foxy chick pleasures twat and gets licked and plowed in pov.sex kamerki
sampling a tough cock. fsiblog
free porn

جدل الوعي والمادة بين الماركسية والمعلوماتية

0

جدل الوعي والمادة بين الماركسية والمعلوماتية

ياسين عباس هادي(*)

ملخص

إنّ كون المادية متغلغلة في الثقافة الغربية أدى إلى عدُّ العقل مجرد خرافة، وإن كل أفكارنا وقراراتنا هي نتاج أساسي لعمليات مادية عشوائية، خلافًا للتحول الفكري المعاصر الذي تفرضه المعطيات العلمية والفلسفية التي رسمت خطوطه المنهجيّة والميتافيزيقية، ليتشكل بذلك نموذج معرفي جديد تمثّل بكون المعلومات هي التي تشغل منصب المكون الجوهري للطبيعة، ولم يكن للمادة وجود من دونها (المعلومات).

إنّ جوهر الطبيعة معلوماتي كونها تحقق بعض الوقائع دون الأخرى من خلال إقصاء احتمالات وتحقيق أخرى، ما يجعل التصور الغائي لها لا يتناسب إلا مع وكونها معلوماتية، تتحرك من خلال تحقيق احتمالات محددة نحو أهداف معينة. وهذا ما يمثّل خرقًا ثوريًّا لنظرية المعرفة بأن تتوحد المعلومات تحت ظل الذكاء الفاعل، الأمر الذي يُعيد فتح احتماليّة سبب الوجود الأصلي للجامعة القديمة، وهو أن كل المعارف الحقيقية تشكل وحدة متكاملة لوصف الحقيقة.

الكلمات المفتاحيّة: المادة، التصنيف الدوري، الذرات، المادية الميكانيكيّة، الوعي، الواقع، الدماغ، الكتلة، الطاقة، المعلوماتية، الحقل المورفوجيني.

Abstract

The fact that materialism is pervasive in Western culture has led to the mind being considered a myth, and that all our thoughts and decisions are a basic product of random material processes, in contrast to the contemporary intellectual transformation imposed by scientific and philosophical data that drew its methodological and metaphysical lines, thus forming a new congnitive model represented by the fact that information is what occupies the position of the essential component of nature, and matter would not exist without it (information).

The essence of nature is informational, as it achieves some facts without others through the exclusion of some possibilities and realization of other, which makes the teleological conception of it only commensurate with its being informational, moving through the realization of specific possibilities towards certain goals. This represents a revolutionary breach of the epistemology that information unified under the shadow of active intelligence, which reopens the possibility of the original reason for the existence of the ancient university, which is that all true knowledge constitutes an integrated unit to describe the truth.

Key words: Matter, wormhole classification, atoms, mechanical materialism, consciousness, reality, brain, mass, energy, informatics, morphogenetic field.

المقدمة

يصف أرسطو المادة أنها جوهر له امتداد، وقابل للتجزئة، وله قابلية أن يتخذ كل الأشياء. وفي الوقت المعاصر تمثل مشكلة صيغة المادة مشكلة العلم عامة والفيزياء خاصة، خلافاً للفلسفة التي تتمثل مشكلتها الأساسية بالفكر (أو الوعي أو الروح) والتي تقع في قبال المادة كونها مفهومًا تأمليًّا وميتافيزيقيًّا. وفق ذلك، اختلف الفلاسفة في فهمهم للوجود وتفسيرهم لطبيعته، فتعددت مذاهبهم التي وضعوها حلولًا لإشكالياته، فمن قائل إن الوجود مادي في طبيعته ولا شيء في الوجود غيرها. وأمّا الحياة والحركة مما يظن البعض بأنّها تشهد بوجود الروح أو العقل فهي ليست في الواقع إلا وظيفة من وظائف المادة أو صفة من صفاتها (ديمقريطس)، فإذا انحلت المادة توقفت الحركة وانعدمت الحياة. والقائلون بهذا الرأي هم من أصحاب المذهب المادي. ومنهم الذي يرى أن الوجود روحي في طبيعته، وأنه ليس فيه غير الروح أو العقل، وما المادة في كل صورها إلا ظاهرة من ظواهر الروح، والقائلون بهذا الرأي هم من أصحاب المذهب الروحي. وعلى الرّغم من تعارض المذهبين أنطولوجيًّا إلا أنّهما يشتركان في البحث عن الكينونة أو الواقع. خلافًا لتعارض مذهب المثاليّة ومذهب الواقعيّة اللذين يبحثان في أصل المعرفة (الأبستمولوجيا). ونظرًا لقِدم الإشكالية الفلسفيّة بقدم الإنسان نفسه، أيقن بعض الفلاسفة أنها لم يعُد لها أهمية وراء وجودها التاريخي، وما أحدثته من جدلية بين كثير من الفلاسفة الإسلاميين والمسيحيين والفلاسفة المعاصرين، غير أن الحقيقة خلاف هذا التصور تمامًا؛ إذ ما تزال ماثلة أمام الأذهان كلما استجد في العلم اكتشاف!

الإشكالية

بينما كانت المادة هي الإجابة الوحيدة التي تبنتها الماركسيّة عن سؤال الحقيقة الجوهرية للوجود، تطرح المعلوماتية – التي انبثقت عن ميكانيكا الكم – البديل عنها والمتمثل بالمعلومة التي تتمظهر ماديًّا وتضعها (المادة) على أسفل سلم السببية، فمن أي الطرحين ينبثق الرأي الفلسفي الصحيح؟ وما هي المبررات الموضوعية لتبنيه؟

خطة البحث

من خلال الهيكل العام للموضوع، ارتأيت أن يكون البحث ضمن فصلٍ واحد مقسم إلى: مقدمة، ومبحثين (الماركسية والمعلوماتية) تطرقت فيهما إلى ركائزها العلمية وقراءتها فلسفيًّا؛ لإستنباط النتائج النهائية لها ثم انتهيت بالخاتمة.

الماركسية

يشمل التطور مجالًا أوسع بكثير من مجال التّطور العضوي، بل إنه يشير إلى نظرية عامة جدًا في النمو والتغير التدريجي، والتي تسير في اتجاه يزداد تعقيدًا ويصل إلى أعلى درجة من التنظيم. ونحن بهذا نتحدث عن تطور النظم الشّمسيّة، أو التّطور في النجوم والكواكب ومسالكها أو تطور سطح الأرض أو التّطور الاجتماعي أو تطور العادات والتقاليد في مجتمع ما… إلخ. ومعنى ذلك أنّه قد يكون نظرة شاملة للكون يقع ضمن المادية الديالكتيكية([1]). ويشير التطور العضوي إلى نمو الكائنات الحية وتسلسلها من أبسط صورها، أو من الكائنات الحية المتناهية في الصغر، ويذهب إلى أنّ أشكال المادة الحية جميعها: النباتات كلها، أنواع الحيوانات جميعها، والأجناس البشرية كافة، قد تسلسلت بتغيرات تدريجية من الخلايا الجرثوميّة الأولى. ولقد كانت نظرية التّطور العضوي شائعة في الأوساط الثقافيّة قبل دارون! بل إن بعضًا من أقدم المفكرين اليونانيين لم يكتفوا بالاعتقاد أن التغير هو الحقيقة النهائيّة في الكون كما فعل هيراقليطس، بل نظروا إلى مجرى الحياة على أنّه عملية متدرجة يستعاض فيها عن الأشكال الناقصة بأشكال أكثر كمالًا كما فعل انباذقلس. الأمر الذي يجعلها غير مرادفة للداروينية لعمومها([2]).

وسبق مارکس هربرت سبنسر (1820 – 1903) من كون العالم يعبر عن عملية تطورية هائلة، تقبع أدواتها في المادة والحركة والقوة، وهي ذاتها ليست حقائق نهائية ولكنها تمثل حدود معرفتنا التي لا تستطيع ان تتجاوز نطاق الظاهر، ولكن بالامكان الاستدلال على القوة غير المدركة حسًا، والتي تمثل مصدر الظواهر جميعًا وأكثرها أهميّة قانون التطور. وما دام العالم ينتج من توزيع واعادة توزيع المادة والحركة والقوة، فهي إذن عملية تكامل وتمایز وبالإمكان رؤيتها: في العالم إذ كان كتلة نارية غير متمایزة، وكل أجزاؤها متشابهة ومنصهرة، ثم بدأت بالتصلب والتكامل والاختلاف، فانفصلت الكواكب عن الشمس، وظهرت اليابسة والماء والجبال والوديان، وبدأت من ثمَّ عمليّة الامتياز. وفي الكائنات الحية يبدأ التطور من كتلة بروتوبلازمية غير متمایزة، وخطوة خطوة يتغير التشابه ليتحول إلى إختلافات متعددة([3])، فتظهر أعضاء معينة للهضم والحركة وتناول الطعام والتّسلق… الخ. وفي المجتمع يكون بالإمكان رؤية العملية نفسها في تقسيم العمل الذي يصبح شيئًا فشيئًا أكثر تخصصًا، وفي اللغة توضح رؤية التغيرات التي تطرأ عليها القانون نفسه! وعلى ضوء هذا التطور أقامت الماركسية نسقها الفلسفي المتمثل بالمادية الديالكتيكية. ويعطي انجلز أهمية كبيرة للتصنيف الدوري للعناصر الكيميائية الذي وضعه العالم الروسي مندلييف (Mendeleev)([4])؛ كونه يساهم بشكل فعال في دعم المادية الديالكتيكية علميًّا؛ إذ يتلخص بأن التغيرات الكمية التي تطرأ على العناصر الكيميائية تولد تغيرات نوعية، وهو يناقض المفهوم الميكانيكي الذي يعتبر التطور في الطبيعة كمياً، وينكر التطور النوعي وحالات الاختلاف في الطبيعة. وهذا خلاف الميكانيكية والغيبية اللتين تؤديان الى المثالية، وتلعبان دوراً سلبياً في مجال العلوم والإنسانيات على حد سواء، وعليه فالمادية الديالكتيكية هي التي تصلح أن تكون أساسًا فلسفيًّا حقيقيًّا لتطور العلوم.

والمعروف أنّ الفلسفة الماديّة تريد ايجاد تفسير علمي لمشاكل العالم؛ ولهذا تقدمت عبر التاريخ مع تقدم العلوم، فنراها تنطلق معها وترتكز عليها وتتطور معها، وبهذا شكلت الأساس للماركسيّة، ولكن بعد القفزة المعرفيّة الهائلة العلوم القرن التاسع عشر، جدد مارکس وانجلز المادية القديمة انطلاقًا من العلوم الحديثة؛ وقد كان الظن عند اليونان أن المادة واقع ممتلئ لا يُخرق ولا ينقسم إلى ما لا نهاية، وسميت بالذرات. وكان ديمقريطس أول من حاول صياغتها في نسق فلسفي يستعرض تفسيرًا ماديًّا للعالم. والمؤكد أن أعظم أشكال المادية في التاريخ الحديث هي المادية الميكانيكيّة. وقد تمكن ديكارت ومعاصره توماس هوبز من صياغتها في القرن السابع عشر من خلال زعمهما أن الوجود يتكون من جزيئات مادية في حالة حركة؛ وفًقا للقوانين الثلاثة للحركة الميكانيكية النيوتينية، والتي من خلالها فسّر الحركات الأرضيّة والفلكيّة جميعها ؛ وهذا (الزّعم) أدى بها أن تنكر حقيقة الوعي أو العقل، خلافًا لماركس الذي أحاط علمًا بالماديّة الإغريقيّة والميكانيكيّة، وأدرك القدرات الإبداعيّة والانتاجيّة للوعي الإنساني التي تؤهله لتغيير العالم الطبيعي والجوهر الإنساني، وتفسر التّاريخ من خلال النظر إلى الانتاج الذّهني والحياة الفكرية والثقافيّة للإنسان أنه نتيجة له([5]). وهذا يضعنا وجهًا لوجه أمام إشكاليّة الفكر والمادة الأساسيّة في الفلسفة؛ إذ يؤكد الماديون أنّ المادة هي التي تنتج الذهن، وأننا – علميًّا – لا نصدق ذهنًا بلا مادة، كونها (المادة) موجودة خارجًا وليست بحاجة للذهن حتى توجد بوجودها الخاص المعروف. وقد جرى العرف الفلسفي على تسمية الأجرام والأجسام المحيطة بنا والعمليات الميكانيكية والفيزيائية والكيميائية بالظواهر المادية أو المادة. وتسمية ما يشغل عقلنا من مشاعر العزة أو الخجل والغضب أو ما شابه. وكذلك الانطباعات المتكونة عن طريق حواسنا الخمس، ثم الأفكار التي تشغل أذهاننا دومًا بالظواهر المثالية والروحية أو بظواهر الوعى أو اللاوعي. وبديهي أن الإنسان كائن يفكر ويحس، وتصدر جميع تصرفاته المعقولة وغير المعقولة عن مشاعره وأفكاره، فقبل أن يصنع الإنسان أدواته المادية لاخضاع الطبيعة لرغبته، كان قد فكر بكيفية القيام بذلك. الأمر الذي قاد البعض إلى الاستنتاج أن الظواهر الرّوحيّة هي التي تولد الظواهر المادية، أو الوعى يولد المادة، وخصوصًا عند التأمل بانقسام المجتمع إلى برجوازي وبروليتاري، واستئثار الطبقة الأولى بثروات الطبقة الثانية، فكان الوعي يولد المادة في الكون والمجتمع على حدٍ سواء([6])، ما يطرح تساؤلًا فلسفيًّا حول الأصل منهما، فهل انبثقت المادة من الوعي أو الوعي من المادة؟

والواقع إذا كانت المادة خارج الوعي ومستقلة عنه، فما هو الوعي؟ وما هي علاقته بالمادة؟ فترى الماركسيّة أنه خاصية لمادة ذات تركيب عالٍ وشديدة التعقيد، وأن أفكار الإنسان ومشاعره و إرادته وإحساساته وتصوراته وآرائه … الخ تتعلق بنشاطه العقلي الواعي، وبهذا الصدد نلحظ أن العلوم الطبيعية والفلسفة اجتازت شوطًا طويلًا من التجارب المتنوعة قبل أن تكتشف أن الوعي نتاج تطور طويل للمادة. فالمادة أزلية بطبعها، وبتطورها نشأ الإنسان كنتيجة طبيعية لها، وهذا ما احتاج إلى مدد زمنية متطاولة؛ ليولد في آخرها الإنسان وتفكيره من خلال مادة حية ذات تركيب بيولوجي معقد. من هنا نفهم عمق الآصرة التي تربط الوعي والمادة، وانبثاقه من قلب العمليات المادية الفسيولوجية التي تحصل في قشرة الدماغ، فكان الجوع أو المرض فيها يؤدي الى اضطراب حاد في نشاط الإنسان الفكري والنفسي. وهذه الحقيقة هي التي أثبتها العالم الروسي بافلوف، والتي اتخذتها المادية الديالكتيكية دليلًا على صحة زعمها من تبعية الوعي للمادة، وأن أساس الوعي الإنساني التي تجعله متمكنًا هو الدماغ والعمليات الفسيولوجية التي تقع فيه([7]). وينبغي الإشارة إلى استحالة عمل الدّماغ بمعزل عن محيطه المادي؛ حيث إحساسات البصر أو السمع والشم وغيرها تظهر في الدّماغ تحت تأثير الأشياء وما تملكه من ألوان وروائح، والتي تؤثر على أعضاء الحس لتنتقل إلى قشرة الدماغ بواسطة الأعصاب، وبهذا تتحول الاحساسات إلى انطباعات حسية وتصورات ومفاهيم تعكس العالم المادي، فكان هذا الانعكاس هو الصفة المميزة الوعي. وكانت زبدة المخض لما تقدم أن: الوعي هو نتاج للمادة.

حاليًّا تقف المجتمعات البشرية أمام مفترق طريق: إمّا العلم أو الأسطورة التي تسيدت الوعي الإنساني لمدة طويلة، وليأتي العلم ويقدم رؤية جديدة أكثر إنسانيّة عبر تقديمه حلولًا ملموسة للمعضلات التي تواجهنا وللاحتياجات التي نطلبها؛ كون العلم يتجلى في كل مظاهر حياتنا التكنولوجية، وهو ما حصل في النموذج المعلوماتي.

المعلوماتية

إنّ كلمة المعلومات تستدعي إلى الذهن صورة أجهزة الكمبيوتر والأقراص الصلبة والإنترنت، وظهور هذه الأمور هو ما يُطلق عليه بثورة المعلومات، الذي يُعد الكمبيوتر تطبيقها المهم إلى جنب أنّها تحكم سلوك الاجسام على عدة مستويات مختلفة. كما أنها تخبرنا بطريقة تفاعل الذرات مع بعضها البعض، وبكيفيّة ابتلاع الثّقوب السّوداء للنّجوم، وتصف قوانينها طريقة فناء الكون وبنائه، ما يؤهلها لنيل لقب الثورة الثالثة في فيزياء القرن العشرين !! إذ تُعد قوانین الديناميكا الحرارية التي تحكم حركة الذرات في جزء من المادة، وقانون النسبية لاينشتاين التي تصف سلوك الاجسام القصوى تحت تأثير الجاذبية القوي، وقوانين ميكانيكا الكوانتم التي تحكم مجال الاجسام المتناهية الصغر، كلها منبثقة عن نظرية المعلومات التي لا تنحصر مجالاتها في محتويات القرص الصلب أو الأجهزة الحديثة([8]). بهذا تمثل المعلومات أساس العلم بالنسبة إلى الفيزيائي المعاصر، ويكون سلوك المادة زيادة المعلومات أو نقصها. وما البشرية إلا نماذج مرحلية منها، تنتقل وفقًا لوصفة محددة من صورنا الأساسية إلى أجيال مستقبليّة باستخدام شفرة رقميّة من أربعة حروف تسمى الدنا.

وفق هذا المنظور العميق الذي يتحدى مفاهيمنا عن الجسيمات والزمن والحتمية، بل والواقع الموضوعي ذاته، ينبغي إستحضار صفوفاً من الأعداد وقواعد البيانات لرسم النموذج الكوني الجديد، ولا يصح حينئذٍ الاقتصار على مصطلح المعلومات أو المعلوماتية لعجزها التعبيري عن هذا المعنى بحدوده ومساحاته الشاسعة. وبهذا تنتفي عن المادة أو الطاقة صفة الاساسية للواقع، لتنعت بالمعلومات ومعالجة البيانات التي تضرب بجذورها في كل الظواهر سواء أكانت فيزيائية أم بيولوجية أم اقتصادية أم اجتماعية([9])، وهذا المبنى المعرفي والوجودي يطرح عدة من التساؤلات الفلسفيّة لم يكن من المتاح طرحها مسبقًا للاعتقاد بأن لا وجود لوشيجة تربط هذه الأمور معًا، مثل لماذا يتصرف الدنا بهذا الشكل؟ ما النّظام الغذائي الأمثل لإطالة العمر؟ إلى غيرها من الأسئلة اللمادية التي يكون نظامها المعلوماتي هو العامل المشترك بينها. إن صفة الأوضح للأشياء المادية هي امتلاكها للكتلة، ولكي يتصف شيء ما أنه غير مادي لا بدّ أن لا يملكها، وهذا ما يحتاج إلى إضافة أمور أخرى حتى تتحقق هذه الصفة السّلبية، مثل أن لا يكون من خواص المادة ولا متداخلًا معها كتداخل الطاقة مع الكتلة التي تثبته النّسبية الخاصة لاينشتاين، ولا منبثقًا من المادة المحض كما في حالة الإشعاع الذي ينبعث من العناصر المشعة، ولا يتفاعل فيزيائيًّا وكيميائيًّا مع المادة كاتحاد الهيدروجين والأوكسجين لتشكيل الماء. وهذه الشروط تتوفر حصرًا في المعلومات الكونية، ما جعل الفيزيائيين يستندون عليها لكل الظواهر الكونية بما تمثله من دفقات يمكن قياسها وحساب قيمتها ومقدارها، وعدّها تجريدًا يمارسه العقل للظواهر الكونية اعتمادًا على التطور الكبير الذي انجزته علوم الحاسوب وميكانيكا الكوانتم([10]).

إن عجز المادة عن أن تكون البنية الأساسية للكون، دعي الفيزيائيين إلى طرح المعلومات لتشغل محلها في ذلك. وقد تدعّم هذا المعنى عندما وضع كلود شانون([11]) نظريته الرياضية في المعلومات، وقد وفق هذا الباراديم الإرشادي تكون المادة (الكتلة + الطاقة) تجسيدًا للمعلومة! وقد عبّر استاذ المعلومات والفلسفة بالمانيا فيرنر سترومباخ (Werner Strombach) عن هذا الدور المحوري لها بقوله: “من يستطيع أن يتعرف على مصدر المعلومات فقد امتلك مفتاح تفسير بنية العالم وسلوكه وأحداثه([12]) لقد كان المشهد الكوسمولوجي للكون وفق الفيزياء القديمة لأرسطو والفيزياء الكلاسيكية لنيوتن، أنه يتكون من جزيئات المادة وأن المعلومات مرتبطة بها وبحركتها، ليأتي النموذج المعلوماتي الجديد ويقلب هذا المشهد الابستمولوجي رأسًا على عقب؛ من خلال النظر إلى الوجود بوصفه معلومات تفرز المادة بوجودها الأنطولوجي لتحقق كينونتها في الواقع الموضوعي، فبعد أن كان النظر إلى الكون بوصفه ظاهرة فيزيائية وإلى بيولوجيا الإنسان بوصفه ظاهرة كيميائية، صار النظر اليهما بوصفهما معلومتين وأضحى التعاطي معهما بلغة المعلومات. ولا شك وفق هذه الرؤية الإبستمولوجية تعدُّ المعلوماتية بتداعياتها العلمية والفلسفية الخطيرة ثورة في النظر إلى الكون والحياة واکسيولوجيا الإنسان؛ بما أحدثته من قطيعة إبستمولوجية مع كل النماذج المعرفية السابقة عليها، التي كانت تصور وتفسر – بشكل قاصر – الحوادث والظواهر الكونية المادية منها والحية. وتكتسب نظرية المعلومات قوتها من كون المعلومات مادية وليست مفاهیم تجريدية أو أرقام وتواريخ وأسماء! كونها الخاصية الصلبة للمادة والطاقة التي يمكن قياسها وتقدير كميتها. إنّها كل بتة (Bit) حقيقية مثل وزن قطعة رصاص أو مقدار الطاقة المختزن في رأس نووي. وكما أن في الطاقة والمادة تتحكم عدة من القوانين، كذا تتحكم في المعلومات منظومة من القوانين الفيزيائيّة التي تحدد طريقة تناولها لها، ونقلها ومضاعفتها ومحوها أو تدميرها. فكل شيء في الكون خاضع لها، لأنه يتشكل بالمعلومات التي يحتويها، فكل جسيم أو نجم أو مجرة في الكون والتي لا يمكن حصرها مُعبأ تمامًا بالمعلومات التي يمكنها الافلات والارتحال بعيدًا، والانتقال من مكان لآخر في هذا العالم الفسيح([13]). وتقبع المعلومات للكائنات الحية في مركز خلاياها، وتتحرك بسرعة خلال ثنايا أدمغتها . الأمر الذي يوضح كيف تؤلف المعلومات عالمنا بكل ما للكلمة من معنى، وتحدد حركتها التركيب المادي للكون إلى أبعد حد! ويبدو أنّها تقع في قلب أعمق تناقضات العلم، كما في الجدل العلمي الدائر بين النسبية وميكانيكا الكوانتم، أو الاختلاف الحادث إزاء نشوء مصطلح الحياة في الكون، أو الترتيب الخفي للكون العشوائي([14]). واتفق الفيزيائيون بعد رحلة طويلة على أنّ جميع أنواع الطاقة قوى عمياء في الطبيعة، تعمل على خلق وبناء نماذج محددة تناسب الطبيعة التي خلقت فيها الحياة، سواء أكانت نباتية أم حيوانية، ما يلزم وجود قوة خفية وعاقلة لا متناهية توجهها وتعمل على إدارة الحياة ومليء الوجود، والملاحظ أن التّطور المادي في الطبيعة والشّامل للكائنات المتعدّدة، يرافقه تطور مماثل في الوعي والذكاء عند الإنسان وباقي الموجودات والذي يرتقي باستمرار إلى درجات أعلى.

وتاريخيًّا: اعتقد الرّوحانيون والصوفيون وقدامى الفلاسفة الشرقيين بوجود ذاكرة كونية تحتوي على جميع المعلومات المتعلقة بالأحداث، والأفكار والمشاعر وغيرها من إنطباعات بشرية مختلفة حصلت مع بداية الوجود! وهذه محفوظة في حقل معلوماتی عملاق مجهول المادة ولا تصله حواس الإنسان، وأن هذا الكيان هو المصدر الذي تنبثق منه “قوة الإرادة” التي تحث الإنسان على أفعاله وأفكاره ومشاعره نحو توجهات محددة، بل هو المحرك لكل شيء في الوجود. ويتصل هذا البحر العظيم من الوعي بجميع العقول ويتواصل معها، وهو الذي خلق حالة الإمكان لبعض الظواهر والحوادث الاستثنائية مثل معرفة الغيب وتحريك الأشياء من بُعد، ما يجعل منه عنصرًا أساسيًّا في الوجود يضاف إلى النّار والهواء والماء والتراب، ويتألف من مادة أثيرية يمكنها حفظ سجلات الكون المعلوماتية التي تخصه([15]). والمعنى المتقدم يتفق مع نظرية “الحقل المورفوجيني” لعالم البيولوجيا روبرت شليدريك الذي أعتقد أنّ الدماغ ليس مكان وجود العقل بل وسيلة تواصل معه، وتيقن بوجود حقل معلوماتي کوني هائل يُخزِّن خبرات أفراد البشر ليلهم الآخرين الذين ينقل خبراتهم إليهم أيضًا. كما تؤكد النّظريّة على أن لكل نوع من الموجودات – حية أو مادية جامدة – حقل مورفوجيني خاص بها([16]). ويؤكد بعض فيزيائيي ميكانيكا الكوانتم – الحاصلين على جوائز نوبل – مثل بول ديراك ولويس دي بروي وديفيد بوم، أن الأثير الكوني بتركيبه البلازمي شبه السائل يعدُّ المادة الوحيدة، التي تمثل جوهر الكون وتقوم بتحريكه عن طريق طاقة ذاتية تلقائية، وتمثل مخزن ذاكرة عملاق، ولديها الإمكانيات كلها التي تؤهلها لإدارة الكون وتطوره بطريقة واعية. وبعيدًا من الفلسفة والدين يعتمد التوجه العلمي الحديث على مفهوم جديد يتبنى أن الوعي هو الذي يخلق المادة خلافا للماركسية، عن طريق استخدام الموجات الكمية بتوسط طاقة تصدر منها تلقائية؛ لتكوين المادة وأشكالها المتنوعة التي نراها في الوجود، وبهذا الصدد يقول ماكس بلانك – الأب المؤسس لميكانيكا الكوانتم -: “أنا أعدُّ أن العقل هو الأصل، والمادة هي مشتقة من العقل. لا نستطيع أن نتجاهل ظاهرة العقل. فكل شيء نتكلم عنه وكل شيء نعدُّه موجودًا، يكون العقل شرط أساسي لوجوده([17]). وصرح عالم الفلك الرياضي آرثر أدنجتون: “أنّ مادة الكون، قوامه وجوهره، هو مادة العقل ” وقال أيضًا: ” خلال ذلك العالم الفيزيائي العملاق يجري محتوى خفي غير معروف، لا بدَّ من أن يكون عنصر العقل. ذلك العنصر الذي يبدو تأثيره واضحًا على العالم المادي، لكن لا يمكن اكتشافه بواسطة علم الفيزياء…”([18]).

الخاتمة

بهذا تثبت المعطيات العلمية الحديثة، وانعكاسها على الفلسفة زيف ما ذهبت اليه الماركسية في مفصلها الأكثر أهمّيّة من كون الوعي نتاج لمادة شديدة التعقيد، واستغرقت مدة طويلة لتتطور بهذا النحو. خلافًا للمعلوماتية وتداعيتها الخطيرة على الحقل الفلسفي، والتي تثبت العكس! کون المادة هي النتاج للوعي. وينبغي والوضع الفكري والسجال الفلسفي هذا، جعل الماركسية مرحلة فكرية تاريخية معينة من تطور العقل، وينبغي إحالتها على رفوف الأرشيف التّاريخي للفلسفة؛ كونها لا فاعليّة لها في الواقع الراهن، والانطلاق في المواقف الفلسفيّة المختلفة من إبستمولوجيا المعلومات.

المصادر والمراجع

  • أدنجتون، السير آرثر ستانلي، طبيعة العالم الفيزيائي، تر: أحمد مسير، ط 1، مصر، دار آفاق، عام 2019.
  • إمام، د. إمام عبد الفتاح، مدخل إلى الفلسفة، لا.ط، مصر، دار الثقافة، عام 1972.
  • البروفيسور، خ. فاتالييف، المادية الديالكتيكية والعلوم الطبيعية، تر: هنري دكر، لا. ط، لبنان، دار الفارابي، لا. ت.
  • ت. ز. لافين، من سقراط إلى سارتر، تر: اشرف كيلاني، ط 1، مصر، المركز القومي للترجمة، عام 2012.
  • الحلبي، علاء، الواقع البديل، ط 1، سوريا، دار أرسلان، عام 2020.
  • ديمبسكي، ويليام، كومينيون (ما وراء طبيعة المعلومات)، تر: خليل زيدان، ط 1، مصر، مركز براهين، عام 2017.
  • سايف، تشارلز، فك شيفرة الكون، أيمن عياد، ط 1، لبنان، دار التنوير، عام 2012.
  • شريف، د. عمرو، المعلوماتية، ط 1، مصر، دار نيوبوك، عام 2018.
  • فيدرال، فلاتكو، الواقع الذي نحياه… وكيف نفكك شفرته، تر: عاطف يوسف محمود، ط 1، مصر، المركز القومي للترجمة، ص عام 2016.
  • ق. أفاناسييف، أسس الفلسفة الماركسية، تر: عبد الرزاق الصافي، ط 3، لبنان، دار الفارابي، عام 1978.
  • يوغسلافسكي، وآخرون، في المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، تر: خيري الضامن، لا ط، موسكو، دار التقدم، عام 1975.

(*)       طالب في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية، الآداب والعلوم الإنسانية – قسم الفلسفة .yasseinalhussiany366@gmail.com

[1]الديالكتيك (الجدل) Dialectics:علم أكثر القوانين عمومية التي تحكم الطبيعة والمجتمع والفكر، إذ أكد الفلاسفة القدماء تحول الوجود وعدُّوه صيرورة بتغير كل خاصية إلى عكسها، فهو مفرد وجمعي، وسرمدي وعابر، ومتحرك وساكن.

[2]–   إمام، د. عبد الفتاح إمام، مدخل إلى الفلسفة، لا.ط، مصر، دار الثقافة، عام 1972، ص 216 – 218.

[3]–   المصدر نفسه، ص 219 بتصرف.

[4]–   رتب مندلييف العناصر المعروفة في زمنه حسب أوزانها الذرية المتزايدة وفق أسطر وأعمدة مراعيًا التشابه الكيميائي، إذ أتت العناصر المتشابهة في ما بينها في عدد واحد. وبذلك اكتشف أن خواص العناصر تتغير دوريًّا بتغير العدد (وهو رقم مكان العنصر في الجدول الناتج المعروف بالجدول  الدوري) وهذا يعني أنّه مع تحول العدد أو الوزن الذري (تحول كمي) ينتج تحول نوعي من عنصر إلى آخر يختلف عنه بالخواص. انظر: البروفسور. خ. فاتالييف، المادية الديالكتيكية والعلوم الطبيعية، تر: هنري دكر، لا.ط، لبنان، دار الفارابي، لا. ت، ص 92 – 93.

[5]– ت. ز. لافين، من سقراط إلى سارتر، تر: أشرف الكيلاني، ط 1، مصر، المركز القومي للترجمة، عام 2012، ص 332 – 333.

[6]– يوغسلافسكي، وآخرون، المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، تر: خيري الضامن، لا. ط، موسكو، دار التقدم، عام 1975، ص 11 – 13 بتصرف.

[7]–   ق. أفاناسييف، أسس الفلسفة الماركسية، تر: عبد الرزاق الصافي، ط 3، لبنان، دار الفارابي، عام 1978، ص 48 – 49 بتصرف.

[8]–   سايف، تشارلز، فك شيفرة الكون، أيمن عياد، ط 1، لبنان، دار التنوير، عام 2012، ص 17 – 18.

[9]– ديمبسكي، ويليام، كومينيون (ما وراء طبيعة المعلومات)، تر: خليل زيدان، ط 1، مصر، مركز براهين، عام 2017، ص 15  بتصرف.

[10]– فيدرال، فلانكو، الواقع الذي نحياه… وكيف نفكك شفرته، تر: عاطف يوسف محمود، ط 1، مصر، المركز القومي للترجمة، عام 2016، ص 8.

[11]كلود شانون Claude Shanon (1916 – 2001): عالم رياضيات ومهندس كهربائي، ومحلل للشفرات الأميركي، درس في معهد (MIT). ويعتبر أبُ للنظرية الرياضية المعلوماتية.

[12]– شريف، د. عمرو، المعلوماتية، ط 1، مصر، دار نيوبوك، عام 2018، ص 136 بتصرف.

[13]– المصدر السابق، ص 96.

[14]– سايف، تشارلز، فك شيفرة الكون، مصدر سابق، ص 18.

[15]–    الحلبي، علاء، الواقع البديل، ط 1، سوريا، دار أرسلان، عام 2020، ص 322 – 323.

[16]–    المصدر نفسه، ص 333 بتصرف.

[17]– ادنجتون، السير آرثر ستانلي، طبيعة العالم الفيزيائي، تر: أحمد سمير، ط 1، مصر، دار آفاق، عام 2019، ص 269.

[18]– المصدر نفسه، ص 337.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

free porn https://evvivaporno.com/ website