تمكين المرأة ما بين الإسلام والحضارة الحديثة

0

تمكين المرأة ما بين الإسلام والحضارة الحديثة

ده. خديجة عبدالله شهاب

ده. خديجة عبدالله شهاب*

لا تزال قضايا حقوق المرأة تشكّل تحدّيًّا كبيرًا للعالم؛ وتحتاج إلى الكثير من الجهود المبذولة على مستوى الدّول لتستقر، وتأخذ حيز التنفيذ على نطاق أوسع مما هو عليه اليوم، إذ لاتزال الجهود تبذل وخصوصًا في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث المجتمعات ترزح تحت خطّ الفقر المدقع.

يمكن  القول في هذا السّياق إنّ تمكين المرأة يتحقق في مستوياتٍ عدّة منها: الاقتصاديّ، والسياسيّ، الاجتماعيّ والثقافيّ، والقانوني والنّفسي.ّ والتمكين يُعطي المرأة القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجيّة التي تُكسبها قوّة؛ تمكّنها من السيطرة على حياتها، وهو امتلاكها للموارد، وقدرتها على الاستفادة منها، ويتمثل في إدارتها لمواردها بهدف تحقيق مجموعة من الإنجازات. بناء عليه فإنّ الموارد، والإدارة، والإنجازات، عناصر مهّمّة يجب أن تتوافر مترابطة لتستطيع المرأة من خلالها ممارسة اختياراتها.

تشير الموارد إلى التوقعات والمخصصات المالية والاجتماعيّة والبشريّة، أمّا الإدارة فتشير إلى قدرتها على أو على الأقل إحساسها بالقدرة على تحديد أهدافها الاستراتيجيّة التي تريد الوصول إليها في حياتها والتّصرّف بناء عليها، أمّا الإنجازات فهي تشير إلى مجموعة متنوعة من النتائج التي تبدأ من تحقيق مستوى عيش كريم وتحسينه إلى مستوى تمثيل المرأة على المستوى السياسيّ.

تأخر العالم المتمدن حين نادى بتمكين المرأة، إذ إنّ الإسلام سبق هذا العالم بسنوات كثيرة، وأقرّ لها بالتمكين حين أعطاها حقوقها كاملة، فهي التي تقرر مصيرها، فترفض من لا ترغب في أن يكون شريكًا لها في حياتها، وهي التي تقبل، وتعلن رأيها في ذلك صراحة، وقد فرض الله لها الصّداق تكريمًا لها، لتكون عزيزة مكرّمة، وعَامَلها على أنّها شريكة الرّجل في الحياة لا جاريته، كما كان سائدًا في بعض المجتمعات، وقد قال تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتقوا ربّكم الّذي خلقَكم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها زوجَها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء…﴾ النساء/1، وكرّمها حين أعطاها حقّ الأمومة، وحقّ التّملك والبيع والشّراء والتّصدق وغيره من الأمور الماليّة التي تمنحها الثقة بنفسها، وتجعلها تسير على قدم المساوة مع الرجل.

على الرّغم من كلّ ذلك فقد هيمنت على المجتمعات العربيّة والإسلامية الذكورية، جرّاءالفهم الخاطئ للقوامة التي قال بها الدّين الحنيف، وقد جاء في تفسير هذه المفردة الكثير، وشرح العلماء والمفسرون معناها، ومنهم ما قاله السيد السيستاني (قد) “معنى كون الرجل قوّامًا على المرأة هو قيامه بتكفل أمورها المعيشيّة والاعتناء بشؤونها وفق ما تقتضيه مصلحتها، وليس معناه أن لا ينفّذ لها ما في نفسها أو في ما تملكه إرادة، وأنّ عليها تنفيذ أوامره ونواهيه”. وراحت المجتمعات تتعامل مع المرأة أشارت الدّول المتحضرة إلى أنّ هناك عناصر عديدة تساعد المرأة على التمكين ومنها: حقّها في تحديد خِياراتها بنفسها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** أستاذة في الجامعة اللبنانيّة كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، وأستاذة اللغة العربيّة في جامعة المعارف، وأحد رئيسَيْ التحرير مجلّة “أوراق ثقافية” مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة.

أشارت الدّول المتحضرة إلى أنّ هناك عناصر عديدة تساعد المرأة على التمكين ومنها: حقّها في تحديد خياراتها بنفسها، وبفعل الحضارة الوافدة وتأثيرها، صار يؤخذ برأيها في شريك حياتها، فتنطلق في حياتها كما تشاء وتريد.

أضف إلى ماتقدّم الحديث به، حقّها وقدرتها على السيطرة على حياتها سواء داخل المنزل أو خارجه، وهنا نفهم، دورها الذي يُمكِنها أن تؤديه حين تكون أختًا، ومن ثمّ حين تصبح زوجة فأمًّا وخالة وعمّة، فخرجت الى التّعلم بعد أن حُرمت منه لعقود، غرق فيها العالم العربي والإسلامي بالأميّة والجهل، فصدحت الأصوات المهللة لهذه الخطوة؛ وقد قال الشاعر حافظ إبراهيم في قصيدته العلم والأخلاق :

الأمّ مدرسة إذا أعددتها                       أعددت شعبًا طيب الأعراق

إذًا؛ هي الأم / المدرسة التي يقع على عاتقها بناء الأجيال، تكون قدوتها، وتكون الأجيال عجينتها التي تشكّلها بحسب ما تراه مناسبًا  للمجتمع الصالح الذي يقوم على الأخلاق الحسنة والمعاملة الجيدة، مَهَمّة لا يُستهان بها، وقد ارتقت المرأة بالمجتمعات على أفضل ما يرام.

استطاعت المرأة أن تثبت جدارتها في كل الميادين التي صالت فيها، جولات وجولات، فكانت المرأة صاحبة الأعمال الكبيرة والصّغيرة، ووقع على كاهلها، الدّور الاقتصاديّ للأسرة وللمجتمع، فكانت سيدة أعمال ناجحة يليق بها اللقب. في عالم الطبّ قامت بإنجازات نافست فيها الرّجل على قدم وساق، وفي التربية هيمنت على قطاع التعليم، واستطاعت أن تكون مربيّة ناحجة، ومعلمة يقتدي بها طلابها، ويتعلم منها الأهل أصول التّربيّة الحديثة النّاجحة، فهي الأم الثانية للكثير من الطلاب .

نجحت الحضارة في أن تأخذ بيد المرأة وتمكّنها في الكثير من المجالات، إذ إنّ التمكين يُعدُّ أحد الشؤون الإجرائيّة الأساسيّة لمعالجة قضايا حقوق الإنسان، والتنمية في الكثير من المهن التي تليق بها، وتحترم قدراتها المالية والجسديّة، خصوصًا في الدّول الناميّة،.

خلّص الإسلام المرأة من هذه الإشكاليّة، حين فرض لها الميراث، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ للرّجال نصيبٌ ممّا ترك الولدان والأقربون وللنّساء نصيبٌ مما ترك الوالدان والأقربون مما قلّ منه أو كثر نصيبًا مفروضًا﴾ النساء /7  ولا يغيب عن بال أحد كيف يمكن لهذا الميراث أن يمنع عنها الحاجة إلى العمل، كما يعطيها القوّة والثّقة بالنفس، إذ تتكئ على ما يُؤَمّن لها حياة كريمة لا تحتاج فيها إلى أحد .

سبق الإسلام العالم المتمدّن في صون المرأة وإعطائها حقوقها، وقد أوصى بحسن معاملتها، وجعل الجنّة تحت قدميها.أنهى الإسلام قضيّة لا تزال محط جدل في الزّمن الحاضر، إذ تصارع بعض الأمم من أجل رفع الظلم عن كاهل الأنثى، وقد ظُلمت في حضارات قديمة كثيرًا، ولا يزال هذا الظلم مستمرًا حتى اليوم وإن بنسب متفاوتة بين دولة وأخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.