التّيمات المهيمنة على القصة العمانيّة القصيرة محمد عيد ومحمود الرّحبيّ ومحمد الزّرافيّ نموذجًا

0

التّيمات المهيمنة على القصة العمانيّة القصيرة محمد عيد ومحمود الرّحبيّ ومحمد الزّرافيّ نموذجًا

مقاربة ريشارية

د.انشراح سعدي([1])

لا يمكن للمطّلع على القصّة القصيرة العمانيّة أن ينكر أنّها باتت تفرض نفسها على واقع الحركة الأدبيّة العربيّة، بعد أن تحرر القاص العمانيّ من إعادة الأشكال السرديّة التّقليديّة واتجاهه نحو الحداثة المتجليّة في جملة من المجاميع القصصيّة المتنوعة التي سأتناول منها في دراستي: قوس قزح لمحمد عيد العريميّ وحديقة السّهو لمحمود الرّحبيّ وصندوق الأحلام لمحمد الزّرافيّ، ولم يكن اختياري لهذه المجاميع القصصيّة اعتباطيًا وإنّما لتقاطع التّيمات المكوّنة والمهيمنة على هذه النّصوص القصصيّة.

وسأعتمد في بحثي على مقاربة جون بيار ريشار المهتمّ بالحافز الدّافع بالعمليّة الإبداعيّة إلى التّقدم نحو الأمام عبر تعديلات شفرتها البدئيّة، ومراعاة مبدأ القرابة السّرّيّة الجامع بينها، وقد أشار ريشار إلى ذلك في مقارنته بين “غارسيا لوركا” و”ألفرد دوفيني”، في معرض إبرازه الفروقات بين الفكرة الرئيسة والجذر (الموضوعاتيّة)*؛ إذ يرى أنّ “الحشرة فكرة رئيسة عند لوركا، وباستطاعة النّاقد أن يرسم حدود مضمونها ودلالتها. أما الجذر فهو التّنويعات الضمنيّة لها، مثل: الحرير والشّرنقة والطبيعة ورموز المواسم والعطاء والزّمن المتجدّد والمتآكل. والطير فكرة رئيسة عند “ألفرد دوفيني”، ولكن مشتقاتها مثل الإنسان العاشق والهائم والنّازف، تشكل جذورًا لوحدة دلاليّة تشير إلى عقدة أوديبيّة تتحكم في الشّاعر”([1]).

تجدر الإشارة إلى أن جون بيار ريشار قد تحدث عن جملة من المفاهيم سنعرج عليها وتتمثل في: مبدأ الاستمرارية أو مبدأ التّمفصل المستمرّ والقرابة السّرّيّة، والحلوليّة، والقراءة المجهريّة، فمبدأ الاستمراريّة يعني الإمكانيّة الثّابتة لتبديل وحدة بمجموعة من الوحدات، تحمل القدرة على أسر المعنى، وخيبة الأمل في هذا الأسر؛ لأنّ المعنى يفلت منا على الدّوام. فالمعنى لا يمكن أن يكتمل لأنّه منفتح دوما على وجوه أخرى للموضوع. وبهذا يأخذ التفكك معنى إيجابيا يتمثل في قدرة المعنى على أن يصنع نفسه باستمرار”([2]).

أمّا مفهوم القرابة السّرّيّة فهي حسب جون بيار ريشار “مبدأ تنظيمي محسوس، أو ديناميكية داخلية، أو شيء ثابت يسمح للعالم حوله بالتّشكل والامتداد. و النّقطة المهمّة في هذا المبدأ تكمن في القرابة السّرّيّة، في ذلك التّطابق الخفيّ، والذي يراد الكشف عنه عبر أستار عديدة”([3]) ويعدُّ جون بيار ريشار أنّنا لا نستطيع أن نفصل بين التّجارب المختلفة للفرد الواحد، إذ تربط ببعضها وإن بدا الانفصال سمة بارزة لها، فيقول: “لا يمكن القول بوجود انفصال في التّجارب المتنوعة للفرد، سواء تعلق الأمر بالحبّ أو بالذكرى، أو بالحياة العاطفيّة أوالحياة الفكريّة. وإن بدت الحقول أكثر انفصالًا عن بعضها بعضًا، إلا أنّها تضم بداخلها الأشكال نفسها”([4]). وهنا لا تفوتنا الإشارة إلى عمل جون بيار ريشار التّطبيقيّ حين جمع كل التّناقضات الحميمة في عالم مالارمي ورسم منها عالمًا مالارميًا ساحرًا ومنسجمًا” لقد أدرك مالارميّ المشكّل بشكل جيد. فالعثور على الجذر كما يقول لنا هو: (تبيان لعديد من كلمات لغة ما بتشريحها واختزالها إلى عظمها، وإلى أوتارها وردّها إلى حياتها العادية، إذ أردنا أن نعرف القرابة السّرّيّة فيما بينها). ولا وجود لأيّة بنية قرابة من دون هذا التّشريح وهذا الإرجاع إلى الحياة العادية، أي لا وجود لبنية داخلية للصوت. علينا إعادة إنتاج نفس الظاهرة في القصيدة نفسها”([5]). ومن أجل الوصول إلى القرابة السّرّيّة بين النّصوص يدعو جون بيار ريشار إلى الحلوليّة، إذ ينكر ما يسميه بالمغالطة المتمثلة في كون موقع الأديب خارج نصه وإنّما يدعو النّاقد إلى الحلول في النّص لملامسة الكاتب نفسه فنجده يقول: “أين يوجد الكاتب حقًا، وفي أوفر حقيقته إذا لم يوجد في المجموع الكليّ الملموس لكتبه؟ ففيه يتذوّق ويبدع، وفيه يتوجب البحث عنه بادئ ذي بدء”([6])، وفي هذه الحالة يميّز بين شخصية المؤلف الحقيقيّة التي لا تعنيه البتة وبين تلك الصورة الضمنيّة له في العمل الفنيّ والتي يطالب النّاقد بالتّماهي معها والحلول فيها. ومن أجل أن تتحقق الحلوليّة في النّص “لا بدّ لمن يتوخى انتهاج هذه الطريقة من أن تتوفر فيه بعض الخصوصيّات المتوازيّة. ومن هذه الخصوصيّات القدرة على التّعاطف مع العمل الأدبيّ. فالمعنى لا يمكن تنشيطه إلا إذا تمثله النّاقد وعاشه من جديد. ولكنه لا بد لهذا التّعاطف أن يبقى منضبطًا، لأنّ ذلك وحده يلجم هذيان الإسقاط الذاتي”([7]). وللمقاربة الموضوعاتيّة وجه آخر هو القراءة المجهريّة التي يقول بصددها جون بيار ريشار: “لقد بدا لنا النقد على غرار الدّرب التي تذرعها الخطى، لا على غرار المحطة أو النّظر. فهو يتقدم بين المشاهد، وفي تقدمه يفتح الأبعاد ويفرشها ويطويها. وخشية السّقوط في اللامعنى، أو خشية السقوط في حرفية النّص، يتوجب عليه أن يتقدم باستمرار؛ أنّ يعدد زوايا الرؤية، أن يعدد اللقطات. وكالجبليين في بعض المعابر الوعرة، فإنّ النقد لا يتجنب السقوط إلا باستمرار اندفاعته. ففي سكونه يسقط في التّكرار والمجانيّة”([8])، فالبراعة هنا هي الولوج الى خبايا النّص ومغاليقه وفكّها، إنّ القراءة لم تعد جريًا ولا تحليقًا، إنّها على العكس من ذلك تمامًا. فهي تعتمد على الإلحاح، وإطالة النّظر. إنّها تثق في الجزء، في بذرة النّص، فتقوم بتضييق مساحة تربتها حتى تقبض عليها([9]). فالقراءة عند جون بيار ريشار تكون مجهريّة بتبئير أصغر وحدة في النّص والنّظر في كيفية إنتاج هذه الوحدة للمعنى بتضافرها مع وحدات مجهريّة أخرى عن طريق مسح النّص مسحًا أفقيًا وعموديًا. إن مسح النّص الابداعي أفقيًا وعموديًا سيمكننا من الولوج إلى خبايا النّصوص القصصيّة المدروسة، والوقوف على تيماتها المسيطرة على النّصوص على الرّغم من الاختلاف الظاهر بينها، إلا أنّ هذا المسح سيمكننا من الوقوف على القرابة السّرّيّة، ونبدأ بمجموعة محمد عيد العريميّ الموسومة “قوس قزح”([10]) إذ ضمّت تيمات زاوجت بين الظلم والفقر والاضطهاد والرّفض ولم تكن هذه التّيمات إلا تيمات صغرى مهّدت لتيمة كبرى شكلت جوهر العمل المقسم إلى ثلاث مجاميع قصصيّة: قوس قزح، حكايات حارتنا، قراءة في دفتر منسيّ.

1-تيمة التّمرد في قوس قزح لمحمد عيد العريميّ:

لا عجب أن تهيمن تيمة التّمرد على مجموعة قصصيّة عنون الكاتب نصّها الأول بـ”لا!”، نص لا يرتبط بواقع اجتماعيّ معين أو ببلد محدد، فالعريميّ لم يحدّد مكانًا لقصته وإن أثّثه بشكل يوحي بمعرفة القارئ له حتى بتعدّد القراءات واختلافها، لاسيما أنّنا لم نعد ننظر للنّص كبناء لفظيّ بل كبناء دلاليّ متجدد ولا منتهي التأويل، “إنّ الجميع بدأوا ينظرون إلى أنّ النّص غير منجز، مادامت قراءته متواصلة، بل إنّه في دلالته يتضاغف مثل المتوالية الرّياضيّة، تبعًا لتعدد القراءات”([11])، ولن نفهم النّص إلا بتقابل أفقين، أفق النّص الذي أودع فيه ذاكرته الوجودية عن الماضي، وأفق القارئ الذي يريد فتحه على المستقبل.([12]) وقد تناول العريميّ في قصته “لا”، مسألة الوساطة من أجل الحصول على وظيفة، وإن كان هذا الموضوع مهمًّا، فإنّه يُعد فرعيًا حين يتعلق الأمر بالكرامة التي ينتفض المرء من أجلها ويتمرد، فهو يحفر باحثًا عن المضمر، ذلك أنّها قصة رجل اضطرته الحاجة للشغل إلى طرق مكتب شخص ربطته به ذكريات تفتقت ألما بمجرد ولوجه باب مكتبه؛ وقد تظاهر بأنّه لا يعرفه وراح يطرح الأسئلة والآخر يجيب على تأكده من معرفته الإجابات سلفا، وهو الذي يعرف عنه أكثر ما يعرف هو عن نفسه. صوّر العريميّ بشاعة الوسيط الذي يأخذ عمولة عن الرّاتب لمدة سنة كاملة، ولم تكن الورقة المطلوب أن يوقع أدناها، إلا بوابة جديدة لذكريات بطل أعادته لزمنّ ماضّ، لزّمن أرّخ فيه للتّمرد حين يتعلق الأمر بالعيش بكرامة ” وبدل الانشغال بتلك الورقة، تذكرت ورقة أخرى كنت على وشك توقيعها، ذات يوم مرغمًا بيد ترتعش، ثمنًا للإفراج عني، والتي تمنيت، حينئذ، لوكان بوسعي إضرام النّار فيها، وفي من حاول إجباريّ على توقيعيها… هو ما غيره: مأمور السّجن، أتعهّد فيها أن أكون مواطنًا صالحًا: لا يرى… لا يتكلم… لا يسمع. وأعفي فيها إدارة السجن من أية مسؤوليّة عما أصاب جسديّ ونفسيّ نتيجة حبس انفراديّ استمر ثلاثة أشهر… تعرضت خلالها لأشدّ أنواع التعذيب الجسدي والنّفسي بطشًا لا لشيء غير أنّي تجرأت وقلت لا”([13]). هذا المقطع السّرديّ يكشف لنا تمرد البطل على الظّلم حتى وهو يمرّ بأصعب الأيام في السّجن، وعلى الرغم من أنّ أنواع السّجن كثيرة ومتعددة، فإنّ التّمرد عليها هو مبدأ بطل العريميّ، فسجن العوز والحاجة ليس أقل من الاعتقال بسبب موقف سياسيّ، ولكنّه لم يكن ليؤثر في هذا البطل المتمرد على الرّغم تغير الزّمان والمكان والظروف. يتشكّل وعي الذّات المبدعة من خلال الحالات الاجتماعيّة التي رصدها في مجموعته القصصيّة “قوس قزح”، وكثيرًا ما نجد أنفسنا ونحن نقرأ محمد عيد العريميّ أمام معنى ظاهر يقودنا للتنقيب عن معنى خفيّ، فالمعنى موجود ولكنه لا يكتمل ولا يستقيم إلا إذا أيقظناه من سباته العميق، والدّليل على ذلك نصّه القصصيّ الموسوم “مملكة الصفيح”؛ ففيه بأّر شريحة مجتمعية تعيش في منطقة عشوائية أطلق عليها اسم “المملكة”، وإذّاك يخال للقارئ أنّ العريميّ يريد تعرية مجتمعات هامشيّة تعيش على تخوم المدن، ولكنه يريد في الآن نفسه أن يصل القارئ إلى المعنى الخفيّ ويتمثل في استلاب الإنسان وتشيّوئه جرّاء وضع مقابل ماديّ هزيل لكرامته وتكريس وَهْم الفرديّة. لكن وإن بدت القصة من خلال أحداثها تبحث عن حلّ مشترك للوضعيّة التي وجد جميع سكان مملكة الصفيح أنفسهم فيها، فإنّ الرّضوخ لرغبة الإزالة وعدم تفكير الجماعة في التّمرد على القرار وعدّه جنونًا هو الذي في ردّة فعل أعقب اقتراح اقترحه أحد الحضور قائلًا:”… تتجاهلون الإنذار وكأنه لم يكن، وتعتصمون في اليوم المقرّر لإخلاء المدينة في منازلكم !رفع الاقتراح حرارة الاجتماع. ابتسم من ابتسم… ضحك من ضحك… ودهش من دهش!!”([14]). لم يصرح محمد العريميّ بخوف أهل المملكة عن التّعويضات الماديّة البسيطة التي قد تضيّع عليهم، غير أنّنا نفهمها دلالة؛ فالارتباط بالوطن مقدس، وهاهو العريميّ يستنطق من أسماه مفتول العضلات ” بهذه السّهولة يملّك الوطن؟ !هذه سرقة مشرّعة، والصفار أصغر من أن يدّعي ملكيّة هذه المنطقة .. الأرض تباع وتشترى، لكنّ الوطن لا يملك ولا يورث”([15])، إنّ الأحداث تدور حول سكان حيّ من صفيح أطلقوا عليه اسم مملكة الصفيح، وهنا لا يمكن أن تغيب على القارئ دلالة اقتران المملكة بالصّفيح لا على سبيل السّخرية ولكن على سبيل التشبث بأرض وإن كانت بيوتها من صفيح فهي بالنّسبة إلى سكانها مملكة يتشبثون بها كما يتشبث الملك بكرسيه. هذه المدينة توسعت واكتظت لضمها كل هارب من الفقر والجوع نصب خيمته أوبيته من الخشب والصّفيح وجعلها وطنًا له، إلى أن جاء قرار إخلاء المكان بوصفها أرضًا مملوكة، فعمّ الأسى والكآبة سكان المدينة، واجتمعوا بعد صلاة العصر لمناقشة الأمر ولإيجاد حلّ، إلى أن رفع المؤذن أذان صلاة المغرب من دون الوصول إلى مخرج، “ثلاثون عامًا مضت: حين غدت ملاذاً آمنا لكل من يبحث عن “شبر” أرض ينصب عليه خيماته أو يمدّ بساطه تحت ظل ألواح من الصّفيح أو الأخشاب جمعوها من أكوام نفايات ومخلفات بناء. لجأوا إليها هربًا من الموت جوعًا… جاءوا من أماكن بعضها معروف، وبعضها لم يسمع به قط .. أماكن تتساوى فيها فرص الحياة والموت”([16])، “ثلاثون عامًا وصدرها مفتوح للغرباء والفقراء ولمن وضعوا في قائمة “الصفيح” يتكاثرون… تخمة في العدد، وشحّ في أسباب الحياة”([17])، هذا المقطع القصصيّ لم يتقاطع مع أسماه جان بيير ريشار بالقرابة اللغويّة، غير أنّه يدخل في إطار القرابة السّرّيّة، الأولى تدخل في إطار التّواتر اللفظيّ، والثّانية تدخل في إطار التّواتر المعنويّ، فالتّيمة المتكررة في النّصين السابقين هي تيمة التّمرد على السّلطة على اختلافها، إذ إنّ تمرد البطل على السّلطة السّياسية في السّجن وعلى سلطة المنصب خارجه في القصّة الأولى “لا”، وتمرد البّطل على سلطة المال التي أرادات أن تشتريّ الوطن في مملكة الصّفيح، كلاهما يلتقيان في مسألة رفض تشيؤ الإنسان.

1- 1 وعيّ الوعيّ وتمرّد الطفولة في “حي الله المبروكّ”

لايزال محمد العريميّ يرسم تيمته الكبرى، تيمة التّمرد في نصّه المعنون “حي الله المبروك”، عن طريق تيمَتيّ الظّلم والقلق، ظلم الوالد لابنه عوفيت، وقلق عوفيت وشكّه في نسبه لأبيه، إذ تدور أحداث هذه القصّة حول فتى اسمه “عوفيت”، الفتى الذي ينعته أبوه بلقب “ابن سعدية” منذ اللحظة الأولى لولادته سواء أكان غاضبًا منه أم راضيًا عنه، وهو اللقب الذي لم يتقبّله عوفيت بعد أن جعله مثار سخرية إخوته وكل المحيطين به، “كان يناديني “ابن السّعديّة” ويتعمدّه… سواء أكان غاضبًا مني أو أراد توبيخي أم راضيًا عني وطلب منّي إحضار إبريق الغسيل وسكب الماء على يديه وفركهما باللومي والتّراب بعد تناول الطعام”([18]). بنى محمد عيد العريميّ تيمته الكبرى في هذا النّص القصصيّ من خلال إدراك الطفل “عوفيت” ضرورة مناداته باسمه الذي سُميّ به عند ولادته، ورفضه أن يكنى دونًا عن إخوته بابن السّعديّة على تعلقه الشديد بأمه. وهنا يبرع محمد عيد العريميّ في بناء تيمة القلق الطفوليّ عند ابن السّعديّة، قلق يحوّل الإدراك إلى وعيّ ويحول الوعيّ إلى تمرد على سلطة الأب، بل يكسر هذه السّلطة المركزيّة ويجعل الطفل الهامش مركزًا، يقول عوفيت: “… تؤكد لي أنّي فعلًا “ابن أبي”، ويتجلى ذلك في شفتي السُّفلى التي بدأت أجد صعوبة – بمرور الأيام – في ابقائها مضمومة إلى شقيقتها العليا!”([19])، ها هو القلق يُدخل الطفل في حوار مع الذات ليقينه أن لا رسالة مضمرة في مناداة أبيه له بابن السّعديّة، ولكن هذا القلق عند عوفيت سرعان ما يتحول إلى تمرّد على سلطة الأب ويظهر ذلك حين ردّ على الموظف أثناء تسجيله مع التّلاميذ الجدد في المدرسة “نظر إليّ ثم إلى الموظف…. مسد شاربه ولحيته بطرف أصابعه. ابتسم فخورًا بجرأتي، وما خطر له على بال أن ردّي التالي سيقلب ابتسامته رأسًا على عقب، فعندما سأل الموظف: ابن من؟ أجبت وأنا أنظر إلى أبي لا إلى الرجل، وأزيد عمدًا تدلي شفتي السفلية “عوفيت بن سعدية”، فهوى كفّه على وجهي بسرعة فاقت تلك التي قطعتها إجابتي إلى أذن موظف المدرسة”([20]). ولأنّ عوفيت على وعي تام بضرورة أن يناديه والده باسمه، عدّ ألم الصفعة الذي لازمه لأكثر من يوم هيّنًا طالما نجح في منع والده من مناداته بابن السّعديّة لعدة أيام.

رفع العريميّ سقف تمرد البطل الطفل ليؤكد للقارئ أن تحقيق الأهداف لا يحتاج إلى وعيّ بل إلى وعيّ بالوعيّ، وهاهو عوفيت يخالف أوامر أمّه التي يحبّ لأوّل مرّة، ليوصل رسالته لأبيه بشكّل آخر من أشكال التمرد “… رفضت حمل كرمة اللبن، وعزّزت موقفيّ برفض الذّهاب للوقوف على رأس أبي… روتين يومي مقدّس لا أحد يجرؤ على التّغيب عنه!”([21]) فبكسره لطقس يومي وصفه العريميّ بالمقدس، أفهم والده رفضه المطلق لابن السّعديّة، ولكن من دون جدوى…

“… لا أدري كيف واتتني الشّجاعة – دون نية مبيتة – وبالذّات وفي ذلك الوقت من طقوس الأسرة اليوميّة حين نجتمع بعد العشاء لمتابعة المسلسل العربيّ اليوميّ أمام شاشة التلفزيون، فقد طلب أبي منّي- أنا بالذّات – رفع صوت الجهاز، ولم يفته أن يدعوني ابن السّعديّة، على الرّغم من أنّي كنت أبعدهم عن الجهاز، وكنت أقلّهم حرصًا على متابعة المسلسل. نهضت وتقدمت. لكن لم أرفع صوت الجهاز، وإنما كتمته…كتمته بسرعة بسرعة وقوة ! ووقفت مشدود القامة أمام عيون تكاد تفلت من محاجرها، وأفواه فارغة فتحت على آخرها من الدّهشة ثم قلت، بعد أن تركت عينيّ تتوغل في عينيه، بصوت عال، ومن غير أن يطرف لي جفن “إذا كنت أنا ابن سعدية، وهذه حقيقة، فإنّ الحقيقة الأخرى هي أنك زوج سعدية والله لن أناديك بعد اليوم إلا ـ “زوج سعدية”… ولم أشعر باحترام للنّفس وثقة بها مثلما شعرت بها في تلك اللحظة!”([22])

لعب العريميّ لعبة سرد ذكيّة؛ فالبطل في مملكة الصّفيح، وإن كان بالغًا لم يكفه تمرده لتّغيير الواقع، واقع غيّره عوفيت بالإصرار ليس بالتّمرد، بل بالإصرار على التّمرد وكسر سلطة الأب على مرأى ومسمع كل الأسرة، بعد أن حاول فعل ذلك عدة مرات ” أنزلت يدي وتقدمت نحوه، فضمّني إلى صدره، وبدا لي عطوفًا على نحو لم أشعر به من قبل، فاستلسلمت لحضنه، وأحسست بدفء الأبوة وعرفت معناها…لعلها المرة الأولى في حياتي ! وسمعته يقول “حي الله المبروك” ثم قالها كما تقولها أمي: “تب حي بريحيم”([23])

1-2 سحر الأنثى والتّمرد النّاعم

تهيمن تيمة التّمرد على المجموعة القصصيّة المدروسة، إذ يُلبس العريميّ بطلته سحر ثوب المتمردة النّاعمة على الأعراف والتّقاليد، تمرد المقاومة لظروف اجتماعيّة قاسية اضطرتها لترك مقاعد الدّراسة والتحول إلى خادمة لزوجة أب لعوب تمكنت من إقناع زوجها بضرورة بقائها بالبيت، ثم بضرورة تزويجها من شخص كبير ومزواج، وأحداث القصته المعنونة “سحر” تدور حول فتاة اسمها “سحر” تعاني مرارة ظلم زوج الأب “صدفة”، التي لا تتواني عن إرسالها للمدرسة بوجه مرسومة عليه كف قاسية، وبغرض مقاومة المعاملة القاسية، راحت تنسج قصصا من خيالها وتسردها على زميلاتها اللواتيّ كن لا يصدقن تفننها في إيجاد سبب لهذه الكدمات المتكرّرة، إلى أن جاء اليوم الذي أبقتها في المنزل لتقضيّ النّهار في خدمة “صدفة” زوجة أبيها، واللّيلَ في البكاء على سطح المنزل علّها تروّح عنها مرارة الأيام المتشابهة. ومع مرور الوقت أحبت سحر ابن الجيران حمد ووعدها بالزّواج. فوجدت من الباب الخلفيّ مكانًا للقاء حبيبها كل ليلة، إلى أن عصفت ذات يوم ريح هوجاء أيقظت أباها حمدان، وعلى صوت العيار الناري الذي أطلقه من بندقيته تدافع الجيران وراء بعضهم، وكانت هذه الحادثة ذريعة اتخذتها “صدفة” لتعجيل زواج “سحر” من أحد الذّئاب المعروف بهوسه بالفتيات العذارى بعمر بناته، الذي عجز مع سحر عن أداء مهامه فتمرد جسدها على ذكورته، واستشاطت ذكورته فطلقها.

بنى العريميّ تيمة التّمرد على ثلاث تيمات صغرى هي كالآتي: تيمة الحرمان وتيمة الظلم وتيمة الحزن؛ تجلت تيمة الحرمان في منع سحر من مزاولة دراستها وتسخيرها لخدمة زوجه أبيها “…وإلى أن يأتي” من يطلبها” أقعدتها في البيت وسخرتها لخدمتها …غدت سحر وحيدة .. تترصدها عينا صدفة وتتربص بها شرا .. تسجل كل شاردة وواردة وتفتعل عليها الكذب بمهارة فائقة لا يجاريها غير شيطان ولا تتردد في رفع كفّها كلما أرادت تذكيرها أنّها هي الآمرة النّاهية في البيت، وليلا تفرغ كيدها كله في أذن زوجها حمدان ” ([24]) ، فانجرّ العريميّ تيمته الكبرى داخل مشروع القهر والظلم والحرمان الممارس من زوجات الأبّ على الرّبيبات، مبرزًا معاناة الفتاة اليتيمة اجتماعيًا وثقافيًا في مجتمع تستمد زوجة الأب سلطتها وشرعيتها ووجودها من غياب الأم واستسلام الأبّ للزوجة الجديدة.

إنّ الظلم الممارس على سحر جعلها تدمن البكاء “كانت تعيش نهارها في خدمة البيت وحين يـأوي كل حيّ إلى مكان نومه ليلًا تتسلق سُلم البيت المتهالك إلى السُطح لا لنشر الغسيل كما اعتادت القول لزميلاتها وإنما لغسل حزنها بماء العين… ليلة تلو أخرى ونبع الدّمع لا ينضب حتى تآخت عيناها مع البكاء وأدمنته”([25])، لعلّ قلة حيلتها هي من مهدت للقائها بابن الجيران حمد على سطح المنزل، فتنسى العادات والتّقاليد وتضرب بسلطة الأب وزوجته عرض الحائط، على الرّغم من أخذها بكل أسباب الحيطة كيلا يكتشف أمرها، ولكن حتى هذه الجرأة تعدُّ تمردًا ناعمًا على ظروفها المعيشة، ولم تعان سحر من صدفة فقط وإنما من ظلم أبيها الذي ينصاع كل مرة إلى حديث الوسادة، حين زوّجها بالذيب من دون أن يعطي لها فرصة التعبير عن قبولها أو رفضها “سألها والدها متلعثمًا إن كانت موافقة على الزّواج من الذّيب، الذي سبق هوسه بالزّواج من فتيات عذارى بعمر بناته اسمه، لم ترفع صدفة عينها عن الأرض ولا نطقت كلمة، وحين أعاد الأبّ السؤال واستمر صمتها، جاء الرد من خلفه آمراً، لا يقبل النقاش: السكوت علامة الرضا”([26]).

حين نقرأ نصوص العريميّ القصصيّة في مجموعته “قوس قزح”، نستنتج أنه على تنوع الموضوعات واختلافها، أن القرابة السّرّيّة بين نصوصه قوية وشكلت تيمة تمرد الفرد في المجتمع وإن اختلفت تجلياته في النّص، إلا أنّ الاستمرارية والتّواتر في مختلف النّصوص توصلنا إلى الموضوعة العميقة للكاتب وهي التمرد بكل صيغه وأشكاله.

2- تيمة الذاكرة في حديقة السّهو لمحمود الرّحبيّ

2-1 أثواب جديدة لأحداث قديمة

يكسب محمود الرّحبيّ الأشياء القديمة في مجموعته القصصيّة “مرعى النّجوم” الصادرة سنة 2015 – وهي مجموعة ضمن المجموعات الست الصادرة تحت عنوان “حديقة السهو” عن الجمعية العمانيّة للكتاب- أهمية تصنعها سطوة ذاكرة تلونها حروفًا بهية حين يتقاطع الحلم مع الطفولة، في القصّة القصيرة الموسومة ممرّ العربات ” لم تكن لدينا عربات، بل حمير تركض عارية. ولكن خيالي كان يرسم لي حمار عربة”([27]). يحملنا محمود الرّحبيّ في هذه القصة عبر مجموعة من الصور الحالّة في ذاكرة طفل إلى عوالم سحرية، يعيد من خلالها صناعة أزمنة ماضية وأمكنة زالت إلاّ من ذاكرته، بلغة قصصيّة ناعمة تحمل القارئ على الحلم وتعبّد له الطرقات ليغوص في مشاهد عالقة بذاكرته، “إن الاحتفاظ بصورة الذاكرة نعمة خاصة، وكلّما كانت الانطباعات الأولى التي تبصمها الطبيعة على العقل أقوى، خصوصا عقل الطفل، كلما كانت صورة الذاكرة التي يختزنها الطفل أكثر ثباتا وقوة زادت قدرة الانسان احتمال حياته وفهمها”([28]). ينسج محمود الرّحبيّ نصّه الأوّل “ممر العربات ” من خيوط ثلاث ذاكرات، ذاكرة الطفل التي تتكئ على ذاكرة الأم الممتدة بدورها إلى ذاكرة الجد، فالطّفل والأم والجدّ أضلاع لمثلث واحد اسمه ذاكرة المكانوما الصّور المنقولة لنا إلا محاولة لإعادة لفهم الماضي: أخبرتني أمي أن الله اختاره ليكون بجانب الملائكة في الجنة، وهي من أخبرتني بأنه توجد في الجنة عربات يقودها حمير، مثل تلك العربات التي في زنجبار. لم تر أمي زنجبار ولكن جدي أخبرها بأن الحمير في زنجبار لا تمشي دون أن تجرّ العربات وراءها”([29]). جعل القاص محمد الرّحبيّ للمكان ذاكرة، فجاءت قصته تحمل تفاصيل مكانية اعتمد فيها على الوصف “أهداني جدي حمارًا ما إن حفظت صلواتي. كما أرسلني إلى أحدهم في سوق سرور لكي يغطّي ظهر حماري بخرجين سعفيين. غرف طينيّة وظلال الأشجار كانت دكاكين مفتوحة، وفي غرفة طينيّة بها باب ونافذة علوية… الكبار يعرفونّنا وكأنهم يرون صور آبائنا وأجدادنا في وجوهنا…”( [30]) إنّ محمود الرّحبيّ يتماهى في ذاكرة الطّفل في استظهار تفصيل جزئية من جزئيات حياته الماضية، و”التذكّر هو استظهار شيء تمت معرفته مسبقًا، إنّه مراجعة شيء ما وليس معرفته، إنه يشبه إعادة سرد”([31]). ونحن نقرأ “ممرّ العربات”، نغوص في تفاصيل صور قد تبدو عادية في حياة البشر، ولكن أهمية صور الذّاكرة أو طاقتها الإيجابيّة تكمن في التأثير علينا فيما تضيفه لتجاربنا الحالية،([32]) والرّحبيّ يذكّر القارئ في ظل ما يعيشه في زمننا الحالي، بما كان النّاس عليه أمس القريب، بأن نقل لنا واقعًا مغايرًا لما نحياه كسر من خلاله صور الفوضى العارمة التي تسببت فيها الحداث وما بعد الحداثة. تتضافر التّيمات الصغرى لتؤسس للتيمة الكبرى عند الرّحبيّ، ها هو يصوّر في قصة “الواقف” معاناة المرأة والمريض العاجز، إذ تترابط مجموعة من الجمل المهيمن عليها قانون التّشاكل، لتنتج لنا تيمة العجز المعبّر عنه من خلال ذاكرة الواقف الذي يتأمل الواقفين جالسًا إذ يقول:” في الصباح تدفع أمّي الكرسي ورائي، ثم تتركني لأتهوى، انتهى الحوار بيننا منذ زمن، أو فلنقل إنه اتحد وتحولت الكثير من الألفاظ إلى إشارات محفوظة، حفظنا كل شيء حتى احتقانات وجهينا، حفظت كذلك نظرات الصبر في عيني أمي وقد أعيتها الحيلة في إيقاف صراخي الذي أطلقه في كل مكان. وفي الصباح، بعد أن تحمّمني وتغير ملابسي وتلقمني الإفطار وتسقيني جرعات القهوة، تتركني في الشارع وتذهب لتنهي أعمالها”([33]). يتمعن القاصّ في استذكار الصور المتسلّطة عليه، ونتمعن من خلال مقاربتنا لحدائق سهو الرّحبيّ في تشكيل متحف من الموضوعات والجمل المكونة لتيمة العجز، وفي نص الواقف نجده يقول :” بدأت أعرف من نظرات النّاس أين تذهب أميّ حين تتركني. ولكن عليها هي الأخرى أن تهرب قليلاً. أمي التي ماتت حيّة قبل أوانها. تتحد نظرات الشفقة عليّ بالسّخط لمن يعرفون سيرة أمي. في المساء كذلك تضعني في الشارع. تركها أبي وعمري خمس سنوات بأطراف لا حياة فيها.

  • من سيتزوجني الآن؟ ومن يقبل بي وأنت معي؟
  • لا تعرف أميّ من تلوم وهي توجه نظرات كالحديد ناحيتي. تقترب مني وتحضنني، فنبكي إلى أن يداهمنا النوم”([34]).

إنّ البطل في قصة “الواقف”، يتيم يعاني من شلل كما تشير العبارة أعلاه، ربّته أمّه المتضاعفة مآسيها والمتناسل عجزها، إنها امراة عاجزة عن علاج ابنها وعاجزة عن العيش كامرأة عادية تمارس حياتها ككل النّساء،عاجزة عن الارتباط مرة أخرى، عاجزة عن توفير الرّاحة لابنها المعاق كما ينبغي لشخص مريض مثله، إذ لم تجد إلا الشّارع متنفسًا لها من صراخه، ونلاحظ أن الرّحبيّ يتقن تطويع اللغة السرديّة ليجعلها تتناسل عجزًا إلى آخر القصة، فلم يجعل بطله مقعدًا فحسب بل غير قادر حتى على الكلام، جعله ينظر ويصرخ فقط، بطل لا يقوى حتى على الرّد بلسانه على من يزعجه “وهناك وقفات المعتوهين الذين يتجهون ناحيتي ما إن يرمقوني، وهم يحاولون أن يحركوا الكرسيّ فأصرخ بشدة إلى أن يتدخل المارة ويطردونهم”([35])، إنّ العجز يتناسل في هذا النّص القصصيّ حتى يصل منتهاه.

2-2 الفراغ وسطوة الذاكرة في قصة “في مديح الضجر”

تمكّن محمد الرّحبيّ في نصه الموسوم في مديح الضجر من مجموعته “مرعى النجوم” أن يصوّر حالة الإنسان بعد التّقاعد وكيف يستحيل إلى مجترّ لسنوات مضت يقتات على ذاكرته ليُحي أمجاده. وقد استنطق محمود الرّحبيّ في هذا النّص أربعة أشخاص متقاعدين هم: ضابط الشّرطة، ووكيل وزارة، وخبير حاويات في ميناء مطرح، ومدير دائرة المؤونة في وزارة التجارة، يجتمعون في مقهى السّيب المدّعو مقهى طريق دبي، وهم الّذين تعرفوا على بعضهم بالصّدفة المحضة أثناء ارتيادهم اليومي إلى المقهى بعد التقاعد، خمس سنوات كانت كفيلة بسرد كل القصص والمواقف التي مروا بها في حياتهم، وسماع قصص النّادل الملقّب بالأزرق البارع في سرد بطولات يقتل بها الأبطال ضجرهم. ولأنّ الصّمت كان سيد الموقف في كثير من الأحيان، ابتكر الأربعة ألعابًا ونكتًا وألغازًا لمجاراة الصمت وقتل الفراغ، ويكون الخاسر هو المتكفل بمصاريف السهرة، لكنهم لم يجرؤوا يومًا على الحديث عن عائلاتهم “ورغم العلاقة الطويلة بيننا فإنّ أحدا لا يعرف شيئا عن عائلة الآخر، بل لا يجرؤ حتى على ذكر الأمر ولو من باب المزاح، أكثر ما يمكن تناوله في هذا السياق هو أحداث المسلسلات التلفزيونية التي شاهدنا في الصباح، وهي المعلومة الوحيدة التي تدور عن حياتنا المنزلية قبل لقائنا في المقهى”.([36]) وها هو محمود الرّحبيّ يتفنّن في رسم الفراغ بأبرع وصف حين يختم قصته بهذا المقطع السّرّديّ: “تظل حبة الحمص تقفز بين وجه وآخر إلى أن تستقر في فم أحدنا، وقد يستغرق الأمر وقتًا طويلًا، إذ كثيرًا ما كنا نعتمد قذف الحبة بعيدًا من الهدف المفتوح. فتدور الدّائرة على كل منّا ما بين الفتح والقذف، ومن تقع في فمه حمصة عليه كذلك أن يتكفل بدفع مصاريف السهرة”([37]). لم يختر محمود الرّحبيّ أبطاله بشكل اعتباطيّ؛ فها هو ضابط الشّرطة المتقاعد العاجز على أن يكون فاعلًا في مجتمعه بعد التّقاعد لا يصنع لنفسه قيمة إلا من خلال مرآة الذّاكرة شأنه شأن وكيل وزارة، وخبير الحاويات في ميناء مطرح، ومدير دائرة المؤونة في وزارة، أبطال يقتاتون على الذّاكرة في مقاومة للفراغ المقيت.

2-3 الذّاكرة والحلم في ساعة زوال لمحمود الرّحبيّ

تشغل الذاكرة القاص محمود الرّحبيّ في العديد من النّصوص؛ ففي مجموعته القصصيّة الموسومة “ساعة زوال” الصادرة سنة2011، طفت تيمة الذّاكرة بشكل بارز إذ سرد لنا في نصّه الأوّل الذي اختاره عنوانًا للمجموعة، قصةَ شاب تعطلت سيارته فاستسلم للنوم بداخلها، فجأة سمع طرقًا على زجاج النافذة فنظر فوجد أمامه رجلًا، أدخله الرّجل بيته وأخبره بأنه يحتاجه في أمر. وبعد أن أكرم ضيافته، بدأ يسرد له حكايته، أخبره أنه رجل وحيد، كان يعمل خبازًا في البحرين، وقد عزم على الزّواج، ولأنّه لا توجد فتاة تقبل به في هذا العمر، فإنه وجد فتاة من بين النساء، سجنت بجرم حمل خارج مؤسسة الزّواج، ولحسن حظها توفى الجنين في بطنها، فاتفق مع أبيها أن يتزوجها فوافق الأب على الرّغم من كبر سنه. كانت تتخلل حكايته قصص تبرر زواجه من فتاة في السّجن، كقصة البحر والفتى العاشق، وبعد حيرة وذهول وافق الشاب على مرافقته إلى السجن. عند وصولهما إلى السّجن أخبر الرجل مأمور السّجن عن أمر الشاب، فتعارفا وتبادلا أرقام الهاتف. وعندما زفت العروس إلى زوجها وهمّ الشاب بالمغادرة وجد مفتاحًا معلّقًا عليه ميدالية كتب عليها رقم هاتف، فعمد إلى إدخاله إلى هاتفه فظهر له اسم المأمور، وهو ما جعله يتفطن إلى العلاقة التي تربطه مع الفتاة، لكنه عرف أن الفتاة قررت رمي الماضي وراءها، فاتصل الشّاب بالمأمور وحثّه على نسيان ما كان بينهما وإلاّ نشر فضيحته للعلن، وفي هذه اللحظة، استيقظ الشّاب من الحلم ورأى مفتاحًا معلقًا عليه ميدالية، وتوجه إلى المنزل مباشرة، فتح له شيخ الباب وقال له: ادخل، أحتاجك في أمر. ببراعة معهودة، يبني محمود الرّحبيّ نصه على ذاكرة الشيخ ” لقد تعودت على فعل كل شيء بمفردي، كانوا يسمونني في البحرين الطباخ الأعمى… هل جربت أن تطبخ وأنت مغمض العينين طول الوقت؟ أنا كنت أفعل ذلك أحيانًا لأتسلى، فحين تعيش وحيدًا عليك أن تبتكر أشياء تبدّد بها وحدتك، لذلك أرغب كثيرًا في أن يكون لي أبناء رغم خوفي من ذلك في هذا العمر…”( [38])

وفي قصته الموسومة “هل الحمير تشبهنا”، وهي قصة رجل يستقل حافلة اعتاد سائقها رفع قدمه عن الدّواسة، عند الوصول إلى المطبّ الموجود في الطريق الذي يمرّ من سطح عقبة سداب توفيرًا للبنزين. كان السّائق يرجع قدمه إلى الدّواسة ما إن ينتهي المطب، لكنه نسي أمر المطبّ هذه المرة ما سبب هزّة قويّة للحافلة وركابها، ثار رجل على إثرها، وبدأ يصرخ على السائق مطلقاً عبارة لسنا على ظهر حمار، ليردّ عليه السائق بأنّ الحمير تشبهنا.

أخذ السائق هذه الفكرة عن أبيه الذي كان يمرّ معه ومع الحمار يوميًا من هذا المطبّ، وقد أخذ الأبّ فكرة أن الحمير تشبهنا من جدّه نقلاً عن أبيه الذي ورثه من أبيه “كنا، جدك وأنا في هذا المكان بالضبط حين أخبرني أبي بأن أباه، في هذا المكان بالضبط أخبره أبوه بأن الحمير تشبهنا”.([39])

على الرّغم من أنّ موضوعات الذّاكرة مختلفة، وتتنوع بين المعنى البسيط والمضمر من خلال لغة تحتيّة تطابق في اللاوعي فكر الكاتب، فإنّنا حينما نطبق القراءة المجهريّة على مجموعتي محمود الرّحبيّ “مرعى النّجوم” و”ساعة زوال”، نجد أنّ الذاكرة هي المبدأ الذي يوحّد فعل المبدع، ولذا جاءت القصص لتعبّر عن شخصية مبدعة وليس عن واقع معيش.

3- تيمة الفراغ وتمثلاثها في صندوق الأحلام لمحمد الزّرافيّ

يعدُّ “صندوق الأحلام” لمحمد الزّرافيّ، صندوقًا لحالات إنسانيّة برع الكاتب في تسليط الضوء عليها تارة بشكل مباشر وصريح وتارة أخرى بالاستعانة بالرّمز. وقد قسّمنا مضامينها حسب التواتر إلى التّيمات الصغرى الآتية: تيمة الجشع وتيمة القلق وتيمة الاغتراب وتيمة الوحدة، تيمات تضافرت لتشكّل البنية الكبرى لمجموعتة القصصيّة وهي تيمة الفراغ.

ينفتح السّرد القصصيّ بنص وسمه الزّرافيّ “ما حدث للنوارس”، روى فيه السّارد ما شاهده أثناء سيره على شاطئ البحر قبيل طلوع الشّمس وبعد طلوعها، وبينما هو غارق في جمال المشهد الأخاذ، إذا به يرى مجموعة نوارس تدنو من الشاطئ وتصطاد السّمك بمهارة، ثم أبصرها وهي تحلّق متخليّة عن الشاطئ لتهبط في مساحة ترابيّة محفوفة بأشجار النّخيل، تبعها السّارد فوجد كومة من السّمك على الأرجح وضعت لتجفّ، أكلت النّوارس وهي تتقاتل حتى عجزت عن الحراك ولم تتمكن من الطيران، فاستسلمت لأمرها راكدة على الأرض، في هذه الأثناء تسمع صوت نباح كلاب مسعورة تتجّه مباشرة صوب النّوارس التي لم تتمكن من الطيران، عاد السّارد أدراجه إلى المنزل وهو يتأسّف على مصير النّوارس.

صور محمد الزّرافيّ بلغة سلسلة جدًا سهلة ممتنعة، حالة النّوارس التي استمتع بمنظرها وهي تصطاد السّمك بمهارة من البحر “… النّوارس التي كانت تحلق في الأرجاء، وتطير في مجموعات كبيرة من فوقي، فقد كنت أرنو إليها بفرح، تعلو وتدنو مرارًا وهي تصطاد السمك بمهارة”([40])، وصوّرها بعد لحظات وقد تركت الشّاطئ واتجهت نحو غابة النّخيل لتتجمع على سمك وضع غالبًا ليجفف، صوّر جشعها وهي تتقاتل من أجل الأكل المهترئ على الرّغم من أنها منذ لحظات فقط كانت تصطاد قوتها الطريّ “شرعت النّوارس في تناول السّمك المهترئ بنهم، وكأنّها لم تأكل منذ أعوام عديدة، وراح بعضها يقاتل بعضًا، على الرغم من وفرة الطعام..”([41]) وعلى الرّغم من قصر النّص القصصيّ، فإن كثافة الرّمز فيه وعمق الصورة فتحاه على تأويلات كبيرة، خصوصًا وأنّ الزّرافيّ لم يتوان في إنتاج صور متوالية “أكلت النّوارس حتى امتلأت، وقد انتفخ جسمها، وأصبحت تشبه البّط السّمين، ولم يعد بالمقدور تمييز كونها نوارس، ومن ثمّ حاولت الطّيران ولكنّها لم تستطع…”([42]) وفي تسريع لزّمن السّرد، يضيف صورة أخرى يخبر القارئ من خلالها ماحدث للنّوارس” آنئذ، ترامى إلى مسامعي صوت نباح، ولمحت مجموعة من كلاب مسعورة تبرز من بين النّخيل المجاورة، فهلعت النّوارس وحاولت مذعورة الطيران مجددًا، ولكنها لم تفلح، فأخذت تحوص يمنة ويسرة، وتصطدم ببعضها محاولةً الهرب، عندها، تراجعتُ للخلف بعد أن قررتُ العودة، وقفلت دون أن أنظر للوراء، وأنا أهزُّ رأسي آسفًا للمصير المشؤوم الذي كان ينتظرها”([43]). هذا المصير المشؤوم هو مصير كل جشع، والنّوارس ماهي إلا وجه من وجوه الإنسان الذي تثقله خطاياه، ويطمع في غير حقّه، القصة تحمل أبعادًا إنسانيّة عميقة، هي حالة بعض البشر الذين يتقاتلون مع بني جلدتهم ليأخذوا ما لا يحقّ لهم، هذا السّلوك الذي شكّل حالة قلق موضوعيّ و واقعيّ، بل حالة قلق سوي سبّبه الخوف على المستقبل. إنّ حالات الفراغ تصنع الضّجر، والضّجر يدخل صاحبه في دائرة القلق من الرّتابة اليومية، وعبّر محمّد الزّرافيّ عن ذلك في قصته “ليلة كئيبة”، حين أصبح أقصى أحلام أبي محمود أن يقلّد جلسة رجل حسبه مهمًا، ليلةً كئيبةً هي قصة ثلاثة رجال يحتلون طاولة في مقهى في حديث لا متناهي يتخلله البرد والكآبة. طلب أحد الأصدقاء من أبي محمود أن يدخن سيجارة لينسى البرد فرفض التّدخين.

قدم النّادل كؤوس الشّاي إلى طاولة الثلاثة، حينها تساءل أبو محمود عن سبب جلوسه في المقهى بلا سبب، فجأة أحس برغبة في سرد قصّة الرّجل الذي جذبته جلسته في الصّرافة ينتظر خادمه وهو يقوم بعملية تحويل المال، سخر منه أبو نواس وأبو هلال وتساءلا عن سر الجلسة التي جذبته، ثم اقترح عليه أبو هلال أن يبتعد من التفكير الكثير لأن الحياة لا تتطلب كل ذلك، ومن ثم عرض الصديقان على أبي محمود أن يقلد جلسة الرجل عله ينفع، وما إن قلّدها حتى انفجرا ضحكًا. إن الفراغ الذي يشعر به أبطال محمد الزّرافيّ يقودهم إلى حالة من الاغتراب الذّاتي والاغتراب الاجتماعيّ؛ يقول الزّرافيّ على لسان أحد أبطال قصته: أنا رجل بسيط جدًا، أيامي عبارة عن سيجارة تليها سيجارة، ولا أملك أي طموح مستقبلي، ورغم ذلك، فأنا أعيش سعيدًا جدًا، ولكنك أنت يا أبا محمود تبالغ في التفكير كثيرًا، والحياة لا تتطلب كل هذا”([44]).

الأيام عند أبي هلال ماهي إلاّ سيجارة تليها سيجارة، فهو يحرق أيامه الفارغة من كل معنى، يراها منتهية كيما تنتهي السيجارة في يد صاحبها، فهنا يصل الاغتراب الذّاتي عند البطل إلى درجة الشّعور بالسّعادة بهذا الفراغ، والملاحظ أن هذه الصورة تعمّق درجة الاستسلام لواقع لا يملك القدرة على تغييره بل لا يملك القدرة على الهروب منه حتى بمجرد الحلم في التّغيير، ولقد أوغل محمد الزّرافيّ في رسم الشّخصيات المسكونة بالفراغ، وبقراءتنا للعمل وجدنا أنفسنا نطرح العديد من التساؤلات: ما المغزى من وراء هذه القصة؟ لماذا تتقاطع كل شخصيات القصة في نقاط وإن تنوعت فهي تصبّ في المنبع نفسه: الضّجر الموصل للفراغ والفراغ المؤدي للوحدة المعبدة لطريق الاغتراب… شخصيات جعل الزّرافيّ أغلبها يمتاز بالرّتابة والسّكون، رتابة مكّنته من التّفنن في رسم الفراغ، فراغ يمكن تصوره كغياب لكل شيء، مع تعلّق الأمر برؤية ذهنية([45]). برع محمد الزّرافيّ في سبر أغوار النّفس البشريّة ولامس جوهرها قبل تخومها، في قصص نبّه القارئ إلى عوامل تؤدي إلى قلق وجوديّ لدى الطبقة البسيطة التي تجترها العادة ويقتلها الركود ويسلب إرادتها الفراغ.

تتكرّر تيمة الفراغ في القصة الموسومة “حديث الغرباء”، إذ يشعر البطل حامد بن حامد بالضجر، وهو من تعوّد على زيارة حدائق الصحوة لطرد بعض الملل المسيطر على حياته الرّتيبة، وإذا بمبنى شبيه بمسجد يثيره ويبعثه على طرح أسئلة لا يملك إجابات عنها، ليس حامد الوحيد من يشعر بالملل، فحتى الغريب الذي كلّم حامد بن حامد قال إنّه يكسر ملله بتأمل هذا المبنى، بل إن درجة الفراغ والملل جعلته يتأمل شخصًا آخر في مقهى ويعدّ حبات السّكر التي يضعها في كوب شايه ” لقد وضع خمسة مكعبات سكر في كأسه… لربما بدا لك الأمر عاديًا جدًا، ولكن حين كان يشرب بدا مستمتعًا جدًا… وبدت عليه لذة طعم الشّاي، حتى شعرت بها في فمي… وتغيرت كذلك نحو أشياء كثيرة منذ تلك اللحظة “([46]).

الخاتمة

إن الاختلاف بين التّيمات الصغرى المشكّلة لنصوص محمد الزّرافيّ القصصيّة تقودنا بعض الحلول في النّص إلى القرابة السّرّيّة بينها، قرابة تشكل بنية عميقة كبرى هي تيمة الفراغ الذي يشغل الإنسانية وليس محمد الزّرافيّ وأبطاله فحسب.

تنوعت التّيمات في المجاميع المدروسة، فجاء العريميّ متمردًا والرّحبيّ متشبثا بالذاكرة والزّرافيّ متوجسًا من الفراغ، وهي كلها أشكال من أشكال الوعي المضمر، حاولنا بالقراءة الريشارية أن نباغت هذا الوعي ونبئره.

 

[1] – أستاذة محاضرة بجامعة الجزائر2 أبو القاسم سعد الله- قسم اللغة العربيّة.

 

هوامش

* من بين أهم التعريفات للموضوعاتية عند جون بيار ريشار تعريفه الذي قال فيه: “أفضل استعمال كلمة جذر، لأنها اللمعة أو الخلية الرحمية الأولى للموضوع، من حيث أن التفرعات الموضوعاتيّة تنبثق من الجذر بطريقة توالدييه، أو وفقا لنسق تصادمي، تجاوزي، يعني في قاموسنا النقدي حادثا أو موقفا يظهر بصورة شعورية أو لاشعورية في نص أو في مجموعة من النّصوص الأدبية.. الجذر يبقى مرادفا للمركب أو العقدة في قاموس التحليل الفرويدي.. لأنه يبقى لاشعوريا في أغلب الأحيان، وغامضا حتى على الكاتب، لأن جذوره ضاربة في عهود الطفولة الأولى. من هنا أعتقد بوجود ‘جذور’ أو ‘عقدة جذور’ غير قابلة للاختزال أو التبسيط» فؤاد أبو منصور: النقد البنيوي الحديث بين لبنان وأروبا :نصوص، جماليات، تطلعات، دار الجيل، لبنان ، 1995 ،ص189.

[1] ، نفي المرجع، ص189.

[2] ينظر عبد الكريم حسن: المنهج الموضوعي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 2005، ص81.

[3] المرجع نفسه، ص46/47

[4] Jean-Pierre Richard: Littérature et sensation, éditions du Seuil, Paris, 1954,p13.

[5] سعيد علوش: النقد الموضوعاتي ،نسخة الكترونية ، ص139.

[6] . المرجع نفسه ،ص129.

[7] عبد الكريم حسن:المنهج الموضوعي، ص117.

[8] المرجع نفسه، ص114.

[9] Jean-Pierre Richard : Microlectures, Seuil ,Paris ,1979,p05.

[10] محمد عيد العريميّ: قوس قزح، الجمعية العمانيّة للكتاب والأدباء، دار الانتشار العربي ،مسقط، بيروت،ط1، 2010.

[11] عبد الله إبراهيم، سعيد الغانمي وآخرون:معرفة الآخر :مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط1، 1996، ص26.

 [12] بول ريكور:نظرية التأويل ، الخطاب وفائض المعنى، تر:سعيد الغانمي،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط1،3003،ص17.

[13]  محمد عيد العريميّ:قوس قزح،ص23.

[14]  محمد عيد العريميّ : قوس قزح،ص41.

[15]  محمد عيد العريميّ : قوس قزح، ص37

[16]  محمد عي محمد عيد العريميّ : قوس قزح،ص29

[17]  محمد عيد العريميّ : قوس قزح،ص30.

[18]  محمد عيد العريميّ : قوس قزح،ص45.

[19]  محمد عيد العريميّ : قوس قزح،ص45

[20]  محمد عيد العريميّ : قوس قزح،ص46

[21]  محمد عيد العريميّ : قوس قزح،ص47،ص48.

[22]  محمد عيد العريميّ : قوس قزح،ص51،ص52.

[23] محمد عيد العريميّ :قوس قزح،ص53.

[24] محمد عيد العريميّ :قوس قزح،ص 60

[25] محمد عيد العريميّ :قوس قزح،ص 60

[26] محمد عيد العريميّ :قوس قزح،ص64

[27] محمود الرّحبيّ : حديقة السهو ،الجمعية العمانيّة للكتاب والأدباء، مسقط ، سلطنة عمان،ط1، 2018،ص19.

[28] ميري ورنوك: الذاكرة في الفلسفة والأدب تر: فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة ،بيروت ،ط1، 2007،ص136.

[29] محمود الرّحبيّ : حديقة السهو، ص20

[30] محمود الرّحبيّ : حديقة السهو، ص19

[31] ميري ورنوك: الذاكرة في الفلسفة والأدب،ص45.

[32] ميري ورنوك: الذاكرة في الفلسفة والأدب،ص132.

[33] محمود الرّحبيّ: حدائق السهو ،ص25.

[34] محمود الرّحبيّ: حدائق السهو ،ص26

[35] محمود الرّحبيّ: حدائق السهو ،ص27

[36] محمود الرّحبيّ: حدائق السهو، ص65

[37] محمود الرّحبيّ: حدائق السهو ،ص68.

[38] محمود الرّحبيّ: حدائق السهو، ص73.

[39] محمود الرّحبيّ: حدائق السهو،ص 121

[40] محمد الزّرافيّ: صندوق الأحلام ، الجمعية العمانيّة للكتاب والأدباء ، مسعى للنشر والتوزيع،مسقط،2018،ص9.

[41] محمد الزّرافيّ: صندوق الأحلام، ص10.

[42] محمد الزّرافيّ: صندوق الأحلام، ص12

[43] محمد الزّرافيّ: صندوق الأحلام، ص11.

[44] محمد الزّرافيّ: صندوق الأحلام ، ص17.

[45]– Edgard Gunzig: Créer l’univers à partir de rien ,in, La recherche N° 352, Avril 2002 p.87.

[46]  محمد الزّرافيّ: صندوق الأحلام ،ص35

 المصادر والمراجع

المصادر

1- محمد الزّرافيّ: صندوق الأحلام، الجمعية العمانيّة للكتاب والأدباء، مسعى للنشر والتوزيع، مسقط،2018.

2- محمد عيد العريميّ: قوس قزح، الجمعية العمانيّة للكتاب والأدباء ،دار الانتشار العربي ،مسقط، بيروت،ط1، 2010.

3- محمود الرّحبيّ: حديقة السهو، الجمعية العمانيّة للكتاب والأدباء، مسقط، سلطنة عمان، ط1، 2018،.

المراجع

4- بول ريكور:نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، تر:سعيد الغانمي،المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء، بيروت، ط3، 2003.

5- سعيد علوش: النقد الموضوعاتي، نسخة الكترونية، ص139.

6- عبد الله إبراهيم، سعيد الغانمي وآخرون: معرفة الآخر :مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط1، 1996.

7- عبد الكريم حسن: المنهج الموضوعي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 2005.

8- فؤاد أبو منصور: النقد البنيوي الحديث بين لبنان وأروبا :نصوص، جماليات، تطلعات ،دار الجيل، لبنان، 1995 .

9- ميري ورنوك: الذاكرة في الفلسفة والأدب تر: فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ، ط1، 2007.

المراجع باللغة الفرنسية

10-Edgard Gunzig: Créer l’univers à partir de rien ,in, La recherche N° 352, Avril 2002.

11- Jean-Pierre Richard: Littérature et sensation, éditions du Seuil, Paris, 1954.

12-Jean-Pierre Richard : Microlectures, Seuil ,Paris ,1979.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.