المنهجيّة الحضاريّة في القرآن الكریم

0

المنهجيّة الحضاريّة في القرآن الكریم

(دراسة حالة: الولاة الحضاريون في القرآن الكریم)

زهرا سلیمانيّ)[1](

أصغر منتظر القائم)[2](

الملخص

یقدّم القرآن الكریم برامج لمراحل الحياة البشريّة جمیعها. وتُعدّ الحضاريّة من القضايا المدروسة في القرآن الكريم. وتُشیر الآيات القرآنيّةـ مباشرة أو غير مباشرة، إلی كثير من الحضارات، والدول، والحكام الكبار في التّاریخ البشريّ. قد تؤدي دراسة الحكومات البشريّة في ضوء المنظور القرآنيّ إلی استنباط النّظريّة القرآنيّة في ما یتعلق بالحضارة الإلهية. یهدف هذا البحث، في ضوء المنهج الوصفي التّحلیليّ، وبناءً علی المصادر الأصليّة، إلی دراسة مؤشرات الولاة في الحكومات الإلهية القرآنيّة وتبیینها، بوصفهم أنموذجًا في مسار بناء الحضارة الدّينيّة. یتبيّن بعد الدّراسة أنّ القرآن الكريم يؤكّد خصائص، كالائتمان، والمحبة، والكفاح ضد الفساد، والعدل و… كنماذج من مؤشرات الولاة الربانيّين. يمكن من هذا المنطلق، عدّ مجموعة المیزات المذكورة في القرآن الكریم لولاة الحكومة الدّينيّة كأنموذج مثاليّ في مسار بناء الحضارة الإلهية للبشر الذي صُمّم وعُرض بالذّكاء والوعيّ والدّقة.

الكلمات الرئيسة: القرآن الكريم، الحضارة، الحضاريّة، الولاة.

التّمهيد

إنّ القرآن كتاب الهدایة والتّاريخ، والتّاريخ ذُكر فیه كأداة للاعتبار والهدایة، فتتناول ثُلُث آیاته التاریخ البشري، على الرّغم من أنّه لم ينزل لذكر التّاريخ البشريّ. يصوّر القرآن تاریخ الأنبياء، والأمم والملوك كألواح من جديد ما یجسّمها كأنّها تحدث الآن ویحثّ النّاس في كثیر منها، علی مشاهدتها كوقائع تاريخيّة حیّة بتعابير ك‍«أَ لَمْ تَرَ…»، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كيْفَ فَعَلَ رَبُّك بِعَاد﴾ (الفجر: 6).

یصف الكتاب السماويّ الأنبياء كحكام حضاريّين في الأرض، ويذكر الخصائص الإنسانيّة كالإيمان، والأخلاق، والعلم، والعدل، والخصائص غير الإنسانيّة كالزّراعة، والمطر، والصّناعة، والأرض كمؤشرات حضارية. ويُعِدُّ مجموعتها صانعةَ الحضارة، إن تجمع بعضها إلی بعض بالصّحة والمنهجيّة.

لا يشیر القرآن إلی حضاريّة الأنبياء، ولكن القارئ یستنبط بالتّعمق في الآیات القرآنيّة أنّ اتّصاف الأنبياء الربانيّين بصفات كالعلم، والحكمة، و… ينمّ عن دورهم الحضاريّ، ویحاول الكتاب السماويّ وصف الحضارات الماضية في أشكال قصص ذات العِبر، أن یدعو الإنسان الرّاهن إلی أن یتدبّر فيها، ویسعی من وراء هذا التّدبر إلی بناء حضارة تقتبس مؤشراتها الصّحيحة من تلك الحضارات، وتحترز عن عوامل انحطاطها. نقوم في هذه الدّراسة، بتعريف مصطلحيّ الحضارة والحضاريّة، ثمّ نبيّن موضوع البحث.

سمّيت «المدنيّة»)[3]( ب‍«الحضارة» في اللغة العربيّة واشتقت من مادة «م‌د‌ن»، وتدلّ علی الإسكان في المدينة، بعبارة أخری تعني التّخلق بالمدنيّة، أو أخلاق المدنيّة (محمدي،1373، ج1، ص45 ور.ك: شریعتی، 1359، ج1، ص 4-5). تكتسب كلمة الحضارة معانٍ متنوعة في المنظورات المتعدّدة؛ علی سبیل المثال، عند الأثريين ترتبط الحضارة بالمعالم الفنيّة والأثريّة، وعند المؤرخين تطلق علی میراث المجتمع الذي ينقل إلی الجیل القادم، وعند علماء السیاسة يُعبّر بها عن العلاقات الخارجيّة بين الدّول، والشؤون الدّاخليّة في البلاد (ابن خلدون، 1996، ص 217-218). ذكر ویل دورانت: «إنّ الحضارة یمكن اعتبارها بشكل كليّ نظامًا اجتماعيًّا يتیح المجال لظهور الإبداع الثقافي وتطوره» (دورانت، 1370، ج 1، ص 5).

على الرّغم من أنّ الإمام الخميني(ره) لم يقدّم تعريفًا للحضارة، ولكن تدلّ بعض كلماته أنّ أكثر عناصر الحضارة أهمّيّة تكمن في مدی قدرتها علی تربية البشر لا في معالمها الماديّة. وعلی ذلك، لم يُعِدَّ الإمام الخميني(ره) الثقافة الغربيّة حضارة من أجل رؤیتها الأحاديّة الجانب إلی الإنسان، على الرّغم من جمیع قدراتها علی إنتاج الصناعات البشريّة (خمینی، 1357، ص 8). لذلك، يمكن إطلاق الحضارة علی ما حصل علیه الإنسان من الإنجازات الماديّة، والمعنويّة التي يضمن له صحّته، وسعادته في الجوانب المتعدّدة. أمّا المراد بالحضارة في هذا البحث، فهو دراسة الأوضاع المنشودة لجوانب حياة الأمم التي عاش الأنبياء بينهم، أو عاشروهم سواء بأنفسهم مباشرة، أو بشخصیاتهم غیر مباشرة.

الحضاريّة (بناء الحضارة) هي: برامج استراتيجيّة لتنظیم الأنظمة السیاسیّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والاقتصاديّة لبناء حضارة جديدة (منتظر القائم، 1391، ص 172). وقد اهتمّ القرآن بأنشطة الأنبیاء اهتمامًا خاصًّا، ووصفهم كحكام ربانيّين في الأرض، كذلك هناك إشارات إلی أنشطة الأنبياء في العهد القديم، من المُسَلَّم به أنّ العهد القديم لا یمكن الاعتماد علیه من حیث المصداقية، والوثاقة، والمحتوی من أجل تعرضه للتّحريف، مع ذلك، یری الإسلام أنّ هناك آثارًا من توراة موسی(ع) بقيت، ویمكننا أن نجدها في كتاب الیهود، إذ إنّهم حفظوا أجزاء من التوراة ونسوا أجزاءها الأخری، بعبارة أخری لم يحفظوها جمیعها. وقد قال الله تعالی: ﴿… قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كثِيراً…﴾ (الأنعام: 91). نهدف من وارء ذكر التوراة أن يطّلع القارئ علی وجهة نظرها في ما يتعلق بأنبياء بني إسرائیل وحكامهم، وعلى الرّغم من أنّنا نوافقهم في بعض من القضایا، ألّا أنّنا نخالفهم في كثیر منها وخصوصًا في ما يتعلق بعصمة الأنبیاء. ولكن نظرًا إلى عنوان البحث، یجب الاهتمام بالعهد القدیم، والاستفادة منه كمصدر أصليّ إلی جانب القرآن الكريم؛ لأنّه قد يقدّم صورًا واضحة عن بعض الوقائع االتّاریخيّة للأنبیاء. انطلاقًا من ذلك، يجب علی المؤرخين المسلمين أن يعيدوا النّظر في منزلتهم الحقيقيّة في ما يتعلق بدراسة القضایا التّاريخيّة من منظور الكتب المقدّسة.

لم تدرس التّفاسیر أنشطة الأنبياء في بناء الحضارة مباشرةً، ولكنّها تشمل مباحث عميقة، ودراسات دقيقة في ما یتعلق بالآیات القرآنيّة ما قد نجد في تضاعیفها رؤی سیاسية واجتماعية. غالبًا ما تقدّم المصادر التّاریخيّة معلومات عامة عمّا یتعلق بالأنبیاء حیاتهم وإنجازاتهم. أمّا الدّراسات الحديثة فقلّما تناولت هذا الموضوع (أي دراسته تاریخ الأنبياء من منظور الحضاريّة)، ولا شكّ في أنّ ذلك يعود إلی رؤية الدّارسین؛ لأنّ بعضهم لا یعدُّون دورًا للأنبياء في بناء الحضارات، وبعضهم يرون أنه لا يمكن تطبیق منهجهم علی المجتمعات الحديثة، ولو كان لهم دور في الحضارات القديمة. نظرًا إلى أهمّيّة الموضوع ووصولًا إلی أهداف البحث، يطرح السؤالان الآتيان نفساهما في ما يتعلق بالبحث الحالي:

  • ما هي مناهج القرآن في مسار بناء الحضارات؟
  • هل یمكن اتّباع مناهج القرآن وأنموذجه؟

للإجابة عن هذين السؤالين، اخترنا هذا الفرض: «إنّ القرآن يذكر الحضارات الإلهية، وخصائص ولاتها الشّخصيّة والشّخصياتيّة، والإداريّة كالائتمان والمداراة مع النّاس و… یتمتّع بإمكانيّة منشودة في تقديم أنموذج متطوّر في مسار بناء الحضارات. إنّ دراسة هذه المؤشرات تقدّم أنموذجًا مرجوًّا من الاستراتیجات، والإنجازات الواقعية للولاة الذي يبنون الحضارات، ما يمكن حسبان إحیائها وتبیینها كأساس، ومعیار في دراسة السّلوك البنّاء للحضارات».

الحضاريّة في القرآن

على الرّغم من أنّ حركة الأنبیاء كادت أن تنحصر في الدعوة إلی الله غالبًا، إلا أنّ بدایة دعوتهم ترافق حركات سیاسیّة، وتقديم مشاریع واضحة في ما یتعلق بالحكومة، وإقامة نظام سیاسيّ إلهي لإقامة القسط والعدل (شایق، 1370، ص18). وفي هذا الصدد قال الإمام عليّ(ع): «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ وَلَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَ لَكِنْ لِنَرِدَ الْمـَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ فَيَأْمَنَ الْمـَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُقَامَ الْمـُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ» (الإمام عليّ، الخطبة 131، ص 183). كان الأنبياء مؤسسي الثورة الوسیعة والعمیقة ضدّ الرؤی الماديّة في ما یتعلق بالاجتماع والحكومة وبالتالي لم يغیّروا الثقافات والحضارات فحسب، بل عرضوا رؤية حديثة إلی الإنسان، وفهّموه الدّلالات الصحيحة للحرّيّة، والعدل، والأمان، والحكومة.

إنّ الحكومة – في الرؤية الإسلاميّة لتفسیر التّاریخ – ظاهرة نبويّة بناها الأنبياء وسعوا في سبیل إقامتها وتأسیسها، وبذلوا اهتمامًا خاصًّا بتحققها. (حكیم، 1383، ص4 و5).

تحدّث القرآن الكريم عن الأنبياء الكبار كیوسف، وموسی، وداوود، وسلیمان(علیهم السلام)، ونبيّنا محمد(ص) في مواضع متعدّدة. إنّ هذه المواضع، كما عبّر العلامة الطباطبائي: «هي غاية الهداية والإرشاد». (الطباطبائي، 1423، ص 238).

كما قال بعض المفكرين الدّينيّين: إنّ الدين هو الذي أكد تأسیس الحكومة والمجتمع لأول مرّة (الطباطبايي، 1415، ج 7، ذيل آية‌ 200 سورة آل ‌عمران). وفقًا لما جاء في القرآن والتّاريخ (الدر، 1335، ص74 وآلبرایت، 1971، ص 128)، إنّ خمسة أنبیاء كبار إلهيين أي یوسف، وموسی، وداوود، وسلیمان(علیهم السلام)، ونبيّنا محمد(ص) قاموا بتأسیس الحكومة كركن من الأركان الأصليّة للحضارة. ولذلك، من الواجب أن يطرح سلوكهم في الحكوميّة والحضاريّة كأنماط منهجية في الحضاريات القرآنيّة، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿قدْ كانَتْ لَكمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ…﴾ (الممتحنة: 4)؛ ذلك أنّ القرآن یشير إلی حضارية إبراهيم(ع)، وبنائه الكعبة، وبنائه حضارة كبیرة إلهية، وإقامته معقلًا عظیمًا لهدایة البشر. كما قال الله تعالی: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ…﴾ (البقرة: 127). بعد إعادة بناء الكعبة، رفع إبراهيم وإسماعیل(عليهما السلام) أیديهما للدّعاء، وطلبا من الله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكتَابَ وَالْحِكمَةَ وَيُزَكيهِمْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكيمُ‌﴾ (البقرة: 129). علی ذلك، إنّ معرفة واحد من مناهج القرآن في مسار الحضاريّة، أي ما قام البحث الحالي بدراسته من الخصائص الشّخصيّة، والشّخصیاتيّة، والإداريّة للولاة الحضاريين، تتیح المجال لعرض أنموذج من منهج الحضاريّة القرآنيّة.

خصائص الولاة الحضاريّين في المنظور القرآنيّ

بغيةَ تغيير ثقافة النّاس الخطأ، ومعرفة میزاتهم الفكريّة، والمعنويّة، وبیئتهم، وبالتمتع بالعلوم الكافية، كان الأنبياء یقومون بالإدارة الثقافيّة، إذ إنّ نوع مواجهة الأنبياء مع فئات النّاس المتعدّدة، ومشركي عصرهم يبيّن خریطة طریقهم الثقافيّة. من أهمّ خصائص الولاة الإلهيّة التي أدّت إلی بناء الحضارات وتذكرها القرآن، ویمكن الإشارة إلیها هي كما یلي:

  • الإیمان والتّوحيد

من أكثر القضایا أهمّيّة على صعيد الرؤية ووجهة النّظر، یمكن الإشارة إلی قضیة الإیمان والتّوحيد التي لها دور محوري في جميع التعليمات القرآنيّة، وبها تكسب القضایا الأخری معانیها. یذكر الله سبحانه هذه القضیة وظروفها مباشرة في الآیات الآتية: النساء: (141 و144، والمائدة: 55 – 59 – 57 والنور: 56). وعندما يذكر الله سبحانه وتعالی حكم یوسف، یؤكد أنّه أوتي الحكم جزاءً لإیمانه، لكي یبیّن أنّ هناك علاقة بین الإیمان، والحكم، والحضارة.

يتجلی الإیمان بالله تعالی في وجوه متعدّدة؛ ما یمكن من الإشارة إلی قضية العبوديّة المخلصة (الأنبياء: 105) الذي یتمثّل بشكل التقوی في الأصعدة الشّخصيّة والاجتماعيّة (الأعراف: 128، ویوسف: 56 – 57) والقیام بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة المحمودة (النور: 55)، وإقامة الصلاة (المائدة: 55). وبعبارة أخری تتجلی هذه القضيّة وتتحقق وجوديًا في الطاعة التامّة الكاملة لله تعالی.

إنّ ما قام به یوسف(ع) في السّجن من تبلیغ الدّین، ودعوة أصحابه المساجين إلی التّوحید خطوة بعد خطوة، شيء لم يذكر إلّا في القرآن، ولم تنقل التّوراة عنه شیئًا (بيومي مهران، 1383، ج 3، ص 53 – 54). قال یوسف(ع): ﴿… إِنِّي تَرَكتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ* وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ ذٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النّاس وَلٰكنَّ أَكثَرَ النّاس لاَ يَشْكرُونَ‌* يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهِ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ* مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكمُ إِلاَّ لِله أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلٰكنَّ أَكثَرَ النّاس لاَ يَعْلَمُونَ‌﴾ (یوسف: 37 – 40).

إنّ يوسف(ع) نموذج من الحكام الذين يدیرون الحكم والمجتمع علی أساس التّوحید ومحوره ما يصحّحون عقائد النّاس الباطلة عبر إصلاح الشّؤون الاقتصاديّة. توحي الآية الأربعين من سورة یوسف(ع) إلی أنّه كان یعدُّ جميع ظواهر الدّنیا ولذائذها تصورات باطلة، ويعتقد أنّ الحكم الأصلي لله تعالی. ینظر یوسف(ع)، بوصفه نبيًّا إلهيًّا سیتولی الحكم من منظور الإرادة الإلهيّة. یعدّ كلام یوسف(ع) هذا أكثر مبادئ الدستور الحضاريّ أهمّيّة التي تمثّل حكومة مبنيّة علی العقائد الدّينيّة والتي تتمثل أكملها في الإسلام (سيد بن قطب، 1412، ج 4، ص 1960). كان یوسف(ع) معدنًا للشّراة، ودعوته أساسًا لهداية المصريّين، أضف إلی نجاة المصريّين من القحط بحُسن إدارته الأزمة الاقتصاديّة، وقد نشر النبي یوسف(ع) التّوحيد بینهم.

في المنظور القرآني؛ إنّ الدولة الصالحة المصلحة دولة تنصّب الكتاب الإلهي دستورًا لها، وتجعل الصلاة وإقامتها – التي تجري في جميع الشّرائع – أساسًا لها. إنّ النّبيّ موسی(ع) أسوة لإقامة حضارة إلهية مصلحة؛ لأنّه بنی أعماله علی مبدأ الالتزام بالكتاب الإلهي والصلاة (ديباجي، 1387، 96).

كذلك قام داوود(ع) بتظیم القواعد التّوحيدية، وبنی حكمًا عادلًا ممزوجًا بالحكمة، كما قال الله تعالی عن حكمه: ﴿… وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ…﴾ (البقرة: 251).

قام سلیمان(ع) بنشر الثقافة التّوحيديّة بما له من القدرات الكثيرة، كان بسط العدل، والاعتمار، وخصوصًا تبلیغ الثقافة التّوحيدية برنامجه الأصلي في جميع المدن والبلاد التي فتحها، وتعدّ قصة ملكة سبأ ودعوته إیّاها إلی قَبول الدّين التّوحيديّ من أكثر مصاديق تبلیغه ودعوته أهمّيّة (النحل: 29 – 31)، كذلك كان منهج رسول الله(ص) نشر الإسلام لتربية إنسان جدید (النحل: 125)، إذ تحلُّ في هذا النّظام العقائديِّ قِيَمٌ ومبادئُ مكان قیمٍ ومبادئَ أخری، بما فیها: التوحید مكان الشِّرك، والمسؤوليّة مكان عدم المسؤوليّة، والنّبوّة والزّعامة الإلهيّة مكان الشّيخوخة والقَبَليّة، والسّعي، والإنتاج، والملكيّة مكان السّرقة، والنهب، والكسالة و… (روشه، 1380، ص 130).

  • اجتناب الاستبداد والدّیكتاتوريّة

في الآية ال‍ ‍159 من سورة آل‌عمران، إنّ المشورة مع النّاس واجتناب الاستبداد والدّیكتاتوريّة في الشّؤون الحكومية یعدُّها الله تعالی من مؤهلات الحكام الإلهيين ما – يفقدها – لا یفقد الحاكم شرعيته الدّينيّة فقط وإنّما یفقد شرعيته السیاسیّة وشعبیّته، وبالتّالي یصیب حكمه بأزمة الشّرعية المطلقة. ولذلك يذكر الله تعالی رسول الله(ص) أنّ مدی شرعيّة حكمه وشعبيّته مبنيّ علی منهجه في الحكم الذي بُني علی أساس المشورة مع النّاس والتّضامن معهم، كما قال الله تعالی: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ…﴾ (‌آل‌عمران: 159).

عند مواجهة الأنبياء الكبار كموسی(ع) ونبیّنا محمد(ص) مع القوی المستكبرة في عصرهما، نشاهد تأسیس رؤيتین في صعید الحكم؛ الأولی: حكم المستكبرين المبنيّ علی عقیدة الكفر والنّفاق، والثانيّة: حكم المستضعفين المبنيّ علی عقیدة التّوحید والتّقوی، ولذلك نری الأنبیاء كانوا یتعرضون للأذی ویُهدَّدون بالقتل؛ لأنّ دعوتهم تُضِعف أركان قدرة الجبابرة والمستكبرین في عصرهم وتعدُّ خطرًا حتميًّا علی حكمهم اللاشرعيّ، فقد عرف موسی(ع) قضایا بني إسرائیل الاجتماعية، ومآسيهم، ومظالم الأغنیاء علیهم وبدأ بإیقاظ النّاس. «كان النّاس یتجمّعون حوله ویستمعون إلیه، حتی إذا بلغ أشدّه وبدأ نضاله ضد فرعون بالعلانية، یتخوّف آل فرعون منه، ولذلك لا یتجول في مدینة مصر إلا بالخوف والقلق». (الطبرسي، 1372، ج 5، ص286).

یصف لنا القرآن بداية ثورة موسی(ع) قائلاً: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هٰذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ…﴾ (القصص: 15)، وذلك نموذج من حركة موسی(ع) ضد المستكبرین وقیامه بالدّفاع عن المظلومین (موسوي همداني، 1374، ج 16، ص 22).

إنّ داوود(ع) مصداق أصليّ للنّضال ضد جالوت، أو ضد فساد عصره، وبما أنّ القانون هو طریق النّضال الأصلي ضدّ الفساد منطقیًا والعدل محور القانون، یمكننا أن نستنبط أن داوود(ع) كان يمثل القانون وتحققه في المجتمع؛ لأنّه كافح الفساد. كما قال الله تعالی: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكمْ بَيْنَ النّاس بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى…﴾ (ص: 26).

وكذلك كان داوود(ع) یتجول في بلده خفيًّا، ویقوم برعایة شؤون ولاته وشعب. (الطبرسي، 1372، ج7، ص 58) ویسأل النّاس عن نفسه، وسلوكه، ویمدح عدلَه كلُّ من یسأله عن نفسه. (بیومی مهران، 1383، ج 3 ، ص 30).

  • اللین والرّفق والمداراة مع النّاس

إنّ اللین والرفق مع النّاس مؤهلة أخری یجب علی الوالي الإلهي أن یتمتع بها، وكان حكم رسول الله(ص) قد بُني علی عنصر المحبة للنّاس، ویصف القرآن نبیّنا(ص) أنّه ﴿سراجًا منيرًا﴾ (الأحزاب: 46) وتجليًّا للرّحمة الإلهيّة للعالمین. إنّ تجاهل الخطایا وعدم اللجوء إلی الشدّة والغلظة التي یستدعیها تنفیذ القدرة الظاهرية، كان أكثر الأسباب أهمّيّة في جذب قلوب النّاس إلی الحكم النّبويّ. إنّ القدرة الظاهريّة التي قد تدّعي الشّدة، والغلظة إن ضيّقت الأمور علی النّاس، فقد أدّی إلی إبعاد النّاس عن الحكومة، ولو كانت في صعید التنفیذ الشرعي ومجاريه. من الجدیر بالذّكر أنّ ذلك لا یعني إهمال القوانيين القضائيّة التي تتمثل قدرة الحكومة واقتدارها، لأنّ الاقتدار أمر لازم ویظهر بشكل التشدد، ولا یمكن إطلاق الغلظة علیه.

نری القول الليّن والبلیغ في مواضع عدّة من حركة موسی(ع) الإصلاحية، منها: عندما أُمِر موسی(ع)، وأخوه هارون أن یذهبا إلی فرعون، ویقولا له ﴿قَوْلاً لَّيِّناً﴾ (طه: 44) أي قول فيه العطوفة والأدب، أو عندما أذن موسی(ع) للسّحرة أن يتبدؤوا بسحرهم ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ (طه: 66)، لقد كان موسی بحاجة إلی مساعد، ووزیر في القول الفصيح والدعوة إلی الديانة الجديدة، إنّ فصاحة هارون واطّلاعه علی مستجدّات مصر وبني إسرائيل كانت مساعدة مُهِمَّة لموسی(ع)، ولذلك طلب من الله مساعدة هارون ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾ (القصص: 35)، ويمكن القول إنّ الحركة الثورويّة والإصلاحيّة تحتاج إلی التخطیط والمستقبليّة، ولغة الإعلام الفصيحة لتبیین الأهداف والغلبة علی خطاب المخالفين.

إنّ مواجهة موسی(ع) مع النّاس في فتنة السّامريّ جدیرة بالاهتمام؛ لأنّه واجههم بالتّذكار قائلًا: ﴿إِنَّمَا إِلٰهُكمُ اللهُ الَّذِي لاَ إِلٰهَ إِلاَّ هُوَ، وَسِعَ كلَّ شَيْ‌ءٍ عِلْمًا﴾ (طه: 98).

خاطب موسی النّاس بالقول اللين وأغمض عینیه عن كثیر من خطایاهم، وذكر القرآن لنا نماذج منها: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ(58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ(60)﴾ و﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(74) أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(76)﴾ (البقرة: 57، 60، 73-76).

في ملك سليمان(ع)، بدأ فتح مملكة سبإ بكشفها من قِبَل طير من جیوش سلیمان(ع) (كتاب مقدس، اول پادشاهان، 10: 1-13)، وبتقرير هذا الطیر علم سلیمان(ع) كون هذه الحكومة غیر إلهية، وعزم أن یدعوهم إلی الله الواحد، ویدعو في رسالة شعبها إلی عبادة الله، وتضمّنت الرّسالة ذروة الاستعلاء وغایة السّذاجة، والأكثر أهمّيّة منه أنها بدأت ب‍﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾ (النحل: 29-31). وخاطبهم سلیمان(ع) بالكرامة، وطلب منهم هذه العلاقة بالإكرام لا بالوعيد والتّهديد. إن الالتزام بالأخلاق وعبادة الله أدّیا إلی هذه العلاقة السیاسيّة الثقافيّة، وانتهت إلی تسلیم ملكة سبإ وفتح مملكتها. بناءً علی ذلك، إنّ إحدی المؤهلات الضروريّة للولاة الثقافيّة هي اتّصافهم بالترّبيّة الثّقافيّة العاليّة، والاستراتيجيّة الثقافيّة اللتين تتمثلان في السلوك الثقافيّ في النهايّة، والتي نری نموذجًا من هذا السّلوك الثقافيّ الذكيّ في إنجاز سلیمان(ع).

  • المحبّة والمودّة للنّاس

قد عفا یوسف(ع) بالكرامة عن إخوته الذين آذوه أشدّ الإیذاء وهو في ذروة القدرة والعظمة ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ (24)﴾ (یوسف: 24). یمكن عدُّ هذا السلوك نمطًا للسّلوك مع النّاس؛ لأنّ إخوته كانوا تحت حكمه بالاضطرار كرعيّته الآخرین. في هذه الواقعة، یواجه الحاكم مع المجرمین الذین یتّضح له جریمتهم ویجازیهم بعیدًا من هواه وغضبه؛ ذلك أنّ الغایة في هذه المجازاة هي إصلاح المجرمین، لا توعیدهم وتعذیبهم. ومن المسلَّم به أن هذا النّمط كان له تأثیر عجیب في النّاس، وجذبهم إلی هذا القائد الإلهيّ. وكذلك في قصّة امرأة العزیز، لم یطلب یوسف(ع) إلا إثبات براءته عمّا اتّهمّ به ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ(51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ(52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ(53)﴾ (یوسف: 51-53).

وكذلك قد مضی بني إسرائیل حِقبة من الزّمان بالمشقّة التي كانت لهم قبل موسی(ع)، بعدما تشكلوا جماعة متضامنة بقیادة موسی(ع)، حتی إذا تخلّصوا من هذا البلاء بعدما هاجروا من مصر وهلك فرعون. ولكنّهم لم يدم صبرهم في تلك الحِقبة القصيرة، وأخذوا یتذرّعون، ولكن تجاهل موسی(ع) عن كثير من تمرّداتهم وعرض ما طلبوا منه لله تعالی ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ(55)﴾ (البقرة: 55)، ولم يعتنِ بكثير من تعریضاتهم في شأنه ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكمْ وَيَسْتَخْلِفَكمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كيْفَ تَعْمَلُونَ‌﴾ (الأعراف: 129). كان موسی(ع) یُدیر هذا المجتمع بمعرفة نقاط قوتهم واحتمال نقاط ضعفهم بالصبر علی سبیل المثال، یصف لنا القرآن في الآیة التالية إحدی ذرائعهم التي كانت نموذجًا من عدم رضاهم وعدم التزامهم بالقانون: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكمْ وَيَسْتَخْلِفَكمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كيْفَ تَعْمَلُونَ‌﴾ (الأعراف: 129). لم يكن موسی(ع) جزوعًا إزاء جزع قومه فقط، وإنّما یتمنی لهم الفتح، ویعدهم غدًا سعیدًا. إنّ ما یلفت النظر في ذلك هو إنكار قومه وعصیانهم إزاء أحكام الله من جهة وصبر نبیهم الكبیر إزائهم من جهة أخری. ومن المُهِمّ أنّ موسی(ع) استطاع عبر إدارة نقطة ضعفهم هذه ، أي مجادلتهم في أحكام الله، التي يعبّر عنها القرآن هكذا: ﴿… وَمَا كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (البقرة: 71)، أن يظهروا الطاعة الإیجابيّة، ويدفعهم إلی أن یفعلوه، أضف إلی أنّ هذا المنهج في السّلوك مع الشّعب لازم للحكم والإدارة، یعدُّ وظیفة إلهية نابعة عن اللطف، والشفقة لكي یُهدی النّاس إلی كمالهم ولو كانوا غیر موقنین به، وكان علیهم صعب. سبّب صبر موسی(ع) واحتماله في استقامة عدد كثیر منهم في سبیل الدين (دیباجی، 1387، ص 105)، وأدّی إلی جذب أكثر، ونموّ أكثر وبالتّالي إلی دفع أقلّ.

تشیر الآیة ال‍ 159 من سورة آل‌عمران ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ(159)﴾ إلی المحبّة التي لها علاقة وثیقة بقضیّة الاستبداد، وذلك بالإشارة إلی مودّة النّبيّ(ص) لرعیّته (الأمّة الإسلاميّة) یوضّح لنّا القرآن أنّ الإقبال العامّ علی حكم النّبيّ(ص) كان ینشأ من محبّته للنّاس التي تتمثّل في عفوه عن خطایاهم الاجتماعيّة، والسیاسیّة، واستغفاره لهم، ویعدُّ سلوكه السیاسیّة العطوفة إحدی الأسباب في نشر الإسلام، ونفوذه العمیق في قلوب الآخرین. كما قال عند فتح مكة: أنا الیوم معكم كما قال یوسف مع إخوته: ﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ‌﴾ (یوسف: 92)، (البلاذري، 1398، ص51).

كان رسول الله(ص) یعدُّ كرامة الإنسان ككرامته، ویعدّها في امتداد الالتزام بحرمة السّاحة الربوبيّة، كما قال: «من آذی مؤمنًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذی‌ الله، ومن آذی ‌الله فهو ملعون في التوراة والإنجیل والزبور والفرقان» (حكیمی، 1374، ج 2، ص188). في هذا المسار، قام رسول الله(ص) بالكفاح ضدّ ثقافة تحقّر المرأة؛ لأنّ المرأة لم یعتنَ بها كإنسان قطّ في جاهليّة العرب، وأشرافيّة إيران قبل الإسلام، وتثليث یونان المحرّف، وما جاء في القرآن، وبعض المصادر التّاريخيّة یشهد علی ذلك. یصرح القرآن علی أن البنات كنّ يدفنّ أحیاء ﴿وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)﴾ (التكویر: 8)، ونُقِل في رواية عن عصر السّاسانيّين الذي تزامن مع رسالة النبي(ص): «أنّ المرأة مثل سائر أعضاء الأسرة كالأطفال، والعبيد محكومة بعدالة غیر مسؤولة. هناك كلمة قصيرة في هذا المضمون: علی المرأة أن تسأل زوجها في كلّ یوم ثلاث مرات: فيمَ تفكر؟ ماذا تقول؟ وماذا تفعل؟ ویجوز الزّوج أن یطردها عند عدم طاعتها له» (بارتلمه، 1377، ص112). وأخيرًا في مجتمع الیونان القدیم سمّي هذا العنصر المكمل للمرء، بحیوان طویل شَعره قصیر فكره (بركسون، 1358، ص12). هنا قام رسول الله باستئصال العقائد الرّاسخة حول المرأة من جهة، ومن جهة أخری بنی علی أنقاضها عقائد، وقیمًا ملائمة مع المجتمع الإسلاميّ. في المسار الوعر، أثّرت التعلیمات القرآنيّة، وأنشطة النّبيّ الثقافيّة في تقلیب نظام المجتمع الجاهليّ.

  • الكفاءة والإدارة والحسم

إنّ القدرة علی تنفیذ القوّة الشّرعيّة تعدّ من المؤهلات الأخری التي یذكرها القرآن للحكام، وقد سمّيت هذه المؤهلة بالحسم في التّعلیمات القرآنيّة، بالإضافة إلی المحبة، والعدل، والمشورة مع النّاس، علی الحاكم أن يتمتّع بالحسم في اتّخاذ القرار. إن الحسم لا یعني الاستبداد أبدًا، لأنّ الحاكم من دون الحسم لا یستطیع أن یتولّی المُلك بعد اتّخاذ القرار، ويدیر نظامه المدنيّ. إنّ المراد بالحسم هو استعمال أيّ نوع من القدرة المشروعة في تنفیذها. وعلی ذلك یمكن أن تتمثل بأشكال متعدّدة: كالحدود والتّعزیرات، والجهاد، واستعمال السّیف، والقدرة (الحدید في القرآن). یشیر القرآن في الآیة ال‍ 159 من سورة آل ‌عمران ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ(159)﴾ إلی الحسم المصاحب بالمشورة ويأمر رسول الله(ص) أن یقوم بما یصلح للأمة الإسلاميّة بعد الشوری، وإذا اتّخذ قرارًا فلیعزم علی تنفیذه بالتوكل علی الله تعالی. وكذلك في الآية ال‍ 32 من سورة النّمل ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32)﴾ ذُكر الحسم في الأمور والتي لها معنی اجتماعيّ.

وصف ملك مصر یوسف بصفة «المكین» ﴿وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ(54)﴾ (یوسف: 54)، إنّ “المكین” یطلق علی من له منصب ومنزلة (معلوف، 1385، ج2 ، ص1936)، نقل الطبرسي في شرح كلمة “المكین” أنّ مراد ملك مصر بهذه المنزلة كان السّلطة التي تتمتّع بها نفسه (الطبرسي، 1372، ج5، ص32). من علائم تأهل یوسف(ع)، تكفی الإشارة إلی مواجهته الذّكية مع كبار الدیانة المصرية، وإنّ الاطّلاع علی دیانة النّاس، ومنزلة كبار المصريين، ومدی قدرتهم، وتصور المصريين عنهم كأنهم آلهة في الأرض، اقتضی أن یتخذ یوسف(ع) استراتجیة ملائمة، لذلك وبمعرفته الصحيحة للظروف، والحِقبة الزمانية لا عبر النزاع أو الموعظة، قام بإصلاح أكثر حاجات النّاس إلحاحًا، أي تنظیم الشّؤون الاقتصاديّة.

إنّ لقائد المجتمع، وزعیمه وظائف عند الفتن الدّينيّة، والمجتمع بحاجة إلی الأمن الاجتماعيّ. في حكم موسی(ع) وعند فتنة السّامري، وُبِخَ هارون على الرّغم من أنّه لا ذنب له، وحُكم علی السامري ب‍ «لا مساس» (المنع من العلاقات الاجتماعيّة والشّعبیّة)، لكي یُحفظ المجتمع من أفكاره المضرّة المضلّة. إنّ المواجهة الظّاهريّة مع رمز العبادة جديرة بالاهتمام، إذ من الممكن أن يحفظ جسد العجل بأسباب فنّيّة واقتصاديّة نظرًا إلى تزیینه بالذّهب والزّخارف (الأعراف: 148)، ولكنّ موسی(ع) عزم علی إحراقه ثائرًا من دون أيّ تنازل أو تسامح. قد واجه موسی(ع) مع فتنة السّامريّ الثقافة بغیر مجادلة ومناظرة، كما أمر بإحراق رمز عبادته، إنّ هذا الحسم في هذا السّلوك الثقافيّ ينبع من معرفة بخصائص بني إسرائیل الثقافيّة، وقد واجه موسی(ع) المفسدین الاقتصاديّين بالحسم، ووصف لنا القرآن هارون كرمز الثّروة في أمّة موسی(ع) كما قال الله تعالی: ﴿إِنَّ قَارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ …﴾ (القصص: 76). إنَّ وَهْمَ منافسته مع موسی(ع) وثروته الكثیرة دفعاه إلی مخالفته حكم موسی(ع) والتّكلیف الدّینيّ أيّ الزكاة، وأثار بجماعة من أصحابه حركة اجتماعيّة ضد موسی(ع). فإنّهم لم یفعلوا بهذا التّكلیف، بل إضافة إلیه، اتّهموا موسی(ع) بالفساد الأخلاقيّ ودَعَوْهُ إلی المناظرة أمام النّاس، وعندما أقیمت الشّهادة علیه وعلی المدّعين الآخرین، خسف به الأرض وما له من الكنوز إثر معجزة إلهيّة ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ(76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ(77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ(78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ(80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ(81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُونَ (82)﴾ (القصص: 76-82). يعدُّ هارون رمزًا لانتهاز الفرصة المبنيّة علی القدرة الاقتصاديّة، ولكنّ عمله هذا له بُعد سیاسيّ أیضًا، ویعدّ موسی(ع) رمزًا لقیادة الحكم الإلهي الذي استقام إزاء الفتنة الاقتصاديّة بالتّشدد، والتّوعيّة الاجتماعيّة. إنّ سلیمان(ع) بوصفه مدير الثّقافة الأصليّ، قام بمحاولات كثیرة لترقية مستوی الدولة، ویكمن قسم مُهِمّ من عوائق التّطور الاقتصاديّ والسّیاسيّ، وبناء المجتمع في الشّؤون الثقافيّة. لذلك، تعدُّ الإدارة والهندسة الثقافيّة في الحقيقة نمطًا عمليًا لتطور المجتمع الإسلاميّ (بنيانيان، 1388، سال چهارم، ش 33 و34، ص 23). وهذه قضیة قام سلیمان(ع) بإنجازها كخطة طریق لبرامجه، وسعی كثیرًا وراء أنشطة مرتبطة بتطور المجتمع الاقتصاديّ والاجتماعيّ (سبأ: 10- 13، وكتاب مقدس، اول پادشاهان، 26: 9). وفي هذا المسار، لم يغفل عن إدارة المصادر الثّقافيّة ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ(29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ المُتَّقِينَ(30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ(31)﴾ (النحل: 29-31)، ذلك أنّه لا یمكن لثقافة أن تبقی إلا أن تكون متمكنَّة من تلبية حاجات النّاس الماديّة والمعنويّة.

  • الكفاءات العلميّة والجسمانيّة

إنّ الكفاءة العلميّة التي یتمكن بها الوالي من القیام بشؤون الحكم، والوصول إلی أهدافه وإدارة المجتمع، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكفاءات الجسمانيّة، التي یقدر بها الحاكم علی القیام بأنشطة أكثر ما یقوم به الأفراد العاديين ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِمِينَ(246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(247)﴾ (البقرة: 246-247) و﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾ (یوسف: 55) تعدُّ من المؤهلات التي يذكرها القرآن لولاة الحضارة؛ لأنّ الإدارة – أيًّا كانت – من دون الكفاءة العلميّة للوالي، والمدير، والحاكم، تصاب بالفشل، وتزید التكالیف، وبالتالي تصیب المجتمع في مساره إلی الكمال، والرقيّ بالتّحديّ والخلّل الشّدید، وبما أنّ إدارة المجتمع تحتاج إلی أضعاف من الجهود، لكي یتاح المجال لتقویم جمیع مشاكل المجتمع العملاقة وإدارتها، فعلی الحاكم أن تكون قدرته الجسمانيّة في مستوی لا یتعب، ولا یشعر بالضَعْف، والعجز عند القیام بواجباته. اهتمّ يوسف(ع) بالعلم عند قَبوله المسؤوليّة الحكوميّة، وعدّه إحدی الضروريات لقَبول المسؤوليّة ووصف نفسه بأنّه علیم ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾ (یوسف: 55)، وقد ذكر أربع صفات للوالي في الحوار الذي جری بین یوسف(ع) وملك مصر وهي: المكانة، والأمانة، والحفاظة، والعلم (قراءتي، 1383، ج 6، ص 81). في قصة موسی(ع) وبني إسرائیل، نری أنّهم اضمحلّوا بعد سنوات من عبودیّتهم لآل فرعون، ولم يبق لهم اختیار، لذلك احتمل موسی(ع) شدائد كثیرة. إنّ وجود موسی(ع) في بلاط فرعون بدعوی أنّه رسول ربّ العالمين، أدهش فرعون، وإنّ التساؤل بین فرعون وموسی(ع) حول الربّ ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ(22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ(23)﴾ (الشعراء: 22-23)، وإرائه المعجزات من قِبَل موسی(ع) جعلا ملأ فرعون یرون شیئًا یخافون منه، ويدهشهم، ویجدون دعوة موسی(ع) حقًّا، ولو كان خوفهم من فرعون منعهم من قَبول الحقّ (بیومی مهران، 1383، ج 3، ص 189 و190)، فمن الطّبیعيّ أن یتیح وجود موسی(ع) في قصر فرعون المجال للحوار والخطاب الثّقافيّ.

كان داوود(ع) مظهرًا للقانون وتحققّه، في ما بین بني إسرائیل. لقد كان حكم داوود یمتاز بامتزاجه بالحكمة، أي التّدبیر الصّحیح، والأصیل من أجل تأسیس حكومة قويّة، كي يستعمل معیار القانون في جمیع الشؤون الحكوميّة والشّعبیّة بأحسن وجوهه (حجازي، 1360، ص93-90)، كان داوود(ع) صاحب الحكمة والكلام الفصل وعلم القضاء، كما قال الله تعالی: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ‌﴾ (ص: 20).

لقد أدّت حكمة داوود(ع) وغیرته إلی تقویة حكومة الیهود، وقد نُصِر علی أعدائه بصناعة الدّروع، ومهارته العسكريّة، وسخّر له الله تعالی الجبال (صناعتي البناء والمعدن) وأوحی إلیه بصناعة تذويب المعادن، ونسج الدّروع من الحدید، كما قال تعالی: ﴿… وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكنَّا فَاعِلِينَ‌ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكمْ لِتُحْصِنَكمْ مِنْ بَأْسِكمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكرُونَ‌﴾ (الأنبیاء: 79-80). وقد ذُكر في القرآن أنّ سلیمان(ع) وريث داوود(ع) ﴿… وَقَالَ يَا أَيُّهَا النّاس عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ…﴾ (النمل: 16). یصف القرآن هذا النّبيّ الحضاريّ بصفات وهي:

أ- العلم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً…﴾ (النمل: 15).

ب- تعلم منطق الطیر والمحادثة معها: ﴿… وَقَالَ يَا أَيُّهَا النّاس عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ…﴾ (النمل: 16).

ج- تسخير القوی اللامرئيّة له كالجنّ: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾‌ (النمل: 17).

د- تسخیر العوامل الطبيعيّة له كالرّیح: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَ رَوَاحُهَا شَهْرٌ … ﴾ (سبأ: 12).

وبهذه الكفاءات، قد استطاع سلیمان(ع) أن یقوم بنشر الثّقافة التّوحيديّة، ویوجد في الآیات المتعلّقة بحكم سلیمان(ع) دلائل واضحة علی نوع إدارته العلمية، وأكد بعض المؤرخين علی التّطور العلميّ في عصره. بناءً علی ما نقل في التوراة، كان لسلیمان(ع) قدرة ذهنيّة وعلميّة واسعة، إذ یعلم كلام الأشياء، والنبات، والحیوان، والطیر، والنمل، وكان حكیمًا ومعلّمًا قال ثلاثة آلاف مَثَل (كتاب مقدس، اول پادشاهان، 4 : 32-33). تحتاج الحضاريّة إلی ولاة وحكام مجدّين وصبورين وذويّ رؤیة عالميّة، والذين ینوون حفظ الحضارة ونشرها، وكذلك إلی الهدوء والاستقرار، واحتیاجها إلى القدرة في جانبيها الكمّيّ والكيفيّ، وهي في جانبها الكمّيّ تحتاج إلی القدرة العسكريّة والاقتصاديّة و…، وفي جانبها الكيفيّ تحتاج إلی القدرة الفكريّة والنّظريّة و… (الأنفال: 60، ومنتظرالقائم، 1386، ص 31)، وقد أُكدت جمیع هذه المؤشرات في السیرة النبويّة والتّعلیمات القرآنيّة، وقد قام رسول الله(ص) بنهضة التّعلیم بین أصحابه، وأتاح لهم مجالات التّطور، وبنی أساس الثقافة والحضارة الإسلامية (منتظرالقائم، 1391، ص 194)، وقد قال توماس كارلایل الباحث الإنكلیزي في هذا الصدد: «النبي محمد(ص) قدّم القوانين المدنيّة والأخلاقيّة للإطاحة بالتّوحّش، واستبدال النّظام والحضارة مكان اللاقانونيّة والبربريّة» (صمیمی، 1382، ص 348). وبالموعظة وقراءة القرآن، والمسجد والكفاح ضد التحجر، دعا رسول الله أصحابه إلی طلب العلم، وبكتابة القرآن والحديث، والمكاتبة، والمهاجرة، وبعث المبلغين بنی الصرح الشّامخ للعلوم الإسلاميّة (منتظر‌القائم، 1391، ص 194)، ولذلك، یمكن أن ندّعي أنه لیس هناك دین دعا معتنقیه إلی التّقويّة المستمرة دائمًا غیر الإسلام، ولم ینجح دین في هذا الصّعيد غیر الإسلام. (راميار، 1362، ص 235).

  • تحویل الوعید إلی الفرصة

لم یترك یوسف(ع) الجهد والعمل في السّجن الذي يُعدُّه أكثرُنا توقفًا للحیاة، والجهد، والعمل، بل استفاد منه بتزكیة نفسه وهدایة المسجونین، وكان یقضی اللیل والنهار في حمد الله، وتسبیحه ووجد أنّه أتیح له المجال أن یناجي ربّه بأحسن وجه، وكان یحبّ النّاس جمیعهم، إذ لا یوجد في قلبه حقد للذین ظلموه (بیومی ‌مهران، 1383، ج 2، ص 52 و53)، وكذلك جامل مع زملائه في السجن، وسلّی قلوبهم، ودعاهم إلی عبادة الله الواحد، ورافق هذه الدّعوةَ محبّةٌ تسكنها في الأرواح (یوسف: 36،37 و،41 وكتاب مقدس، سفر پیدایش، 4: 1- 22).

لمّا رأی فرعون معجزات موسی(ع)، أحضر السّحرة، أما موسی(ع) فاستفاد منه بتبلیغ شریعته، وآمن السّحرة بموسی(ع) عند رؤیة معجزاته ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى(65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى(66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى(67) قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى(68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى(69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هاَرُونَ وَمُوسَى(70)﴾ (طه: 65-70)، ذلك أنّه من كان اختصاصيًّا في مجاله، كان أكثر استعدادًا لقَبول الحقّ من الآخرین، لم تسبب هذه الواقعة في إیمان السّحرة فحسب، بل زادت النّاس رغبة في موسی(ع). لقد كانت معجزات موسی(ع) ملائمة لما كان سائدًا بین النّاس عصرئذٍ، وجذبت أذهانهم وضمائرهم إلیه (بیومی مهران، 1383، ج 2، ص 193و 194). بذل داوود(ع) جهودًا كثیرة في تحكیم، علاقاته بموالیه ومساعدیه، وتطویرها في أقصی مناطق شمالي بلده (بيومي ‌مهران، 1383، ج 3، ص57-53 ونجار، بی ‌تا، ص 369)، وحاول أن یتّصل بمخالفيه، وطلب منهم أن یلحقوا به كما قبل كثیر منهم دعوته (كتاب مقدس، سموئيل دوم، 2: 8).

بدأت قصة فتح مملكة سبإ عندما كشفها طير من جنود سلیمان(ع) (كتاب مقدس، اول پادشاهان، 10: 1-13). وإثر تقریر هذا الطیر، عزم سلیمان(ع) أن یدعوهم إلی عبادة الله الواحد مكانَ قتالهم، وأرسل إلیهم رسالة دعاهم فیها إلی التوحید، وانتهت قصة قوم سبإ وملكتها، بما فیها من التفصیل إلی تسلیم المملكة، وفتحها نهایةً وزال خطرها بتدبیر سلیمان(ع) الذي یمكن أن یهدّد ملكه وعقائد قومه. في حكم الأنبیاء یمكننا أن نجد كثیرًا من الوعید الذي تبدّل إلی الفرصة، وخصوصًا في حكم رسول الله(ص) الذي سعی إلى أن یبدّل الأخطار إلی فرص لتثبیت الدین بطرق متعدّدة، كالجزاء،ن وتضمین النفس والمال، والاستجارة، والعقود، و… (منتظرالقائم، 1391، ص 172-184)، وذلك من أكثر الاستراتجيّات أهمّيّة للدّين الإلهيّ في مسار الحضاريّة. إنّ غایة الحكومة الإسلاميّة هي تربية الإنسان، ولذلك تعطیهم فرصة العودة والإصلاح، وفي ذلك تهتمّ بالمصالح المادّيّة، والمعنويّة للفرد أو المجتمع. هذا ولا تقوم الحكومات الأخری بهذه الأعمال إلا بغية دفع الأخطار عن الحكومة بأقل التكالیف. (دیباجی، 1387، ص 103).

  • إقامة العدل

لا شكّ أن العدل والإحسان لیسا إلا لاجتناب الظلم والجور؛ لأنّ الحكام الظالمین لیسوا حقیقین بالحكومة من المنظور القرآني أصلًا، أضف إلی ذلك، أنّه من الضّروريّ أن یتخلّص النّاس من شرّهم، وتقام حكومة عادلة بالكفاح ضدّهم، ولذلك عندما یذكر معیار الاجتناب عن الظلم والجور، یعنی التأكید علی أمر سمّي بالعدل. في ضوء التعلیمات القرآنيّة، لا یجوز الحكم للحاكم الظالم، ويجب علی أبناء الأمّة أن یناضلوه ویطیحوا به ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا العَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ(78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذاً لَّظَالِمُونَ(79)﴾ (یوسف: 78-79).

یبدو أنّ مفاهيم كالعدل والاجتناب عن الظلم یتشابهان في المعنی والدلالة؛ لأنّ العدل یدلّ علی الرّغبة عن الانحراف وعلی وضع الشيء مواضعه، وأنّ الإفراط، والتفريط عن الحالة الطبيعية یضیّعان العدل. من وجهة أخری، یمیل الظلم إلی الإفراط والتفریط. بناء علی ذلك، كلّ سلوك یخرج عن الحالة الطبيعيّة إلی الإفراط والتفریط، یمكن عدُّه عاملاً في إضاعة العدل. قد أخفض عدل یوسف(ع) الاجتماعيّ التّمایز بین الفقراء، والأغنیاء كثیرًا وأشعر النّاس بالهدوء والأمن في مصر. من البّديهيّ، أن یزداد الإنتاج والثروة القوميّة، والمساواة بین النّاس أضعافًا كثیرة، لأنّه كان يُطبّق ما قام به یوسف(ع) من الادّخار، والاستهلاك وفقًا للحاجة وبیع الفضول، في سنوات غیر مجدبة، أو في كل السنوات (برقی‌كار ودیگران، 1386، ص51 و52).

كان داوود(ع) نبیًّا عادلًا إذ استشهد الإمام علي(ع) والآخرین من أولیاء الله بقضایاه في قضایاهم وأحكامهم. قال الله تعالی: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكمْ بَيْنَ النّاس بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى…﴾ (ص: 26). من القضایا التي قام بها داوود(ع) لإقامة العدل، كانت قضاوته المشتركة مع ابنه سلیمان(ع) بین راعٍ للغنم وفلّاح أضرّ الغنم حرثه، عندئذٍ كان سلیمان یافعًا (الطبرسي، 1372، ج7، ص79). تحتوی هذه الواقعة التّاريخية علی إشارات إلی تمحور العدل في حكومة داوود(ع) واستمراره في حكومة سلیمان(ع)، وعلی ذلك، أثمرت شجرة عدل داوود(ع) في عصر سلیمان(ع) بشكل الازدهار العلميّ، والاقتصاديّ، والحضارة العظیمة. قد بذل رسول الله جهودًا ومساعيَ كثیرة في إقامة العدل بین أصحابه وأوصی: «أنّ عدل ساعة خیر من عبادة سنة». (نهج الفصاحة، بی تا، ص 411، حدیث 1936).

  • الائتمان والأمانة

یعدُّ الائتمان مؤهلة أخری یذكرها القرآن للحكام، الذي لا یتأهّل الإنسان من دونه الحكم الشّرعي علی النّاس من وجهة نظر القرآن (النساء: 58)، یبدو أنّ الحكومة – في المنظور القرآنيّ – أمانة في ید الحاكم ویجب علیه أن یحفظها في إطار القوانين، كأمین من جانب الله والنّاس. لذلك إنّ الائتمان مؤهلة أساسية، يؤدّي أيّ تعدٍّ عن الأصول التي یذكرها القرآن للحاكم والحكومة، إلی أن یفقد الحاكم شرعيّة حكومته، وبالتالي شرعيته الدّينيّة والسیاسيّة.

في قصة یوسف(ع)، بوصفه نبیًّا حضاريًّا في منظور القرآن، قد أُمسك عن الشهوة والغضب بالشدّة، وهما تطغیان عند تملك القدرة. لذلك قام یوسف(ع) بسیاسة نفسه قبل أن یتولی سیاسة الآخرین، وحفظته هذه السّیاسة طوال حیاته. یصرّح القرآن أنّ یوسف(ع) رفض مراودة النّساء عن نفسه بقول «لا» مذكرًا نعم الله علیه معتنيًا بحدوده تعالی، لا أن یُقبل علیهنّ بداية، ثمّ یدبر عنهنّ بعد رؤیة برهان ربّه (سيد‌ قطب، 1412، ج 4، ص1980)، وكذلك تشیر التّوراة إلی هذه المسألة (كتاب مقدس، سفر پيدايش، 39 :7-20). تصدق هذه المسألة علی موسی(ع) أیضًا، عندما دخل موسی منطقة المدین، وساعد الامرأتين اللتين عجزتا عن سقي غنمهما. یحلو لنا استماع وصف بنت شعیب(ع) لموسی(ع) عن لسان القرآن: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26). بصرف النظر عن الفوائد الكثیرة لهذه الواقعة حول القضایا الاجتماعيّة، یمكن الإشارة إلی میزتین للمصلحین الاجتماعیین وهما: القوّة والأمانة. كان غرض موسی(ع) وراء مساعدته لابنتيّ شعیب(ع)، مساعدة الضعفاء أمام الأقوياء عند السّقي. هنا وجد موسی(ع) نفسَه قادرًا علی مساعدة ضعفاء المجتمع ففعل، من جهة أخری كان هؤلاء الضّعفاء محتاجین إلی الأمان؛ لأنّ النّساء مستضعفات إزاء الرجال، ویعدُّون حرمة المجتمع فیجب أن تحفظ كأمانة، وأدّی موسی(ع) الأمانة بأحسن وجه عند رؤیتهما، ومصاحبتهما حتی الوصول إلی بیت شعیب(ع). قد علّم سلیمان(ع) شعبه قیمة القانون، والانتظام، ومنعهم من الحرب، وأوصلهم إلی الأمن والهدوء (دورانت، 1359، ج1، ص 357). وهُدي بفكره السّلیم إلی أنّه لا یمكنه أن یحیی إلا بالتفاهم مع جاره (كتاب مقدس، اول پادشاهان، 3 : 1 ويعقوبي، 1379، ج 1، ص 57).

كذلك كان رسول الله(ص) یسعی وراء توفیر الأمن الفرديّ، والاجتماعيّ للمسلمین منذ بداية دعوته. وأمر بالمهاجرة إلی الحبشة عندما ازداد ضغط المشركین علیه، وعلی أصحابه في السنة الخامسة للبعثة (ابن هشام، 1375، ص321)، وبذلك انتهت المهاجرة إلی الحبشة فشعروا بالأمن الفرديّ عند المسلمین، ووفّرت الأمن الجمعيّ للمسلین في ذلك البلد.

  • التّمتع بالذكاء الثّقافيّ في نشر الدّین

یحتاج الوالي الثّقافيّ إلی العقل، والذّكاء في إدارة الثّقافيّة المنشودة. عُبّر عن الذّكاء الثقافيّ أنّه موهبة تمكّن صاحبها من استعمال المهارات في البیئات والمجالات المتعدّدة؛ یعنی أنّ الإنسان یكتسب الأنماط الجديدة للتواصل الاجتماعیة متّكئًا علی قدراته، ویسعی وراء تصمیم ردود الأفعال الصحیحة إزاء هذه الأنماط (ودادی وعباسعلی‌زاده، 1388، سال چهارم، ش 33 و34، ص 71).

كان منهج یوسف(ع) في نشر الدّین التّوحیديّ مبنيًا علی الاهتمام بقدرات شعبه النفسانية وخصائصهم. لم یتّبع یوسف(ع) السیاسة التّدريجيّة في صعيد تبیین العقائد فقط، بل اتّبعها الأنبیاء الآخرون. تمكن یوسف(ع) من خلق الاستعداد الفكري عند النّاس لقَبول التوحید طوال تولّیه اقتصاد مصر أربع عشرة سنة، وتنظیمه شؤون المعاش. ظهرت الرؤی المشتركة عندما قَبِلَ عدد قلیل دعوته، وأدّی إلی الوحدة السیاسیّة والثقافيّة، وقد اهتمّ یوسف(ع) بقدرات النّاس الفكريّة والنّفسانيّة اهتمامًا كاملًا، ولائم بین محتوی دعوته، وبین السّیاق الاجتماعيّ، ولذلك لم یقم بموعظة البلاط في البداية، بل تناول التّعدیلات الاقتصاديّة، وتطرق إلی نشر الدّیانة التّوحيديّة في مسیرة إصلاح الشّؤون الاقتصاديّة. سبّب هذا المنهج أن لا یتفرّق، ویتشتّت المجتمع، ویحافظ علی وحدته السّابقة إلی حدّ ما. لمّا رأی فرعون معجزات موسی(ع)، أحضر السّحرة. أما موسی(ع) فنهض بهذه الفرصة في تبلیغ شریعته ودینه. أضف إلی ذلك، كانت معجزات موسی(ع) ملائمة لما كان سائدًا بین النّاس عصرئذٍ من الموضوعات والقضايا، وجذبت أذهانهم وضمائرهم إلیه (بیومی مهران، 1383، ج 2، ص 193 و194)، وكان ینبع هذا الإنجاز من ذكائه الثّقافيّ في تعاطیه مع النّاس. سبق لنا وقلنا إنّه في قصة قوم سبإ أن ملكتهم كانت متمتعة بالنعم المتعدّدة ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ(23)﴾ (النمل: 23)، وفي هذه الواقعة یمكننا أن نری ذكاء الحكومة الدّينيّة، والقوّة، وسرعة الإنجاز في العلاقات الخارجيّة، والاهتمام بالتّطور العلميّ، والاقتصاديّ، ويُعبّر الیوم عن هذا الذّكاء بالذّكاء الثّقافيّ في علم الهندسة الثقافيّة. نری ظهور هذا الذكاء في إنجازات سلیمان(ع) كوالٍ ثقافيّ. إنّ المؤشر الأول: الذي يلفت النظر في منهج سلیمان(ع) هو في إحضار بلقیس، وصرحها عنده في طرفةَ عین ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِراًّ عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)﴾ (النمل: 40). اعتقد المفسرین أن سلیمان(ع) قصد من وارء ذلك أن يریها القدرة المعجزة التي أعطاها الله تعالی، وأراد بذلك أن یخبرهم علی القدرة والعظمة‌الإلهية (بيومي‌مهران، 1383، ج 3، ص 133)؛ إنّ المؤشر الثاني: هو ابتكار سلیمان في مواجهته مع سریرة بلقیس وتغییرها ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ(41)﴾ (النمل: 41)؛ والمؤشر الثالث: هو إعجاب ملكة سبإ بعظمة صرح سلیمان(ع) ودقّته، وما واجهت مع صرح زجاجيّ عدّته لجّة وكشفت عن ساقیها ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (44)﴾ (النمل: 44)، وآمنت بالله بعد رؤیة هذه العجائب، وبذلك نجح سلیمان(ع) في نشر الدّیانة التّوحيديّة في ذلك البلد. وكذلك كانت سیاسة رسول الله(ص) في الدّعوة إلی الإسلام مبنية علی تأسیس الأمة الواحدة وملائمة معها ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ(108)﴾ (یوسف: 108). یبدو من منهج رسول الله(ع) في دعوته الفكريّة أنّه اعتنی بقدرات النّاس النّفسانیّة والفكرية، ونظّم محتوی دعوته وفقًا لها لكي يوفّر بذلك الظروف، لتلقي رسالته من قِبَل جمیع النّاس. أضف إلی أنّه قد بنی أساس الوحدة ‌الثقافيّة والسیاسية. وهكذا، لا شكّ في أن الالتزام بمبدأ التّدرج في الهدایة، والرّسالة یجب دراسته في هذا الصّدد. كانت السّیاسة التّدريجيّة تنفّذ في مجال تبیین العقائد، والأحكام، والفروع الدينية، ما أُنزلت الآیات المتعلقة بمبادئ الكونيّة، كالتّوحید، والنّبوّة، والمعاد في حِقبة استغرقت عشر سنوات في مكّة، ثمّ أنزلت آیات الأحكام في المدينة ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً(106)﴾ (الإسراء: 106). لم یشمل مبدأ التدرّج عرض محتوی الدعوة، وإلقائها فقط، بل یشمل مناهج دعوته وكیفیته.

النتائج

من وراء بناء مجتمع مثاليّ للإنسان، یقدّم القرآن الكریم تعلیمات في صورة الأحكام الدّينيّة، والشّؤون الأخری التي تتعلّق بتطور المجتمع، ما يهدي الاهتمام بها المجتمع خطوة بعد خطوة إلی بناء الحضارة الإلهية. لذلك یمكن تقسیم مؤشّرات الحضارة من المنظور القرآني إلی قسمين: المؤشرات الإنسانيّة، والمؤشرات غیر الإنسانيّة؛ والأولی هي: الإیمان ﴿﴾ (التوبة: 12)، والأخلاق ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ(159)﴾ (آل‌عمران: 159)، والعلم ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)﴾ (العلق: 5)، والعدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58)﴾ (النساء: 58)، و…، أما الثانية فهي: الأرض ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)﴾ (الأعراف: 128)، والمطر ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(34)﴾ (لقمان: 34)، والماء ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ(15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ(16)﴾ (سبأ: 15-16)، والزّراعة ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ(46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ(47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ(48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ(49)﴾ (یوسف: 46-49)، والصناعة ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ(80)﴾ (الأنبیاء: 80)، و… إنّ الغایة من بناء الحضارة هي سعادة الإنسان في الدّنیا والآخرة، ولا تتمكّن حضارة من الوصول إلی هذه الغایة إلا أن تكون مبنية علی التعلیمات الإلهيّة. إنّ الأنبياء(ع) بنوا التاریخ، ولم یتأثّروا به، وكانت أهدافهم ولا تزال إقامة المجتمع المثاليّ الحقيقيّ.

في القرآن الكریم، كان الأنبياء(ع) مرسلین، ومأمورین، ومبعوثین لهداية الإنسان، ونشر الدیانة التّوحيدية، وكانوا بوصفهم ولاة الثقافة یصمّمون استراتجیّاتهم في ضوء معرفة البلد ومواهبه، والثقافة السائدة علی النّاس، وفقًا للأوضاع السائدة في عصورهم. وبناء علی تلك الاستراتجیّات، یقومون بنشر سلوك ثقافيّ مناسب في المجتمع لكي یتمكّنوا بذلك من تزكية أفكار النّاس، وعقائدهم من الشِّرك، وهدایتهم إلی التّوحید. من هذا المنطلق، يمكننا أن نستنج أنّ تعلیمات الأنبياء الدّينيّة نماذج من الحاكميّة الإلهيّة، ولذلك یمكن تطبیقها علی المجتمع من حیث الحضاريّة.

المصادر والمراجع

– القرآن الكریم.

– آلبرايت، ويليام (1971): آثار فلسطين، ترجمة: زكي اسكندريه و محمد عبدالقادر، القاهرة.

– الدر، جان (1335): باستان‌شناسي كتاب مقدس، ترجمة: سهيل آذري، طهران، نشر نور جهان.

– ابن خلدون،عبدالرحمن بن محمد (1996): المقدمة، بیروت، دارمكتبة الهلال.

– ابن هشام، عبدالملك (1375): السيرة‌ النبوية، تحقيق مصطفی‌ سقا وديگران، مصر، مطبعة مصطفي ‌البابي ‌الحلبي.

-بيومي‌ مهران، محمد (1383):بررسي تاريخي قصص‌ القرآن، ترجمة: مسعود انصاري ومحمد راستگو، طهران، علمي و فرهنگي.

– بارتلمه، كریستان (1377): زن در حقوق ساسانی، ترجمة: حسن ناصرالدین صاحب‌الزمانی، طهران.

– بركسون، هانری (1358): دو سرچشمه دین و اخلاق، ترجمة: حسن حبیبی، بی‌جا، شركت انتشار.

– البلاذري، أحمد ‌بن ‌یحیی ‌بن ‌جابر (1398): فتوح البلدان، تحقیق: رضوان محمد رضوان، بیروت، دار الكتب‌ العلمیّه.

– بنيانيان، حسن (1388): «مهندسي فرهنگي از نظر تا عمل در جامعه ايران»، مجموعه مقالات اولين همايش مهندسي فرهنگي دبيرخانه شوراي‌عالي فرهنگي، ماهنامه مهندسي فرهنگي، سال چهارم، ش33 و 34، صص 19- 27، دانشگاه تهران، شورای ‌عالی ‌انقلاب فرهنگی.

– بي‌آزار ‌شيرازي، عبدالكريم (1386): باستان شناسي و جغرافياي تاريخي قصص قرآن، چ 5، تهران، فرهنگ اسلامي.

– برقی‌كار، محسن و دیگران(1386): اطلس قرآني، اصفهان، حوزه علميه اصفهان.

– الثعالبي، ابو‌اسحاق (بی‌تا): قصص‌الأنبياء، القاهرة، دار إحیاء ‌التراث.

– حجازي، فخرالدين (1360): نقش پيامبران در تمدن إنسان، چ 16، طهران، بعثت.

– الحكيمي، محمد‌رضا (1374): الحياة، طهران، دفترنشر و فرهنگ إسلامي.

– حكيم، محسن، حكيم، محمدباقر (1383): «نقش حكومت در دگرگوني جامعه»، نشريه قدس.

– الخميني، روح‌الله (1357): كشف ‌الأسرار، قم، آزادي.

– دورانت، ویل (1370): تاريخ تمدن، ترجمه أحمد آرام و ديگران، چ2، طهران، سازمان انتشارات و آموزش انقلاب إسلامی.

– ديباجي، محمدعلي (1387): پيامبران دولتمرد، طهران، مركز پژوهش‌هاي مجلس شوراي اسلامي.

– روشه، گي (1380): تغييرات اجتماعي، ترجمه منصور وثوقي، طهران، ني.

– راميار، محمود (1362): تاريخ قرآن، طهران، أميركبير.

– سيد‌ قطب، ‌بن‌ إبراهيم (1412): في‌ظلال ‌القرآن، چ17، بيروت، دار الشروق.

– شریعتی، علی (1359): تاريخ تمدن، ج اول، چ2، طهران، آگاه.

– شایق، مجید (1370): «تاریخ اندیشه سیاسی در نهضت‌های أنبیاء»، نشریه حمایت.

– صمیمی، مینو (1382): محمد در أروپا، ترجمه عباس مهر پویا، طهران، إطلاعات.

– الطبرسي، فضل‌ بن‌ حسن (1372): مجمع‌البيان في‌ تفسير ‌القرآن، با مقدمه محمدجواد بلاغي، طهران، ناصر خسرو.

– الطباطبايي، محمدحسين (1423): تاريخ الأنبياء، إعداد شيخ قاسم هاشمي، بيروت، علمي.

– الطباطبايي، محمدحسين (1415): الميزان ‌في ‌تفسير ‌القرآن، طهران، دار الكتب ‌الإسلامية.

– علي بن أبی‌طالب (ع) (1382):نهج‌ البلاغة، ترجمه محمد دشتی، قم، مسجد جمكران.

– الفيض الكاشاني، محسن (1377): الصافي ‌في ‌تفسير ‌القرآن، تحقيق سيد محسن حسيني اميني، طهران، دار الكتب ‌الإسلامية.

– قرائتي، محسن (1383): تفسير نور، چ11، تهران، مركز فرهنگي درس‌هايی از قرآن.

– القفطي، عليّ بن یوسف (1374): تاريخ الحكماء، به كوشش بهين دارايي، طهران، نشر دانشگاه طهران.

كتاب مقدس (عهد عقيق و جديد) (1379): ترجمه فاضل‌خان همداني، طهران، أساطير.

– معلوف، لویس (1385): فرهنگ بزرگ جامع (ترجمه المنجد)،2جلد، ترجمه أحمد سياح، چ6، طهران، إسلام.

– موسوي همداني، محمدباقر (1374): ترجمه تفسير‌ الميزان، چ5، قم، جامعه‌ مدرسين حوزه علميه قم.

– محمدي، ذكرالله (1373): نقش فرهنگ و تمدن در بيداري غرب، چ1، قزوین، دانشگاه بين‌المللي إمام خميني.

– المجلسي، محمدباقر (1363): بحار الأنوار، طهران، نشر الإسلامية، ج 11و 12 ، چ سوم.

– مطهری، مرتضی (1361): مجموعه آثار، تهران، صدرا.

– مكارم شيرازي، ناصر (1374): تفسير نمونه، چ1، تهران، دار الكتب ‌الإسلامية.

– منتظرالقائم، أصغر (1386):تاريخ إسلام تا سال چهلم هجري، چ2، إصفهان، دانشگاه إصفهان.

– منتظرالقائم، أصغر (1391): تمدن سازی نبوی و علوی، چ1، إصفهان، مرغ سلیمان.

– الميبدي، أبوالفضل (1339):تفسير كشف الأسرار وعدّة الأبرار (مجموعه ده جلدي)، به اهتمام علي أصغر حكمت، طهران، نشر دانشگاه طهران.

نهج‌ الفصاحة (بی‌تا): ترجمه و گردآوری ابوالقاسم پاینده، طهران، جاویدان.

– نجار، عبدالوهاب (بی‌تا):قصص‌الأنبياء، چ2، بيروت، دار الجميل.

– ودادي، أحمد ومنصوره عباسعلي‌زاده (1388): «هوش فرهنگی در مهندسي فرهنگي با توجه به عصر جهانی شدن» ماهنامه مهندسي فرهنگي، سال چهارم، ش 33 و 34، صص 68- 75، دانشگاه طهران، شورای عالی انقلاب فرهنگی.

– يعقوبي، ابن ‌واضح (1379):تاريخ يعقوبي، بيروت، دار‌ صاعر و دار ‌بيروت.

– يزدان پرست، حميد (1387): داستان پيامبران، تهران، نشر اطلاعات، چ سوم.

 

 

[1]. طالبة دکتوراه في فرع تاريخ الإسلام في جامعة أصفهان (zahrasoleimany@yahoo.com)

Ph. D. student in History of Islam, University of Esfahan, Esfahan, Iran.

[2]. الأستاذ الدکتور لجامعة إصفهان (الکاتب المسؤول) montazer@ltr.ui.ac.ir) )

جامعة إصفهان، کلیه الآداب، قسم التّاریخ Professor of History of Islam, University of Esfahan, Esfahan, Iran

 

[3]. Civilization

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.