الأيديولوجيا ووظائفها السياسيّة

0

الأيديولوجيا ووظائفها السياسيّة

 د. يوسف زلغوط)[1](

مقدمة

يظهر جلياً للباحث عن مفهوم الأيديولوجيا أنه ليس هناك اتفاقًا واضحًا وصريحًا حول تعريف هذا المفهوم، حتى أن الباحث السياسيّ البريطانيّ ديفيد ماكليلان (1995) David Mclellan  يرى ” أنّ الأيديولوجيا هي أكثر المفاهيم مراوغة في العلوم الإنسانية بأكملها” ([2]). فهنالك إشكاليّة حقيقيةّ يواجهها العلماء المتخصصون في العلوم الإنسانيّة في ما يخص المصطلحات والمفاهيم   ودلالاتها. فالمفاهيم في هذه العلوم تخضع لنسبيّة المنظور الفرديّ والاجتماعيّ، وتحتمل التأويل. كما أنهّا قد تختلف في الدّلالات بين مجتمع وآخر وبين حقبة زمنيّة معينة وغيرها. ولا شك أن مفهوم الأيديولوجيا لا يشذُّ عن هذه القاعدة، وسأستعرض خلال بحثي هذا بعض التعريفات المتداولة لمفهوم الأيديولوجيا ومفهوم السياسة. وذلك من أجل إيضاح المعنى المقصود بهما وفهمها بدقة ومن ثمَّ محاولة فهم الوظائف السياسيّة للأيديولوجيا من خلال العلاقة المتداخلة التي تربط الأيديولوجيا بالسياسة. بدايةً، من المتفق عليه أن من صك مفهوم الأيديولوجيا هو الباحث الفرنسيّ أنطوان لويس كلود ديستوت دوتراسي (Antoine-Louis-Claude Destutt de Tracy) حيث ورد في كتابه الذي يحمل عنوان: ملكة التفكيرéléments d’ idéologie.

ويتكون هذا المفهوم أساسًا من مقطعين «idea» وتعني فكرة، و«logos» وتعني علم. ودمج اللفظتين أنتج معنىً جديدًا للمصطلح هو «علم الأفكار» الذي يُعرّفه دو تراسي على أنّه «العلم الذي يدرس الأفكار، بالمعنى الواسع لكلمة أفكار، أي مجمل واقعات الوعي من حيث صفاتها وقوانينها وعلاقتها بالعلائم التي تمثلها»([3]).

أمّا قاموس كامبردج فيُعرّف الأيديولوجيا على أنّها: نظريّة أو مجموعة من المعتقدات، تكون خاصة بفئةٍ معينةٍ من النّاس أو ربما بشعوب بكاملها أحيانًا، وربما يقوم عليها نظام سياسي معين أو حزب أو منظمة([4]). ولقد اكتسبت الأيديولوجيا عبر التاريخ باختلاف التّفسيرات والاستعمالات للمصطلح معانٍ إيجابية حينًا ومعانٍ سلبية حينًا آخر. لذلك فلقد خلص مارتن سيلجر إلى تعريف الأيديولوجيا: بوصفها “مجموعة من الأفكار يضع من خلالها النّاس ويفسرون ويبررون غايات ووسائل النشاط الاجتماعيّ المنظم، بغض النّظر عما إذا كان ذلك النشاط يهدف إلى الحفاظ على نظام اجتماعيّ بعينه أو تعديله أو اقتلاعه أو إعادة بنائه. وبهذا التّعريف، لم تعد الأيديولوجيات لا جيدة ولا سيئة، لا صادقة ولا كاذبة، لا منفتحة ولا مغلقة، لا محررة ولا إكراهية، وإنما تستطيع أن تكون كل تلك الأشياء([5]). وانطلاقًا من هذا التّعريف سأستخدام هذا المفهوم . وكذلك سأتطرق في توضيح معنى هذا المفهوم إلى عبدالله العرويّ في كتابه مفهوم الأيديولوجيا إذ يُعدُّ أن لفظة الأيديولوجيا هي دخيلة على معظم اللغات، ولم تحتفظ بمعنى واحد بل إنّها تضمنت معانٍ جديدة أدخلها عليها كل من استخدمها. فيقول:”ليس من الغريب أن يعجز العرب عن ترجمتها بكيفية مُرضية. إنّ العبارات التي تقابلها – منظومة فكريّة، عقيدة، ذهنيّة، الخ- تشير فقط إلى معنى واحد من بين معانيها… لذا اقترح (العرويّ) أن نعرّبها تمامًا وندخلها في قالب من قوالب الصرف العربي”([6]) . فيستعمل كلمة أدلوجة ويصرفها حسب قواعد اللغة العربية. أما بالنسية إلى مفهوم السياسة Politics، فمصدرها من الكلمة اليونانيّة Polis ومعناها دولة المدينة. وبما أنّ المدن اليونانيّة القديمة كانت وحدات سياسية قائمة بذاتها أو دول، فقد ارتبطت الكلمة من البداية ارتباطًا وثيقًا بالدّولة، وأصبحت السياسة من المنظور الأكاديميّ، هي علم الدّولة أو العلم الذي يعتني بكيفيّة إدارة شؤون الدّولة. ويعرِّف معجم Le Petit Larousse السياسة La Politique  بأنّها: “إدارة الدّولة وتحديد أشكال نشاطها ومجموعة الشؤون التي تهم الدّولة”. أما عالم السياسة الأميركيّ دايفيد إيستون David Easton فيعرّف السياسة بوصفها عملية “تخصيص سلطوي للقيم”([7]).

إشكاليّة البحث

هناك تداخل كبير بين السياسة والأيديولوجيا، وبالعكس. فلا تكاد أيّ جهة سياسية (حزب، جمعية، جبهة سياسية…) تخلو من منظومة فكريّة، عقديّة … الخ، أيّ بمعنى آخر لا تخلو من أيديولوجيا معينة. وكذلك لا يوجد أيديولوجيا معينة في العالم لا تهتم بالواقع السياسيّ، وتسعى إلى توظيف السياسة في سبيل أيديولجيتها تلك. ويشكل هذا التّداخل مادة جدليّة من المهم بالنسبة إلى العلماء والباحثين الاجتماعيين والسّياسيين دراستها. ونظرًا لذلك سأحاول في هذا البحث الكشف عن الوظائف السياسية للأيديولوجيا.

 ما هي الأيديولوجيا

يشير مصطلح الأيديولوجيا (Ideology) إلى نسق من المعتقدات والمفاهيم والأفكار الواقعيّة والمعياريّة على حد سواء، ويسعى عمومًا إلى تفسير الظواهر الاجتماعيّة المركّبة من خلال منظور يوجّه ويبسط الاختيارات السياسيّة والاجتماعيّة للأفراد والجماعات. غير أنّ هذا التعريف لا يزال قاصرًا لأنّه لا يكشف تمامًا عن الدّلالات المختلفة والمتنوّعة للمصطلح التي اكتسبها من الأنساق الفكريّة العديدة. لذلك فإنّ التتبّع التاريخيّ لمفهوم الإيديولوجيا يستطيع أن يزوّدنا بالمعاني والدّلالات المختلفة التي اكتسبها خاصةً حينما يتّصل الأمر بالممارسة السياسيّة. والواقع أن مصطلح الأيديولوجيا يماثل مصطلح علم الاجتماع من حيث نشأة كل منهما في فرنسا. لقد أشار بلاميناتز(plamennatz) إلى أنّ الأيديولوجيا هي ذلك المبحث الذي يختص بدراسة الأفكار، وأنّ الاستخدام الأوّل لهذا المفهوم كان يشير إلى ضرب من التفلسف انتشر خلال القرنين الثامن عشر والتاّسع عشر، إذ كان يميل إلى رفض التّفكير الميتافيزيقيّ وتفسير الأفكار كافة على أساس أنّها مشتقة من الإحساسات. كان هدف الأيديولوجيين ومن بينهم أنطوان دستوت دوتراسي (1754- 1836 ) تأسيس علم جديد علم الأفكار والأيديولوجيا، وهو منهج علميّ وتجريبيّ، لدراسة وفهم المفاهيم المجردة حتى يكون الفكر متمتعًا بدرجة اليقين نفسها التي تتمتع بها العلوم الطبيعيّة . “هذا وكان أملهم أن يجعلوا من علم الإنسان والمجتمع علمًا متحررًا من الآراء المسبقة والأساطير ومتمتعًا بيقين علوم الطبيعة نفسها، وقائمًا مثلها على الملاحظة والتجربة”([8]). وربّما كانت الماركسيّة هي أكثر الاّتجاهات الفكريّة اهتمامًا بمفهوم الأيديولوجيا. فطبقًا للتصوّر الماركسيّ فإنّ الأيديولوجيا تمثّل انعكاسًا للظروف الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة السّائدة في مجتمع معيّن، ذلك أنّ الأساس الماديّ لهذا المجتمع يخلق بالضرورة بناءً فوقيًّا مؤلّفًا من «أفكار وقيم ومثل ونظم»، ومعنى ذلك أنّ الماركسيّة تنظر إلى الأيديولوجيا على أنّها نسق من الأفكار تتّخذ من تبرير تطلّعات الأفراد والجماعات وظيفة اجتماعيّة لها. إنّ مفهوم الأيديولوجيا ليس مفهومًا عاديًّا يعبّر عن واقع ملموس فيوصف وصفًا شافيًا، وليس مفهومًا متولّدًا عن بديهيات فيجد حدًّا مجرّدًا، وإنّما هو مفهوم اجتماعيّ تاريخيّ، وبالتالي يحمل في ذاته آثار تطوّرات وصراعات ومناظرات اجتماعيّة وسياسية عديدة، إنّه يمثّل «تراكم معانٍ» مثله في هذا مثل مفاهيم محوريّة أخرى كالدّولة أو الحريّة أو المادة أو الإنسان. وعندما نقول إنّ الحزب الفلانيّ يحمل أيديولوجيا، فإنّنا نعني بذلك مجموع القِيم والأخلاق والأهداف التي ينوي تحقيقها على المدى القريب والبعيد. البعض يرى الأيديولوجية على أنّها الرؤية الكونيّة، والنّسق العام للأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامّة الكامنة في أنماط السّلوك، ومن هذا المنطق فإنّ الأيديولوجيّة لا تتحقّق إلاّ عندما تخرج من معقل النّظريات والأفكار المجرّدة، وتتحوّل إلى صبغة عامّة تحكم الرؤى والتوجّهات التي يمارسها أي مجتمع من المجتمعات.

إنّ الأيديولوجيا أو الأدلوجة كما يسمّيها عبدالله العرويّ ، مفهوم حديث نسبيًّا، وقد جاء إلينا من الفكر الفرنسيّ بعد ثورة 1789م، وترجمتها اللّغويّة هي «علم الأفكار» وهي مركّبة من مقطعين هما (Idea) فكرة و (Loges) علم، وكان الهدف من المفهوم الجديد هو أن يحل محل (الميتافيزيقيا) التي كانت غير ذات قيمة بعد الثّورة الفرنسيّة، والتي عملت على تغيير كل شيء، وذلك لتأكيد إنفصالها عن النّظام القديم([9]).

الأيديولوجيا وفق الفهم الماركسي

إنّ الأيديولوجيا في نظر ماركس تعكس الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة بطريقة تجعل من الممكن التعرّف على كل جوانب التّشويه والتّضليل «الوعي المزيّف» التي تسود حياة المجتمع، ومعنى ذلك أنّ الأيديولوجيا عند ماركس ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاغتراب والتّجهيل، ذلك أنّ الوعيّ الاجتماعيّ «المغترب» يخضع لسيطرة عالم الأشياء، تلك العمليّة التي أطلق عليها ماركس التشيّؤ (Reification).

فلقد أوضح ماركس تحليله لنظريات الإنتاج، والتّبادل كيف أنّ أصحابها قد اتّخذوا مواقف علميّة وأيديولوجيّة متحيّزة، وربّما كانت ملاحظات ماركس النّقدية أكثر انطباقًا على نظريّتي آدم سميث(Smith وريكاردو(Ricardo)، إذ أوضح أنّهما يعبّران عن حقبة لم يكن الصّراع الطبقي قد تطوّر خلالها بشكلٍ ملموس، وأنّه بسبب ذلك فإنّ مبادىء الاقتصاد السياسيّ كانت تنطوي على تحيّز علمي خطير. غير أنّ موقف هذا العلم ما لبث أن تبدّل بصعود البرجوازيّة لتحتل موقع الأرستقراطيّة الزّراعيّة، ولتتّخذ (أي البرجوازيّة) موقفًا صراعيًّا من البوليتاريا، حينئذٍ بدأ الاقتصاد السياسيّ (كما يمثله سميث) وعلم الاجتماع (كما يمثله كونت) يؤديان دورًا أيديولوجيًّا يتمثّل في الدّفاع عن التّكامل والتّضامن داخل مجتمع قائم على الاستغلال، ولقد عبّر ماركس عن وجهة نظره تعبيرًا واضحًا، وقد ذهب إلى أنّ كل المفكّرين الّذين يصوغون نظريات عن المجتمع الإنسانيّ، إنّما يتبنّون موقفًا معيّنًا يتّصل اتصالًا مباشرًا بنشاطهم ومصالحهم، ومعنى ذلك أنّ الفكر الاجتماعيّ بأكمله – كما يبدو لماركس – إنّما يعبّر عن وجهات نظر عمليّة. هذا وقد تعرّض تصوّر ماركس لمفهوم الأيديولوجيّا لانتقادات عديدة، إذ يذهب بعض النقّاد إلى أنّ هذا التصوّر قد جعل من الأفكار التي يحملها النّاس في عقولهم مجرّد انعكاس أو صدى للعمليّات الماديّة التي تستند إليها الحياة الإنسانيّة. والواقع أنّ القراءة المتأنيّة لمقدّمة كتاب ماركس «إسهام في نقد الاقتصاد السياسيّ» تكشف عن أنّه قد سلم تسليمًا مطلقًا بوجود تفاعل سببيّ محدّد بين البناء التّحتيّ «الاقتصاديّ» والبناء الفوقيّ «الأيديولوجيا»، إلاّ أنّه يظل صحيحًا أنّ الرّجل قد قدّم نظريّة اجتماعيّة قادرة على ضم النّظريات الأخرى في إطار السّياق الاجتماعيّ الذي وُجدت فيه حتى أصبح بالإمكان تقييم مكانتها التاريخيّة والأيديولوجية والعلميّة على السّواء، ذلك أنّ النظريّة الاجتماعيّة هي شيء أكبر من مجرّد تفسير الواقع الاجتماعي تفسيرًا كليًّا؛ إنّها أيضاً محاولة لتفسير أسباب تعايش النظريّات المتصارعة وأسباب تعارض النظريّات المتشابهة عند تحليل المشكلات نفسها. وبنهاية القرن التاسع عشر بَدأ مفهوم الأيديولوجيا يؤدي دورًا بارزًا في الفكر السوسيولوجي، ويبدو ذلك واضحًا تمامًا في كتابات فلغربدو باريتو(Pareto) وجورج سوريل(Sorel) اللذان سعيا إلى تخليص النظريّة الاجتماعيّة من العناصر غير المنطقيّة والأساطير الفكريّة، أمّا موقف ماكس فيبر فكان يتلخّص في وصف الماركسيّة مجرّد الأيديولوجيّة في تشكيل النظريّة الاجتماعيّة، إلاّ أنّ ما قدّمه كارل مانهايم (Mannheim) يمثّل ثراءً فكريًّا حقيقيًّا وحوارًا ممتعًا مع النّظريّة الماركسيّة.

كارل مانهايم والأيديولوجيا

إنّ أعظم إسهامات مانهايم النّظريّة تدخل في إطار علم الاجتماع المعرفي، فضلاً عن إسهامه البارز في تقديم أول نقدٍ جاد لمفهوم الأيديولوجيا عند ماركس، وفي كتابه «الأيديولوجيا واليوتوبيا» نجد مانهايم يطرح قضيّة أساسيّة مؤدّاها؛ أنّه باستثناء العلوم الطبيعيّة، فإنّ كل ضروب التفكير تتحدّد في ضوء متغيّرات اجتماعيّة، وأنّ مهمّة علم الاجتماع تتمثّل في التعرّف على العلاقات الوثيقة بين أنماط التّفكير من ناحية، والبناء الاجتماعي من ناحية أخرى. هنا نجد مانهايم يؤكّد أنّ المعرفة يجب أن ترتبط بأصولها أو نشأتها الاجتماعيّة، موضّحًا أنّها (أي المعرفة) لا تصدر عن مجرّد فرد أو أفراد، بل تصدر عن أناس يعيشون في جماعات ويمارسون نشاطات اجتماعيّة. إنّ هذه الطبيعة  الجمعيّة هي التي تفرز في نظر مانهايم- ما أطلق عليه «أنماط التّفكير»؛ أي مركّبات المعرفة التي ترتبط في ما بينها بروابط وحدة واتّساق. وتمثّل الجماعة الوسيلة التي من خلالها ترتبط المعرفة بالمجتمع؛ ذلك أنّ المفكّر لا يعبّر عن وجهة نظره الخاصّة بقدر ما تعكس كتاباته تعبيرًا جمعيًّا عن اتّجاهات خارجيّة اجتماعيّة. واستنادًا إلى ذلك نجد مانهايم يقيم تفرقة بين الأيديولوجيا «الخاصّة» والأيديولوجيا «الكليّة». فالأولى تتّصل بمفهوم الأفراد وتبريراتهم للمواقف التي تهدّد مصالحهم الخاصة، بينما تتّصل الثانيّة بالتّفكير السّائد داخل الطبقة أو الحقبة التّاريخيّة كما هو الحال بالنسبة إلى نمط التّفكير السّائد لدى «البرجوازيّة» أو «البوليتاريا». وهكذا نجد مانهايم يرفض التّصوّر الماركسي للأيديولوجيا بسبب ارتباطها بطبقة معيّنة من البوليتاريا، إذ إنّ المعرفة الحرّة المستقلّة هي القادرة على اكتساب المكانة العلميّة الحقيقيّة. في ضوء ما سبق يمكن القول إنّ الأيديولوجيا هي مجموعة قيم أساسيّة، ونماذج للمعرفة والإدراك ترتبط ببعضها وتنشأ صِلات بينها وبين القوى الاجتماعيّة والاقتصاديّة. وعادة ما يستخدم علماء الاجتماع مصطلح الأيديولوجيا السياسيّة كإطار معرفيّ يمكن من خلاله معالجة بعض القضايا كشرعيّة السّلطة، وأسس القيادة، وأشكال الحكم الدّستوري وإجراءاته، والسياسة العامّة.

ولقد شهد القرن العشرون عددًا من الأيديولوجيات السياسيّة المهمّة كالماركسيّة التي تحظى باهتمام بالغ بسبب نظرتها الشّموليّة إلى الإنسان والمجتمع والكون، فضلًا عن قدرتها على إحداث تحوّلات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة بالغة العمق في المجتمعات الاشتراكيّة. إنّ الأيديولوجيات تحتاج إلى اقتناع النّاس بها لكي تكون نافذة المفعول، كما أنّها بحاجة إلى المؤسّسة الملائمة ووسائل مناسبة لممارسة القوّة والسّلطة. وإذا ما أخذنا بتصوّر مانهايم لمفهوم الأيديولوجيا، فإنّنا نستطيع أن نميّز في أيّ مجتمع طبقي بين أيديولوجيتين: أيديولوجيا الجماعات الحاكمة التي تريد فرض تصوّراتها وأفكارها على بقيّة أفراد المجتمع وتبرير الأوضاع الراهنة والدّفاع عنها، أو أيديولوجيا الجماعات الخاضعة التي تحاول تغيير هذه الأوضاع لصالحها وإحداث تغييرات في بناء القوّة القائم بما في ذلك تحقيق العدالة الاجتماعيّة وتوزيع الدخول. وفي كل الأحوال فإن الأيديولوجيا السياسيّة تتّجه دائمًا نحو السّلطة السياسيّة في محاولة للحصول عليها وإقامة المؤسّسات الملائمة. ولقد أشار لوفنشتاين(Loewenstein) إلى أنّ الأيديولوجيا تضم عنصرين:

  • الأوّل: نظري: يتمثّل في كونها كُلًا متساندًا ونظامًا محكمًا من الأفكار والتبريرات التي تتناول الإنسان ومكانته في المجتمع وموقعه منه.
  • الثاني: عملي: يتمثّل في دفع الأفراد إلى انتهاج سلوك معيّن يتلاءم مع الأيديولوجيا المعبّرة عن مصالحهم وهذا ما يقودنا إلى تحديد وظائف الأيديولوجيا.

الأيديولوجيا عند المفكرين العرب

نجد أن المفكرين العرب في ما يخص الأيديولوجيا قد عكسوا بشكلٍ أو بآخر التّصورات السّابقة في استعمالات الأيديولوجيا. فمنهم من جاء متأثرًا بهيغل والبعض بماركس والباقي بماركس ومانهايم . فيرى الدّكتور نديم البيطار الأيديولوجيا هي: “أية فلسفة حياة تفسر علاقة الإنسان بالمجتمع والتاريخ، تفسيرًا عامًّا وشاملًا يكشف عن منطق التّاريخ وحركته”([10]). أما الدكتور عبدالله العرويّ فيستخدم الأيديولوجيا في ثلاثة معانٍ:

الأوّل: هو انعكاس منفصل عن الحقيقة الواقعة بسبب مجموعة الأدوات الذّهنيّة المستعملة.

الثّاني: بمعنى نظام فكريّ يحجب الواقع لأن هذا مستحيل التحليل أو صعب التحليل .

الثّالث: بمعنى بناء نظري مأخوذ من مجتمع آخر، ليس مندرجًا تمامًا في الواقع لكنه آخذ في أن يغدو كذلك، أو بعبارة أدقّ، إنّه يستخدم كنموذج، وذلك بالضبط لكي يحققه العمل”([11]). أمّا الدّكتور ناصيف نصار فالأيديولوجيا تعني له: نظام من أفكار اجتماعيّة، يرتبط بمصلحة جماعة معينة، ويشكل أساسًا لتحديد أو تبرير فاعليتها الاجتماعيّة في مرحلة تاريخيّة معينة، وما الأيديولوجيا سوى شكل من أشكال تعبير الجماعة عن فاعليتها التّاريخيّة”([12]). بناءً على ما سبق يمكنني القول إن الأيديولوجيا منظومة أفكار ترتبط بمصلحة تكوين اجتماعيّ أو تكوينات اجتماعيّة مختلفة، وذلك لتفسير ولتبرير النّظام الاجتماعيّ والسياسيّ القائم أو المقترح في مرحلة تاريخيّة محددة، فإذا كان قائمًا تدافع عنه، وإذا كان مقترحًا تسعى لبنائه، وهي تطرح آليات عملية حول كيفيّة المحافظة على النّظام الاجتماعيّ والسياسيّ أو تغييره.

وظائف الأيديولوجيا: للأيديولوجيا وظائف متعدّدة منها:

  1. المعرفة السياسية

الأيديولوجيا تشكّل منظومة من الأفكار يُدرك من خلالها العالم، ويُفهم ويُفسّر، فهي تشكّل إطارًا مرجعيًّا ينهل منه الإنسان معارفه وتفسيراته حول السّياسة «هي مثل البوصلة أو الخريطة التي يوجّه الإنسان نفسه بها في السياسة، والتي من خلالها يستطيع أن يضع ملاحظاته وتجاربه»([13]). فلهذا يستطيع النّاس معرفة ماضيهم وحاضرهم والتنبّؤ بمستقبلهم. فالنّاس يرون العالم من خلال أيديولوجيتهم متجاهلين تلك التي تتناقض مع معتقداتهم، «فالأيديولوجيات وفقًا لرأيّ الباحث محمد علي اسماعيل تساعد على رؤية الموضوعات السياسية على نحو أكثر وضوحًا، إنّها مثل المناظير السلميّة التي يمكنها أن تحسّن وجهة نظرنا بشكل هائل، بينما المناظير الخاطئة يمكنها أن تردّنا إلى ما يقرب من العمى»([14]). وتبرز الأيديولوجيات في ظروف الأزمات، وفي قطاعات المجتمع، فالذين يعتنقون وجهة نظر سائدة، تصبح بالنّسبة إليهم أمرًا غير مقبول، فالأيديولوجيا تطرح السياسات لتوجيه الإنسان والعمل الجماعيّ، فهي «مجموعة القواعد التي تنظّم كيف يتحرّك الإنسان في السياسة، والأهداف التي يجب تبنّيها وتدعيمها، والوسائل التي يجب استخدامها لتحقيق هذه الأهداف»([15]). فالأيديولوجيا تحدّد كيفيّة تنظيم الحياة السياسيّة «إنّ طبيعة الأهداف المرجوّة تتأثّر بالمنظور الأيديولوجيّ، فالأيديولوجيا تعطي القادة إطارًا لتنظيم رؤيتهم للتطوّرات السياسيّة، وهي تضع حدودًا على الامتيازات المطروحة أمامهم كصانعي سياسة، وهي تحدّد الأولويات المباشرة والأهداف طويلة المدى، كما تشكّل الوسائل التي يتم من خلالها تناول المشاكل»([16]). فالأيديولوجيا تريد تغيير العالم عن طريق النّاس الذين يعتقدون بها ويعيشون على قناعاتها، وتغدو وسيلة من وسائل الكفاح في سبيل بناء العلاقات الحياتيّة للإنسان»([17]). وهذا يأتي مخالفًا لما رأيناه عند ماركس، من أنّ الأفكار لا تستطيع أبدًا تجاوز حدود الوضع الراهن في العالم أو تجاوزه، وليس بمقدورها إحداث شيء أو التسبّب في حدوثه وممارسة التأثير عليه. فالأفكار وفقًا لماركس، تعكس صورة الوجود الفعليّ في وعي البشر، وليست هي تلك القوة التي تشارك في بناء الوجود الواقعيّ. فالأفكار قادرة على تغيير العالم وتثويره، والاشتراكيّة تتّسم بالطابع الأيديولوجيّ، وقد برهنت على ذلك خلال النّصف الأخير من القرن العشرين، وتحتاج الأيديولوجيات لكي يتسنّى لها أن تكون نافذة المفعول ومؤثّرة، في النّاس الذين يقتنعون بها، وهؤلاء بدورهم يحتاجون إلى وسائل القوّة التي تتيح لهم إيجاد نفوذ أيديولوجياتهم في مختلف مجالات الحياة وشتّى مرافقها، وهذا ما يؤلّف في نهاية المطاف غاية كل أيديولوجيّة كما ينطبق في الدّرجة الأولى على الأيديولوجيات السياسيّة»([18]). فأيديولوجيّة العالم الثالث تتعدّى كونها مجرّد أطر سياسيّة لتحقيق الاستقلال السياسي والمحافظة عليه،«إنّها تحتوي في الأغلب على خطوط عريضة أو تصوّرات لما تطمح إليه قيادات تلك الشعّوب في تحقيق ثورات مماثلة، أو على الأقل إصلاحات على الصعيد الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ سعيًّا وراء بناء الدّولة الحديثة، والتغلّب على عوامل التمزّق والتّشرذم والعناصر الجامدة في الثقافة التقليديّة، وإنّ كلّ ذلك محكوم بالطبع بمدى تقدّم أو تخلّف البيئة، وإخلاص النّخبة التي تتصدّى لهذه المهام الكبيرة من خلال الشّعارات المطروحة والأيديولوجيّات المتبنّاة»([19]).

الوظائف السياسيّة

تؤثر الأيديولوجيا على السياسة بطرق مختلفة. فمن الممكن أن تحمل الأيديولوجيا نظرة أو منظور محدد يمكن من خلاله فهم العالم وتفسيره. وعلى سبيل المثال يمكن القول إن الذين يتبنون النّظريّة الماديّة التّاريخيّة لهم طبيعة تفسير للظواهر الاجتماعيّة والإنسانيّة وتحليلها، وكيفية التّعاطي معها بطريقة  مختلفة عن غيرهم. ووفقًا لذلك نرى أن هذه الأيديولوجيات هي المحدد الأساسي للأهداف السياسيّة والملهمة للفعل السياسي أيضًا. من زواية أخرى فإنّ معظم رجال السياسة يمتلكون أفكارًا، ومعتقدات وقناعات يحاولون طرحها وتطبيقها عند حيازتهم للسلطة. وكما يرى كارل مانهايم أنّ الأيديولوجيا لها وظيفة في المجال السياسيّ فهي: “منظومة فكرية تتعلق بالنّظام الاجتماعيّ والسياسيّ القائم دفاعًا عنه، أو تغييرًا له([20]). فمانهايم يعِدُّ أن الأيديولوجيا مفهوم أساسيّ في علم السياسة، وكذلك بجميع المظاهر الحضاريّة الأخرى بوصف أنّ العوامل الاجتماعيّة التي تشكل السياسة أو الإنتاج الفكريّ لا بد أن تعتمد على الأيديولوجيا.

نستنتج مما سبق أن هناك علاقة قوية وواضحة بين الأيديولوجيا والسياسة، تصل إلى حدّ التّماهيّ، حتى أن البعض يذهب بعيدًا في ربطه المفهومين، فيوحي لنا بأن الأيديولوجيا ما خُلقت إلا للسياسة، ولا يمكن لأيّ سياسة أن تعيش خارج نطاق الأيديولوجيا. لذلك فمن الطبيعي أن تكون الوظائف السياسية للأيديولوجيا متعددة، ويجمع غالبية الباحثين على إبرز هذه الوظائف وهي:

الأيديولوجيا آلية لتبرير السلطة وممارستها: يبرز التبرير كوظيفة من الوظائف السياسيّة للأيديولوجيا، بشكل كبير وفي معظم المجتمعات. إذ إنّه يعتمد من قبل الفاعلين السياسين لتبربر ما يقومون به، وذلك طبعًا ليس أمام الأشخاص الذين يماثلوهم أيديولوجيًّا، بل أمام الجمهور ما يتيح لهم استقطاب الأنصار المحتملين. وكما يعِدُّ بخلر أن في عبارة “أنا أقوم بهذا العمل السياسيّ لأنه …” فإن كل ما يمكن أن نملأ به نقط الحذف يدخل في إطار الوظيفة التّبريرية. ويجب أن تكون هذه الأدلّة مقنعة من أجل أن تفي بالغرض الذي وجدت من أجله، ومن جهة أخرى تستخدم من أجل إضفاء الشّرعيّة على الممارسة السياسية للسلطة والدّولة.

لقد أصبحت الأيديولوجيات أحد المصادر الرئيسة لإضفاء الشّرعيّة ويتمثّل في ذلك التأييد والإذعان، فهي تمدّنا بالتبريرات المختلفة للعمل السياسي، فالدّول لم تعد تعتمد على استعمال القوّة السافرة، ولكن يجب تغليف هذه القوّة في إطار أيديولوجي مقبول، فالأيديولوجيا تبرّر الطريقة التي تُنظّم بها السلطة وكيفيّة توزيعها واستعمالها، فكما يشير الباحث محمد علي اسماعيل« أنّه ليس هناك طبقة سياسية تعترف بأنّها تمارس الحكم انطلاقًا من سبب وحيد وهي أنّها تتكوّن من عناصر تعتبر أصح العناصر للحكم، ولكنّها دائمًا تجد مبررًا شرعيًّا لسلطتها فهي مبدأ مجرّد»([21])، وهذه المبادىء السياسيّة المجرّدة تتدرّج من الحق الإلهي للملوك إلى إرادة الشعب. وبالتالي لا يمثّل تبرير الشّرعيّة مجرّد مسألة للاستهلاك الجماهيريّ، فالجماعات الحاكمة نفسها تحتاج إلى تأكيد أنّ موقعها المسيطر يعكس نوعًا معيّنًا من العدالة، وتسعى كثير من النّظم الحديثة بشكل واضح إلى تبرير شرعيّتها عن طريق الأيديولوجيا» ([22])، ولم تظهر الدّول في أيّ وقت من الأوقات مثل هذه الحاجة الملحّة لتبرير نفسها فكريًّا ولتؤسّس مجال سلطتها بأسلوب أيديولوجي شامل.

فالقوّة وحدها لا تعدو أسلوبًا للقهر كما كان يتصوّر ماركس بأنّ المجتمع ومؤسّساته السياسيّة تعتمد على ممارسة السّلطة القاهرة بواسطة الطبقة الحاكمة من خلال سيطرتها على الدّولة، ولكن القهر وحده ليس كفيلاً بالعمل على الاستمرار في السّلطة.

فابن خلدون (1332-1406 إفرنجيّ) يرى ضرورة توافر القوّة المعنويّة المرتكزة إلى الأخلاق والدّين (أيديولوجيا) وجان جاك روسو (jean Jacques Rouseu) أيضًا حدّد أنّ الرجل القوي لا يمكن أن يكون دائمًا قويًّا»([23]).

فالنّظام الاجتماعي، حتى يعيش ويعمل، يجب أن يقام على غير القوّة، بل على سلطة الأيديولوجيا أيضًا، فالأيديولوجيا ليست فقط مجرّد تبرير امتيازات الطبقة السياسيّة وسلطتها، فهي أيضًا جزء فعّال في النظام الاجتماعي، الذي هو في حد ذاته إعادة إنتاج الإيمان في النّظام، وليس خوفًا منه فقط، ولذلك يجب إضفاء الشّرعيّة وذلك بقبول أعضاء المجتمع أخلاقيًّا وطوعيًّا إذا أريد للاستقرار أن يتأكّد، ولذلك «ليس غريبًا أن نجد في كل مجتمع مجموعة من التبريرات أو الأفكار السائدة تقوم بوظيفة مهمّة تتلخّص في إظهار التنظيم الاجتماعيّ، وبناء القوّة بالمظهر الطبيعي الذي يتّفق وطبيعة الأشياء، وعلى ضرورة أن ينصاع الإنسان للمجتمع وأن يتبع ما فيه من معايير قيميّة، وأن يتكيّف دائمًا مع النّسق القائم، بينما الأيديولوجيات المواجهة للأيديولوجيات السّائدة وهي تستبدل مسلمات بمسلّمات أخرى، تؤكّد إمكانيّة الإنسان على تغيير بيئته وعالمه وتحفّزه على ذلك»([24]). ولا تقتصر وظيفة الأيديولوجيا على مستوى الحركة السياسيّة على إعطائنا معايير المفاضلة بين بدائل محدّدة، ولا بالتبريرات المختلفة للعمل السياسي وإضفاء الشّرعيّة عليها. بل الأيديولوجيا تذهب أبعد من ذلك فهي تبرّر (أو تدين) توزيع المجتمع للمصادر النّادرة أو القابلة للنّدرة، وكنتيجة لذلك يُقبل هذا التّوزيع أو يرفض. فالأيديولوجيا أيضًا تبرّر الطريقة التي توزّع بها السّلطة وكيفيّة تنظيمها، وكيفيّة إستعمالها، ولذلك فالأيديولوجيا التي يتبنّاها المواطن تصبح هي قدرة لقبول أفعال السّلطة وذلك من خلال الحدود المعروفة والمحدودة. «فالأيديولوجيات هي منظومات من المثاليات، من الأهداف والغايات، والتي تساعد أعضاء النّظام لتفسير الماضيّ وشرح الحاضر وتقديم صورة المستقبل.

الأيديولوجيا آلية أساسيّة لإدارة الصّراع: فعلى المستوى الشّخصي تعمل الأيديولوجيا على مساعدة الأفراد لمواجهة الصّراع الدّاخليّ، وبالنّظر للآخرين تعطي تفسيرًا للأوجه المختلفة لحياة الأفراد، أمّا على المستوى العام للمجتمع فالأيديولوجيا تلطّف بعض الصّراعات من خلال قنوات تنافسيّة، ووجود الأيديولوجيا العامّة ينحو لتقليل أو خفض السّلوكيات المختلفة النّاتجة عن اختلافات حاجات الأفراد أو الأعضاء المختلفين، فالأيديولوجيا العامّة تصل لهذا بخلق حاجات عامّة بين الأعضاء وبذلك تقدّم وسيلة عامّة لتعبّر عن الحاجات المختلفة([25]). وأكثر من ذلك، إنّ إستمرار التّكوينات المختلفة للمجتمعات يتطلّب ليس فقط السيطرة على الصّراع، بل العمل على تكامل أعضاء هذه المجتمعات، وذلك لأنّ المجتمع عادة يغزو من داخله بعدد من أفراده وهم يحتاجون إلى تربيتهم وتسييسهم: «فكل مجتمع يغزو من خلاله بموجات الأجيال الجديدة الذين يجب أن يتعلّموا السلوك الاجتماعيّ المناسب. فمن خلال الأيديولوجيا يعبأ الأعضاء الجدد بالأفكار والمثل العليا بهويّة عامّة، وارتباط الأعضاء في النّظام الاجتماعيّ تدعيمًا للمجتمع، من خلال التربيّة كوسيلة لتقديم الإنسان إلى المجتمع»([26]).

وتؤدي الأيديولوجيا دورًا مهمًّا أيضًا في الصّراع من أجل السّيطرة على عقل الجماعات والشعوب وفكرها، وما عمّق من هذا الدور الثورة المذهلة في وسائل الاتّصال، الأمر الذي ساهم مساهمة فعّالة في تحديد دور الإنسان وخاصة في المجتمعات الصناعيّة أو الاستهلاكيّة. أمّا بخصوص إدارة الصّراع فإنّ الأيديولوجيا تساهم بقوة في إدارة الصّراع على المستويين الخارجّي والدّاخليّ.  فما بين الحربين العالميتين، وأثناء الحرب الباردة، شهد العالم توترات أيديولوجيّة حادة. ولقد كان للمنظرين السياسيين دور بارز في تلك التوترات، فلقد صوّر المنظرون الليبراليون على سبيل المثال “الأنظمة الحاكمة التي ظهرت في إيطاليا الفاشستية وألمانيا النازية وروسيا الستالينية، كأنظمة حكم قمعية فريدة وجديدة من النّاحيّة التّاريخيّة وألقوا الضوء على الدّور الذي أدّته الأيديولوجيات الرّسميّة في كبت الجدل والنقد وإشاعة الطاعة العمياء”([27]). بينما نجد في تلك الدّول السّابقة الذكر وغيرها أيضًا -خاصة أولئك الذين تعرضوا للاحتلال- أنساقًا فكريّة أيديولوجيّة ترى الدّول الغربيّة أنّها أنظمة إمبرياليّة لا تهدف إلا إلى استغلال الدّول والشّعوب اللاغربيّة والسيطرة عليها. فهذه التّقنيات تُسهم في جعل الأيديولوجيا تمتلك طابعًا شموليًّا وتُوظف كأدوات للضبط الاجتماعيّ لتضمن الطّاعة والخضوع الاجتماعيّ والمجتمعيّ. وعلى المستوى الدّاخليّ تُسهم الأيديولوجيّا في تفسير الأوجه المختلفة لحياة الأفراد وتساعد على المواجهة في الصّراع الدّاخليّ، هذا على المستوى الفرديّ. وتقوم الأيديولوجيّا بتلطيف الصّراعات من خلال خلق حاجات عامة بين الأعضاء، على المستوى العام.

الأيديولوجيا آلية لتحقيق الهويّة والتّعبير عنها: إن الأيديولوجيات تؤدي دورًا مهمًّا من خلال وظائفها السّابقة الذّكر، وآليات عملها في خلق رابطة مهمّة وقوية بين الأفراد الذين يعتنقونها. وهذه الرّابطة تتيح توطيد العلاقة الموجودة بين أفراد المجتمع من خلال المؤسسات الرّبطيّة التي تنشأ على أساس هذه الأيديولوجيات، من أحزاب، أندية، حركات وتيارات سياسية وغيرها. تُسهم كلها في تأطير المناصرين وتشد وثائق الرّوابط بينهم. أيّ بعبارة أخرى إنّها تؤدي وظيفة دمج وتوحيد الرؤية والأهداف السياسية والتكتيكات، بالإضافة إلى طريقة الحياة وأسلوبها. هذه النّظرة الموحدة إلى الحياة وخاصة السياسيّة منها تُغذي الشّعور العميق بالانتماء القوميّ والولاء لمجتمع معين وبالتالي تؤكد وترسي الهوية. فالأيديولوجيا تسعى إلى تحقيق الذّات القوميّة وذلك من خلال التّماسك والوحدة داخل الدّولة «إنّ الإشتراك العام في مجموعة من الأفكار يؤدّي إلى دمج الأفراد في جماعة أو حزب أو حركة، فالأفكار التي يتم إاعتناقها بشكل عام تُحدّد الأشياء المقبولة والمهام التي يجب إنجازها، وفي الحقيقة أنّ جميع الأيديولوجيات تؤدّي وظيفة مهمّة هي أن تخلق ارتباطًا وجدانيًّا بين الأفراد. فالأفراد يكونون فخورين بأفكارهم وفخورين ببعضهم البعض وبكل أولئك الّذين يشاركونهم هذه الأفكار، فهم ينتمون إلى الجماعة التي تؤيّدهم مثلما ينتمي البعض إلى أُسرهم. علاوة على ذلك فإنّ جسدًا متماسكًا يمثل في الأيديولوجيا التي يعتنقها عدد معيّن من الأفراد يجعل الاتّصال في ما بينهم أمرًا أكثر سهولة. فالأيديولوجيّة تقدّم مفاهيم على درجة عالية من السّهولة وذات معنى خاص، فالمفاهيم تكون لها معانٍ خاصة وتُفهم بسهولة من جانب أولئك الذين ينتمون إلى جماعة معيّنة، وتساعد الآخرين على وضعهم داخل نطاق أسرة أيديولوجيّة معيّنة. ومن ثمَّ فالأيديولوجيات تسهّل الاتّصال، وتجعل المساعيّ المشتركة أمرًا أكثر سهولةً بالنّسبة إلى أولئك الذين يعتنقونها»([28]).

إنّ الأيديولوجيّة بأفكارها العامّة المشتركة تدمج الأفراد في التّكوين أو الجماعة أو حتى حزب أو حركة، فهذه الأفكار العامّة على حدّ تعبير علماء السّياسة: «تحدّد الأشياء المقبولة والمهمّات التي يجب تحقيقها، الأيديولوجيات تؤدي الدور نفسه الذي أدّاه الطوطم Totems  والتّابو Taboos  في القبائل البدائيّة، وذلك بتحديد ما هو عام للأفراد وما هو مغترب أو غريب»([29]). الشّيوعيّة السوفييتيّة توحّد هؤلاء الذين يعتنقونها، وتصف العالم الخارجيّ بأنّهم أعداء، كل الأيديولوجيات تؤدّي وظيفة الدّمج والتّوحيد للذين يشتركون فيها، ولكن بدرجات متنوّعة من النجاح. فالحركات السياسيّة وكل الأحزاب السياسيّة تعطي معنى للأهداف العامّة وللأعمال العامّة. «وقد كانت القوميّة قوّة دمج وتوحيد وساهمت في ظهور الدّولة القوميّة»، فالأيديولوجيا تؤدّي وظيفة الدّمج وإعطاء إحساس بالهويّة لأولئك الذين يشتركون في اعتناقها. فهي تقوم بربط مؤسّسات المجتمع بعضها ببعض وتعمل على تأكيد الهويّة وذلك من خلال «تحديد الأدوار وتأكيد الشخصيّة من خلال هذه الأدوار»([30]).

إنّ كل المجتمعات في مراحلها الأولى من التنميّة تمر بشكل خطير في توترات ثقافيّة عديدة، وتساعد الأيديولوجية، التي غالبًا ما تُصاغ بشكلٍ واعٍ ومتعمّد بهدف بناء السّلطة، تساعد على تضليل آثار تلك التّوترات، وتلك هي الكيفيّة التي تؤدّي بها الأيديولوجيّة وظيفتها النّظاميّة. وبالمثل ففي حالة التنشئة الاجتماعيّة المتنافسة الجديدة منها والتقليديّة، تجعل من مشكلة الهويّة مشكلة معقّدة، وعلى ذلك سأستخدام الأيديولوجيّة لإدخال قدر من التماسك، فالأيديولوجيا تحدّد هويّة الإنسان «فالأيديولوجيا ليست هي فقط التي يرى بها أو من خلالها الإنسان عالمه، ولكنّها أيضًا مرآة يرى فيها نفسه ونافذة من خلالها يراه الآخرون»([31]). فالأيديولوجيا هي طريقة الإنسان والأمّة يجدون أنفسهم من خلالها، ويرون فيها أنفسهم، ومن خلالها وفي ضوئها يراهم الآخرون ويفسّرون أعمالهم وبتعبيرٍ آخر، الأيديولوجيا تحدّد وجود الإنسان والجماعات، فهي آليّة خاصّة ومهمّة لتجديد الهويّة للشّباب والمجتمع وإيجاد أنفسهم. فهم يميلون إلى الأيديولوجيات في بعض الأوقات تلك التي ترفض النظام القائم وتبدو مغرية لمواجهة المستقبل الجديد»([32]). فمن خلال الأيديولوجيا يمكن تحديد معنى الانتماء للحياة، فحياة الإنسان ليست منفصلة، ولكنّها مغروسة في ميكانيكيّة التعاضد واللّحمة المجتمعيّة والتاريخيّة، مرتبطة بالماضي ومتوجّهة إلى المستقبل. فالأيديولوجيا كأداة لتحديد الهوية هي أكثر من الصورة الخياليّة، فالأيديولوجيا تمدّهم بلغة سهلة وعامّة وبمفاهيم خاصة مثل «القطط السمان»،أو «الخنازير» عند وصف «الرّأسماليّ»، أو «الرّجعيّ» أو«الإرهابيّ»، هذه المفاهيم مفهومة للذين يستعملونها فتجعلهم يتّصلون بعضهم بعض بسهولة أكثر من ذلك. فهذا الجانب في الأيديولوجيا يساعد على الرّبط العاطفي بين المنتمين لأيديولوجيا محدّدة، «فالنّاس منحازون بأفكارهم لبعضهم البعض، والذين يشاركونهم في هذا»([33]). ولا تقتصر وظيفة الأيديولوجيا على ذلك فحسب بل هي تمدّنا بآليّة للتّعبير عن متطلباتنا ومصالحنا وآمالنا، وحتى دوافعنا الشخصيّة.

فالأيديولوجيا وسيلة لتبرير المصالح الماديّة وحمايتها أو هي وسيط قوي لتحقيق هذه المصالح، فالليبراليّة نُظر إليها كمبرّر لمصالح الأغنياء والملاك، بينما نظر إلى الماركسيّة كأداة للعمّال والفقراء. ولكن يرد آخرون أن الأيديولوجيا لا تعبّر عن مصالح الإنسان الاقتصاديّة فقط، وإنّما يمكن للأيديولوجيات أن تعبّر عن دوافعهم العاطفيّة والشخصيّة بل وتعبّر عن شخصيّة الإنسان. فالشّخصيّة الاستبداديّة على سبيل المثال يمكن أن تجد نفسها في التّعبير عنها وتحقيقها حسب منظور أريك فروم (Erich Fromm) من خلال الخضوع([34]). فالأيديولوجية يمكن أن تعطي آليّة للتّعبير عن الشّخصيّة الإنسانيّة ودوافعها، وتعمل عادة على ربط المتشابهين في العقليّة من النّاس معًا، المؤيّدون لقضيّة ما والمعادون لها. فالشيوعيون والمحافظون، كل منهم يمكنهم التّعبير عن عواطفهم من خلال أيديولوجيتهم الخاصة وهكذا.

الأيديولوجيا آلية للتّعبئة والسيطرة: طالما أن البعض يُعرّف الأيديولوجيا بوصفها نسق فكريّ وعقائديّ معين، بالتّالي فمن الطبيعيّ أن تكون هذه الأفكار مادة جذب مهمة للنّاس خاصةً وأنّها تُعنى بالواقع القائم أو ما يجب عليه أن يكون، أو الاثنين معًا. ومن أجل فهم أوضح لهذه النقطة فمن المجدي العودة إلى ما قاله بخلر: “السياسة بطبيعتها تهتم بحفظ الأمن الخارجيّ وضمان التّلاحم الدّاخليّ، هذان الأمران لا يمكن ضمانهما بواسطة نشاط اجتماعيّ متميز، إذا لم تكن الحياة الإنسانّية تتضمن تهديدًا دائمًا بالصّراع أو الفوضى. فالسياسة تهتم بالاختلاف أو بالصّراع سواء بين أعداء أو بين خصوم، وحيث إن الصّراع في السياسة لا يكون بشكل فرديّ فإن الأيديولوجيا تقوم بوظيفة خلق تعارف بين الأصدقاء وتعیین للأعداء، فتعمل على إيقاظ مشاعر بدائية جدًا بحيث تدفع الفرد إلى الذّوبان في جماعة، وحثه على استخدام العنف ضد كل ما لا ينتمي إلى هذه المجموعة”([35]). فتحريك هذه التكوينات والمشاعر تُساهم في تعبئة الناس عامة والممثلين لهم أيضاً في سبيل بلوغ أهداف الأيديولوجيا.  وتسعى الأيديولوجيا للعمل كقوّة ديناميكيّة في حياة الإنسان الفرد والمجتمع، فتمدّنا بأهميّة المهمّة والأهداف ونتائج الالتزام بالعمل. فالتوجيهات الإرشاديّة للأيديولوجيا ليست هي معايير للعمل فقط، ولكّنها تثمين الأهداف التي يجب تدعيمها: «فكلّ أيديولوجيا تطرح الوعود بحياة فاضلة»، وعلى مستوى التكوينات المختلفة في المجتمعات، نجد أنّ الأيديولوجيات تساعد على تعبئة الجماهير في كل ما هو متماسك وملتزم، وتحفّز هؤلاء للعمل والحركة «فهي تحفّز النّاس للعمل والتّضحيّة، والأيديولوجيا تحشد همم النّاس وتساهم في التطوّر الاقتصادي وتدافع عن أراضيهم وتبنيّ الإمبراطوريات، وتجاهد للدّفاع أو الجهاد ضد عدو أو لقلب نظام سياسي»([36]).

فالتعبئة تمثّل إحدى الوظائف الأساسيّة للأيديولوجيات السياسيّة الحديثة. وتتضمّن هذه الوظيفة عمليّات مختلفة فيها جذب للأفراد الذين يكونون على استعداد للعمل وتقديم التضحيات المختلفة التي يتطلّبها العمل السياسيّ، وتعمل الأيديولوجيا أيضًا على إعادة إيقاظ أو إعادة تحريك، أو في بعض الأحيان يسمّونها إعادة الدّفع والتّحريك للتّكوينات التي أصبحت راكدة، وتقوم الأيديولوجيا أيضًا بعمليّة التسييس للعناصر غير المهمّة سياسيًّا، كما تقوم الأيديولوجيا أيضًا بالإضافة إلى التعبئة على المستوى العام بالتعبئة على مستوى النخبة.

فعلى هذا المستوى يمكن أن تقوم الأيديولوجيا بتعبئة المثقّفين حتى يكونوا مرتبطين بالوضع الرّاهن، وقد تكون عمليّة التعبئة هذه مخطّطة أيضًا، وذلك للسيطرة على وعي النّاس وإدراكهم، وبالتالي تسعى لصياغة فرضيات محدّدة تحفّز النّاس للعمل والحركة وذلك لتحقيق غايات حدّدها القائمون على السّلطة، فهم على سبيل المثال ربّما يدعون إلى السّلام من أجل الحرب، أو الدّعوة إلى الحريّة من أجل بناء نظام استبداديّ، والدّعوة إلى الاشتراكيّة من أجل تكريس مصالح ومكانة التكوين الاجتماعيّ السّائد المستفيد، «فالتلاعب والسيطرة قريبان جدًا من الدعاية، وفي الحقيقة ليس هناك نظام سياسي لا يمارسهما معاً- في بعض الأحيان بحسن نيّة وفي الأحيان الأخرى بنيّة سيّئة- فالتلاعب الأيديولوجي يعمل على ترشيد التأييد وتنظيمه لغايات غير محدّدة ومسيطرًا عليها من القيادة»([37]).

فتستعمل الأيديولوجيا لامتصاص الإحباطات المختلفة التي تعاني منها جماهير النّاس «وبهذه الطريقة فإنّ الأيديولوجيا يمكنها أن تضرب على الوتر الحسّاس للجماهير، وفوق ذلك إنّ الأفراد المحيطين لا يرغبون في تحليلات معقّدة أو تفسيرات دقيقة لمأزقهم، وعلى الأرجح فإنّهم يرغبون في إجابات بسيطة على ما هو خطأ، ويرغبون في حلول قصيرة الأجل لمحنتهم([38]). وقد عبّر عن هذا جون بلاميناتز قائلاً: «من الصحيح أن الأهداف التي يفترض أنّها أهداف مشتركة والأيديولوجيات التي تدعمها تعمل على بقاء النّاس في السلطة أو تعيّنهم على بلوغها بالدأب أو باكتساب تأييد الجماهير. وغالبًا ما يستعمل أصحاب السّلطات أو من يسعون إليها أهدافًا مشتركة وأيديولوجيات لا يؤمنون بها في خدمة مطامعهم»([39]). بيد أنّ ما تؤدّيه الأيديولوجيا يجاوز في الغالب العمل على تماسك المجتمع أو الجماعة بإيهام أعضائه أو أعضائها بأنّ لهم أهدافًا مشتركة وبأنّهم يسعون بعقلانيّة وراء بلوغها.

خاتمة

ظهر من خلال هذا البحث أن الوظائف السياسية للأيديولوجيا متنوعة. وكما أن المفهوم لم يحظى بإجماع فإنّ الباحثين السياسيين والاجتماعيين لم يتفقوا على أن هناك وظائف محددة وثابتة للأيديولوجيا. ومن المهم الإشارة إلى عمق الارتباط والتداخل بين تلك الوظائف فالواحدة منها تشكل جزءًا من الأخرى أو مدخلًا معيّنًا للوظيفة الأخرى. فعلى سبيل المثال عندما يقوم الفاعل السياسيّ باستخدام الأيديولوجيا كوظيفة للتعبئة والتجميع سواء في إطار تيار حزبيّ أو سياسي فهو يتيح للأفراد المعتنقين هذه الأيديولوجيا تعزيز الارتباط في ما بينهم، وتوحيد نظرتهم وتثبيت انتمائهم وهذا ما يعطي ذلك الجمهور المؤدلج آلية محددة وواضحة تحدد نظرته إلى الآخرين المغايرين عنه أيديولوجيًّا، وفي الوقت نفسه تسمح له بالدفاع عن نفسه أمام الآخرين. من هنا نرى كيف أن وظيفة التعبئة ساهمت في إرساء الهوية وفي تحديد آلية إدارة الصّراع، وكذلك يسهم التبرير في الدّفع باتجاه إدارة الصّراع ، فعندما قام كتًاب مختلفون من أمثال كارل بوبر، وحنة آرندت، وجيه إلتالمون، وبرنارد کريك، وكذلك منظرو نهاية الأيديولوجيا باستخدام مصطلح الأيديولوجيا بطريقة شديدة التقييد، جاعلين من الفاشستية والشّيوعيّة نماذج رئيسة لها. “فوفقًا لهذا الاستخدام، تُعد تلك الأيديولوجيات أنساقًا فكريّة مغلقة، ترفض من خلال إدعائها احتكار الحقيقة وتحمّل الأفكار المعارضة والمعتقدات المنافسة. وهكذا هم صاروا يعدُّون الأيديولوجيات أديانًا علمانيّة من حيث أنّها شموليّة الطابع، وتُوظف كأدوات للضبط الاجتماعيّ لتضمن الطاعة والخضوع. بينما يعدُّ بوبر أنّ الليبرالية مثلاً التي تقوم – كما هي حالها – على التزام أساسي بالحرية والتّسامح والتنوع هى أوضح مثال على النّسق الفكريّ المفتوح   (Popper1946)  وبالتّالي فإنّه يكون قد نزع عن الليبرالية صفة الأيديولوجية. ولكن الليبرالية كالماركسية، والتّيار المحافظ كالفاشستي. “فلقد نظر مارکس إلى الأفكار الليبراليّة والمحافظة بوصفها أفكارًا أيديولوجيّة لكنه حسب أفكاره هو علميّة؛ وبالمثل يصنف الليبراليون الشّيوعية والفاشستية بوصفها أيديولوجيات ولكنهم يرفضون التسليم بأن الليبراليّة هي أيديولوجيا. ويدين المحافظون التقليديون الليبرالية والماركسية والفاشستية بوصفها أيديولوجيات، ولكنهم يصورون الفكر المحافظ بوصفه مجرد نزعة.

في الخلاصة يمكننا القول إنّ مفهوم الأيديولوجيا هو مفهوم بالغ الدّلالات متعدد الوظائف وله مزايا واضحة إنّه جامع وشامل. ولقد تناوله العلماء السياسيون والاجتماعيون والباحثون بطرق مختلفة. فمرات كان يوحي فقط بالسلبية ومرات بالإيجابية، يُعبر عنه نسقًا مغلقًا من الأفكار في حين ونسقًا مفتوحًا حينًا آخر. ولعل التعريف الذي قدمه مارتن سيلجر هو التعبير الأوفى عن هذا المفهوم خصوصًا أنه قام بتحريره من الأحكام، فالأيديولوجيا لا جيدة ولا سيئة، ولا صادقة ولا كاذبة، ولا منفتحة ولا مغلقة، ولا محررة ولا إكراهية، وإنّما تستطيع أن تكون كل تلك الأشياء. ولا شك أن دلالات هذا المفهوم سوف تتطور مع تطور الزمن والعلم.

مراجع البحث

  • أندرو هيود مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية ، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2012.
  • Antoine Louis Claude Destutt de Tracy’s Elements of Ideology, Volume 1: Ideology.
  • https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/ideology.
  • عبدالله العروي، مفهوم الأيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثامنة، 2012.
  • The concept of political https://tinyurl.com/y9osrmac

6- جورج طرابيشي، الماركسية والأيديولوجيا (بيروت: دار الطليعة).

7- عبدالله العروي ، مفهوم الأيديولوجيا (بيروت: المركز الثقافي العربي 1988).

8- نديم البيطار، الأيديولوجيا الانقلابية (بيروت: المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر، 1964).

9- عبدالله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (بيروت: دار الحقيقة، 1981(.

10- انظر إلى تحديد مفهوم الأيديولوجيا عند ناصيف نصار، طريق الاستقلال الفلسفي (بيروت: دار الطليعة، 1970).

11- Dodd.Mead&company,1791-  Reo M. christemson, Ideologies, New York:

12- محمد أحمد إسماعيل علي: الأيديولوجيا العربيّة والتنميّة المجتمعيّة، الوحدة، ديسمبر، 1990 (إفرنجي)، ص 91.

13- جاكوب باريون، ما هي الأيديولوجيا؟ ترجمة د. أسعد رزق، (بيروت: دار العلمية 1971 ، ص 105.

14- محمد ربيع،الأيديولوجيات السياسيّة المعاصرة، الكويت، الكاظمة للنشر، 1979.

15- الأيديولوجيا في الدين والسياسة، غيضان السيد علي، مجلة الاستغراب، شتاء 2017.

16- سمير أيوب، تأثيرات الأيديولوجيا في علم الاجتماع، بيروت معهد الإنماء العربي 1983.

17- J.J Rouseu.Thesocial Contractand Discourses Manchester: C.Nicolla&Company 1973.

18- David Krech et al. The Individual and society (New York: McGraw-Hill1962) p. 402.

19- Reo M. christemson. Op.Cit, pg 16.19.

20- انظر: أريك فروم، الخوف من الحرية، ترجمة: مجاهد مجاهد، بيروت، المؤسّسة العربية للدراسات، 1972

21- بخلر، وظائف الإيدييولوجيا، ضمن ملف الإيديولوجيا، ترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دفاتر فلسفيّة، العدد 8، المغرب،. دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 2006.

22- جون بلاميناتز، الايديولوجية: مفاهيمها وتطورها في الواقع التّاريخيّ والسياسيّ، ترجمة د. إسماعيل علي سعد، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية 1190.

1– أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية، العلوم الاجتماعيّة.

[2] – أندرو هيود مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2012، ص 14.

[3] –  Antoine Louis Claude Destutt de Tracy’s Elements of Ideology, Volume 1: Ideology

[4] – https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/ideology

5 – أندرو هيود، مدخل إلى الايديولوجيات السياسية، إصدار المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2012، ص 20.

 9- عبدالله العروي، مفهوم الايديولوجيا، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثامنة، 2012، ص 9.

  7- The concept of political https://tinyurl.com/y9osrmac

[8]  – جورج طرابيشي، الماركسية والأيديولوجيا (بيروت: دار الطليعة1971 )، ص12.

[9] -عبدالله العروي ، مفهوم الأيديولوجيا (بيروت: المركز الثقافي العربي 1988 ، ص139

[10]  – نديم البيطار، الأيديولوجيا الانقلابية (بيروت: المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر، 1964)، ص54.

[11]  – عبدالله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (بيروت: دار الحقيقة، 1981)، وعبدالله العروي، مفهوم الأيديولوجيا، ص 139.

[12]  – انظر إلى تحديد مفهوم الأيديولوجيا عند ناصيف نصار، طريق الاستقلال الفلسفي (بيروت: دار الطليعة، 1970)، ص 52-53.

[13] -Reo M. Christemson, Ideologies, New York: Dodd.Mead&company, 1791, pg 14.

[14]– محمد أحمد إسماعيل علي: الأيديولوجيا العربيّة والتنميّة المجتمعيّة، الوحدة، ديسمبر، 1990 (إفرنجي)، ص 91.

[15]– Reo M. Christemson. Op.Cit, pg 15.

[16] – محمد أحمد إسماعيل علي، مرجع سابق، ص 92.

[17]– محمد أحمد إسماعيل مرجع سابق، ص 106.

[18]– جاكوب باريون، ما هي الأيديولوجيا؟ ترجمة د. أسعد رزق، بيروت: دار العلمية 1971 ، ص 105.

[19]– محمد ربيع، الأيديولوجيات السياسيّة المعاصرة، الكويت، الكاظمة للنشر، 1979(إفرنجي)، ص19.

[20]   -الأيديولوجيا في الدين والسياسة، غيضان السيد علي،مجلة الاستغراب، شتاء 2017

[21]– محمد أحمد إسماعيل، علي، مرجع سابق، ص 91.

[22] – محمد أحمد إسماعيل ، مرجع سابق ص 92.

[23]-J.JRouseu.ThesocialContractandDiscourses Manchester:C.Nicolla&Company, 1973, p 208.

[24] – سمير أيوب، تأثيرات الأيديولوجيا في علم الاجتماع، بيروت معهد الإنماء العربي، 1983، ص92.

[25] -David Krech et al. The Individual and society (New York: McGraw-Hill1962) p.402.

[26] -Reo M. Christemson. Op.Cit, pg 16.

[27]   – أندرو هيود، مدخل إلى الايديولوجيات السياسية، اصدار المركز القومي للترجمة، الطبعة الاولى 2012، ص 19.

[28]– محمد إسماعيل علي، مرجع سابق، ص 93.

[29]– R.Macridis.op.p 7-9.

[30] – محمد إسماعيل علي، مرجع سابق، ص 93.

[31] -R.Christenson.op.cit.p 17.

[32] – المرجع السابق نفسه، ص 18.

[33] -R.Christenson.op.cit.p 8.

[34] -أنظر:أريك فروم، الخوف من الحرية، ترجمة: مجاهد مجاهد، بيروت، المؤسّسة العربية للدراسات، 1972 (إفرنجي)، ص 113-221.

 [35] – بخلر، وظائف الإيدييولوجيا، ضمن ملف الإيدييولوجيا، ترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبدالعالي، دفاتر فلسفية، العدد 8، المغرب،. دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 2006 ، ص 52

[36]  -R.Christenson.op.cit.p 18.

[37] – R.Christenson.op.cit.p 8.

[38]– إسماعيل محمد علي، مرجع سابق، ص 93.

[39]– جون بلاميناتز، الايديولوجية: مفاهيمها وتطورها في الواقع التاريخي والسياسي، ترجمة د. إسماعيل علي سعد، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية 1190، ص

151.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.