض المشاعر السلبيّة، كالغضب، والشّعور بالذنب، ويجعلنا أكثر قدرة على التعامل مع المشكلات، فالضاحك يُحدث أصواتًا يُدافع بها عن نفسه، ويحاول أن يقهر ضعفه، ويتفوق على خصومه، بعيدًا من السوداوية والقلق وغيرهما من الاضطرابات النفسيّة، فالضحك ستار يحتمي به  الضاحك، وخروج مهذب من الميدان.

الضحك عاطفة شعوريّة إيجابية تتبلور بتواصله مع الآخرين ومشاركته لهم، فهو العلاقة التي تشير إلى وجود الإنسان في المجموعة الاجتماعيّة، وقد يكون في بعض الأحيان ظاهرة مُعدية أي أنّ ضحك شخص قد يحفز على ضحك الآخرين من حوله، كما عبر “فرويد”: “الضحك ظاهرة، وظيفتها إطلاق الطاقة النفسية”(9).

وهو كما أشار مارتنسون*: “الضحك هو الاستجابة للإدراك الذي يُقر بأن الكينونة الاجتماعيّة ليست شيئًا حقيقيًا”.

الضحك لغة إنسانية تشترك بها كلّ الأجناس البشريّة، على اختلاف أجناسهم، أديانهم، وحتى لغاتهم فإن كان اختلاف اللّغات يحول عادةً دون التفاهم بين بني الإنسان، فإنّ الضحك هو اللّغة الوحيدة المشتركة بين بني البشر، وهو الّذي وُلد قبل أن تولد اللّغات واللّهجات، وسيبقى حتى ولو انقرضت اللّغات واللّهجات، وعليه فالضحك أفضل لغة للتبادل، والتّواصل، والتّفاهم بين الناس على اتساع جغرافيّة هذا العالم.

الضحك جواز سفر بين قلوب الناس جميعًا، وهو العملة المتداولة بين كل الشعوب تقرّب المسافات، ووجهات النّظر، وأكثر أقول تقرّب العقول أيضًا، هذا والضحك أحد العناصر الأساسية في حيويّة الإنسان ونشاطه، ولا نبالغ إن قلنا إنّ الضحك هو المعبر البريء إلى الّنفوس المتعبة، الموجوعة، فهو نوع من أنواع العطاء والصدقة والكرم، كما عبر “النبي محمد (ص)”: “تبسمك في وجه أخيك صدقة”(10).

وأخيرًا،أقول إن الضحك أخلاق لعنوان إنسانيّة الإنسان، ومظهر من مظاهر رقيه، ودرجة عالية يرتقيها من هذب النفس وأبعدها عن الهوى، وسار على طريق قويم، مستقيم فهو كما قال” جون موريال: ” الضحك الإنسانيّ له أصوله البيولوجيّة كنوع من أنواع التعبير”(11).

الضحك ضرورة فطريّة، وواجب أخلاقي

كلنا يسمع بالقول “اضحك تضحك لك الدنيا”، فالضحك، ردّ فعل طبيعيّ للإنسان السليم، وسيلة عفويّة، فطري يولد مع الإنسان، وهذا ما أثبته العلم بأن يُرجع العلماء الضحك إلى عوامل جينية، فالطفل الرضيع لديه القدرة على الضحك قبل أن يبدأ في تعلم الكلام، حتى الطفل الأصمّ أو الأعمى يحتفظ بقدرته على الضحك, هذا فضلاً عن أثر هذا الضحك عند الطفل على الأهل والأقارب كأبسط وسيلة من وسائل التواصل البشري. * هاري مارتنسون، Harrey martinson  بالسويدية، بحار وكاتب وشاعر سويدي.

“نحن نضحك على من هم أقل منا وعلى القبحاء من الأشخاص، والفرح يأتينا من الشعور بأننا طبقة أعلى منهم”(12) هذا بحسب تعبير فيلسوف اليونان “أرسطو”، وقد أشار سقراط بأنّ “السخريّة تنبع من تجاهل الذات”(13) وطبعًا للضحك أسبابه وهي كثيرة ومتعددة، وهذا لا يعني أنّ الضحك هو السخريّة والاستهزاء، ولا جرح لكرامة الآخرين، أو حتّى النيل من شخصيّاتهم، بل هو على العكس من ذلك تمامًا، إنّه يعني المزاح المحبب إلى النّفوس، والدُّعابة البريئة الهادفة إلى إدخال السّرور والفرح إلى قلوبهم، كما يُبعد الضّجر والسّأْم عن الإنسان. “الابتسامة واجب اجتماعي”(14)، كما أشار “ستيفان جزيل Stephane Gsell ” وقال “ستيورات”*: “ما تُريد نيله بالإرهاب يسهل عليك بالابتسام”، وإنّ كانت الابتسامة واجبًا اجتماعيًّا برأي العلماء، فهي واجب إنسانيّ، لا بل واجب أخلاقي يفرضه المنطق، ويُوجبه دين السماء، فما أجمل قول “النبي محمد” (ص) في هذا الشأن “لا تحقرنّ من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق”، فواحدنا عندما يرى الابتسامة في الوجه الجميل، يبادر غالباً إلى تسبيح الله، أمّا إن رأينا التجهُّم والعبوس، فإننا نشعر بالضيق ونتخذ موقفاً إن لم يكن عدائياً، فهو على الأقل موقفاً حذراً وليس أصدق من قول الشاعر في هذا السياق:

وإن كان الكريمُ عبوس وجه           فما أحلى البشاشة في البخيل*

الضحك استراحة الإنسان من حين لآخر، استراحة قصيرة تعطينا الطّاقة، وتدعونا إلى التّفكر والتّأمل، ثمّ أخذ العبر والدروس، والعودة للأقدم من جديد بقوة وعزيمة، وذلك لأنّ الضحك رياضة، وهو عملية رياضيّة لكثير من أعضاء الجسم، ولا سيما القلب وعضلات الوجه وبشرته على وجه الخصوص. هذا فضلاً عن أنّه يُنسي الهموم، ويطيل العمر، هذه حقيقة يؤكدها “الإمام علي” بقوله:” الهمّ نصفُ الهرم”، وفي قول آخر يقول الإمام “من كانت فيه دّعابة فقد برئ من الكبر”.

الضحك نظرة إنسانيّة فلسفيّة إلى الوجود، وهذه الفلسفة نتلمس أبعادها في أدب وسيرة كبار أعلام الضحك، والطّرائف الشّعبيّة كالجاحظ مع بخلائه وجحا ونوادره، وموليير، وبرنارد شو و… وغيرهم، فالضّحك ضرورة للإنسان منذ ولادته وحتى آخر أنفاسه، وهو واجب كشعاع من أشعة النّور، يزيح الظلمة ويُبعد الليل، يربط الخير بالقادم، وينزع شرارة التشاؤم ويمنع اليأس الذي يؤدي حتمًا إلى الفشل والمرض، ثمّ الموت أحيانًا، يدفع للخير ويرغب بالسير، يُزيل الملل ويضيء الأمل، يرسم الحياة بالتفاؤل الذي يعطي القدرة على تحقيق الإنجازات. وأخيرًا أختم بالقول إنّ الضحك آية من آيات الله تعالى، ونعمة عظيمة أكرمنا بها الله عن غيرنا من الكائنات، تعزز مناعتنا وتزيد من سعادتنا، وتساهم في عيشنا بسلام وأمن وطمأنينة.

الخاتمة

إذا كان تراث الأمة من أهم أركانها ودعائمها، فإنّ الأدب الشّعبيّ بما يجمع من عناوين وموضوعات من أهم ما في هذا التراث. وبشكل خاص الأمثال الشّعبيّة التي تؤلف الجزء الأهم من هذا الأدب، إضافة إلى الطرائف التي تضفي جماليّة المتعة وتدُخل السّرور والفرحة وتدفع إلى الحياة بإقبال ورغبة.

* جون ستيوراتو فيلسوف وإقتصادي بريطاني ، عاش بعيداً عن تأثير التيارات الرومانتيكية الجديدة.

*أحد الشعراء القدامى.

بعد هذه الجولة الخاطفة في صفحة من صفحات تراثنا الأصيل، متمثلة بدراسة جزء من أدبنا الشّعبيّ العريق،  كان لازمًا عليّ وهو لزام كل باحث غيور على أمته ومجتمعه، التفكير مليًّا في مصير هذا التّراث الأصيل والأدب العريق الذي بدأ بالاندثار شيئًا فشيئًا، وبدأت ملامح صورته تتغير، في عصر طغت فيه الثّورة التكنولوجيّة على حساب الأصالة وعلى حساب العفوية والفطرة السليمة.

هذا وقد توصلت إلى نتائج لم أكن أدركها من قبل، وقد حاولت أن أرسخ بعض معالم تراثنا الأدبي الشّعبيّ؛ من خلال كشف الستارة عن صفحة من صفحاته، عليّ أكون قدّ ساهمت في الحفاظ عليه لأبنائنا والأجيال القادمة، والتي ستكون بأمس الحاجة إليه كما نحن احتاجناه لنحقق ذاتنا ونحافظ على كياننا ونعرف شخصيتنا، فنثبت وجودنا وكياننا.

إنّها الحاجة المُلحة فينا إالى التّعبير بألسنتنا وبلغتنا عن مكنوناتنا ورغباتنا بطريقة بسيطة، سلسة، نقول أمثالاً إذا ما استدعى الأمر ورأينا الموقف يستدعي حضور المثل، أو أن نحكي حكاية نهرب فيها من واقع مرّ يكبلنا، وقد نستحضر نكتًا وطرائف تضحكنا فنزيح بأصواتنا تلك الغمامات السّود التي تقبع على صدورنا، وتمنع من قدوم فرحنا، ما يؤدي إلى إحباطنا وتعاستنا. إنّ هذا الزخم الثقافي والكمّ المعرفي الّذي يثمن خزانة أدبنا، ويثقل قيمة تراثنا، لا نستطيع أن نلغيه أو نستغني عنه لأنه يسري فينا وفي دمنا، ويعيش في تفاصيل حياتنا، فنشربه مع الماء العذب ونأكله مع طعام لذيذ نتمتع بطعمه ونستلذ بهضمه ونتقوى به في بقائنا.

ويبقى السؤال الأخير: هل آن الآوان لتنزع كلّ هذا الغبار عن ماضينا، وعن هذا التراث الأدبي، فنعطيه مكانته ونرجعه إلى عرشه، ليرجعنا إلى حضارتنا ورقينا، فنسارع الخطى إلى جمعه لنحمل هذا المشعل ونحافظ عليه مضيئًا كي ننير به الدّروب التي نخشى أن تصبح مظلمة، موحشة بغيابه، ونتدارك ما استطعنا من أوضاع فننقذ ما تبقى من جواهر كي لا يحضر إلينا ما نخشاه.

مصادر ومراجع

  • ابن منظور، لسان العرب.
  • د. حلمي بدير، “أثر الأدب الشّعبيّ في الأدب الحديث”، دار الوفاء للطباعة والنشر، 2002م.، ط2، ص30.
  • السيوطي، “المزهر في علوم اللّغة”، تحقيق جاد المولى وإبراهيم بجاوي،مطبعة بابي الحلبي، القاهرة، لا.ت.،ج1، ص486.
  • عبد الرازق رحم، “الأمثال العاميّة اللبنانية وأثرها في المجتمع” أطروحة دكتواره، جامعة القديس يوسف، بيروت1982م. ص15، الهامش2.
  • د.نبيلة إبراهيم،”أشكال التعبير في الأدب الشّعبيّ”، دار الغريب للطباعة والنشر والتوزيع، ط3، ص174.
  • د.رحاب عكاوي، “لآلي المثال”، دار الفكر للنشر والتوزيع، ط.1، 2003م. مقدمة الكتاب.
  • عن القلقشندي، “صبح الأعشى في كتابة الإنشا”، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1913م.،ج1، ص296.
  • د.إميل صّراف، “الأمثال الشّعبيّة اللبنانية”، منشورات جرّوس- برس، ص17.
  • سيغموند فرويد، “مدخل إلى التحليل النفسي”، 1917م.
  • من أقوال النبي الأكرم محمد(ص) في سنن الترمزي، ج2، ص.213.
  • جون موريال,”الكوميديا والتراجيديا والدين”.
  • من أقوال فيلسوف اليونان أرسطو طاليس.
  • من أقوال فيلسوف اليونان سقراط.
  • من أقوال ستيفان جزيل،عالم وفيلسوف فرنسي.

أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية كليّة الآداب والعلوم الإنسانية – قسم اللغة العربيّة. -[1]

[2]– علم دراسة الإنسان، ودراسة ثقافته وتحليلها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.