foxy chick pleasures twat and gets licked and plowed in pov.sex kamerki
sampling a tough cock. fsiblog
free porn

معايير النبوّة في العهدين ومشروع الخلاص

0

معايير النبوّة في العهدين ومشروع الخلاص

الشيخ الدكتور عليّ جابر*

الاختلاف في الأديان السماويّة

في الواقع وبمنطق القرآن الكريم ليست هناك أديان سماويّة متعدّدة فإنّ الدين الحقّ الذي يعبد به الله تعالى واحد، وإنّما التغاير، وليس الاختلاف، هو في الجانب التشريعيّ الذي يواكب المجتمع الإنسانيّ، وأطواره المتعدّدة، ومدى نضج العقل وفهمه الحقائق.

يقول تعالى: “وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ(5)”[1].

فدين التوحيد الذي أوضحه القرآن الكريم هو ما تضمّنته أيضًا الكتب السماويّة، وهو الدين الذي دعى إليه محمّد “ص” لا أنّه بدع من الدين، وهو القيم والحافظ لمصالح المجتمع البشريّ.

والسؤال إذًا من أين نشأ الاختلاف في الدين؟

إنّ حَمَلَة الدين هم الذين يتحمّلون المسؤوليّة كما يوضح القرآن الكريم؛ حين تعدّوا على دين الله، وكلمته بآرائهم واجتهاداتهم، أو بالتحريف بدافع مصالحهم الذاتيّة. “شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ(13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ(14)”[2].

إنّ الدين، وإن كان العامل الأقوى حضورًا في حياة المجتمعات البشريّة، لكنّه يختلط بثقافاتهم الذاتيّة والشعبيّة، وبانتماءاتهم القوميّة والعرقيّة، وبمصالحهم الاجتماعيّة، ونزعاتهم وميولهم، ويصبح من العسير إذا فقدت معايير التعامل الصحيح وضوابطه مع الدين أن يبقى محتفظًا بصفائه، وهنا تكمن (بليّة الدين) بتعبير البعض، حيث تتداخل الأهداف الدينيّة الإلهيّة، والأهداف الوضعيّة البشريّة. حينما ننظر إلى المعايير، والمقاييس التي يمكن الاستناد إليها لمعرفة النبيّ ذاتًا، ولتمييزه من غيره، ولا سيّما الأنبيّاء الكذبة، ومدّعو النبوّة زيفًا الذين أشار إليهم تكرارًا العهد القديم بوصفهم ظاهرة جليّة في تاريخ بني إسرائيل، فإنّنا سنجد اضطرابًا لاهوتيًّا يبرّره الافتقاد للمعايير البيبليّة الحاسمة لتحديد ما هو النبيّ، وما هي النبوّة؟

كما يؤكّد (فايبرت) حينما يقول: “لا يوجد ما تمكن تسميته على وجه الطلاق نبوّة بيبليّة، بل هناك مظاهر متناغمة، أو متشابهة. نتجت من منابع متعدّدة، وسلكت تطوّرات عدّة”[3].

والواقع أنّ أوصاف النبوّة المسيحيّة وخصائصها تستند بمعظمها إلى العهد القديم، ومن باب أنبياء بني إسرائيل بحسب العرض، والتوصيف التوراتيّ، وأمّا أناجيل العهد الجديد الأربعة فتركّز بالدرجة الأولى على شخص السيّد المسيح “ع”، وقِصّة حياته، وتنقّلاته، وكلماته، وخطبه، وقِصّة صلبه، وقيامته إلى ما هنالك…

ومن هنا فمحاولة فهم النبوّة، ومقاييس الصدق، والكذب فيها استنادًا إلى النصّ لا بدّ من أن تنتهي إلى معطيات التوارة بنسبة كبيرة.

والعهد الجديد أو الإنجيل يتحدّث عن المسيح، ويقدّمه كربّ كما يقدّمه نبيًّا يدعو إلى ربّه، كقوله لمريم المجدليّة: “إمض إلى إخوتي وقولي لهم: إنّي صاعد إلى أبي الذي هو أبوكم وإلهيّ الذي هو إلهكم”[4]، وأيضًا أنّه النبيّ الذي على مثال موسى يريد الله أن يقيمه من بين إخوته.[5]

وهي ثنائيّة تثير الكثير من التساؤلات ونقاط النقاش (الإله – النبيّ) لمعرفة الحقّ فيها.

المعايير اللاهوتيّة للنبوّة:

يطرح الفكر اللاهوتيّ المسيحيّ مجموعة من المعايير غير النهائيّة لتحديد معنى النبوّة تتقاطع في حيّز مُهمّ منها مع الرؤية العامّة للنبوّة في الإسلام دون إلغاء مساحة الاختلاف. وتستند هذه المعايير في قسم منها إلى تعابير وإشارات بيبليّة، وفي قسم آخر إلى اجتهاد لاهوتيّ خاصّ، ومحاولة فهم ظاهرة النبوّة.

ويبدو هاجس نبوّة نبيّ الإسلام محمّد بن عبدالله (صلّى الله عليه وآله وسلم) حاضرًا بقوّة في مناقشة هذه المعايير، وتقريرها، ومحاولة الحفاظ على الذات، ومفردات الإيمان المسيحيّ. لكن مع ذلك تتّسم بدرجة من الموضوعيّة، والجرأة في النظر إلى الآخر، والسعي إلى قراءته بتجرّد:

1- الوعي الذاتيّ عند النبيّ لما هو بصدده، وأنّه مبشّر مُلهَم. فهو هنا مدرك لنبوّته لا يتردّد فيها، ويعي الخطاب الإلهيّ له حيث يتلقّى الكلمة، ويُلهَم الحقّ، ويتوجّه إلى البشارة العائدة إليه ليحملها إلى الناس. وهذا المعيار يرجع إلى الشخصيّة النبويّة بصورة مباشرة، وما تحمله من إدراك خاصّ، وإلهام في الأحوال المتعدّدة التي تعايشها، والأدوار التي تضطلع بها. وبكلمة هو نبيّ على الدوام. وهذا المعيار منطبق على حياة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله، بصورة جليّة.

2- الأوصاف النبويّة المستنبطة من سيرة الأنبياء السابقين، وهي على قسمين:

– إيجابيّة وفي معرض الثبوت والتحديد مثل:

أ ــ الرسول: (فقال موسى لله ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم إله إبائكم أرسلني)[6].

ب ــ النذير: (يا ابن الإنسان إنّي جعلتك رقيبًا لبيت إسرائيل فاسمع الكلمة من فمي وأنذرهم في…)[7].

ج ــ البشير: (ما أجمل على الجبال قدمَي المبشّر المخبِر بالسلام بالخير…)[8].

د ــ الشاهد: (وأنتم شهودي يقول الربّ وأنا الله)[9].

هـ ــ النبيّ: (أنا السيّد الربّ لا يصنع أمرًا إلاّ وهو يعلن سرّه لعبيده الأنبياء)[10].

عبدالله: (والآن اسمع يا يعقوب عبدي وإسرائيل الذي اخترته)[11].

الحبيب: (وأنا أنت يا إسرائيل عبدي يا يعقوب الذي اخترته نسل إبراهيم خليلي)[12].

– وسلبيّة وفي معرض النفي:

أ ــ عدم الكهانة: (وأمّا وحي الربّ فلا تذكروه بعد لأنّ كلمة كلّ إنسان تكون وحيه)[13].

ب ــ عدم الجنون: (إفرايم يختلط بالشعوب. إفرايم صار خبز ملّة لم يقلب. أكل الغرباء ثروته وهو لا يعرف وقد رشّ عليه الشيب وهو لا يعرف).[14]

ج ــ عدم السحر: (لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم. لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار، ولا من يعرف عرّافة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا من يرقي رقية، ولا من يسأل جاناً أو تابعة، ولا من يستشير الموتى، لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب). (تثنية 9:18-12)

 د ــ عدم الشعر (أنا أتكلّم بما رأيت عند أبي)[15]. (كلّ الكلام هو موحى به من عند الله)[16].

هـ ــ عدم الانخطاف: (وكان يسوع يوف كلّ الجليل يعلم في مجامعهم يكرز بشارة الملكوت)[17].

ويلاحظ أنّ هذه التوصيفات تكشف، أو تحكي عن أدوار ووظائف من جهة، وعن مقامات معنويّة من جهة ثانية، وعن شبهات تثار في وجه النبيّ يصبح من الضروريّ رفعها من جهة ثالثة. وهذه كلّها ما أتّصف به نبيّ الإسلام على غرار الأنبيّاء السابقين.

3- النبوّة في مقام التحديد المعرفيّ ليست معرفة حصوليّة تستخدم وسائل، وأدوات متداولة، ولا رياضة روحيّة خاصّة تستشرف الغيب، لا هي فعل إراديّ، أو أمر يخضع للمشيئة البشريّة.

وكلّ هذا السياق السلبيّ لا يقود في نهاية المطاف إلى تحديد صريح في جواب عن السؤال (ماذا إذًا؟) في القاموس البيبليّ. لكنّ المزيد من التدقيق يوقفنا على تعبير يقارب، كما سنرى، التحديد الإسلاميّ للنبوّة. ففي تثنية الاشتراع 19-15:18، وأعمال الرسل 22:3 و37:7 أنّ المسيح “ع” هو النبيّ الذي على مثال موسى يريد الله أن يقيمه من بين إخوته، فالنبوّة أمر يخضع لمشيئة الله تعالى، وإرادته هو. وهو الذي يصنعها في المسيح “ع” كما صنعها في موسى “ع”.

لكن يمكن أن نفهم أيضًا من تعبير (مثال) خصائص، أو مؤهّلات ذاتيّة تتشابه في الأنبيّاء وتمهّد لإرادته تعالى في النبوّة.

وهذا كلّه ما يعبّر عنه القرآن الكريم بـ(الاصطفاء). قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ (33)”[18].

4- استتباعًا للمعيار السابق، فإنّ النبوّة تصير أمرًا من خارج الذات، وحدس خاصّ (إلهام) يفعل من خارج، وهو يؤكّد الوعي، ولا يذهبه، ولكنّه يلحظ أيضًا الخصائص الذاتيّة، ولا يلغيها.

5- النبوّة حدث كلاميّ (من الكلام)، حيث يسمع النبيّ كلام الله تعالى ويحمل كلمته إلى الناس التي هي الشريعة والتعاليم الدينيّة الأخرى، وهو ما لا يحصل لغير النبيّ، وإن كان وليًّا وقدّيسًا، فإنّ المخاطبة الإلهيّة، وحمل الكلمة منه إلى الناس لا تكون إلاّ للنبيّ.

ويحاول (فوغليستر) هنا أن يفرّق بين حدث الكلمة في العهدين، وبينه في القرآن الكريم حيث يرى أنّ النبيّ البيبليّ يفرّق بين كلامه تعالى، وكلامه هو، في حين أنّ القرآن كلّه كلام الله تعالى.

والواقع أنّ الإسلام قد فصل بين كلام الله تعالى المعجز، وبين كلام النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وبتوجيه من النبيّ نفسه، وإن كان كلامه له صفة الإلزام أيضًا من الناحية التشريعيّة، للحفاظ على كلمة الله تعالى المعجزة. ولذا تكرّرت كلمة (قل) 294 مرّة في القرآن الكريم. وبدأت كلّ سورة بالبسملة للفصل بين السور. وأمّا في العهدين فنلاحظ دمجًا بين كلام النبيّ، وكلام الله تعالى المباشر في النصّ الواحد.

6- النبوّة بوصفها إبصار ورؤية واقعيّة للأشياء، لا تحصل للإنسان العاديّ. فالنبيّ هو الذي يتخطّى في رؤيته، وفهمه ظاهر الشيء ليدخل إلى عمقه، ويصل إلى حقيقته، فيرى الأشياء كما هي في الواقع، أعني في وعاء الحقيقة، لا الظاهر المادّيّ لها.

لكن هنا نحتاج معرفة إلى أيّ حدّ هو هذا الإدراك لواقعيّة الشيء، وإلا فكيف يفرّق بين الحكيم والنبيّ؟ أو بين الوليّ، أو القدّيس، والنبيّ؟ إذ كلّ منهم تحصل عنده رؤية واقعيّة للشيء.[19]

ويذكر أيضًا ثلاثة خصوصيّات مميّزة، لكنّها تعدّ هشّة من وجهة نظر العهدين، وغير مقنعة للتمييز بين النبوّة الصادقة والكاذبة:

1 – اجتراح المعجزة لإثبات صدق دعوى النبوّة، وهذا وقع لكلّ الأنبيّاء كموسى، وإيليا، والمسيح “ع”. قال تعالى في معاجز عيسى (ع): “وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ”[20]، لكن البعض يرى إمكان اجتراح الأنبيّاء الكذبة للآية، والمعجزة كما في سفر التثنية الإصحاح الثالث عشر: “إذ قام في وسطك نبيّ، أو حالم حلمًا، وأعطاك آية، أو أعجوبة، ولو حدثت الآية، أو الأعجوبة التي كلّمك عنها قائلًا لنذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها ونعبدها. فلا تسمع لكلام ذلك النبيّ، أو الحالم ذلك الحلم، لأنّ الربّ إلهكم ليمتحنكم لكي يعلم هل تحبّون الربّ إلهكم من كلّ قلوبكم، ومن كلّ أنفسكم”[21]. ولو أردنا أن نأخذ بالنصّ كما هو ككلام مقدّس، فإنّه لا يعني بالضرورة ما ذكره اللاهوت المسيحيّ من جواز اجتراح المعجزة، ووقوعها على يد النبيّ الكاذب لأكثر من سبب:

فأوّلاً: إنّ المعجزة غير الأعجوبة لأنّه يقصد بها خصوص الفعل الخارق الذي يفعله الله تعالى على يد النبيّ لإثبات نبوّته، في حين أنّ الأعجوبة هي الفعل الذي يتمكّن منه الإنسان لقوّة نفسانيّة يتمتّع بها بقطع النظر عن النبوّة. وقد عطف النصّ بـ(أو) الحالم على النبيّ مع أنّ المعجزة ليست للحاكم.

وثانيًا: لو فرض أنّ الآية تعني المعجزة فإنّ النصّ في مقام فرض محال، وهو ليس بمحال. المقصود بفرض المحال هو جريان المعجزة على يد نبيّ كاذب. ووجه محاليّته أنّه تعالى بمقتضى لطفه بالناس، منزّه عن أن يخلق المعجزة على يد مدّعي النبوّة كذبًا ليقود الناس إلى غير الله تعالى، لأنّ الآية التي جعلت من رأس علامة الحقّ لا يمكن أن تكون علامة باطل. مضافًا إلى ما في ذلك من تضليل، وتغرير، وخداع.

وأمّا الهدف من هذا العرض فهو التدليل على قوّة ووضوح الإيمان بالله تعالى.

وأمّا في الموقف الإسلاميّ فإنّ المعجزة بالمعنى المشار إليه لا تكون إلاّ على يد النبيّ الصادق، واحتمال الخلاف ينفيه العقل أوّلًا، والقرآن الكريم ثانيًا: “قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111)”[22]، فإنّ برهان الصدق لا يكون إلاّ للصدق.

والمعجزة كسائر الأمور الخارقة للعادة لا تفارق السبب الطبيعيّ الحقيقيّ، لكنها تكون بإذن الله وأمره، وتستند إلى سبب غير مغلوب في مقام تحدّي صحّة النبوّة، والرسالة. وهذا معنى (بإذن الله)، ولا تستند المعجزة إلى مجهوليّة السبب الطبيعيّ عند الناس العاديّين، وإلاّ بطل الإعجاز عند ارتفاع الجهل.

2- تحقّق التنبّؤات السابقة، وقد ظهرت في العهد القديم تنبّؤات (إخبارات غيبيّة) حصلت فعلًا (التثنية 22:18، إرميا 9:28 و15 وما يتبع) فتكرّست رسميًّا كمعيار للنبوّة الصادقة. ويعترض بعض اللاهوتيّين على هذه المعياريّة على أنّه قد وردت بعض التنبّؤات التي لم تحصل بعد كالتنبّؤ بالخلاص عند أشعيا الثاني، والتنبّؤ بعودة السيّد المسيح “ع”.

ولذلك فليس التنبّؤ (الإخبار الغيبيّ) من جوهر النبوّة. وهذا الموقف صائب إلى حدّ بعيد. وقد ورد نظير ذلك في القرآن الكريم كالإخبار بغلبة الروم للفرس بعد بضع سنين، وتحقّق بعد سبع سنوات.[23]

لكنّ القرآن الكريم يسوقها كبشارة للمؤمنين الذين أحزنهم انتصار الفرس المشركين على الروم أهل الكتاب، وأتّباع رسالة سماويّة، ولا يطرحها كغيرها من الإخبارات، معيارًا لصدق النبوّة، وإن دوّنت في علوم القرآن الكريم ضمن وجوه الإعجاز القرآنيّ.

3- النجاح وتمكّن الدعوة الجديدة من إقناع الناس، وفرض نفسها عليهم. فإنّ ذلك علامة صدقها وحقانيّتها. لكن يعترض عليه البعض بأنّ: “مصير الأنبيّاء حتّى زمن يسوع، ومعه يبيّن أنّ النجاح ليس من أسماء الله تعالى”[24].

ولا شكّ في أنّ مجرّد نجاح دعوة ما وسيطرتها على جماعة معيّنة كبرت أم صغرت، لا تشكّل معيارًا حقيقيًّا لكونها دعوة نبويّة صادقة، وتاريخ الإنسانيّة حافل بسيطرة، ونجاح رسالات لا علاقة لها بالسماء.

نعم، لو كان النظر إلى ما يلازم النجاح الدائم للدعوة من حكمة النظام القانونيّ وسموّ الأفكار الصالحة للبشر على الدوام، والكشف عن حقائق الإنسان، والوجود، وغير ذلك، أمكن التعامل معها على أساس معياريّ، وهذا هو النجاح المعبّر عنه في القرآن الكريم بالغبلة حيث يقول تعالى: “كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)”[25]. ولا شكّ في أنّ الإسلام دين إلهيّ بهذا المعيار، إذ تمكّن خلال قرن واحد أن يمتدّ من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسيّ غربًا، ودخلت أمم متعدّدة في الدعوة. في حين بقيت المسيحيّة على مدى ثلاثة قرون تقريبًا حتّى تمكّنت من فرض نفسها دينًا رسميًّا في أوروبا.

والغرض من المقارنة هو لفت النظر إلى أنّ عنصر النجاح يكمن في الدرجة الأولى في الرسالة الإلهيّة ومشيئته تعالى في انتشارها من خلال جهاد النبيّ، ومن آمن معه وبعده، فشخصيّة محمّد (ص) قويّة بالنبوّة كشخصيّة إبراهيم، وموسى، وعيسى (ع)، ولها دور في تبليغ الرسالة، لكن الله تعالى لا بدّ وأن يؤيّد دينه، ورسالته، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ”[26].

إنّ هذه التشكيكات، والشبهات التي أحاطت بالمعايير الثلاثة البيبليّة السابقة دفعت (نوتكر فوغليستر) إلى طرح ثلاثة معايير بيبليّة أخرى أكثر ثباتًا بنظره:

1- الزهد بالنفس، والنزاهة في الالتزام (بمسلك الربّ) وما يبشر به، ويدعو إليه، ونصرة الفقراء، والمستضعفين، والمظلومين، ولو أدّى ذلك إلى المواجهة مع الأغنياء، وأصحاب السلطة في المجتمع. لكنّ هذا المعيار لا يكون تامًّا ما لم تلازمه الدعوة إلى بشارة، ورسالة نبويّة جديدة، لأنّ الأولياء التابعين لبشارة سابقة يملكون هذه الصفة، ولا يجعلهم ذلك أنبيّاء كما هو واضح.

لكن (فوغليستر) يبدو مصرًّا على التشكيك في ثبوت هذا المعيار في حقّ رسول الله محمّد بن عبدالله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في المرحلة المدنيّة أي ما بعد الهجرة من دون تقديم أيّ شاهد على ذلك. وإذا أردنا أن نحسن الظنّ به فلا بدّ من القول إنّه غير مطّلع بشكل كافٍ على حياة النبيّ وأسرته، وهو الذي حينما طلب منه تقديم خادم لابنته العزيزة فاطمة (عليها السلام) ليخفّف عنها عناء الخدمة في منزل زوجها الإمام عليّ (عليه السلام) أهداها علم التسبيحات المعروفة بتسبيحة الزهراء (عليها السلام) قائلاً لها: “هي خير لك من خادمة”[27].

وكان يضع الحجر ويشدّه إلى بطنه من الجوع، وقد بلغ به الحرص على تطبيق الشريعة أن قال: “إنّما أهلك الذين من قبلهم أنّه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحدّ، والذي نفس محمّد بيده لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها”[28]. وحاشا للسيّدة فاطمة عليها السلام. والمراجعة التاريخيّة المنصفة كفيلة بتقديم الشواهد على نزاهة النبيّ (ص) وزهده في المرحلة المدنيّة.

2- الحيرة وانتظار نزول الوحي، ومعناه أنّ النبيّ الحقّ لا يملك من نفسه كلمة الوحي، ولا ظروف نزولها، بل ينتظر الأمر الإلهيّ، ولو امتدّ الزمان، وتوهّم الناس انقطاعه نهائيًّا. وهذا شيء طبيعيّ ومتوقع في شأن الأنبيّاء الأمناء على كلمة الله تعالى. ومع وضوح إنطباق هذا المعنى في حقّ نبيّ الإسلام فإنّ (فوغليستر) يمضي بعيدًا في تشكيكاته، بل يقول: “أما محمّد فنشأته كما يبدو غير ذلك” ويفسر الوحي بأنّه: “قرار مسبق اتّخذ في وعي محمّد، أو في قرار نفسه غير الواعي مطابقة لميله الخاصّ”[29].

على الرغم من أنّ القرآن صريح في الأخبار عن هذا النحو من انقطاع الوحي حيث يقول تعالى: “وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)”[30].

وقد التفت بعض الباحثين إلى هذه الحقيقة مثل (رودي بارت) و(W.M.WATT) السيّد وات.[31]

وإذا كان ورود عبارة (هكذا قال الربّ) أربعماية مرّة في العهدين دليلًا على أنّ هذا النصّ هو كلامه تعالى، فإنّ لفظة (قل) التي لا تقلّ دلالة قد وردت في القرآن الكريم مائتين وأربعة وتسعين مرّة.

والنصّ القرآنيّ نفسه يؤكّد على اتّباع النبيّ محمّد (ص) لوحي القرآن حيث يخاطبه تعالى: “لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ(16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)”[32].

3- قاعدة الإيمان واستمراريّة البشارة عند كلّ نبيّ صادق. غير أنّ (فوغليستر) يشترط موافقتها للإيمان المسيحيّ بمفرداته التي قرّرتها المجامع المسكونيّة فيما بعد غير الثابتة في زمن النبوّة، والفرق بين الحالين كبير.

وعلى كلّ حال فهو لا يرى انطباق هذا المعيار أيضًا – في سياق سعيه لإنكار نبوّته – على نبيّ الإسلام، وخاتم الأنبيّاء محمّد صلّى الله عليه وآله، وبتعليلات تخلو من كلّ موضوعيّة، فتارة لأنّ الأنبيّاء العبريّين يدعون إلى إله يدعى (يهوه) وكأنّه غير الله تعالى.

وأخرى بأنّ هؤلاء الأنبيّاء لم يكونوا ليعرفوا المعاد، والآخرة، والنشر، والحشر، وثالثة بأنّ محمّدًا (صلّى الله عليه وآله) لم يكن يعرف العهد الجديد، انتهاء بعدم موافقته على أساسيّات الإيمان المسيحيّ كالثالوث، ولاهوت الخلاص.

ولا ندري كيف يكون نبيًّا من يدعو إلى غير الله تعالى، أو لا يعرف الآخرة، والمعاد، فهو أحرى ألاّ يكون نبيًّا.

ولنا أن نسأل جميعًا كأتباع ديانات توحيديّة هل أنّ النبيّ الصادق تتوقّف نبوّته على قراءة كتب الديانات السابقة أم أنّ هذا الأمر تحصيل حاصل في نبوّته نفسها وما يتلقّاه من الوحي؟

وإذا كان قد ظهر تاريخيًّا أنّ عيسى (ع) مطلع أكثر على الرسالة الموسويّة فلكونه من بيئة يهوديّة، وكذلك حينما نلاحظ ظاهريًّا معارف النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم المركّزة بالشريعة والديانة الإبراهيميّة فإنّه كان في مجتمع يتوارث الإبراهيميّة، وينتمي إليها في سلسلة الأجداد ما لا نلحظه ظاهريًّا في تاريخ السيّد المسيح (عليه السلام).

على أنّنا نعتقد في الأنبياء أنّهم لا يجهلون ذلك كلّه، وإن لم يكن لعلمهم ظهور على المستوى التاريخيّ.

وقد صرّح القرآن الكريم بوحدة المعتقد النبويّ، وتصادقه في وحي النبوّات، وأنّه كلّه حقّ حيث يقول تعالى: “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(136)”[33].

وكحصيلة لما مضى فإنّ المعايير اللاهوتيّة المطروحة للنبوّة الصادقة سواء أكانت من جوهر النبوّة، أو من أعراضها، وملازماتها الظاهريّة على المستويات المتعدّدة، تنطبق بدرجة عالية من الوضوح على نبيّ الإسلام ودعوته. لكنّا كمسلمين ندرك أنّ الاعتراف المسيحيّ بذلك مشكل، ويهدّد الهّويّة المسيحيّة، ولا بدّ من البحث اللاهوتيّ الجادّ الذي يأخذ بالحسبان واقعيّة نبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) لأنّ إنكارها أكثر إشكالًا.

الرؤية الإسلاميّة للنبوّة:

واستكمالًا لعناصر البحث، والنقاش فإنّ النبوّة في علم الكلام الإسلاميّ تحمل معنى واحدًا محدّدًا، فهي منزلة خاصّة فضّل الله بها النبيّ عن غيره بما أتاه من العلم وقرب المنزلة[34] والنبيّ: “هو الإنسان المأمور من السماء بإصلاح الناس في معاشهم ومعادهم العالم بكيفيّة ذلك، المستغني في علمه وأمره عن واسطة البشر المقترنة دعواه بظهور المعجز”[35].

وبين النبيّ والرسول نسبة العموم والخصوص المطلق، حيث كلّ رسول هو نبيّ، وليس كلّ نبيّ رسولًا بالضرورة، والنبيّ هو المُذكِّر بدين الله، ورسالته من دون أن يأتي برسالة جديدة في حين أنّ الرسول هو النبيّ الذي يحمل رسالة، وشريعة جديدة، وكتابًا إلى الناس، وهذه الشريعة إمّا ناسخة لبعض ما في الشريعة السابقة، أو متمّمة ومجدّدة لها.[36]

أمّا المعجزة فهي الآية التي يجريها الله سبحانه على يد النبيّ لتُعْلِم أمّته صدق دعواه، وأنّه مبعوث من قبله تعالى.[37]

إنّ المعيار الأساسيّ للنبوّة الصادقة في الإسلام هو هذه المعجزة التي تجري على يد مدّعي النبوّة، ولكن لا بدّ من أن تتوفّر فيها الشروط التالية:

1- أن يعجز الناس عن مثلها، أو ما يقاربها.

2- أن تكون منه تعالى، أو بأمره.

3- أن تكون في زمان التكليف أي وقت حاجة النبوّة إليها لإقناع الناس.

4- أن تكون المعجزة عقيب دعوى مدّعي النبوّة.

5- أن تكون خارقة للعادة.[38]

وهل يمكن للمعجزة أن تظهر على يد غير النبيّ، من باب الكرامة، كالأولياء والصالحين أم لا؟

المسألة وإن كانت قديمًا مورد نزاع، وخلاف بين المتكلّمين المسلمين، لكن الاتّجاه الغالب بينهم، وهو رأي الأماميّة أيضًا أنّه لا مانع منها بشرط ألاّ يُلزم قبيح من قبيل ادّعاء النبوّة الكاذبة.

فالفرق بين المعجزة، والكرامة هو في ادّعاء النبوّة وعدمها.

وتتجلّى في الرؤية الإسلاميّة قداسة النبوّة. فالنبيّ منزّه عن كلّ عيب يخدش في نبوّته، ويضعف من وثاقته، لذا فهو معصوم من الذنب. فغرض النبوّة هو أنّ اتّباع الناس للرسالة الإلهيّة لا يتحقّق من دون العصمة.

إنّ النبيّ يجمع في شخصه صفات فضلى من كمال العقل، والذكاء، والفطنة، وقوّة الرأي، وعدم السهو، منزّه عن كلّ ما ينفر عنه من دناءة الأباء، وعهر الأمّهات، والفظاظة، والغلظة، والأمراض المنفّرة كالجذام، والبرص، حتّى عن بعض المباحات المنافية للتعظيم كالأكل على الطريق.[39]

وهذه الحيثيّات يمكن تلمّسها بالتفكير العقليّ، لكن القرآن الكريم حسم هذا الجانب بالتأكيد على عصمة النبيّ من الله تعالى حيث يقول: “وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (87)”[40].

وقال تعالى أيضًا: “عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (28)”[41]. ويقول تعالى في حقّ نبيّ الإسلام: “مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4)”[42]، ويقول تعالى: “وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)”[43]، ويقول تعالى: “فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً (54)”[44] ويقول أيضًا: “وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85)”[45].

ومن هنا فالنبوّة في نهاية المطاف إصطفاء إلهيّ كما أشرنا.

النبوّة ومشروع خلاص الإنسان:

لا شكّ في أنّ الله تعالى يريد خلاص الإنسان يوم القيامة، لينجو من الجحيم، وينال السعادة في ملكوته، وهو “الرحمن الرحيم” وقد “سبقت رحمته غضبه”، لكن السؤال هو كيف وما السبيل إلى هذا الخلاص؟

من السهل أن نفهم في هذا السياق النبوّة كطريق موصل إليه تعالى، ونظام يلتزمه الإنسان ليحقّق خلاصه. وترتبط بالنبوّة حينئذٍ العقائد الحقّة، والشريعة (الناموس) الذي يأتي به النبيّ صاحب الكتاب (الرسول).

إنّ الإيمان والعمل الصالح هما ركيزتا الخلاص في مشروع الخلاص النبويّ كما يصرح به القرآن الكريم:

“مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)”[46].

“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (13)”[47].

“وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ”[48].

ويتّسع مدى هذا الخلاص النبويّ من خلال هاتين الركيزتين ليشمل أوسع الشرائح البشريّة، أذ يكفي تحقّق الإيمان والمسلك الصالح، وعدم كفر الإنسان بما يعلم صدقه، والعناد للحقّ الواضح.

إنّ النبيّ هنا – كلّ نبيّ مرسل، أو موصى له من الله تعالى – هو باب خلاص للناس في زمانه وما يتّصل بذلك الزمان من امتداد للنبوّة.

لكن صورة الخلاص المسيحيّة تبدو مثقلة بالقيود بعدما تحدّدت بما قرّرته المجامع المسكونيّة بعد السيّد المسيح (عليه السلام) وخصوصًا عقيدة ابن الإله الفادي والثالوث.

يقول يوحنّا في رسالته الأولى كما في العهد الجديد: “وشكرتنا نحن إنّما هي مع الآب ومع يسوع المسيح ابنه”3:1.

وفيه أيضًا: “ارتضى الله أن يصالح لنفسه كلّ ما على الأرض وفي السموات بالمسيح، الذي أقرّ السلام بدم صليبه”[49].

والسؤال كيف يخلص الآخرون، لأنّ الشرط لم يعد الإيمان بشخص المسيح (ع) كنبيّ، بل كإله؟ فحتّى بعض المسيحيّين الأوائل ممّن قال ببشريّة السيّد المسيح (ع) سقط في الجحيم، وقضي عليه بتعبير (أنجيل مرقس 15:16 – 16) على الرغم من أنّ النصّ لا يعني ذلك بالضرورة، وهؤلاء كثر أمثال (أبيون) الذي ظهر في القرن الأوّل بعد خراب أورشليم، و(كيرنتوس)، و(بولس السميسياطيّ) في القرن الثالث، وقد سرى قرار الحرمان على كلّ من لم يعترف بأنّ المسيح إله حقيقيّ، وأنّ العذراء الطاهرة والدة الإله، ونال ذلك من (نسطور) وأتباعه.[50]

فضلاً عن غير المسيحيّين من أتباع الديانات الأخرى.

إنّ ذلك يبدو غير منسجم مع المشيئة الإلهيّة كما ينقلها العهد الجديد من أنّ الله يريد: “أنّ جميع الناس يخلصون ويبلغون إلى معرفة الحقّ”[51].

حيث يبدو الإيمان بالسيّد المسيح (ع) سبيلًا إلى معرفة الحقّ والحقيقة، كما هو شأن النبوّة، والخلاص العيسويّ المسيحيّ، يتوقّف على نبويّة ورسوليّة السيّد المسيح (ع)، لا على ألوهته: “والحياة الأبديّة هي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ الوحيد والذي أرسلته يسوع المسيح”[52].

لكن حينما يضاف اشتراط عقيدة ابن الإله الفادي فيلغى الخلاص النبويّ، وتصبح النبوّة نفسها بلا معنى، لأنّنا سنكون مع إله، وليس مع نبيّ.

إنّ الخلاص الذي تؤمن به المسيحيّة هو فعلًا مسيحيّ بامتياز، لأنّه لا يكون إلاّ من خلال الإيمان المسيحيّ الملزم، حيث الإيمان بيسوع ابن الإله والربّ، وبالثالوث يهيّئ لاستحقاق الخلاص، والاعتقاد بالصلب (الفداء) هو السبب المباشر الذي يحقّقه لحامله.

ولكنّه خلاص وفق النسق الإيمانيّ الخاصّ، وهذا قد يكون من حقّها، ولكنّها تنكر على الأديان الأخرى، ولا سيّما السماويّة منها، أن يكون لها خلاصها لاتّباعها وفق نسقها الإيمانيّ الخاصّ أيضًا ولا تقبل بلاهوت الأديان المتعدّدة.[53]

لا نقصد بالطبع الخلاص بنحو مطلق، بقطع النظر عن محتواه، لأنّ هذا ما لا توافق عليه أيضًا الأديان التوحيديّة الأخرى، وإنّما يمكن الاستناد إلى الأسس التي نادت بها الأديان السماويّة التوحيديّة التي أشارت إليها الآيات القرآنيّة العديدة التي سبق بعضها من قبيل قوله تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)”[54].

إنّ محوريّة الخلاص هو الله تعالى، والعود إليه لأجل الحياة الأبديّة، وتأكيد الهُويّة التوحيديّة.

لقد وعى اللاهوت المسيحيّ هذه الإشكاليّة، وبأنّ تجاوز الأديان السماويّة الأخرى وخصوصًا الإسلام غير ممكن على المستوى الخلاصيّ، ولذا جرى اقتراح  نظم عدّة للخلاص في مقابل الموقف الكنسيّ التقليديّ القائل بأنّ المسيح طريق الخلاص الوحيد وهي:

1- أنّ الإسلام وإن كان متأخّرًا زمانًا عن المسيحيّة، لكنّه يقع قبلها في المرحلة الإعداديّة لمجيء السيّد المسيح (ع) (لودفيغ هاغمان).

وهذا يسمح للاعتراف بالإسلام كدين توحيديّ سماويّ، لكنّه يصطدم بموقف الإسلام الحاسم الذي هو خاتمة الأديان، والمكمل لها، والمتمّم للنعمة الإلهيّة: “اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً”[55].

2- أنّ الإسلام في رتبة اليهوديّة الموحدّة، والرافضة للتعليم المسيحيّ خصوصًا حول السيّد المسيح (ع) (هانس كونغ)، فهو بمنزلة المرحلة اليهوديّة من المسيحيّة الحريصة على التوحيد.

لكنّ الإسلام في الواقع لا يوافق حتّى على النظرة اليهوديّة للتوحيد، ويرى فيها لبسًا كثيرًا.

“وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّه”[56].

“وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ (64)”[57].

3- الاعتراف بالخلاص الإسلاميّ بناءً على الإقرار بلاهوت الأديان المتعدّدة، وهو الاتّجاه السائد في اللاهوت الأنكلو – سكسونيّ بحسب التصنيف الجغرافيّ – العرقيّ.[58] وهذا الاقتراح يقترب من الفكرة الإسلاميّة القائمة على الأخذ بالأسس المشتركة للأديان السماويّة.

ملاحظة نقديّة:

أودّ أخيرًا أن أسجّل الملاحظات التالية، وبكلّ صدق لأجل لقاء دينيّ وروحيّ يغمر البشريّة بنور الإيمان الصادق، ولا أرى بُدًا من تسجيلها:

أوّلًا: ينبغي الوقوف بتأمل أمام تأثيرات العهد القديم في اللاهوت المسيحيّ، وفي مسائل رئيسة عدّة هي:

1- فكرة التجسّد التي تظهر جليّة في التوراة، كما في مصارعة يعقوب ليهوه وغلبته له (لاحظ سفر التكوين 23:32-30)، وقِصّة العجل والسامريّ (لاحظ سفر الخروج 1:32-6 و17-28).

وقد ذكرها القرآن الكريم: “وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداًّ لَّهُ خُوَارٌ” الأعراف 148، وسورة طه 88. وقِصّة آلهة بلاد الشام التي أشار إليها القرآن الكريم “قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)”[59].

2- فكرة ابن الله التي وردت أيضًا في قِصّة يعقوب: (هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر) الخروج 22:4. كما قالوا أيضًا، وقد حكاه القرآن الكريم: “وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ”[60].

3- التشكيك والطعن على الأنبيّاء (الأنبيّاء الكذبة – الأنباء العصاة…)، مع الانتباه إلى وجود مدّعي النبوّة الكاذبين. ويمكن ملاحظة الموارد التالية على سبيل المثال:

هوشع: 2:1 – 6 حول أمر هوشع بالزن.

التكوين: 30:19 – 38 حول قِصّة لوط وابنته.

الملوك الأول: 9:11 – 13 حول قِصّة سليمان مع النساء اللواتي أملن قلبه إلى آلهة أخرى.

صموئيل الإصحاح 11 حول قِصّة داود وزوجة أروبا.

إشعياء 2:20 – 4 حول أمر إشعياء بالمشي ثلاث سنين حافيًا عاريًا.

وغيره كثير.

4- نسبة الصفات الإنسانيّة إلى الخالق تبارك وتعالى كالجهل، والعجز، والندم، والخداع… (إرميا 4/ 10) و(التكوين 32/ 25 – 29) و(التكوين: 30/ 8 – 9) و(التكوين الفصل الثاني والإصحاح الأول 2 – 3) و(حزقيال: 14/ 8 – 9).

والواقع، أنّ المسيحيّة قد أربكت نفسها بتبنيها الكامل للنصوص التوراتيّة (العهد القديم)، والقول بأنّها بتمامها كلامه تعالى رغم ما تحفل به من تناقضات صنعها اليهود، واعتراف التوراة بوقوع التحريف فيها لاحظ (إرميا: 23/36) و(30-32) و(حزقيال: 13/4-7).

أمّا القرآن الكريم فيقول “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً”[61].

ثانيًا، هناك انتقال نوعيّ في طريقة فهم النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) والقرآن الكريم لدى المسيحيّة، من البيزنطيّة التي تعطي القيمة الأرفع للكتاب كلّما رأت فيه التنبّؤات، وللنبيّ – أيّ نبيّ – كلّما فعل الأعاجيب، رغم أنّ القرآن لم يقدّم نفسه كتاب تنبّؤ، بل كتاب هداية “إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ”[62]، والنبيّ محمّد (ص) لم يقدّم نفسه فاعل الأعاجيب، بل رسول الله وخاتم النبيّين “يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (2)”[63].فقد ارتقى الفهم إلى ميادين أوسع في صلة الإسلام، وتعاليمه بالرسالات السابقة.

لكن مع ذلك تشير عدّة أمور إلى عدم الإدراك السليم، والمعرفة الصحيحة بشخصيّة نبيّ الإسلام، وحقائق التأريخ النبويّ، كدعوى أنّ النبيّ (ص) قد عرف المدراشات اليهوديّة (منهج في تفسير وفهم الكتاب) وتأثّر بها، وهي تطلق اسم النبيّ على كلّ من يعمل كمبشر[64] مُلهَم. وأنّه كان يتّبع عقيدة قومه المشركين.

ودعوى أنّه لم يشهد للنبيّ شهود حين تلقى الوحي في مقارنة مع نبوّة موسى (ع)، وعن حالات الوحي غير الصحيحة كالإغماء والأحلام[65]، ودعوى أنّه لم يملك موهبة التنبّؤ بالمستقبل[66]، أو أنّه قد عرف العهد القديم عن طريق التقاليد اليهوديّة[67]. وهي دعاوى غامضة غير موضّحة، ويمكن الحصول على إجابات مقنعة حولها. فدعوى التأثّر بالمدارس اليهوديّة (المدراشات) تردّه الحقيقة التاريخيّة في أنّ نبيّ الإسلام مكّيّ، ونبوّته بدأت في مكّة حيث لا وجود لهذه المدارس، بل كانت تتواجد في محيط المدينة (يثرب)، ولا شيء يثبت نّه قد التقى بها وتلقّى تعاليمها.

وأمّا دعوى أتباعه لعقيدة قومه المشركين فصحيح أنّ الشرك كان يسود مكّة، ويغلب عليها، بل على كلّ شبه الجزيرة العربيّة، لكن فئة فيها أكثر بني هاشم، وعلى رأسهم عبد المطلب جدّ النبيّ (ص)، كانوا على دين الحنيفيّة الإبراهيميّة بواسطة ولده النبيّ إسماعيل (ع)، وكان النبيّ محمّد (ص) إبراهيميًّا كآبائه، وأجداده نسبًا ودينًا. وينقل الأصبغ بن نباته عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: “والله ما عبد أبي ولا جدّي عبد المطلب، ولا هاشم، ولا عبد مناف صنمًا قطّ. قيل: فما كانوا يعبدون؟ قال: “كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم (ع) متمسكين به”[68].

أمّا بخصوص النبيّ (ص) فيقول عنه: “ولقد قرن الله به صلّى الله عليه وآله، من لدن أن كان فطيمًا أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره”[69].

وأمّا مسالة الشهادة على الوحي، فرغم أنّ المسيح (ع) شهد لنفسه وحده (وأيضًا في ناموسكم مكتوب أنّ شهادة رجلين حقّ، أنا هو الشاهد لنفسي، ويشهد لي الربّ الذي أرسلني)[70]. فإنّ من الثابت تاريخيًّا تنزل الوحي على نبيّ الإسلام في أوضاع، وظروف متعدّدة، وعلى مشهد ومرأى الناس. وينقل الإمام عليّ عليه السلام شهادته فيقول: “ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلّى الله عليه وآله، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس من عبادتي. إنّك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبيّ، ولكنّك وزير وأنّك لعلى خير”[71].

ويروي أحد الصحابة، ويدعى أبو أروى الدوسيّ فيقول: “رأيت الوحي ينزل على رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأنّه على راحلته فترغو، وتنقل يديها حتّى أظنّ أنّ ذراعها ينفصم، فربّما بركت، وربّما قامت مرتدّة يديها حتّى تسرى عنه من ثقل الوحي وأنّه لينحدر منه مثل الجمان”[72].

وأشير أخيرًا إلى الحالات التي كانت تنتاب النبيّ صلّى الله عليه وآله حين نزول الوحي، والتي تتنوّع بتنوّع كيفيّته، والبارز فيها تلك الغشية التي كانت تأخذه في بعض الأحيان. وقد سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام من أحد تلامذته زرارة بن أعين: “قلت لأبي عبدالله عليه السلام: جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا نزل عليه الوحي؟ قال: فقال: ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد ذاك إذا تجلّى الله له. قال: ثمّ قال: تلك النبوّة يا زرارة”[73] أي هي أرفع حالات النبوّة.

وأمّا مع وجود الواسطة، وهي جبرائيل عليه السلام، فإنّ الأمر كان يبدو عاديًّا سوى جلال الوحي وهيبة النبوّة، وهذا ما قرّره الشيخ الصدوق (قده) في عقائده حيث يقول: “وأمّا الغشية التي كانت تأخذ النبيّ صلّى الله عليه وآله حتّى يثقل ويعرق فإنّ ذلك كان يكون منه عند مخاطبة الله عز وجل، فأمّا جبرائيل فإنّه كان لا يدخل على النبيّ صلّى الله عليه وآله، حتّى يستأذنه إكرامًا له، وكان يقعد بين يديه قعدة العبد”[74].

ثالثًا، هناك مشكلات مفهوميّة ترد في البحث اللاهوتيّ المسيحيّ، ولعلها ناشئة عن التوسّع الوارد في معنى (النبيّ) و(النبوّة) و(الرسول). فـ(فوغليستر) يقول: إنّ رسول الرسول يشمله حكم الرسول.[75] وهي تشابه من وجه دعوى عدالة كلّ الصحابة عند بعض المسلمين.

وكذلك الفرق بين (النبيّ)، و(الرسول). والتوسّع في معنى النبوّة لتشمل التنبّؤ والمكاشفة الروحيّة[76].

رابعًا، إنّ الانفتاح الذي أبدته الكنيسة خصوصًا في مقرّرات المجمع الفاتيكانيّ الثاني، والتفسيرات التي تقوم حولها، وإعطاء الأديان السماويّة الأخرى، وخصوصًا الإسلام بعض ما تستحقّ من قيمتها الروحيّة، دون الاعتراف بالقيمة النبويّة (الروحانيّة)، هي محاولة المسيحيّة أن ترى نفسها في الغير، وبالتالي نسبة كلّ قيمة خير، ووميض حقيقة إلى الحقيقة المسيحيّة كما تراها.

أليس هذا النحو من الاعتراف بالغير يحمل في باطنه مصادرة الغير إذ لا يكون الغير إلاّ بمقدار ما تقبله المسيحيّة نفسها وتردّه إلى ذاتها؟

وإلاّ فما معنى (إنّ مَهَمَّة المسيحيّة بأن تكون امتلاء الأديان) و(الدين المسيحيّ هو إتمام الأديان كلّها)؟[77]. إنّ قَبول الآخر هو الاعتراف به ككلمة إلهيّة نبويّة مستقلّة، ونواحي الاختلاف هي مساحة الحوار، والتواصل العقليّ، والروحيّ “قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)”[78]. ولن يكون عسيرًا على من أرادوا الله تعالى بصدق أن يصلوا إليه.

خلاصة:

حاولت في الواقع أن أستقصي المعايير المطروحة في العهدين، والبحث اللاهوتيّ المسيحيّ حول النبوّة لتمييز النبوّة الصادقة.

ومن هنا جاء بعضها مدعومًا بالنصّ، ويحاول الاستقواء به، والبعض الآخر اجتهاديًّا، محاولًا مجاراة اللغة المتداولة مسيحيًّا لمقاربة المضمون ما أمكن، ثمّ التعامل النقديّ مع هذه المعايير لمعرفة مدى مقبوليّتها، وتحديد مساحة التوافق المنطبقة على نبوّة محمّد بن عبدالله (صلّى الله عليه وآله) بوصفه خاتم النبيّين والمرسلين.

والنتيجة التي خلصت إليها في هذا القسم من البحث هي أنّ معايير النبوّة إن لم تكن كلّها ففي قسم كبير منها لا يمكن لها أن تتجاوز نبوّة نبيّ الإسلام حتّى إنّ الكثير من التشكيكات التي أثارها البعض اعترف البعض الأخر منهم بوهنها.

لكن من الواضح أنّ انطباق هذه المعايير، وما هو أزيد وأوضح منها لن يدفع بالكنيسة إلى الاعتراف، والإقرار نبوّة محمّد بن عبدالله (صلّى الله عليه وآله)، ولسبب بسيط هو ربط النبوّة عندهم بعقيدة ابن الإله الفادي، والثالثوث فصار المسيح ملء الزمان، والمسيحيّة امتلاء، وتمام الأديان، وهو يعني عمليًّا إسقاط النبوّة نهائيًّا.

ومن هنا سنكون أمام إشكاليّة تعطّل إمكانات الحوار الدينيّ، فلا نحن سنوافق على الثالوث ومستتبعاته، ولا هم سيقبلون بالنبوّة الخاتمة في الإسلام وما يلزمها.

لكنّ قوّة النبوّة الخاتمة وسطوعها في الإسلام أوجدت إرباكًا شديدًا أمام اللاهوتيّين المسيحيّين، فما العمل، وما هي سبل التعامل مع الإسلام؟

وهو ما دفع ببعضهم إلى طرح رؤية جديدة للتعامل مع الإسلام تقوم على أساس وجود عناصر نبويّة، وقيم خيّرة في الإسلام يتمّ التعامل معها، وكأنّه تعامل مع ظاهرة نبويّة دون الاعتراف بالنبوّة ذاتها.

إنّها فكرة التعايش واستيعاب الآخر من خلال المعطى المسيحيّ نفسه.

في القسم الثاني من البحث يأتي العنوان الذي يمثّل الهدف الروحيّ والإنسانيّ للمسيحيّة وهو خلاص الإنسان.

وفي الحقيقة هذا ليس هدف المسيحيّة وحدها، بل هو هدف لكلّ الأديان، والرسالات السماويّة، وهو يعني نجاة الإنسان يوم القيامة، ونيله السعادة الأبديّة. لكن ما هي طبيعة هذا الخلاص وإلى ماذا يرتكز؟

وهنا نقطة الاختلاف مع المسيحيّة.

فقد بات الخلاص رهنًا بقَبول الإيمان المسيحيّ بكامل مفرداته، ولا سيّما ثلاثيّة: ابن الإله، والفداء، والثالوث كما حدّدته المجامع الكنسيّة.

إذًا حتّى تخلص يجب أن تكون مسيحيًّا فتصبح شريكًا له، وابنه. وهذا يناقض بعض ما جاء في العهد الجديد من أنّ الله تعالى يريد (أنّ جميع الناس يخلصون ويبلغون إلى معرفة الحقّ)، وهو لذلك أرسل المسيح نبيًّا ورسولًا، ومعرفة الحقّ تعني معرفة الله تعالى كإله حقيقيّ وحيد (والحياة الأبديّة هي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ الوحيد الذي أرسلته يسوع المسيح)[79].

هنا يتحوّل المسيح في هذا التحديد اللاهوتيّ لشروط الخلاص إلى سبب لهلاك الناس.

في حين أنّ الخلاص في الإسلام يتوقّف على عناصر أساسيّة ثلاثة بقطع النظر من الدخول في التفصيل الكلاميّ لها وهي: الإيمان بالله تعالى الواحد الأحد، واليوم الآخر، والعمل الصالح.

الشيء المُهِمّ برأيي الذي يلزمنا الوقوف عنده، وفهمه بتوسّع هو فكرة لاهوت الأديان المتعدّدة التي تجاوزت مفردات الإيمان المسيحيّ التي ينادى بها في اللاهوت الأنكلو – سكسونيّ.

بالنسبة إلينا فمن الممكن لغير المسلم النجاة يوم القيامة، لكن ذلك يتوقّف على جهله التصوريّ للإسلام من جهة، وأخذه بحقائق الفطرة الإنسانيّة المؤمنة بالله تعالى والعود إليه، والسلوك الصالح من جهة أخرى كما عبّرت الآية الكريمة “إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)”.[80]

مصادر البحث

1 – القرآن الكريم.

2 – نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح، منشورات دار الهجرة – قم 1421هـ.

3 – الكتاب المقدّس.

4 – محمّد بن الحسن الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم السلام، قم 1409هـ.

5 – محمّد بن إسماعيل البخاريّ، الصحيح الجامع، تحقيق عبد العزيز بن باز، دار الفكر – بيروت 1991م.

6 – مسلم بن الحجاج النيسابوريّ، الصحيح، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر – بيروت 1992 م.

7- مرتضى العسكري، عقائد الإسلام من القرآن الكريم، شركة التوحيد للنشر – طهران 1414هـ.

8- المقداد السيوريّ الحلّيّ، اللوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة، تحقيق محمّد علي القاضي الطباطبائيّ، تبريز 1396هـ.

9 – الحسن بن يوسف بن مطهر الحلّيّ، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تحقيق حسن زاده آملي، مؤسّسة النشر الإسلاميّ – قم 1407هـ.

10 – سليمان مظهر، قِصّة الديانات، مكتبة مدبوليّ – القاهرة 2002م.

11- إندراوس بشته وعادل تيودور خوري، العقيدة المسيحيّة في لقاء مع الإسلام، المكتبة البولسيّة – لبنان 2002م.

12 – محمّد باقر المجلسيّ، بحار الأنوار، دار التعارف بيروت 2001م.

13 – محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ الصدوق، الاعتقادات، تحقيق مؤسّسة الإمام الهادي “ع”، قم 1432هـ.

14 – المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثاني، الوئاق المجمعيّة، نقله إلى العربيّة يوسف بشارة والمطران عبده خليفة وفرنسيس البيسريّ، طبعة ثانية منفحة 1984م.

15 – المعجم اللاهوتيّ الكتابيّ، أشرف على الترجمة المطران أنطونيوس نجيب، دار المشرق – بيروت، الطبعة الخامسة 2004م.

 

* أستاذ محاضر في الجامعة الإسلاميّة في لبنان في كلّيّات الأداب، وإدراة الأعمال، والحقوق، والدراسات الإسلاميّة. وعضو في اللجان العلميّة المناقشة لرسائل الماجستير، وأطروحات الدكتوراه. أستاذ الدراسات العليا، والفلسفة في المعاهد الشرعيّة في لبنان. صدر له العديد من المؤلَّفات كما نشر العديد من الأبحاث العلميّة في عدد من المجلاّت المحكِّمة وشارك في مؤتمرات وندوات متعدّدة. عضو في إلهيّئة العلميّة لمجلّة الحياة الطيّبة “تعنى بقضايا الفكر والاجتهاد الإسلاميّ” في بيروت.

[1]  – البيّنة: 5.

[2]  – الشورى: 13 – 14.

[3]  – العقيدة المسيحيّة في لقاء مع الإسلام، إندراوس بشته وعادل تيودور خوري، المكتبة البولسيّة – لبنان 2002م، ص 15 – 16، لاحظ الهامش.

[4]  – يوحنّا 20.

[5]  – (تثنية الاشتراع 18:15 – 19، عن أعمال الرسل 22:3، 37:7) .

[6]  – الخروج 14:3.

[7]  – حزقيال 17:3.

[8]  – أشعياء 7:52.

[9]  – أشعياء 12:43.

[10]  – عاموس 7:3.

[11]  – أشعياء 1:44.

[12]  – أشعياء 8:41.

[13]  – أرميا 36:23.

[14]  – هوشع 9. 7:8.

[15]  – يوحنّا 38:8.

[16]  – ثيموثاوس الثانية 16:6.

[17]  – متّى: 23:4 و 13:26.

[18]  – آل عمران: 33.

[19]  – راجع العقيدة المسيحيّة في لقاء مع الإسلام، أندراوس بشته وعادل تيودور خوري، المكتبة البولسيّة، لبنان 2002، ص 15 – 27.

[20]  – آل عمران: 49.

[21]  – التثنية 1 – 2.

[22]  – البقرة: 111.

[23]  – (لاحظ سورة الروم: 1 – 6) .

[24]  – العقيدة المسيحيّة في لقاء مع الإسلام ص 28 – 29.

[25]  – المجادلة: 21.

[26]  – التوبة: 33 والصفّ 9.

[27]  – شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار للقاضي النبهان المغربيّ، ح3 ص67، ومصباح الفقه للفقيه الهمدانيّ، ح2، ق2، ص397.

[28]  – صحيح مسلم ج5 ص 114. صحيح البخاريّ ج 4 ص 151. السنن الكبرى ج8 ص 332.

[29]  – فوغلستر: العقيدة المسيحيّة في لقاء الإسلام، م. س، ص 30 – 31.

[30]  – الضحى: 1 – 5.

[31]  – المصدر السابق ص 31.

[32]  – القيامة: 16 – 19.

[33]  – البقرة: 136.

[34]  – السيّد مرتضى العسكريّ، عقائد الإسلام، ج1، ص 209.

[35]  – المقداد السيوريّ، اللوامع الإلهيّة في المباحث الكلاميّة، 165.

[36]  – عقائد الإسلام، ج1، ص 212.

[37]  – عقائد الإسلام، ج1، ص 225.

[38]  – كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلّيّ، تحقيق حسن زادة أملي، مؤسّسة النشر الإسلاميّ – قم 1407هـ –  ص 350.

[39]  – المصدر السابق ص 349.

[40]  – الأنعام: 87.

[41]  – الجنّ: 26 – 28.

[42]  – النجم: 2 – 5.

[43]  – القلم: 4.

[44]  – النساء: 54.

[45]  – الأنعام: 85.

[46]  – المائدة: 69.

[47]  – الأحقاف: 13.

[48]  – العصر: 3 – 1.

[49]  – الرسالة إلى الكولسيّين 20:1.

[50]  – سليمان مظهر، قِصّة الديانات، مكتبة مدبوليّ، القاهرة 2002م، ص 407.

[51]  – الرسالة الأولى إلى تيمة تاوس 4:2.

[52]  – يوحنّا 3:17.

[53]  – العقيدة المسيحيّة في لقاء مع الإسلام، ص 296، الهامش 30.

[54]  – البقرة: 62.

[55]  – المائدة: 3.

[56]  – التوبة: 30.

[57]  – المائدة: 64.

[58]  – المصدر السابق، ص 294 – 296.

[59]  – الأعراف: 138.

[60]  – التوبة: 30.

[61]  – البقرة: 79.

[62]  – الإسراء: 9.

[63]  – الجمعة: 2.

[64]  – العقيدة المسيحيّة في لقاء مع الإسلام، ص 17.

[65]  – المصدر السابق، ص 280.

[66]  – المصدر السابق، ص 281.

[67]  – المصدر السابق، ص 14.

[68]  – المجلس، بحار الأنوار، ج7 ص 92، ج76.

[69]  – نهج البلاغة، ضبط صبحي الصالح، منشورات دار الهجرة، قم 1421هـ، الخطبة 192، ص 300.

[70]  – إنجيل يوحنّا، الإصحاح الثامن: 17.

[71]  – نهج البلاغة، الخطبة 192، ص 301.

[72]  – بحار الأنوار، ج8، ص 374.

[73]  – بحار الأنوار، ج8، ص 368، ح 6.

[74]  – بحار الأنوار، ج8، ص 362.

[75]  – المصدر السابق، ص 39.

[76]  – لاحظ المصدر السابق، ص 26، وص 16.

[77]  – لاحظ المصدر السابق، ص 285، 291.

[78]  – البقرة: 136.

[79]  – يوحنّا 3:17.

[80]  – العصر: 2 – 3.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

free porn https://evvivaporno.com/ website