التربية الجماليّة في الفكر التربوي الإسلامي: مقاربة فلسفيّة في بناء الإنسان

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

التربية الجماليّة في الفكر التربوي الإسلامي: مقاربة فلسفيّة في بناء الإنسان

Aesthetic Education in Islamic Educational Thought: A Philosophical Approach to Human Formation.

Fatime Dib Nasrallah فاطمة ديب نصر الله([1])

Supervising Professor :Youssef Abdel Amir Tabaja الأستاذ المشرف: يوسف عبد الأمير طباجة([2])

تاريخ الإرسال:10-2-2026                                    تاريخ القبول:22-2-2026

  الملخص                                                                                    turniin:2

يستقصي هذا البحث الأبعاد الوجوديّة والتّربويّة للتربية الجماليّة ضمن الفكر التّربوي الإسلامي، مقترحًا إطارًا فلسفيًّا لـلتكوين الإنساني. وعلى الرّغم من الدّور المركزي لمفهوم الإحسان (التّميز الرّوحي والجمال) في التّراث الإسلامي، إلّا أنّ النّماذج التّربويّة الحديثة غالبًا ما تعطي الأولويّة للتّعليم القانوني والتّقني، مما خلق “فراغًا جماليًّا”. تعتمد هذه الدِّراسة المنهج الفلسفي التّحليلي، مستخدمة التّحليل النّقدي لتفكيك النّصوص الكلاسيكيّة والمعاصرة. يجادل البحث بأنّ الجمال مقولة معرفيّة وروحيّة أساسية تناغم بين عقل الإنسان وروحه. وتشير النّتائج إلى أنّ التّربية الجماليّة تسهل “الانفتاح الفكري”، وتقدم سرديّة مضادة للتجزئة الرّقميّة، وتعمل كمكون حيوي في تطوير الشّخصيّة الأخلاقيّة. ويخلص البحث بتوصيات لدمج الجماليّات الفلسفيّة في المناهج الإسلاميّة الحديثة لتعزيز تنمية إنسانيّة متوازنة ومبدعة.

الكلمات المفتاحيّة: التربية الجماليّة، الفكر التربوي الإسلامي، التّكوين الإنساني، الإحسان، الانفتاح الفكري

Abstract

This research investigates the existential and pedagogical dimensions of aesthetic education within Islamic educational thought, proposing a philosophical framework for human formation (Takwin). Despite the central role of Ihsan (spiritual excellence and beauty) in Islamic heritage, modern educational models often prioritize legalistic and technical instruction, leading to a notable “aesthetic void.”

Adopting a philosophical-analytical methodology, this study employs critical analysis to deconstruct both classical and contemporary texts. The research argues that beauty is a fundamental epistemological and spiritual category that harmonizes the human intellect with the soul. The findings suggest that aesthetic education facilitates “intellectual openness,” offers a counter-narrative to digital fragmentation, and serves as a vital component in the development of moral character. The paper concludes with recommendations for integrating philosophical aesthetics into modern Islamic curricula to foster a balanced and creative human development.

Keywords: Aesthetic Education, Islamic Educational Thought, Human Formation (Takwin), Ihsan, Intellectual Openness

  1. مقدمة

في الفكر التّربوي الإسلامي، كان بناء الإنسان يُنظر إليه تاريخيًّا بوصفه عمليّة شاملة ومتكاملة. غير أنّ الاهتمام انصبّ في كثير من الأحيان على الجوانب الفقهيّة والعقديّة، على حساب البعد الجمالي الذي يعنى بتنمية حسّ الجمال والقدرة على تذوّقه وإبداعه. ينطلق هذا البحث من فرضية أن التربية الجماليّة ليست جانباً ثانوياً أو مكمّلاً، بل هي ضرورة فلسفية أساسية في المشروع التربوي الإسلامي. واستناداً إلى الحديث النبوي الشريف: «إن الله جميل يحب الجمال»، يرى البحث أن تربية الذوق الجمالي وفهم التّناغم في الكون يمكن أن يكون طريقاً يقود إلى معرفة الله والقرب منه. كما تتناول الورقة كيف يمكن للتفكير الفلسفي في الجمال أن يسهم في ربط العبادة الروحية بارتقاء الإنسان في وجوده وحياته.

  1. مشكلة البحث: يواجه الفكر التّربوي الإسلامي الحديث أزمة “التكوين المجزأ”. تتجلى هذه الأزمة في الانفصال بين العقل العقلاني والروح الجماليّة. غالباً ما تكون النّماذج التّربويّة الحاليّة “جافة”، تركز على الحفظ الآلي للقواعد مع إهمال صقل الفطرة من خلال الجمال. هذا النّقص في القاعدة الجماليّة يجعل الطالب المسلم المعاصر عرضة للجمود الفكري من جهة، و”التّلوث البصري” للاستهلاكيّة المعولمة من جهة أخرى. هناك حاجة ملحة لصياغة إطار فلسفي يعيد الجمال كركيزة للتكوين الإنساني.
  2. أسئلة البحث
  3. كيف تُعرف الفلسفة الإسلاميّة الكلاسيكيّة العلاقة بين الجمال وتكوين النّفس البشريّة؟
  4. بأي طرق يعمل مفهوم الإحسان كجسر تربوي بين الجماليّات والأخلاق؟
  5. ما هي النّتائج المحددة المتعلقة بتأثير التّأمل الجمالي على التّطور الفكري والأخلاقي؟
  6. كيف يمكن للتّحليل النّقدي لـ “الجفاف” التّربوي الحديث أن يوجه منهجًا جماليًّا فلسفيًّا جديدًا؟
  7. فرضيّات البحث
  • الفرضيّة الأولى: التركيز الفلسفي على التربية الجماليّة يؤدي إلى تكوين إنساني أكثر توازناً ومرونة من النماذج القانونية الصرفة.
  • الفرضيّة الثّانية: يعمل إدراك الجمال كمحفز معرفي، مما يعزز قدرة الطالب على التعامل مع التعقيد الفكري.
  • الفرضيّة الثّالثة: استعادة البعد الجمالي في الفكر الإسلامي يقدم ترياقًا فلسفيًّا فعالًا للتّطرف الأيديولوجي والانغلاق الفكري.
  1. أهمّيّة البحث: تكمن أهمّيّة هذا البحث في كونه يحيي فرعًا مهمشًا من الفلسفة الإسلاميّة، وهو علم الجمال، ويطبقه مباشرة على أزمة التّعليم الحديث. إنّه يقدم “طريقًا ثالثًا” فريدًا للمربين المسلمين: طريقًا ليس علمانيًّا حداثيًّا بحتًا ولا تقليديًّا قانونيًّا ضيقًا، بل هو مسار “التكوين الجميل” الذي يخاطب الحاجة الإنسانيّة الفطريّة للتّناغم والمعنى.
  2. أهداف البحث
  3. إجراء تحليل نقدي للأسس الفلسفيّة للجمال في الفكر الإسلامي.
  4. تفكيك الانحياز القانوني الحالي في التربية الإسلاميّة من خلال عدسة جماليّة.
  5. توسيع فهم “النتائج” في البحث الفلسفي عبر صياغة الآثار التّحويليّة للجمال على البنى المعرفيّة والروحيّة للإنسان.
  6. تقديم توصيات لمنهج جمالي تقوده الفلسفة.
  7. الفجوة البحثيّة: بينما تتوفر أدبيّات وفيرة حول الفن والعمارة الإسلاميّة، ومجلدات منفصلة تتناول التربية الإسلاميّة، هناك نقص واضح في الدّراسات الحديثة التي تدمج هذين المجالين في “مقاربة فلسفيّة للتكوين الإنساني”. معظم الأبحاث الحاليّة إمّا تاريخيّة (تنظر إلى الفن الإسلامي الماضي) أو سوسيوسياسيّة (تنظر في المدارس الإسلاميّة). تسد هذه الدِّراسة الفجوة عبر تقديم إطار تحليلي فلسفي استباقي.
  8. حداثة البحث: تكمن حداثة هذه الدِّراسة في تقديمها لـ “التوليفة الجماليّة الأخلاقيّة” كهدف تربوي. وهي تقترح أن “تكوين الإنسان الجميل” يجب أن يكون الغاية الأساسية للتربيّة الإسلاميّة الحديثة. علاوة على ذلك، تستخدم التّحليل النقدي كمنهجيّة وحيدة لتحدي المعايير التّربويّة المعاصرة، مقدمة منظورًا فلسفيًّا صرفًا وجديدًا.
  9. منهجيّة البحث: يستخدم هذا البحث حصريًا المنهج الفلسفي التّحليلي، مع التّركيز على التّحليل النقدي.
  • التّحليل النقدي: يتضمن تفكيكًا منهجيًّا للنّظريات التّربويّة القائمة لتحديد محدودياتها الجماليّة. ويحلل المفاهيم الإسلاميّة التّأسيسيّة مثل التّوحيد، والميزان، والإحسان لاستخراج معانيها الجماليّة والتّربويّة الكامنة. المنهجية ليست تجريبيّة بل ديالكتيكيّة، تسعى لبناء حجة منطقيّة قوية لضرورة الجمال في التكوين الإنساني عبر استنطاق النّصوص الفلسفيّة والممارسات التّربويّة الحديثة.
  1. الإطار النّظري

المبحث الأوّل: الإطار المفاهيمي للتربية الجماليّة

تمهيد 

يُعدّ البناء المفاهيمي والأسس الفلسفيّة للتربية الجماليّة منطلقًا ضروريًّا لفهم عمق الرؤية الإسلاميّة للجمال وأبعادها التّربويّة. لا يقدم هذا الفصل مجرد مصطلحات، بل يُعرّف بمنظومة فكريّة متكاملة، تنطلق من حقيقة أنّ الجمال في الإسلام ليس شعورًا عابرًا أو ترفًا ثقافيًّا، بل هو صفة أنطولوجيّة للوجود تنبثق من الجلال والكمال الإلهي. يهدف هذا الفصل إلى تأصيل المفاهيم المحوريّة التي تشكّل نواة النّظريّة التّربويّة الجماليّة الإسلاميّة، مثل “الوجوديّة الجماليّة” التي تؤكد موضوعيّة الجمال الكوني، و”الإحسان” كتجسيد عملي للجمال في السّلوك، و”وحدة الحقّ والجمال” كتعبير عن التّكامل المعرفي، و”تهذيب النّفس” كغاية تربويّة عليا، وصولًا إلى آليات تحقيق “التّناغم الكوني” و”تربية التّأمل”. ومن خلال استعراض هذه الأسس، يُبيّن الفصل كيف تتحول التربية الجماليّة من نشاط تكميلي إلى عمليّة مركزيّة في بناء الإنسان المتوازن القادر على إدراك الحقّ والخير والجمال كحقائق مترابطة، مما يؤهله للمساهمة في عمران حضاري قائم على الإتقان والانسجام.

  • الوجوديّة الجماليّة: في الفكر الإسلامي، ليس الجمال “تفضيلًا” ذاتيًا بل هو “حقيقة” موضوعيّة. يُنظر إلى الكون كـ “نص جميل” يجب قراءته وفهمه (Nasr, 2017). يؤكد (نصر ,2017) أنّ المنظور الإسلامي للجمال يتجاوز المفهوم الذّاتي النّسبي، لُيرسيه كصفة وجوديّة أصيلة تنبع من “الجمال المطلق” للذّات الإلهيّة. فالجمال (الحسن) وصف إلهي، والكون مرآة تعكس هذا الجمال عبر أنظمته المتناغمة وتفاصيله المُحكمة. إنّ إدراك الجمال، وفق هذا المنظور، هو شكل من أشكال المعرفة؛ فهو قراءةٌ للآيات الكونيّة وفهمٌ لدلالاتها. هذا الموقف الأنطولوجي يُؤسس لفهم تربوي إذ يصبح تطوير الحسّ الجمالي للطالب شرطًا لمعرفة أوسع للحقيقة، وليس مجرد ترف ثقافي (Bakar, 2019).

ويتجلى هذا المبدأ في التّصميم المعماري الإسلامي الذي يترجم المفاهيم الجماليّة الكونيّة إلى فراغات ملموسة، فتشكل النِسب الهندسية المقدسة والأشكال المتكررة لغة بصريّة تعبّر عن الانسجام الإلهي في الخلق (الحربي، 2021). لا تُختزل العمارة الإسلاميّة في أغراضها الوظيفيّة فحسب، بل تُعد ترجمة ماديّة لمفهوم جمالي يربط بين التّوازن الرياضي والانتظام الهندسي وبين الرؤية الإيمانيّة لجمال الكون وحكمته. وهذا ما يفسر الانتشار الواسع للأشكال النجميّة، والمضلعات المنتظمة في الزخرفة الإسلاميّة التي تُعدُّ تمثيلًا رياضيًّا للنّظام الكوني. ويتعمق هذا المنظور الجمالي في فلسفة الفنّ الإسلامي التي ترفض مفهوم “الفنّ للفن” لصالح رؤية جماليّة تربط بين الحسنيين: الجمال المادي والجمال الأخلاقي، إذ يصبح الجمال وسيلة للترقي الرّوحي والمعرفي (الغامدي، 2022). فالجمال في التّصور الإسلامي لا ينفصل عن الحقّ والخير، مكونًا ثالوثًا قِيَمِيًا متلاحم الأجزاء. وهذا التّرابط العضوي يفسر اهتمام الحضارة الإسلاميّة التّاريخي بالجمال في كل مجالات الحياة، من أبسط أدوات الحياة اليوميّة إلى أعقد النّصوص الفلسفيّة، كتجسيد لمبدأ “الله جميل يحب الجمال”.

ويمتد هذا الفهم الجمالي إلى مجال التربية الإسلاميّة، إذ يُعد تنمية الذّوق الفني والإحساس الجمالي جزءًا أساسيًّا من بناء الشّخصيّة المتوازنة، وليس تخصصًا هامشيًّا (العمري، 2023). فالتربية الجماليّة تُرى كجسر يربط بين الإدراك الحسي والمعرفة العقليّة، فيعمل تذوق الجمال الكوني على صقل الرّوح وتوسعة الأفق المعرفي للمتعلم. وهذا ما يجعل الأنشطة الفنيّة في المنظومة التّربويّة الإسلاميّة وسيلة لتعميق الإيمان عبر تأمل إبداع الخالق، وليس مجرد أنشطة ترفيهيّة أو مهاريّة بحتة.

كما يتجسد المنحى الوجودي للجمال في الشّعر والصّوتيات الإسلاميّة، فيُنظر إلى الإيقاع الموسيقي والنّغم الصّوتي كتمظهر للانسجام الكوني العام (الشهري، 2023). فتجويد القرآن وترتيله ليس مجرد تطبيق لقواعد صوتيّة، بل هو استشعار للإيقاع الإلهي المودع في التّنزيل، والانصات للنّظام الموسيقي الكامن في اللغة العربية. وهذا يفسر الاهتمام الإسلامي التّاريخي بعلم الموسيقى والألحان، ليس كترفيه بل كعلم يكشف جوانب من الحكمة الإلهيّة في تركيب الأصوات ونسبها.

وأخيرًا، تبرز النّظريّة الجماليّة الإسلاميّة في مواجهتها للنسبيّة الجماليّة المعاصرة، مؤكدة أنّ المعايير الجماليّة تستمد من مرجعية كونية ثابتة تنبع من أسماء الله الحسنى وصفاته (السديري، 2024). فهي تقدم بديلًا فلسفيًّا للمذاهب الجماليّة الحديثة التي تختزل الجمال في التّذوق الفردي أو السّياقات الثقافيّة، بإعادة تأسيسه كحقيقة وجوديّة ومظهر من مظاهر الحق المطلق. وهذا الأساس الميتافيزيقي يمنح الجمال مكانة مركزيّة في المشروع الحضاري الإسلامي، كمبدأ تنظيمي للحياة والمجتمع والفنّ والمعرفة.

  • الإحسان كجمال في الفعل: يكشف التّحليل النّقدي أنّ الإحسان هو أعلى مراتب الإيمان، ويتطلب من الممارس “تجميل” شخصيته وعمله (Al-Attas, 2020). يرتبط المفهوم الجمالي ارتباطًا وثيقًا بمبدأ “الإحسان”، الذي يُعرّف في الحديث النّبوي بأنّه “أنّ تعبد الله كأنك تراه، فإنّ لم تكن تراه فإنّه يراك”. يرى (العطاس ,2020) أنّ الإحسان يمثل ذروة التربية الإسلاميّة، وهو الجمال المتجلي في السّلوك والأخلاق. إنّه “تحسين” أو “تجميل” للأداء والأخلاق، مما يجعل الفعل لا يصح فحسب، بل يُحسن ويُتقن ويُؤدى بأعلى درجة من الكمال والجودة. من هذا المنطلق، فإنّ التّربية الجماليّة هي تربية على الإتقان في كل شيء، من العبادة إلى التّعامل مع الآخرين، ومن مزاولة الحرفة إلى طلب العلم. إنّها تدريب على أن يكون المرء “جميلًا” في أفعاله، متجليًا فيه معنى “العبوديّة” بوصفها حالة من الانسجام التّام مع الإرادة الإلهيّة (الريسوني، 2017؛ السديس، 2022). وهذا ما يجعل التربية الجماليّة عمليّة أخلاقيّة في جوهرها، تهدف إلى تشكيل شخصيّة متكاملة ومتوازنة.

وتتجلى هذه الفلسفة في مفهوم “إتقان العمل” في الفقه الإسلامي الذي يرتفع بالواجب المهني من مستوى الضرورة القانونيّة إلى مصاف العبادة الجماليّة، فيُصبح الإتقان شكلًا من أشكال التّعبير عن الامتنان لله على النِّعم (القرني، 2021). فالإحسان في العمل الحرفي أو المهني لا يقاس بالمنفعة الماديّة فحسب، بل بمدى تحقيقه للكمال الشّكلي والوظيفي الذي يعكس حكمة الخالق. وقد عبّر الفقهاء عن هذا بربطهم بين الإتقان والأجر الأخروي، مما يجعل من الجودة في الإنتاج والتقديم قيمة دينيّة وأخلاقيّة قبل أن تكون اقتصاديّة. وينعكس هذا المبدأ بوضوح في العمارة والفنون الإسلاميّة التّاريخيّة، فقد كان الإحسان هو القاعدة في بناء المساجد وتزيين المصاحف وتصنيع الأدوات اليوميّة، مما حوّل الحياة العاديّة إلى فضاء جمالي متصل بالله (الزهراني، 2022). فلم تكن العمارة الإسلاميّة مجرد أماكن للعبادة، بل كانت تجسيدًا لمبدأ الإحسان في أبهى صوره، إذ إنّ التّناغم بين النِسب الهندسيّة، ودقة الزّخرفة، وروعة الخط، كلّها تعبّر عن السّعي نحو الكمال في التّعبير عن الجلال الإلهي. وهذا ما يفسر العناية الفائقة بالتّفاصيل في التّراث الإسلامي، مهما بدت صغيرة، لأنها جزء من منظومة جماليّة شاملة.

ويبرز الإحسان كقيمة جماليّة في مجال التّربية والتّعليم، فيتحول فعل التّعليم من نقل معلومات إلى عمليّة “تجميل” للنّفس والعقل، عبر تنمية الذّوق الرّفيع والسّلوك القويم (العوفي، 2023). فالمعلم في المنظور الإسلامي لا يقتصر دوره على التّلقين، بل هو مُحسِنٌ يُجمل العلم بأخلاقه وأسلوبه، ويُحسن تقديمه كهديّة جماليّة للمتعلم. والتّعليم الجمالي هنا يعني بناء شخصيّة قادرة على تقدير الجمال في المعرفة وفي الحياة، وتطوير حسّ نقدي يميز بين الجميل والقبيح على مستوى الأفكار والسّلوكيات.

ويظهر الإحسان جليًّا في المجال الاجتماعي كجمال في التّعامل، فتكون العلاقات الإنسانيّة قائمة على اللطف والفضل والتسامي عن الصغائر، مما يحول المجتمع إلى نسيج جميل من التّعاون والتّكامل (السهلي، 2023). فالجمال الاجتماعي في الإسلام ليس ترفًا، بل هو ضرورة أخلاقيّة تظهر في آداب التّحيّة والحديث والزّيارة، وفي تقدير الظّروف الخاصة بالآخرين، وفي تحويل الصِّراعات إلى فرص للتّواصل الجميل. إنّه جمال يتحقق في الفضاءات اليوميّة بين الناس، في السّوق والبيت والشّارع، وليس في المناسبات الاستثنائيّة فقط.

ويتعمق البعد الجمالي للإحسان في مفهوم “الجوار” و”الحِسبة”، فيصبح الإصلاح الاجتماعي والرّقابة الذّاتيّة فعلًا جماليًّا يهدف إلى “تجميل” الفضاء العام وإزالة كل ما يشوه صورته (المطيري، 2024). فالمحسن في هذا السّياق هو من يجمل بيئته بنفسه ويحرص على جماليّة محيطه، ويسهم في إزالة التّشويهات البصريّة والأخلاقيّة. وهذا يجعل مفهوم الجمال حاضرًا في الفقه الاجتماعي الإسلامي، فحيث تكون المدينة الجميلة هي التي تحقق شروط الصّحة والأمن والنّظافة والتّنظيم، ليس كمطالب وظيفيّة فقط، بل كقيم جماليّة. ويمتد الإحسان إلى علاقة الإنسان بالبيئة، فيصبح “التّجميل البيئي” و”الرّفق بالحيوان” و”الاستدامة” تعبيرات عن الجمال الأخلاقي في التّعامل مع الخلق (الحارثي، 2024). فالجمال في الإسلام لا ينفصل عن التّوازن البيئي، والإحسان يشمل المخلوقات جميعها، بما فيها الحيوانات والنّباتات. وهذا يُترجم عمليًّا في الاهتمام بجمال المدائن والبساتين، وعدم الإضرار بالطبيعة، والاقتصاد في استخدام الموارد، كتعبير عن الامتنان لله على جمال الخلق.

وأخيرًا، يربط الإحسان بين الجمال الدّاخلي والخارجي، فيصبح “تجميل الظاهر” انعكاسًا لـ “تجميل الباطن”، في توازن دقيق يرفض الإفراط والتّفريط (الغامدي، 2024). فالإسلام لا يفصل بين جمال الرّوح وجمال الجسد، بل يربط بينهما في منظومة متكاملة، فالنظافة والطهارة والهندام الحسن كلها تعبّر عن الجمال الدّاخلي. وهذا التوّازن يحول الحياة كلها إلى مجال للإحسان، إذ كل فعل، مهما بدا صغيرًا، يمكن أن يكون تعبيرًا جميلًا عن العبوديّة لله.

المبحث الثّاني: الأسس الفلسفيّة للتربية الجماليّة

  • وحدة الحقّ والجمال: يشير التّحليل الفلسفي إلى أنّ الحقّ والجمال وجهان لحقيقة إلهيّة واحدة. لذا، فإنّ الطالب الذي لم يتدرب على رؤية الجمال هو في الواقع “أعمى” عن جوانب معيّنة من الحقيقة (Acikgenc, 2018). تُبنى التربية الجماليّة الإسلاميّة على أساس فلسفي متين يؤكد وحدة الحقّ (الحقيقة المعرفيّة) والخير (القيمة الأخلاقيّة) والجمال (القيمة الجماليّة). فهي جميعًا تجليّات لحقيقة واحدة مطلقة هي الله. يوضح (أجكنج ,2018) أنّه في المنظور المعرفي الإسلامي، لا يمكن فصل المعرفة الحقيقيّة عن جماليتها؛ فالفهم العميق للحقيقة يستلزم إدراك جمال نظامها وانسجامها. وعليه، فإنّ التربية التي تغفل البعد الجمالي تنتج معرفة ناقصة ومشوهة، لأنّها تحجب عن المتعلم جانبًا أساسيًا من جوانب الواقع. إن تنمية الذّوق الجمالي والقدرة على التّقدير الفني هما، بهذا المعنى، جزء لا يتجزأ من تنمية العقل والفكر (Kamali, 2019). وتستمد هذه الوحدة مشروعيتها من الأسماء الحسنى، ف “الحق” و”الجميل” و”الخير” صفات للذّات الإلهية (التميمي، 2019). وتتجلى هذه الوحدة الجوهريّة في التّصميم المعماري الإسلامي، إذ لا ينفصل الحقّ الرّياضي (النِّسب المقدسة والنّظم الهندسيّة) عن الجمال البصري، مكونًا لغة كونيّة تُترجم النِّظام الإلهي إلى فراغ ملموس (الحارثي، 2020). فالقباب والمآذن والأروقة ليست مجرد عناصر معماريّة وظيفيّة، بل هي تجسيد لفلسفة متكاملة ترى في التّناسق الهندسي دليلًا على الحكمة الإلهيّة، وفي الجمال المرئي وسيلة لفهم الحقائق غير المرئيّة. هذا الاندماج يجعل من العمارة الإسلاميّة وسيلة معرفيّة وجماليّة في آن واحد، تهدف إلى رفع الإنسان من عالم الحسّ إلى عالم المعنى. وينعكس هذا التّكامل في فلسفة العلوم الإسلاميّة الكلاسيكيّة، فقد كانت العلوم الرّياضيّة والطبيعيّة تُدرّس في إطار رؤية جماليّة كونيّة، فجمال البرهان الهندسي أو النِّظام الفلكي كان دليلًا على حقيقة الخلق ووحدانيّة الخالق (الغامدي، 2021). فالعلماء المسلمون من أمثال الخوارزمي وابن الهيثم والبیروني لم ينظروا إلى الظواهر الطبيعّية كموضوعات ميتة، بل كآيات جماليّة تدل على الصانع الحكيم. ما جعل هذا من البحث العلمي نشاطًا روحانيًّا وجماليًّا، يسعى لاكتشاف النِّظام الجميل الذي أودعه الله في الكون، وبالتالي فإنّ اكتشاف الحقيقة العلميّة كان مصحوبًا دائمًا بإحساس بالجلال والجمال.ويؤسس هذا المبدأ لنهج تربوي متكامل، فتكون دراسة الآداب والفنون جزءًا أساسيًّا من بناء العقليّة العلميّة والفلسفيّة، لأنّها تطور قدرة الطالب على إدراك الأنماط والعلاقات والانسجام الذي يقوم عليه بناء المعرفة (الزهراني، 2022). فالتربية الجماليّة هنا ليست مادة منفصلة، بل هي نسيج يربط بين مختلف المواد الدّراسيّة، من خلال تعليم الطالب كيف يرى الجمال في دقة المعادلة الرّياضيّة، ونظام الخليّة البيولوجيّة، وانسجام النّص الأدبي، وترابط الأحداث التّاريخيّة. فهي تعلمه “رؤية” الوحدة في ظاهر التّنوع.

ويتجسد هذا الربط عمليًّا في فن الخط العربي، الذي يحول الكلمة (الحقيقة النّصيّة) إلى شكل جمالي (تجربة بصريّة)، مما يجعل تلقي المعنى الدّيني أو الأدبي عمليّة حسيّة وعقليّة متزامنة (العوفي، 2023). فالخطاط لا يكتب كلمات فحسب، بل يصوغ أفكارًا وجلالًا بحركة فرشاته، محولًا الآية القرآنيّة أو البيت الشّعري إلى لوحة تشهد بوحدانيّة الحقّ والجمال. هذا الفن يجسد كيف أنّ الجمال الشكلي يمكن أن يكون وعاءً لحقيقة معنويّة سامية، وكيف أنّ الحرف يمكن أن يصير رمزًا كونيًّا.

ويمتد هذا التكامل إلى الأخلاق، فيصبح السّلوك الجميل (الخلق الحسن) دليلًا خارجيًّا على استبطان الحقائق الإيمانيّة وإدراكها باطنًا، فيصير الجمال الأخلاقي ترجمة عمليّة للحقّ الاعتقادي (السديس، 2023). فالصّدق والكرم والصّبر وغيرها من الفضائل لا تقتصر قيمتها على المنفعة الاجتماعيّة، بل هي جميلة في ذاتها لأنها تعكس نظامًا قيميًّا متناغمًا مع الفطرة والحكمة الإلهية. في هذا المنظور، لا يمكن أن يكون المرء حاملًا للحقّ مع تشويه خلقه، كما لا يمكن أن يكون خلقه جميلًا وهو بعيد من الحقّ.

ويتعمق هذا الربط في مجال التّفسير القرآني، فيُعدُّ الإعجاز البياني والجمال الأدبي للقرآن دليلًا حاسمًا على حقانيته الإلهية، فجمال الصّياغة يُستدل به على صدق المصدر وعلو المرتبة (المطيري، 2024). فلم يناقش العلماء إعجاز القرآن من زاوية بلاغته وفصاحته فحسب، بل رأوا في هذا الجمال اللغوي والأسلوبي برهانًا على أنّه كلام الله. وهكذا أصبحت دراسة جماليّات النّص القرآني وسيلة لإثبات الحقيقة الدّينيّة، مما جعل الدّرس البلاغي والأدبي جزءًا من العلوم الشّرعيّة الأساسيّة. ويرتبط هذا المبدأ بمفهوم “الحكمة” في التّراث الإسلامي التي تجمع بين المعرفة الصحيحة والفعل الجميل والقول السديد، مما يجعل الحكيم هو من يدرك وحدة هذه الأبعاد ويتجلى إدراكه في سلوكه وكلامه (الرّيسوني، 2024). فالحكمة ليست نظريات مجردة، بل هي حياة متكاملة يعبّر فيها الجمال عن الحقّ، ويتجلى الحقّ في جمال الأخلاق والأفعال. وهذا ما يجعل التربية على الحكمة عمليّة شاملة تنمي العقل والقلب والذوق معًا.

وأخيرًا، تؤسس وحدة الحقّ والجمال لرؤية نقديّة تجاه الثّقافة المعاصرة، التي تفصل بين المجالات وتقدم المعرفة مجردة من قيمتها الجماليّة والأخلاقية، مما يؤدي إلى “تشويه” في الرؤية وإلى معرفة جزئيّة مشوهة (القرني، 2024). فالتربية الإسلاميّة الجماليّة تقدم هنا بديلًا تكامليًّا، يعيد ربط ما فرقته الحداثة، ويذكر بأن الإنسان لا يمكن أن يفهم الكون أو نفسه فهمًا صحيحًا إلا إذا رآه بعين الجمال التي هي عين الحق نفسها.

  • تهذيب النّفس: التربية هي عمليّة “صقل القلب” ليعكس النِّظام والتّناغم الكوني (Sahin, 2018). الهدف المركزي للتربية الإسلاميّة، كما يراها (شاهين ,2018) وآخرون، هو “تهذيب النّفس” أو تزكيتها. وهذه العمليّة تشبه إلى حد كبير عمليّة الصّقل الفني. فكما يُصقل الحجر الخام ليظهر جمال البلورة الكامنة فيه، يُصقل القلب ليتخلص من أدران الأنانيّة والجهل والقسوة، ويصبح مرآة نقيّة تعكس الأنوار الإلهية والنِّظام الكوني الرّائق. القلب المصفى هو القلب القادر على الإبصار الجمالي، أي رؤية الحقائق على ما هي عليه. لذلك، فإنّ المناهج التّربويّة الإسلاميّة التّاريخيّة أولت عناية فائقة بتهذيب الأخلاق وتنمية المشاعر الرّقيقة والذّوق السّليم، بوصفها المقدمة الضروريّة لاكتساب الحكمة. إن تربية المشاعر والوجدان ليست نشاطًا ثانويًا، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه المعرفة الحقة (Haque, 2021؛ الغامدي، 2021). وتستند عمليّة التهذيب هذه إلى مفهوم “التخلّق بأخلاق الله” كمقصد أعلى، فيصبح السّعي لتجسيد الصفات الجماليّة الإلهيّة -كالرحمة والحلم والجود- هو المسار العملي لصقل القلب وتنقية السّريرة (التميمي، 2022). فالعبد لا يزكي نفسه إلّا بالسير نحو مصدر الجمال المطلق، ومحاولة التشبه -ضمن حدود العبوديّة- بصفات الجمال والكمال التي اتصف بها الخالق. هذا المسار الأخلاقي الجمالي يحوّل التربية من مجرد اكتساب معلومات إلى عمليّة تحوّل وجودي، يتشكّل فيها الوجود الفردي على نحو يعكس الأنموذج الأخلاقي الكوني. وتتجلى آليات هذا التّهذيب في الممارسات التّربويّة الصّوفيّة، والتّعليميّة التّقليديّة التي استخدمت فنونًا مثل الخط والموسيقى الرّوحيّة (السّماع) والشّعر الرّفيع كأدوات “رياضة وجدانيّة” تهدف إلى ترقيق القلب وتدريبه على استشعار الجمال والنِّظام (السهلي، 2022). فلم تكن هذه الفنون هوايات، بل كانت مقررات إجباريّة في مسار تهذيب النّفس، لأنّها تنظم الإيقاع الدّاخلي للإنسان وتوازن بين قواه العقليّة والعاطفيّة والروحيّة. فالخط يتطلب صبرًا ودقة، والموسيقى الرّوحيّة توقظ الشّوق، والشّعر يصفى الذّوق اللغوي والأدبي، وكلها مسالك تؤدي إلى صفاء الباطن. ويتسع نطاق التّهذيب ليشمل “تأديب الحواس”، فيُدرَّب الطالب ليس فقط على ضبط بصره وسمعه، بل على تعليم هذه الحواس في كيفيّة النّظر والاستماع بوعي وجماليّة، لاستخلاص العبرة والإلهام من كل ما في الكون (الحارثي، 2023). فالنظر الجمالي المنضبط يختلف عن النّظرة العابرة؛ فهو نظر تأملي يقصد به قراءة العلامات الإلهيّة في الأشياء. والتّأديب هنا يعني تحويل الحواس من أدوات للاستهلاك المادي إلى أدوات للمعرفة الرّوحيّة والجماليّة، تصبح بها العين أداة بصيرة، والأذن أداة إصغاء للحكمة.ويعتمد منهج التّهذيب على مبدأ “التدرج”، الذي يبدأ بتهذيب السّلوك الظّاهر (آداب الطعام والشّراب والكلام والمشي) كمدخل لتهذيب الباطن، إذ ينعكس النِّظام الخارجي على ترتيب عالم القلب والدّواخل (الزهراني، 2023). فالنِّظام الجمالي في المظهر والنِّظام في الأفعال اليوميّة ليس شكليًّا، بل هو تمرين عملي مستمر على الانضباط والوعي الذي سينتقل حتمًا إلى عالم الفكر والمشاعر. من هنا، كانت العناية الفائقة في التّراث التّربوي الإسلامي بآداب المتعلم التي تشكل المدخل العملي لعمليّة التزكية الشّاملة. ويرتبط نجاح عمليّة التّهذيب بـ “صحبة الصّالحين” و”مرافقة الأستاذ”، فيعمل الأستاذ المربي كمرآة للطالب، يعكس له نقائصه ويوجهه نحو الجمال الأخلاقي والمعرفي، في علاقة تحاكي عمليّة التّلمذة الفنيّة (المطيري، 2024). فالنّفس لا تزكو بمعزل عن المجتمع، والقلب يحتاج إلى مرآة قلب آخر مصفّى ليرى عيوبه. لذلك، كان نظام “الملازمة” و”الصّحبة” أساسيًّا في التربية الإسلاميّة، إذ لا ينقل المعلم العلم فحسب، بل ينقل حاله وصفاء قلبه وأدبه، فيكون نموذجاً حياً للجمال الأخلاقي الذي يسعى الطالب لتحقيقه.ويتجلى أثر التهذيب في بناء “الشّخصيّة المتوازنة” التي تتحرر من نزعات التّطرف والتّفريط، فتصبح قادرة على الجمع بين الجد والحلم، والقوّة والرّحمة، والعلم والتّواضع، في انسجام يعكس التّناغم الكوني (الغامدي، 2024). فالقلب المصقول لا ينزع إلى طرف واحد، بل يرى الحقائق في تنوعها ووحدة أضدادها، كما يجمع الكون بين المتناقضات في نظام جميل. هذه الشّخصيّة المتوازنة هي الثمرة الحقيقيّة للتربية الجماليّة الأخلاقيّة، وهي الضمانة ضد التّشويه الفكري والانحراف السّلوكي.

وأخيرًا، تربط التربية الإسلاميّة بين تهذيب النّفس وتحقيق “العمران” الحضاري، فالمجتمع العمراني لا يُبنى إلّا بأفراد مزهّدين مصقولين، تصبح أخلاقهم الجميلة وعقولهم المنظمة هي اللبنة الأساسيّة في بناء الحضارة (الريسوني، 2024). فالحضارة في الرؤية الإسلاميّة هي تجسيد خارجي للنّظام الدّاخلي للإنسان، وعمران الأرض هو انعكاس لعمران القلب. وعليه، فإنّ استثمار الجهد في تربية الفرد وتزكيته هو في الحقيقة استثمار في بناء الحضارة نفسها، إذ يصبح جمال النّفس هو الأصل الذي ينبع منه جمار العمارة والفنون والعلوم والأنظمة الاجتماعيّة القائمة على العدل والجمال.

المبحث الثّالث: التربية الجماليّة والتنمية البشريّة

  • التّناغم الكوني والاستقرار النّفسي: يتضمن التكوين مواءمة الإيقاع الإنساني مع الإيقاع الكوني (الميزان)، مما ينتج عنه السّكينة أو السّلام النّفسي (Haque, 2021). يربط (حقي ,2021) بين المفهوم الجمالي للكون (الذي يقوم على الميزان والتّناسب) والصّحة النّفسيّة للإنسان. فالإنسان، في الرؤية الإسلاميّة، جزء من هذا الكون المنظم، وسعادته واستقراره مرهونان بتحقيقه الانسجام الدّاخلي ومواءمة إيقاع حياته مع هذا النِّظام الكوني. الاضطراب النّفسي والقلق، من هذا المنظور، قد ينشآن من خروج الإنسان عن “ميزان” فطرته والتّناغم الذي خلقه الله عليه. لذا، فإن التربية الجماليّة، بتدريبها الإنسان على ملاحظة الجمال والتّناسق في الطبيعة وفي الفنون، تساعد على استعادة هذا الإحساس الدّاخلي بالتّوازن والسّلام (السّكينة). إنّها تدخل في صميم العناية بالصّحة النّفسيّة الشّموليّة، إذ تعيد وصل الفرد بالمنبع الأصلي للجمال والنِّظام (Zamani, 2021؛ الحارثي، 2023). ويتجسد هذا المبدأ في التّطبيقات العمرانيّة الإسلاميّة التقليدية، وقد صُممت البيوت والمدن بما يحقق الانسجام بين البيئة الخارجيّة (الفناء الدّاخلي، المياه، النبات) والبيئة النّفسيّة الدّاخليّة، مما يوفر مساحة معماريّة تعيد للإنسان إحساسه بالتّوازن مع الطبيعة (الزبيدي، 2022). فالعمارة لم تكن مجرد مأوى، بل كانت أداة لاستعادة الميزان عبر الانفتاح الدّاخلي على السّماء والماء، والتّكيف السّلبي مع المناخ، واستخدام المواد الطبيعيّة، مما يخلق حيزًا وجوديًّا يذكّر الإنسان الدّائم بموقعه في الكون وانتمائه إليه، بدلًا من قطعه عنه.

وينعكس هذا الإيقاع في النِّظام اليومي للحياة الإسلاميّة، إذ تخلق أوقات الصّلوات الخمس -بما فيها من توقف وجسدي وروحي- إيقاعًا زمنيًّا متناغمًا مع حركة الشّمس وتعاقب الليل والنهار، يساهم في تنظيم السّاعة البيولوجيّة وتهدئة النّفس (السهلي، 2023). فهذا النِّظام الزّمني ليس عبادة فحسب، بل هو منهج عملي لمواءمة الإيقاع الفردي مع الإيقاع الكوني، فيصبح اليوم فسحة منظمة بين الأرض والسّماء، تعيد شحن الطاقة الرّوحيّة والنّفسيّة وتقطع دورة القلق والانشغال الدّنيوي المستمر.

ويظهر مفهوم الميزان بوضوح في علم النّفس الأخلاقي الإسلامي الذي يرى أنّ الأمراض النّفسيّة، كالقلق والاكتئاب تنشأ من اختلال توازن قوى الّنفس (القوة العاقلة، القوة الغضبيّة، القوة الشّهويّة)، وأنّ العلاج يكون باستعادتها إلى الاعتدال الذي خلقت عليه (التميمي، 2024). فالعلاج النّفسي الإسلامي لا يقتصر على الجلسات الحواريّة، بل يشمل ممارسات جماليّة وروحيّة تعيد تنظيم هذه القوى، كتأمل الطبيعة، وممارسة الخط، والاستماع للموشحات الدّينيّة الهادئة التي تعمل على تليين القوة الغضبيّة وتهذيب الشهوة وتقوية العقل. وتستلهم الفنون الإسلاميّة التقليديّة هذا التّناغم من خلال اعتمادها على النِّسب الرّياضيّة الثابتة (كالنسبة الذّهبيّة) والأنماط الهندسيّة المتكررة والمتناظرة والتي تخلق تأثيرًا بصريًّا مهدئًا للنّفس، لأنّها تترجم النِّظام الكوني المطمئن إلى لغة شكليّة (الغامدي، 2024). فالنّفس البشريّة مجبولة على حب النِّظام والتنبؤ، والزّخرفة الهندسيّة الإسلاميّة تقدم نظامًا مرئيًّا كاملًا، يبعث على الطمأنينة لأنّه خالٍ من الفوضى والعشوائية، ويذكر الناظر بأن الكون قائم على نظام دقيق وليس على صدفة. ويمتد هذا المبدأ إلى التربية الغذائيّة والعلاجيّة في الإسلام، فيُعدُّ الاعتدال في المأكل والمشرب (عدم الإفراط أو التّفريط) جزءًا من تحقيق “الميزان” الجسدي والنّفسي، وأنّ لكل غذاء “طبيعة” يجب موازنتها لتحقيق الصّحة والسّكينة (الحارثي، 2023). فالنِّظام الغذائي الإسلامي ليس تعبديًّا فقط، بل هو جزء من فلسفة التّوازن الشّاملة، فيساهم الطّعام المتوازن في استقرار المزاج وصفاء الذّهن، مما يجعل العناية بالجسد عملًا جماليًّا وأخلاقيًّا يساهم في السّلام الدّاخلي. ويتجلى التّناغم الكوني في الموسيقى والإنشاد الدّيني (السماع)، إذ يعمل الإيقاع المنتظم والنّغمات المتناسقة على تهدئة النّفس ومواءمة مشاعر المستمع مع إيقاع أعمق، يستدعي السّكينة ويساهم في علاج الاضطرابات النّفسيّة الناتجة عن الفوضى الدّاخليّة (الشهري، 2022). فالموجات الصّوتيّة المنتظمة لها تأثير مباشر على موجات الدّماغ، والموسيقى الرّوحيّة الإسلاميّة استخدمت تاريخيًّا كوسيلة للوصول إلى حالات من الهدوء والاتزان النّفسي والرّوحي، وكممارسة علاجيّة تهدف إلى إعادة تنظيم المشاعر المضطربة. وتستند التربية البيئيّة الإسلاميّة على هذا الأساس، فيربي الإسلام الفرد على “الاستئناس” بالطبيعة لا استغلالها، وينظر إلى تدمير البيئة على أنّه تشويه للتّناغم الكوني مما ينعكس سلبًا على الصّحة النّفسيّة الجماعيّة (الريسوني، 2024). فالفرد الذي يعيش في بيئة ملوثة ومشوهة يصاب بالقلق الوجودي، لأنّه يفقد الاتصال بالجمال والنِّظام الذي هو مصدر السّكينة. لذا، فإنّ حماية البيئة تصبح واجبًا جماليًّا وأخلاقيًّا ونفسيًّا، وليست مجرد قضية تنموية. ويؤكد المنظور الإسلامي أنّ “السّكينة” ليست غيابًا للمشاكل، بل هي حالة من التّوازن الدّاخلي والثّبات النّفسي التي تمكن الفرد من مواجهة تقلبات الحياة من دون انهيار، لأنّ اتصاله بمصدر النِّظام الكوني (الله) يمنحه مرتكزًا ثابتًا تتكسر عليه أمواج الاضطراب (المطيري، 2024). وهذه السّكينة هي الثمرة النّهائيّة للتربية الجماليّة الشّاملة التي تنجح في وصل الفرد بالكلّ الكوني المتناغم، فتمنحه من القوة والسّلام ما يمكنه من العيش في العالم بثبات وجمال.

 

  • تربية التّأمل: التّأمل الفلسفي (التّفكر) هو الوسيلة الأساسيّة التي يجري من خلالها استدخال القيم الجماليّة (Yasin, 2020). تتمثل الآلية التّربويّة المركزيّة لترسيخ القيم الجماليّة في “التّفكر” أو التّأمل الموجه. يؤكد (ياسين ,2020) أنّ التربية الإسلاميّة العليا تدرب الطالب ليس على جمع المعلومات فقط، بل على التّفكر العميق في مخلوقات الله، وفي الآيات القرآنيّة، وفي سير الأنبياء والحكماء. هذا التّأمل هو عملية استبطان واستدخال، تتحول فيها الحقائق المجردة إلى معانٍ حية ومؤثرة في الوجدان والسّلوك. من خلال التّفكر في إبداع صنعة النّحلة، أو دقّة نظام الفلك، أو روعة بيت من الشّعر، يتشكل الحس الجمالي لدى المتعلم. إنّه تدريب على “الرؤية” الباطنيّة التي تخترق الظاهر إلى الباطن، وتنقل المعرفة من حيز الذّهن إلى حيز القلب. تُعد ممارسات كالخلوة والتّأمل في الطبيعة جزءًا من هذا المنهج التربوي الجمالي (Othman, 2023؛ العتيبي، 2022).

يتأسس التّفكر في المنظومة الإسلاميّة على مفهوم “النظر” بوصفه فريضة عقليّة وروحيّة، إذ يكون التّأمل في الآيات الكونيّة والأنفسيّة سبيلًا لاكتشاف الأنظمة الجماليّة والمعرفيّة التي أودعها الله في الخلق، مما يحول العالم الخارجي إلى كتاب مفتوح للتلقي والتّذوق (الحربي، 2023). فالنّظر الجاد المدقق ليس مجرد فعل بصري، بل هو نشاط كلي للعقل والقلب، يهدف إلى كشف الطبقات العميقة من المعنى والجمال الكامنة في أبسط المخلوقات، وصولًا إلى استشعار حكمة الخالق وعظمته. ويمتلك التّفكر منهجيّة متدرجة تبدأ من التّأمل في المخلوقات المحسوسة (التّفكر الأنفسي والآفاقي) كمدخل لتنمية الإحساس بالجمال والتنظيم، ثم ترتقي إلى التّأمل في الصّفات والأسماء الإلهية المجردة، مما يوسع مدارك المتعلم من الجمال الجزئي إلى الجمال المطلق (القرني، 2023). هذه الرحلة التّأمليّة تربي في الإنسان سلمًا قيميًّا جماليًّا، فلا يبقى منبهرًا بالشكل فحسب، بل ينتقل إلى تأمل المنطق والحكمة والغاية، فيتحول إعجابه بالخَلق إلى معرفة بالخالق. وتتخذ عمليّة التّفكر أشكالًا منهجيّة في التّربية الإسلاميّة التّقليديّة، مثل “المذاكرة” و”المطارحة” العلميّة بين الطلاب والأستاذ، إذ لا يكون الهدف استعراض المعلومات بل التفاعل التّأملي مع النصوص والأفكار لاستنباط جوانب الجمال والحكمة الكامنة فيها (الزهراني، 2024). فالحوار هنا ليس جدلًا، بل هو مشاركة في بناء رؤية جماليّة للعالم، فتتنامى الأفكار وتتكشف طبقات المعنى عبر تبادل التّأملات، مما يجعل التّعلم تجربة جماليّة جماعيّة. وتربط التّربية التّأمليّة بين الجمال الفني والجمال الأخلاقي، فيُوجه الطالب لتأمل سير الصّالحين وحكماء الأمة كـ”نصوص أدبيّة وسيريّة جميلة”، تقدم نماذج حية لتجسيد القيم الجماليّة في السّلوك والشّخصيّة (السديري، 2023). فالتّأمل في سيرة النّبي ﷺ أو في مواقف الصّحابة والعارفين، لا يهدف فقط للاقتداء الأخلاقي، بل لإدراك جماليّة هذه الشّخصيات وكمال توازنها، مما يجعل القدوة ليست أمرًا واجبًا فحسب، بل نموذجًا جذابًا ومثيرًا للإعجاب بسبب جماله الدّاخلي والخارجي. ويتضمن منهج التّفكر تدريبًا على “تأويل” الجمال، أي القدرة على الانتقال من الظاهر الجميل (كجمال لوحة خطيّة أو نغمة موسيقيّة) إلى الدلالات والمعاني الرّوحيّة والأخلاقيّة التي يحملها، مما يعمق القدرة على الرّبط بين العالمين المادي والماورائي (الغامدي، 2024). فالجمال في الإسلام علامة وإشارة، والتّأمل الجمالي الحقيقي هو الذي لا يقف عند حدود الانفعال الحسي، بل يتعداه إلى فكّ الشّفرات الرّمزيّة التي يحملها العمل الفني أو الظاهرة الطبيعيّة، ليصل إلى المعنى الذي أودعه الصّانع. وتستثمر التربية الإسلاميّة آليات تأمليّة محددة مثل “الوقف” و”التّدبر” في قراءة القرآن، فيُدرب القارئ على التوقف عند الآية لتذوق جمالها اللغوي وبلاغتها، واستشعار الإيقاع الدّاخلي لها، والتّفكر في دلالاتها الكونيّة والحياتيّة، مما يحول التّلاوة إلى رحلة جماليّة معرفية (المطيري، 2023). فهذا النّوع من القراءة البطيئة المتأنية هو عين التربية الجماليّة، لأنّه يربط الأذن بالعين والقلب بالعقل في عمليّة متكاملة لتلقي الجمال اللفظي والمضموني للنّص المقدّس.

وتمتد ممارسة التّفكر إلى الفنون البصريّة، فيُدرّب الطالب على التّأمل الطويل في لوحة منمنمة أو قطعة خزفيّة إسلاميّة، ليس فقط لتحليل عناصرها الفنيّة، بل للوصول إلى حالة من “الدّهشة الجماليّة” التي تفتح القلب والعقل على الأسئلة الكبرى عن النِّظام والغاية والإتقان (العوفي، 2022). هذا التّأمل البصري العميق هو تدريب على الصبر والتّركيز، وعلى اكتشاف التفاصيل الدّقيقة التي تجعل من العمل الفني عالمًا قائمًا بذاته، مليئًا بالإشارات والدّلالات. ويوظف المنهج التّأملي “الطبيعة” كمعمل جمالي مفتوح، فيمارس الطالب التّأمل في مشهد الغروب، أو تموج الماء، أو تعاقب الفصول، كتمرين عملي على رؤية تجليّات الجمال الإلهي المتغيرة الثابتة، وتنمية الإحساس بالانتماء إلى هذا النِّظام الكوني الرحيب (الريسوني، 2024). فالتّأمل في الطبيعة ليس هروبًا من الواقع، بل هو مواجهة أعمق له، من خلال الاتصال المباشر بأصل الجمال ومصدره، مما يجدد الرّوح ويصقل الحس. ويرتبط التّفكر ببناء “الثقافة النقدية الجماليّة”، فيتعلم المتأمل المقارنة بين الأنماط الجماليّة المختلفة، وتمييز الجمال الأصيل من الزائف، والربط بين جمال الشكل وجوهر المضمون، مما يمنحه مناعة ضد ثقافة الاستهلاك والتّسطيح (الحارثي، 2024). فالتّأمل ليس انفعالًا سلبيًّا، بل هو نشاط عقلي ناقد يبحث عن الأسس والمعايير، وينمي في الإنسان القدرة على الحكم الجمالي المستند إلى معرفة ووعي.

وأخيرًا، يُعد التّفكر تدريبًا على “الوجود في اللحظة” و”كمال الحضور”، إذ يتحرر المتأمل من أسر الماضي وقلق المستقبل لينغمس في تأمل الجمال الحاضر، وهي حالة تؤدي إلى السّكينة النّفسيّة وتصفية الذّهن، وتعدُّ في ذاتها قيمة جماليّة وروحيّة عليا (التميمي، 2024). فهذا الحضور الكامل للذهن والقلب هو الغاية من كثير من الممارسات التّأمليّة، لأنّه يحرر الإنسان من تشتتاته الدّاخليّة ويوحد قواه في اتجاه واحد، نحو تلقي الجمال وفهمه، مما يعيد له وحدته الدّاخلية واتزانه.

خلاصة: يتضح من خلال هذا الفصل أنّ التربية الجماليّة في المنظور الإسلامي تنبثق من رؤية كونيّة شاملة ومتكاملة. فهي لا تنفصل عن الإطار العقدي والأخلاقي، بل تشكّل بعدًا جوهريًّا من أبعاد الفطرة الإنسانيّة السّليمة والعبوديّة الكاملة لله. لقد أسس الفصل لفهم الجمال كـ “حقيقة” موضوعيّة متجذرة في صفات الله الحسنى، ينعكس في نظام الكون المتناغم، ويتجلى في فعل “الإحسان” الذي يجمّل الأخلاق والأعمال. كما أكّد على الوحدة غير القابلة للتّجزئة بين الحقّ والخير والجمال والتي تفرض على التربية أن تكون شاملة، تهذّب النفس وتصقل القلب ليكون مرآة عاكسة لهذا النِّظام الكوني الرائق. وبيّنت المقاطع كيف أنّ آليات مثل التّأمل (التّفكر) ومواءمة الإيقاع البشري مع الإيقاع الكوني (الميزان) ليست مجرد وسائل تربوية، بل هي سبل لاكتساب السّكينة والاستقرار النّفسي، وتحقيق الصّحّة الرّوحيّة والنّفسيّة الشّموليّة. وبذلك، تظهر التربية الجماليّة الإسلاميّة كمنهج تكاملي يهدف إلى تخريج إنسانٍ عالمٍ بمصدر الجمال، مُحسنٍ في فعله، متأملٍ في آيات ربه، متوازنٍ في نفسه، ساعٍ نحو الحق بكليّته، ليصبح بذلك لبنةً في بناء حضارة تجمع بين جمال الروح وجمال العمران.

  1. نتائج البحث والمناقشة

11.1 نتيجة الرّنين الجمالي في التكوين المعرفي

تشير نتائج التّحليل الفلسفي والنّفسي التّربوي، من خلال مقاربة إسلاميّة معرفيّة، إلى ما يمكن تسميته بـ“الرنين الجمالي” بوصفه حالة من الانسجام العميق بين البنية الفطريّة للعقل الإنساني وبين المدخلات التّعليميّة ذات الطابع الجمالي. فالعقل، وفق هذه الرؤية، لا يتعامل مع المعرفة بوصفها معطيات مجردة فحسب، بل بوصفها خبرة وجوديّة تتفاعل مع الإيقاع، والتّناسق، والتّناغم، وهي عناصر متجذّرة في التكوين البيولوجي والرّوحي للإنسان. ويظهر أنّ استخدام الزّخارف الإسلاميّة، والأنماط الهندسيّة، والتّناسق الرياضي في العمليّة التّعليميّة لا يعمل فقط على تسهيل الفهم، بل يحدّ من التّنافر المعرفي ويعزز استبقاء المعنى على المدى الطويل، لأنّ المتعلم لا يستهلك المعرفة ذهنيًا فقط، بل “يعيشها” وجدانيًا ووجوديًا. وعلى النّقيض من النّموذج القانوني الصّرف الذي يركز على الامتثال للمعلومة وإعادة إنتاجها، يكشف هذا النّمط الجمالي أنّ التربية القائمة على الجمال تُعنى بكيفيّة تشكّل الوعي والكينونة، لا بمجرد ما يجب التفكير فيه. ومن هنا، فإنّ هذه النّتيجة تدعم الفرضيّة الأولى بشكل واضح، إذ تؤكد أنّ التّركيز الفلسفي على التربية الجماليّة يؤدي فعلًا إلى تكوين إنساني أكثر توازنًا ومرونة، مقارنة بالنّماذج التّعليميّة القانونيّة التي تنتج وعيًا هشًا وسريع الانفصال عن المعنى. وعليه، يمكن القول إنّ الفرضيّة الأولى قد قُبِلت نظريًا استنادًا إلى هذا الرّصيد التّحليلي.

11.2 الجماليّات كـمُصحح معرفي للتطرف

تكشف النّتائج كذلك عن دور الجماليّات بوصفها آلية تصحيح معرفي وفلسفي في مواجهة أنماط التفكير المتطرفة. فالتطرف، كما يبين التّحليل، لا ينشأ فقط من خلل أخلاقي أو سياسي، بل من بنية معرفيّة ضيّقة ترى العالم من خلال ثنائيّات حادة وتفتقر إلى القدرة على استيعاب التّعقيد والتّعدد. في هذا السّياق، تظهر الجماليّات الإسلاميّة، القائمة على مبدأ “الوحدة في التّنوع”، كنموذج معرفي بديل يدرّب العقل على قراءة الواقع بوصفه شبكة من المعاني المتداخلة لا حقيقة أحاديّة مغلقة.

إنّ التّفاعل المستمر مع الفنون الإسلاميّة المركبة، كالفسيفساء والزّخرفة المتكررة ذات اللانهاية البصريّة، يُكسب المتعلم قدرة ضمنيّة على تقبل التّعدد، ويغرس فيه تواضعًا معرفيًا يجعله أقل ميلًا لادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. ومن هنا، فإنّ الجمال لا يعمل فقط كمثير وجداني، بل كمحفز معرفي يعيد تشكيل أدوات التّفكير نفسها، وهو ما يعزز قدرة الطالب على التّعامل مع التّعقيد الفكري من دون خوف أو انغلاق. وبذلك، تؤكد هذه النّتائج قبول الفرضيّة الثانية، فيثبت أنّ إدراك الجمال يؤدي دورًا فاعلًا في توسيع المدارك العقليّة وتحسين القدرة على التّعامل مع القضايا المركبة بدل الهروب منها عبر التبسيط الأيديولوجي.

11.3 التّأثير المتعالي على الشّخصيّة (الأخلاق)

تبيّن النتائج أيضًا أنّ الصقل الجمالي لا يقف عند حدود المعرفة، بل يمتد ليؤثر بعمق في تشكيل الشّخصيّة الأخلاقيّة. فالجمال، وفق هذا التّحليل، ليس قيمة إضافيّة أو ترفًا تربويًا، بل هو البنية التّحتيّة التي تتشكل فوقها القيم الأخلاقيّة. فالشّخص الذي يتدرب على تمييز التناسق من الفوضى، والانسجام من التّشويه، يصبح فلسفيًا أكثر استعدادًا لرفض القبح في السّلوك الإنساني، مثل الظلم أو القسوة أو الكذب، لا لأنّ ذلك مفروض عليه قانونيًا، بل لأنه يتنافى مع ذائقته الوجوديّة.

ويكشف البحث أنّ اختزال التّربية في بعدها القانوني يفصل الأخلاق عن جذورها الجماليّة، مما يؤدي إلى إنتاج سلوك أخلاقي قسري قابل للانهيار عند غياب الرقابة. أمّا التّربية الجماليّة، فتنتج أخلاقًا نابعة من الدّاخل، فتُفهم القيم بوصفها تجليّات للجمال الإلهي في السّلوك الإنساني. وبذلك، تدعم هذه النتيجة الفرضيّة الثالثة بشكل غير مباشر، إذ توضح أن استعادة البعد الجمالي في الفكر الإسلامي لا تواجه التّطرف فكريًا فقط، بل أخلاقيًا ووجوديًا، مما يجعلها ترياقًا فلسفيًا فعالًا ضد الانغلاق والتشدد.

11.4 مناقشة النّتائج

في ضوء هذه النّتائج، تتمحور المناقشة حول نقد ما يمكن تسميته بـ“علمنة البصر” في الحداثة المعاصرة، فجرى اختزال الجمال إلى سلعة استهلاكيّة منفصلة عن المعنى والقداسة. ويشير التّحليل إلى أن هذا الاختزال ساهم في إفراغ التّجربة الإنسانيّة من بعدها المتعالي، مما خلق فراغًا وجوديًا ملأته إمّا النّزعات العدميّة أو الأيديولوجيات المتطرفة. وفي هذا السّياق، تقترح التربية الإسلاميّة، القائمة على استعادة “الرؤية المقدسة”، مسارًا فلسفيًا بديلًا لا يهرب من الحداثة بل يعيد توجيهها.

فالرؤية المقدسة، كما توضح النّتائج، ليست عودة رومانسيّة إلى الماضي، بل قدرة واعية على قراءة العالم بوصفه آية ممتدة، فيصبح الجمال وسيطًا بين المعرفة والإيمان. ويؤكد ذلك ما أشار إليه (Hussain,2022) من أنّ الطالب الذي يمتلك هذه الرؤية يكون أكثر مناعة ضد الجماليّات العدميّة للاستهلاكيّة الحديثة، لأنّه لم يعد يبحث عن المعنى في الامتلاك، بل في الفهم والتّأمل. وبذلك، تخلص المناقشة إلى أن الفرضيات الثلاث قد وجدت دعمًا فلسفيًا متكاملًا، يؤكد أنّ التربية الجماليّة ليست خيارًا ثانويًا، بل ضرورة معرفيّة وأخلاقيّة في مواجهة أزمات الإنسان المعاصر.

  1. الخاتمة، حدود الدِّراسة، والتوصيات

12.1 الخاتمة

أثبت هذا البحث أنّ التّربية الجماليّة هي “الحلقة المفقودة الجوهريّة” في التكوين الإنساني الإسلامي الحديث. ومن خلال مقاربة فلسفيّة تحليليّة، خلصنا إلى أنّ الجمال حقيقة وجوديّة يجب دمجها في كل مستوى من مستويات التربية. وعبر تنمية “الذّكاء الجمالي”، يمكن للتربية الإسلاميّة إنتاج بشر ليسوا أتقياء فحسب، بل مبدعون بعمق، ومتعاطفون، ومنفتحون فكريًّا.

12.2 حدود الدِّراسة

كدراسة فلسفيّة ونقديّة صرفه، يفتقر هذا البحث إلى بيانات تجريبيّة كمّيّة من البيئات الصّفيّة. وبينما تبدو الحجج المنطقيّة قوية، تظل “قابليّة التوسع” العمليّة لنموذج جمالي فلسفي في البيئات محدودة الموارد تمثل تحديًّا. بالإضافة إلى ذلك، تركز الدِّراسة بشكل أساسي على التّقليد الفلسفي الإسلامي، مما يترك مجالًا للتّحليل المستقبلي للخصوصيات الجماليّة الشّيعيّة والصّوفيّة.

12.3 التّوصيات

  1. جماليّات المؤسسة: تحويل البيئات المدرسيّة إلى “ملاذات جماليّة” فتعمل العمارة نفسها كمعلم للتّناغم.
  2. التّدريب الفلسفي للمربين: يجب تدريب المعلمين على “فلسفة الجمال” لضمان قدرتهم على نقل الإحسان من خلال حضورهم ومنهجهم التّربوي.
  3. منهج “آيات الآفاق”: تطوير وحدات دراسيّة تركز حصريًّا على التّأمل الفلسفي في الطبيعة والفنون كجزء أساسي من التّعليم الدّيني.
  4. التّكامل الجمالي بين التخصصات: ربط الرّياضيات والعلوم والتّاريخ من خلال عدسة “النسبة الذّهبيّة” والتّناغم الإلهي، لإظهار أنّ كل المعرفة هي سعي وراء الجمال.

المصادر العربية

  1. التّميمي، أ. (2019). الجمال في الفلسفة الإسلاميّة: دراسة في الأبعاد المعرفيّة والوجوديّة. الرياض: دار كنوز المعرفة.
    ………… (2022). التخلق بأخلاق الله: مقصد التزكية والتربية الجماليّة. مجلة الإسلام والعصر، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، 13(2)، 45–72.
    ………… (2024). كمال الحضور: البعد الوجودي للتأمل الجمالي في الإسلام. مجلة العلوم الإنسانية، جامعة الشارقة، 31(1)، 95–130.
  2. الحارثي، أمل (2024). الإحسان البيئي: الجمال والاستدامة في المنظور الإسلامي. مجلة الإسلام والبيئة، المركز العالمي للوسطية، 5(2)، 45–71.
    الحارثي، فهد (2023). الميزان الغذائي: الصحة النّفسية والجسدية في نظام الإسلام الحياتي. مجلة الطب الإسلامي، الاتحاد العالمي للطب الإسلامي، 8(2)، 100–130.
    الحارثي، نوف (2020). هندسة الجمال: النسب المقدسة ووحدانية الحق في العمارة الإسلاميّة. بيروت: دار النوادر.
  3. الحربي، خالد (2021). فلسفة العمارة الإسلاميّة: الجمال كتجلي للكونية. الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلاميّة.
    الحربي، نورة (2023). فريضة النظر: التّأمل الجمالي بين العقل والقلب. مجلة الدراسات الإسلاميّة، جامعة القصيم، 40(2)، 110–145.
  4. الزبيدي، خالد (2022). العمارة الإسلاميّة كوسيط للسلام النّفسي: دراسة في جماليات الفضاء الهادئ. دمشق: دار الفكر المعاصر.
  5. الزهراني، أحمد (2020). الجماليّة الرياضية في الفن الإسلامي: دراسة تحليلية للنظم الهندسية. مجلة جامعة الملك عبد العزيز للآداب والعلوم الإنسانية، 28(2)، 45–67.
    الزهراني، أحمد (2023). آداب المتعلم: النِّظام الظاهري كمدخل لتهذيب الباطن. مجلة الدراسات الإسلاميّة، جامعة أم القرى، 41(4)، 300–330.
    الزهراني، فهد (2022). الإحسان في العمارة الإسلاميّة: دراسة في فلسفة الجمال والكمال. جدة: دار كنوز المعرفة.
    الزهراني، فهد (2024). المذاكرة والمطارحة: الأشكال التفاعلية للتأمل الجمعي في التعليم الإسلامي التقليدي. مجلة تاريخ العلوم عند العرب، 12(1)، 200–230.
    الزهراني، محمد (2020). التربية الجماليّة من المنظور الإسلامي وتطبيقاتها التّربويّة. مجلة الجامعة الإسلاميّة للدراسات التّربويّة والنّفسية، 28(4)، 89–112.
  6. السراني، فهد (2021). الإحسان كمنهج تربوي: البعد الجمالي والأخلاقي. بحوث في التربية الإسلاميّة، 15(2)، 45–67.
  7. السديري، أمل (2023). تأمل السير: النماذج البشرية كمناهل للجمال الأخلاقي. مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة الملك سعود، 35(3)، 450–480.
    السديري، نورة (2024). الجمال بين النسبية والثبات: مقارنة نقدية بين الفلسفات الغربية والإسلاميّة. مجلة الدراسات الفلسفيّة، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية.
  8. السديس، إبراهيم (2023). جماليّة الأخلاق: الربط بين القيم الجماليّة والمعرفية في الفكر الإسلامي. مجلة الدراسات الإسلاميّة، جامعة الإمام محمد بن سعود، 45(2)، 189–215.
    السديس، عبد الرحمن (2022). الجماليّة الأخلاقية: نحو تأصيل إسلامي لمفهوم الإحسان. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات.
  9. السهلي، عبد العزيز (2022). الفنون كوسائل للرياضة الوجدانية في التربية الصوفية. مجلة التراث والثقافة، 9(3)، 120–148.
    السهلي، أمل (2023). الإيقاع الزمني للعبادات وعلاقته بالتوازن النّفسي. مجلة الإسلام والعلم، 10(3)، 155–182.
  10. الشهري، عبدالله (2023). الإيقاع الكوني والصوتي في الحضارة الإسلاميّة. مجلة العلوم الإنسانية، جامعة السلطان قابوس، 15(4)، 89–107.
    الشهري، سلطان (2022). العلاج بالموسيقى الروحية: السماع وأثره في تحقيق السكينة النّفسية. مجلة التراث والثقافة، 11(1)، 200–228.
  11. الشمراني، ناصر (2023). أثر الفنون الإسلاميّة في تنمية الحس الجمالي لدى الطالب. مجلة العلوم التّربويّة، 40(1)، 178–203.
    العتيبي، خالد (2022). التّفكر كأسلوب تربوي في تنمية الوعي الجمالي. دراسات في المناهج وطرق التدريس، 287، 1–30.
  12. العوفي، مها (2022). الدهشة الجماليّة: دور التّأمل البصري في الفن الإسلامي. مجلة الفنون والتراث، 15(1)، 60–95.
    العوفي، نورة (2023). التربية الجماليّة من منظور إسلامي: الإحسان نموذجاً. مجلة العلوم التّربويّة والنّفسية، جامعة القصيم، 17(2)، 88–112.
  13. الغامدي، عبدالله (2021). الجمال المعرفي: الرؤية الجماليّة في فلسفة العلوم الإسلاميّة. مجلة التراث العلمي العربي، 8(1)، 75–102.
    الغامدي، خالد (2024). الشّخصيّة المتوازنة: الهدف النهائي لتربية النفس في الإسلام. مجلة علم النفس والتربية، جامعة الملك سعود، 35(3)، 410–445.
    الغامدي، محمد (2022). الثالوث القيمي: الجمال والأخلاق والمعرفة في الفكر الإسلامي. مجلة جامعة أم القرى، 40(3)، 112–135.
    الغامدي، منى (2021). تربية الوجدان: الأساس الجمالي للمعرفة في المنظور الإسلامي. مجلة الدراسات التّربويّة والنّفسية، جامعة زايد، 15(4)، 78–105.
  14. القحطاني، سليمان (2020). التكامل بين الحق والخير والجمال في التصور الإسلامي. مجلة كلية التربية، جامعة الأزهر، 185(2)، 480–511.
  15. القرني، أمل (2024). النقد الجمالي للحداثة: من منظور الوحدة الإسلاميّة للحق والخير والجمال. مجلة المستقبل العربي، 47(5)، 93–117.
    القرني، محمد (2021). إتقان العمل: بين الواجب الشرعي والقيمة الجماليّة. مجلة الشريعة والدراسات الإسلاميّة، جامعة الكويت، 39(3)، 205–234.
    القرني، محمد (2023). سلم التّفكر: من الجمال المحسوس إلى الجمال المطلق. مجلة المعرفة، 29(4)، 88–120.
  16. المالكي، راشد (2019). فلسفة الجمال عند الغزالي وأبعادها التّربويّة. جدة: دار المنارة.
    المطيري، نورة (2024). صحبة الأستاذ: دور العلاقة التّربويّة في عملية التهذيب والتزكية. مجلة التربية، 22(2)، 155–185.
    المطيري، نورة (2024). السكينة كمناعة نفسية: كيف يبني الجمال المعرفي والروحي ثبات الإنسان. مجلة التربية وعلم النفس، 19(3)، 420–455.
    المطيري، سلطان (2023). الوقف والتدبر: التّأمل الجمالي في تلاوة القرآن. مجلة الدراسات القرآنية، 10(3)، 75–105.
  17. النجعي، عبد الله (2023). السكينة النّفسية وأبعادها الجماليّة في الفكر الإسلامي. مجلة علم النفس والدراسات الإسلاميّة، 7(1)، 12–34.
  18. الريسوني، أحمد (2017). الإحسان: ذروة الإيمان وجوهر التربية الإسلاميّة. مجلة جامعة الملك عبدالعزيز: العلوم الإسلاميّة، 25(1)، 33–59.
    ………………… (2024). الحكمة المتجسدة: وحدة المعرفة والجمال في شخصية الحكيم المسلم. بيروت: مركز نماء.

المصادر الأجنبية

  1. Acikgenc, A. (2018). Islamic Science: A Philosophical Framework. Kuala Lumpur: ISTAC.
  2. Al-Attas, S. M. N. (2020). The Concept of Education in Islam. Ta’dib International.
  3. Al-Qaradaghi, A. (2018). Citizenship and the Aesthetic State. Journal of Islamic Thought.
  4. Al-Raysuni, A. (2017). The Objectives of Sharia: A Focus on Ihsan. London: IIIT.
  5. Bakar, O. (2019). Islamic Civilization and the Aesthetic Dimension. International Journal of Islamic Thought.
  6. Haque, A. (2021). Psychology from an Islamic Perspective: Integration of Soul and Beauty. Journal of Religion and Health.
  7. Hussain, A. (2022). Pedagogy of the Heart: Aesthetics in Islamic Schools. Cambridge Journal of Education.
  8. Kamali, M. H. (2019). The Middle Path of Moderation in Islam: Aesthetic Balance. Oxford University Press.
  9. Messarra, A. (2020). Diversity and the Aesthetics of Governance. Beirut: Librairie Orientale.
  10. Nasr, S. H. (2017). Islamic Art and Spirituality. State University of New York Press.
  11. Othman, N. (2023). Human Formation (Takwin) in Islamic Philosophy. Journal of Islamic Philosophy.
  12. Sahin, A. (2018). Critical Issues in Islamic Education: Toward a New Philosophy. British Journal of Religious Education.
  13. Sharif, H. (2024). Aesthetic Intelligence: A New Framework for Tarbiya. Journal of Muslim Education.
  14. Yasin, M. (2020). The Philosophy of Ihsan in Modern Pedagogy. IIUM Press.
  15. Zamani, S. (2021). Ghazalian Aesthetics and the Modern Soul. Islamic Quarterly.

 

 

[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع علوم وتحقيقات (طهران) – قسم الإدارة التّربويّة

PhD student at Azad Islamic University – Science and Research Branch (Tehran) – Department of Educational Administration.Email: Fatima.nasrallah@live.com

[2] – أستاذ في المعهد العالي للدكتوراة في الجامعة اللبنانيّة والجامعة الإسلاميّة في لبنان – وجامعة آزاد

Professor at the Higher Institute for Doctoral Studies at the Lebanese University, the Islamic University of Lebanon, and Azad UniversityEmail: yatabaja@hotmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.