الأسطورة والأدب

0

 الأسطورة والأدب

مريم خليل رضا

طالبة دكتوراه في اللغة العربية وآدابها

 نشأة الأسطورة:*

انبعثت الإرهاصات المولّدة لفكرة الأسطورة ردًّا على أسئلة الإنسان القديم، الذي تعجّب ممّا يحيط به من ظواهر الكون، وأسرار الطبيعة. وقد لجأ إلى الأسطورة “لتفسير تلك الأمور الغامضة من حياته، وإشباع رغبته الباحثة عن الحقائق، مستندًا إلى عالم واسع، تكتنفه الخَرافات، أو الأوهام والتخيّلات”[1]. وهو الأمر الذي يجعل من الأسطورة لغزًا، سيبقى دائمًا موضوع خلاف بين النّقاد والدّارسين، “لأنّ الأسطورة فنّ الإنسان البدائيّ الذي هو مزيجٌ من الدّين، والتأمّل، والعلم، والتّاريخ، والسّحر”[2].

ويرى عالم النّفس الألمانيّ”كارل يونغ”: “Carl Jung”: (1875 ــــ 1961)؛ أنّه “من الطبيعيّ أن يلجأ الشاعر إلى عالم الأساطير كي يُعطي تجربته أنسب تعبير”[3].

ولكنّ التّأمّل في طبيعة الرموز والأساطير التي يستخدمها الشعراء المعاصرون، وفي طريقة استخدامهم لها، إنّما “يدعو دعوة ملحّة إلى الاهتمام بهذه الظاهرة إجمالاً وتقويمها”[4].

* مفهوم الأسطورة:

كتب الفيلسوف اللّاتينيّ “سانت أوغسطين”؛ “Saint-Augustine”: (354 ــــــــ 430): في كتابه “اعترافات”، عندما أراد أن يحدّد الأسطورة فقال: “إنّني أعرف جيّدًا ما هي بشرط ألاّ يسألني أحد عنها، ولكن إذا ما سُئلت وأردت الجواب، فسوف يعتريني التلكُّو”[5].

وقد أورد معجم “أكسفورد” للعام 1970 التعريف التالي للأسطورة: “الأسطورة محاولة متبصّرة، وخياليّة لتفسير الظواهر الحقيقيّة، أو المفترضة التي تثير واضع الأسطورة”[6]. وفي المعاجم اللغويّة العربيّة: “الأساطير هي الأحاديث التي لا نظام لها وهي الأباطيل، والأحاديث العجيبة. وسطّر تسطيرًا، ألّف وأتى بالأساطير، والأسطورة، الحديث الذي لا أصل له”[7].

وقد وردت لفظة الأساطير في “القرآن الكريم”، لتنفي ما لا أصل له من أحاديث؛ ﴿۞ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (31)۞﴾[8]. وقال أيضًا: ﴿۞ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ۞﴾[9].

وسيبدو لنا واضحًا فيما بعد، أنّ المفهوم العربيّ لما تعنيه كلمة أسطورة، يختلف بشكل أو بآخر عن مفهوم الغرب لمدلول هذه الكلمة.

* الأسطورة وعلاقتها بالأدب:

تاه الباحثون في محاولاتهم رسم تحديد واضح المعالم لهذه الكلمة. وقد تباينوا تباينًا شديدًا في تفسير علة وجودها وسبب نشأتها. فذهب البعض إلى القول بأنّ الأسطورة هي ابنة الفلسفة الطبيعيّة زوّقها الشعر بتمويهاته. ولا هدف لها سوى وصف الطبيعة وأجزائها.

لقد كانت المشكلة الرئيسة عند هؤلاء، هل الأسطورة القديمة مجرّد تسجيل لاستجابة خياليّة للعالم الطبيعيّ، أم إنّها تمثّل شكلًا أوّليًّا للعلم؟ “لا ذلك العلم الفظّ الذي سخر منه أفلاطون في تعريفه بالأسطورة (فيدروس)، بل العلم الذي اعتبره المتخصّصون بالآداب القديمة حكمة القدامى الخفيّة”[10].

وقد رأى فرويد “Sigmund Freud”؛(1472 ــــ 1529)، بأنّ الأسطورة تنطلق من اللّاوعي الذي يتصوّره كقبو خُزِّنت فيه خيالات جنسيّة لا يكاد العقل الواعي يعلم شيئًا عنها. وبالتالي فإنّ الأساطير في رأي “فرويد” تحرّر من الجنس بما لا يقلّ عمّا ضمنه “نايت” في مقال عن عبادة “بارايانوس”[11].

ويرى الفيلسوف “يانك” أنّ للأسطورة بُعدها العالميّ كما في قوله: “وفي لحظات كهذه لا نكون أفرادًا، بل نعود أجناسًا يتردّد فينا صوت البشريّة كلّها”[12].

وهذا ما يذهب إليه “يتيس” أيضًا عندما يقول: “مهما يكن ما تتجمّع حوله تطلّعات الإنسان، فإنّه يصبح رمزًا في (الذاكرة العظيمة). وإنّ الذي يملك السّرّ ليصنع العجائب يستلهم الملائكة، أو الشياطين”[13].

كما أنّ الصور التي تستثير الانفعالات الأصليّة سواء في رأي الفيلسوف “يتيس” أو “يانك”، فهي السبيل إلى أدب ذي أهمّيّة عالميّة. أمّا إنجاز الفيلسوف الفرنسيّ “مولر”Muller”: (1939) المميّز في هذا المجال، فيكمن “في تطبيقه أساليب علم دلالات الألفاظ المقارن على الشّكّ القديم، بأنّ منشأ الأسطورة هو ضرب من ضروب التّلاعب بالألفاظ، فقد كان يعتقد بأنّ الآرييّن قد أعربوا عن ملاحظاتهم في الطبيعة على هيئة تحوّلات بشريّة بلغة المجاز”[14].

فالأسطورة إذًا “مرض من أمراض اللغة. وإنّ أغلب الآلهة الوثنيّة ليست سوى أسماء شاعرة، سُمح لها أن تتّخذ، شيئًا فشيئًا، مظهر شخصيّات مقدّسة لم تخطر ببال مبتدعيها الأصليّين مطلقًا”[15].

وإذا كان “ويتجنشتاين”؛ (1889 ــــ 1951): “Wittgenstein”، يؤمن بأنّ الأسطورة غالبًا ما تكون حالة من افتتان عقولنا بسحر الكلمات، فإنّ لنا أن نستنتج أن الأسطورة غالبًا ما تكون حالة الافتتان الإراديّ ونؤيّد رأي من يقول بأنّ الأسطورة مجاز استولدتها الاستعارة. إلّا أنّ أيًّا من هؤلاء لم يسأل عن الصّلة الجوهريّة بين الأسطورة والأدب. على أنّ قليلًا منهم، يقبل من دون تحفّظ هذه الفروع غير الشرعيّة التي يُصادفها المرء أحيانًا، و”التي توصل إلى تسلسل “الانتحالات” التي، بها، تُصبح الأسطورة أدبًا بمعونة أشكال وسيطة كالخرافة، والحكاية، والفنون الشعبيّة، والأغاني القصصيّة وغيرها”[16]. أمّا “سانت أوغسطين” فقد عدّ “أنّ الأسطورة ليست خطرة بقدر ما هي سخافة محضٍ”[17].

كما كتب الأديب اليونانيّ “نيكوس كازانتازاكي”، “Nikos Kazantzakis”، (1957 ــــ 1883)؛ عن الأسطورة، فعدّها ميراثًا للفنون بعد أن أصبحت المَعين الذي لا ينضب للأفكار المبدعة، وللصور المبهجة، وللمواضيع الممتعة، وللاستعارات، والكنايات التي انطلق منها لرسم أسطورته عن “زوربا، حين خلط فيها بين الخرافة والشعر. وعليه فقد جعل من الأسطورة عنوانًا يهب كلّ امرئ شيئًا غامضًا عن نفسه. فالأسطورة لا تهيّئ هدايا لامعة جاهزة للمتشاعرين ليخطّوا أسماءهم عليها فحسب، بل إنّها أيضًا تشجّع اللّامعين ممّن لهم مواهب أكبر… ليشيّدوا إعمارات جديدة من النُّتف، والبقايا التي تتخلّف من أساطير شتّى في تنوعها”[18].

* الأسطورة في ميزان النّقد:

ليست الأسطورة، قديمها وحديثها، بمتخصّصة بشعب من الشعوب، وإنّما هي مشاع لكلّ الأمم، على تعدّد مللهم ونِحَلِهم تتنقّل حاملة على أجنحتها غبار القرون، وتهاويل الأزمنة المتعاقبة، وهي عند الباحثين نوعان: “بشرية ومؤلّهة”[19].

ويصل الشاعر الإنكليزيّ “صامويل كولريدج” “Samuel Coleridge”؛ (1772 ــــ 1834)؛ إلى استنتاج مفاده، أنّ الأسطورة الكلاسيكيّة “أسطورة مقطّعة الأوصال”. أمّا الكاتب الإنكليزيّ “جونسون” “Jonson”؛ (1572 ــــ 1637)، فقد كان أكثر قساوة عندما ذهب إلى القول في وصفه للأبطال في الشعر، بأنّهم “كانوا من قبل ليس غير تكرار للاشمئزار… لخرقهم العقائد الموروثة”[20].

ولكنّ الموقف الأكثر سخرية واستهتارًا بالأسطورة كان موقف الأديب الإنكليزيّ “أديسون”؛ “Addison” (1672 ــــ  1719): فقد نشر مرسومًا ساخرًا يحرّم فيه على الشاعر العصريّ أن يلجأ إلى الأساطير: “أن لا شيء أبعث على الضحك من التوسّل بما عندنا من الجوبّيترات والجونوات”[21].

أمّا الدكتور أحمد كمال زكي فقد لاحظ أن كثيرًا من الأساطير، والخرافات كانت مثار إلهام لكثير من الموسيقيّين، والفنّانين التشكيليّين المحدثين، الذين أكبّوا على القديم من تراث قومهم، فتغنّوا بخرافات بلادهم، ومنهم الموسيقيّ النمساويّ “موزارت”؛ “Mozart”؛ (1756 ــــ 1791): الذي صنع “النّاي السحريّ “مستوحيًا من أسطورة “إيزيس” و”أوزيريس”. أمّا أسطورة “الأفعى البيضاء” الصينيّة، وهي “إمبرار”، فتعدّ اليوم، “من أعظم الأعمال الموسيقيّة التي اعتمدت عليها إحدى أساطير الشرق الغابرة، بل إنّ الأساطير اليونانيّة والجرمانيّة، تحوّلت إلى تماثيل، وصور على يد مشاهير النحّاتين والرّسامين”[22].

* الأسطورة عند الغربيين:

لم يكن استخدام الأسطورة في الغرب وقفًا على الشعر، بل ظهرت في شتّى الأنّواع الأدبيّة الغربيّة كالمسرح والقصّة… ممّا هو معروف في نتاج الكاتب المسرحي الأميركي “أونيل”؛ “Eugene O’Neill”: (1953 ــــ 1888)، و”سارتر”؛Jean Paul Sartre” “؛ (1905 ــــ 1980)، والكاتب الفرنسيّ “أنوي” “Jean Anouilh”؛ (1910 ــــ 1987)، وهي إنتاجات أدبيّة تحمل سِمات تاريخيّة، “بوصفها من أشكال التّعبير، وليس بوصفها مادّة في حدّ ذاتها. فقد استغلّ “سارتر” قصّة “أورست” في مسرحيّته “الذّباب”، في حين كتب “أنوي” “انتيجون” و”ميديا”، وذلك بتعديلات متعدذدة، تتّفق والتعبير عن التّجربة المعاصرة”[23].

لذا، فقد ظهرت الأساطير طبيعيّة، ذلك لأنّ ما فعله “T.S. Eliot”؛ “ت. س. إليوت”؛ الشاعر الأميركيّ؛ (1965 ــــ  1915) بأسطورة “أورست” في “اجتماع شمل العائلة” (1939)؛ يختلف كليًّا عمّا فعله “جان بول سارتر” بها في “الذّباب” عام (1943)، “ولكن ليس ثمّة داعٍ للبحث عن أيّهما أصحّ في رأي “أوريتيس”، ذلك لأنّ ــــ التحوير ــــ إذا جاء بهيئة خطأ خلّاق. هو الذي يُبقي الأساطير حيّة”[24].

و”دون جوان” “Don Juan” الذي يُشكَّك في وجوده، فقد أصبح من الموضوعات التي يتسابق إلى طرقها الشعراء، ومنهم، الشّاعر المسرحيّ الإنكليزيّ “بايرون” “Bayron”؛ (1788 ــــ 1824)، و”دي موسيه”، الشاعر المسرحيّ الفرنسيّ “Alfred de Musset”؛ (1810 ــــــ 1857)، و”ألكسندر”؛Alexander Pope ؛ (1688 ــــ 1744)، الشاعر المسرحيّ الإنكليزيّ، “وقد أصبح محورًا لعقدة “الدونجوانيّة” التي تظهر حتّى اليوم في ألوان شتّى، كائنًا ما كان البطل، وكائنًا ما كان بلده”[25].

* الأسطورة عند الشرقيّين:

يرى الدكتور أحمد زكي أنّ أبرع من استخدم الأساطير في القرن العشرين الكاتب المسرحيّ الإيرلنديّ “جيمس جويس”؛ “James Joyce’s”؛ (1882 ــــ 1941)، في روايته “أوليس” و”برناردشو”، والكاتب المسرحيّ الإيرلنديّ “George Bernard Shaw”؛ (1856 ــــ 1950) في “بجماليون”. “وقد تأثر بـ”إليوت”؛ “T. S. Eliot” “جويس”، وكان له المديح لحسن إفادته من الأسطورة”[26].

ويُعدُّ الدّكتور “عزّ الدّين إسماعيل” من أبرز الذين أوضحوا أصول استخدام الأسطورة في الشّعر العربيّ الحديث. عندما وجد في الرّموز معنى خاصًّا، ورأى أنّه مهما تكن الرّموز التي استخدمها الأدباء والشعراء لها أصول ضاربة بجذورها في التاريخ. لذا، فعلى الشّاعر المعاصر أن يُجيد ربطها بالحاضر لتتّخذ معانيها الجديدة، وترتبط بالتّجربة الحاليّة، بعد أن تصبح قوّتها التّعبيريّة نابعة منها… وهو ما يشير إلى أنّ الأسطورة أقرب إلى أن تكون جمعًا بين طائفة من الرّموز المتجاوبة، يُجسّد فيها الإنسان وجهة نظر شاملة، أو رؤيا خاصّة، أو عامّة مرتبطة بالواقع والحقيقة. وهذا التّجاوب بين رموز الأسطورة، قد لا يمثّل علاقات واضحة، ومنطقيّة بينها، وإنّما هي في الغالب علاقات “جدليّة” ومن ثَمَّ تعود رموز الأسطورة لكي تخضع في الشّعر لما يسمّيه الدكتور إسماعيل “منطق السّياق الشعريّ”، شأنها في ذلك شأن الرّموز غير المرتبطة بالأسطورة [27].

وقد توصّل الدّكتور “أحمد زكي” إلى أنّ منطق الأسطورة هو “اللّامنطق، اللّامعقول، واللّازمان، واللّامكان. وفي هذا كلّه تبدو الأسطورة وسطًا بين الحلم، واليقظة، أو لعلّها تبدو وكأنّها ضرب ممتع من أحلام اليقظة”[28]. كما يلاحظ أيضًا أنّ دفقات نتاجنا الحديث، تنهل من أدباء القرن العشرين في أوروبا. “بل لعلّ صلة بعضنا بهذه الأسطورة أقوى من صلته بأساطيرنا العربيّة، على الرّغم من معرفتنا بمدى تأثير ألف ليلة وليلة على العالم بأكمله”[29].

وربّما كان الدّكتور “أحمد زكي” من أوائل الذين بيّنوا أهمّيّة تأثير “إليوت”؛ “Eliot” في شعرائنا المحدثين وفي سواهم. وقد خصّ قصيدة “إليوت”، “الأرض الخراب” أو “الأرض اليباب”، بمنزلة مميّزة، كونها لا تزال تعدّ لدى الكثيرين، ممّن عُرفوا بنظمهم الرفيع، للعمل الأدبيّ الذي يقلّدونه، بعد أن عمدوا إلى استخدام عناصر خاصّة بأساطير الشعوب، فأحيوا هذه الأساطير من جديد، بأسلوب، ومعانٍ جديدة ومستحدثة، ترتبط بواقعهم، كما ترتبط بتجاربهم. ولقد نبّهت هذه القصيدة شعراءنا إلى نتاج “إليوت”” كلّه، فتأثّر به “صلاح عبد الصبور” تأثّرًا قويًّا. كما تأثّر به “خليل حاوي” و “البيّاتيّ” و”بدر شاكر السّياب”، و”نازك الملائكة”، و”علي أحمد سعيد” و”يوسف الخال”، وغيرهم… حيث استقوا منه الرّموز، والدّلالات الأسطوريّة التي تحملها قصيدته، كما أدركوا أنّه لا بدّ من إعادة صوغ الدّلالات التي تحملها في قالب جديد.

ويعطي الدّكتور “إسماعيل” نموذج “السّندباد” في قصيدة “السيّاب” المعنونة “رحل النهار”، كمثال على الاستخدام الناجح للأسطورة. كما عُرف الشاعر “يوسف الخال” بشدّة ولعه بتكديس الرّموز الأسطوريّة القديمة من دون أن يجعل لها مجالًا حيويًّا مناسبًا، فجاءت مغرقة بالتأويلات، كما حملت الكثير من الدّلالات. والمثل على ذلك، قصيدته “الدعاء”:

وقبلما نهمّ بالرّحيل نذبح الخراف

واحدًا لعشتروت واحدًا لأدونيس

واحدًا لبعل…

* الأسطورة في الشّعر الحديث:

حاول بعض شعراء الحداثة تجاوز المشكلة المتعلّقة بالاستخدام غير المنطقيّ، أو العشوائيّ للأسطورة في نتاجهم، فعمدوا إلى إرفاق قصائدهم بموجز نثريّ للأسطورة التي يتّخذون منها رمزًا في صلب القصيدة، كقصيدة “نداء البحر” من ديوان “البئر المهجورة” للشاعر “يوسف الخال”. وقصيدة “إرم ذات العماد” من ديوان “شناشيل ابنة الحلبيّ” للشاعر “بدر شاكر السيّاب”. لكنّ البعض الآخر، قد ابتعد عن وضع مثل هذه الإرفاقات في كتاباته، حتّى بالنسبة إلى الأساطير، والرّموز غير المعروفة. وهو جهد قد يتكلّفه الدّارسون للاطّلاع على أحداث هذه الأساطير، أو الرّموز ومعانيها، والبحث عنها بين طيّات الكتب التي قد تكون موغلة في القدم، في كثير من الأحيان. أمّا متلقّو الشعر، فينذر أن يكلّفوا أنفسهم عناء هذا البحث. وتظلّ القصيدة معمّاة أمامهم، فلا يملكون عندئذٍ إلاّ أن يصفوا القصيدة بالغموض، والإيحاء، والالتباس، والإبهام.

ويعتقد الدكتور “إحسان عباس” أنّ أسباب دخول الأسطورة إلى الشعر العربيّ الحديث هي “محاكاة الشعر الغربيّ الذي اتّخذ الأسطورة منذ القديم سداه ولحمته”[30]. وهنا يلتقي الدكتور “عباس” مع جميع النقّاد الذين يؤكّدون على أهمّيّة تأثير “إليوت” في شعرنا الحديث، بوصفه من أهمّ الشعراء في العصر الحديث، الذين تميّزوا بوضوح الشعر، وحسن انسيابه متوافقًا مع دلالاته، وما يحمله من المعاني المُحكمة، لا سيّما القيمة المضافة لشعره، بالتفافه حول المنهج الأسطوريّ، وتبيان قيمته وآثاره في الشعر الحديث نظريًّا وعلميًّا. “وهو الذي أكّد في أعماله الشعريّة ضرورة هذا المنهج وأهمّيّته بالنسبة إلى الشعر”[31].

ومهما يكن من أمر، “فإنّ شعراء الحداثة يختلفون في مقدار شغفهم بالأسطورة، فبعضهم يكثر من استخدامها مثل “السيّاب”، والبعض الآخر قليل الالتفات إليها مثل “محمود درويش”. هذا، وإنّ شعراء العراق ولبنان ــــ على وجه العموم ــــ لا يجدون غضاضة في تطلّبها من أيّ مصدر. بينما شعراء مصر مثلًا يتحفّظون تجاه بعضها، ويقبلون على بعضها الآخر”[32].

* الأسطورة عند السيّاب:

يُعدّ “السيّاب”، بحكم موقعه الزمنيّ، شديد البحث عن الرّمز، لا يهدأ له بال. “وكانت حاجته إلى الرّموز قويّة بسبب تعرّضه لأزمات، وتقلّبات نفسيّة، وجسميّة. ولهذا يصبح “السيّاب” نموذجًا للشاعر الذي يطلب الرّمز في قلق من يبحث عن مهدّئ لأعصابه المستفزّة. فهو يتصيّده حيثما وجده على حدّ تعبير الدكتور “عباس”[33].

وبهذا يكون “السيّاب” قد فتح المجال بعده لمن شاء أن يستخدم الرّموز، وإنّ تجاوزه بعضهم في القدرة على الاختيار وفي طريقة الاستخدام. على أنّ “السيّاب” نفسه، قد تطوّر كثيرًا في كيفيّة استغلال الأساطير والرّموز، ابتداءً من اتّخاذه نماذج واضحة لها، كما في قصّة “يأجوج ومأجوج” في قصيدة “المومس العمياء”. كما أنّ بناء القصيدة كلّها كان يعتمد على الرّمز الواحد، كما في قصيدته “المسيح بعد الصلب” وهي القصيدة التي تصوّر تمزّق الشاعر بين جيكور والمدينة.

* الأسطورة عند خليل حاوي:

تحتلّ قضيّة الأنّبعاث والتجدّد في شعر “خليل حاوي” المنزلة الأولى. أمّا قضيّة استخدامه للأسطورة، فإنّ “حاوي” قد اختلف اختلافًا جذريًّا عن “السيّاب” في طريقة معالجته لها. فهو لا يستمدّ الأسطورة الجاهزة على حالها، وإنّما يبنيها بناء جديدًا. فـ”السندباد” قديم، ولكن وجوه السندباد والسندباد في رحلته الثامنة، تمثّلان أسطورة جديدة، هي أسطورة الإنسان المعاصر الذي أراده “حاوي” أن ينبعث من جديد، بعدما نفض عنه أدران الماضي المثقل بالرّضوخ والاستسلام، وبنى على أنقاضه عالمه الجديد المشرق بالحياة والتجدّد والأمل.

وقد تأثّر “حاوي” بالغرب أيضًا، كما في قصيدته “البّحار والدرويش”، وكذلك في قصيدته “لعازر” التي تأثّر فيها بما كتبه الشاعر “إليوت” في قصيدته “الأرض الخراب”. فاغترف “حاوي” من معين الأسطورة ما يرفد به صفحات شعره، حتّى غدت الأسطورة تؤدّي دورًا أساسيًّا في قصائده، كـما في قصيدة: “نهر الرّماد”، أو في قصيدة “المجوس في أوروبا” أو”الجسر”. كما طفحت قصائده بالرّموز التي حملت دلالات خاصّة، خدمت المعاني، كـالرمز “العنقاء”، و”تمّوز”، و”لعازر” وغيرها من الرّموز… وهو ما يكشف عن “الصراع بينه وبين معوّقات الزّمان والمكان، ومحاولته التخلّص من ثقل التّجربة التاريخيّة والانطلاق إلى رحاب أوسع”[34].

* الأسطورة عند محمود درويش:

فنّ الأسطورة عند “محمود درويش” هي وعي أسطوريّ، أي إنّها إحساس تتجمّع فيه المتناقضات، بما فيها من مضامين، وأزمنة، وأمكنة، وما أن تصل نقطة التجمّع هذه، حتّى تسير في دهاليز الإبداع، ولا تخرج منه إلّا وقد اكتسبت إيقاعًا جديدًا في مضمونه، وزمانه، ومكانه.

وقد استدعى “درويش” الأسطورة إلى شعره، فاستلّ معانيها من الواقع الحسّيّ المحمّل بالأبعاد التخييليّة، والرّموز الموحية بعمق المعاناة، والتّجربة، وقد حملت قصائده أساطير من منبع التراث الأسطوريّ الغربيّ، الذي حمله في قضاياه التي استنزفها شعره، ومن هذه الأساطير المستدعاة إلى قصائده: أسطورة “أدونيس وعشتار”، و”تموز”، و”إنانا”، التي حمّلها رؤية جديدة تتّخذ أبعادًا تأويليّة خاصّة، متمسّكًا بقضيّتين هما: قضيّة الوطن والدفاع عنه في وجه العدوّ الإسرائيليّ، وقضيّة إحياء التراث القوميّ. وقد جاءت قصائده محمّلة بالثنائيّات التي تخدم المجال الدراميّ المحمّل بالرّموز، كما في قوله:

وقصيدتي زبد اللهاث وصرخة الحيوان

عند صعوده العالي

وعند هبوطه العاري

أنا أريدكما معًا حبًّا، وحربًا يا أنات[35]

ويظهر “محمود درويش” وقد استهلك الكثير من الأساطير، في عبارة، يختتم فيها قصيدته “سيأتي برابرة آخرون”. حيث يقول: أَيُولَدُ “هوفيز” من بعدنا… والأساطير تفتح أبوابها للجميع؟”.

استنتاج

إنّ الحكايات الشعبيّة بأسرها، ومنها الحكايات الخرافيّة، والأساطير هي بكلّ تأكيد بقايا المعتقدات الشعبيّة كما أنّها بقايا تأمّلات الشعب الحسّيّة وبقايا قواه، وخبراته عن النّفس، والحياة، والكون، والوجود، “حينما كان الإنسان يحلم، لأنّه لم يكن يعرف، وحينما كان يعتقد، لأنّه لم يكن يرى، وحينما كان يؤثّر فيما حوله، بروح ساذجة غير منقسمة على نفسها”[36].

وقد أعادت لنا الحكايات الشعبيّة التي اهتمّت بالمكان الكثير من الموروث الشعبيّ الضائع، أو الذي أُهمل بحسبه “يحتوي على الكثير من بقايا العبادات القديمة التي رفضها الإسلام”[37].

وعلى الرّغم من الإيجابيّات المتنوّعة التي قدّمتها الأسطورة للشعر العربيّ الحديث، فإنّ هذا الشعر لم يسلم من بعض التأثير السلبيّ للأسطورة عليه… ومهما يكن من أمر، وما دام شعرنا الحديث شديد الاهتمام بالأسطورة، “وما دامت الأسطورة ميراث الفنّ، فلن يصيبنا شرّ من معرفة شيء عنها”[38].

قائمة المصادر والمراجع:

1 ــــ القرآن الكريم.

2 ــــ ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط6، 1997.

3 ــــ إسماعيل، عزّ الدين، الشعر العربيّ المعاصر، قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة، دار العودة، بيروت، ط3، 2007.

4 ــــ البستانيّ، كرم، أساطير شرقيّة، دار نظير عبود،1994.

5 ــــ حمّود، محمّد، الحداثة في الشعر العربيّ المعاصر، الشركة العالميّة للكتاب، بيروت، ط1، 1996.

6 ــــ خورشيد، فاروق، أدب الأسطورة عند العرب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 284، جمادى الأولى 1423 ــــ أغسطس 2002.

7 ــــ دير لاين، فون فبريدرش، الحكاية الخرافيّة، تر. د. نبيلة إبراهيم، تحقيق د. عزّ الدين إسماعيل، غريب، القاهرة، 1987.

8 ــــ راثفين. ك. ك. الأسطورة. تر. صادق جعفر الخليليّ، منشورات عويدات سلسلة (زدني علمًا)، بيروت، ط1، 1981.

9 ــــ زكي، أحمد، الأساطير، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، السلسلة المكتبيّة الثقافيّة، ط1، 1997.

10 ــــ شاهين، محمّد، الأدب والأسطورة، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1996.

11 ــــ عبّاس، إحسان، اتّجاهات الشعر العربيّ المعاصر، سلسلة عالم المعرفة الكويت، ط1، 1978.

12 ــــ مسعود، ميخائيل، الأساطير والمعتقدات العربيّة قبل الإسلام، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، أيلول 1994.

[1] – ميخائيل مسعود، “الأساطير والمعتقدات العربيّة”قبل الإسلام، دار العلم للملايين، بيروت، ط1، 1994، ص 25.

[2] – ميخائيل مسعود، م. ن. ص 28.

[3] – محمّد شاهين، الأدب والأسطورة، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، ط، 1996، ص 17.

[4] – محمّد حمّود، الحداثة في الشعر العربيّ المعاصر، الشركة العالميّة للكتاب، بيروت، ط1، 1996، ص 143.

[5] – ك. ك. راثفين، الأسطورة، تحقيق جعفر صادق الخليليّ، منشورات عويدات، سلسلة (زدني علمًا)، بيروت، ط1، 1981، ص 9.

[6] – ك. ك. راثفين ــــ الأسطورة، تر. الخليليّ، م. س.، ص 33.

[7] – ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط 6 ، 1997، مادّة: “سطر”.

[8] – القرآن الكريم، سورة الأنّفال: آية 31.

[9] – القرآن الكريم، سورة الفرقان: آية 5.

[10] – ك. ك. راثفين، الأسطورة، تحقيق جعفر صادق الخليليّ، م. س. ص 27.

[11] – ك. ك. راثفين، م. ن.، ص 36- 37.

[12] – ك. ك. راثفين، م. ن.، ص 40.

[13] – ك. ك. راثفين، م. ن.، ص 42.

[14] – محمّد حمود، الحداثة في الشعر العربيّ المعاصر م. س.، ص 145.

[15] – ك. ك. راثفين، الأسطورة. م. س.، ص 27.

[16] – ك. ك. راثفين. م. ن. ص 61 و95.

[17] – ك. ك. راثفين، م. ن. ص 52.

[18] – محمّد حمّود، الحداثة في الشعر العربيّ المعاصر، م. س.، ص 146.

[19] – كرم البستانيّ، أساطير شرقيّة، دار نظير عبّود، بيروت، ط1، 1994، ص 8.

[20] – محمّد حموّد، الحداثة في الشعر العربيّ المعاصر. م. س. ص 148 ــــ 149.

[21] – محمّد حمّود، م. ن. ص. 149.

[22] – أحمد زكي، الأساطير، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، المكتبة الثقافيّة، ط1، 1997، ص 64 ــــ 65.

[23] – أحمد زكي، الأساطير. م. س. ص.88.

[24] – ك. ك. راثفين، الأسطورة م. س. ص. 76 ــــ 80.

[25] – أحمد زكي، الأساطير. م. س.، ص.84.

[26] – أحمد زكي، م. ن. ص. 89.

[27] – انظر كتاب “الشعر العربيّ المعاصر”، قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة لـ”عزالدين إسماعيل”، دار العودة، بيروت، ط1، 2007، ص 202.

[28] – ميخائيل مسعود. الأساطير والمعتقدات العربيّة قبل الإسلام. م. س. ص 115.

[29] – أحمد زكي، الأساطير، م. س. ص 89.

[30] – إحسان عباس. اتجاهات الشعر العربي المعاصر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط1 1978، ص. 165.

[31] – إحسان عباس، م. ن. ص. 23.

[32] – إحسان عباس. م. ن. ص. 166.

[33] – محمّد حمّود، الحداثة في الشعر العربي المعاصر م. س. ص ، 159 ــــ 160.

[34] – محمّد حمّود، الحداثة في الشعر العربيّ المعاصر، م. س. ص 233.

[35] – محمود درويش، هي أغنية هي أغنية، منشورات دار عودة، بيروت، ط3، 1999، ص 88.

[36] – فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافيّة، تر. نبيلة إبراهيم، تحقيق عزّ الدين إسماعيل، دار غريب، القاهرة، 1987، ص 23.

[37] – فاروق خورشيد، أديب الأسطورة عند العرب، جذور التفكير وأصالة الإبداع، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2002، ص 90.

[38] – محمّد حمّود، الحداثة في الشعر العربيّ المعاصر، م. س. ص 161.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.