الطقوس المدفنيّة لدى المندائيّين

0

الطقوس المدفنيّة لدى المندائيّين

كاتيا حنا الكلاّس*

تقديم

المندائيّة هي من الديانات القديمة التي اختلف الباحثون حول منشئها، فمنهم من يرى أنّهم من سكان بلاد الرافدين القدماء، ومنهم من رأى أنّ منشأهم كان في الغرب، بين طوائف البحر الميت، أو في شرق الأردن، ممّن كان يمارس التعميد هناك.

الدلائل التاريخيّة تشير إلى أنّ المندائيّين سكنوا أماكن عديدة من مناطق المشرق القديم. بالإضافة إلى دليل تاريخيّ آخر قدّمه الباحث الألمانيّ مارك Lidzbarski، وهو العثور على قطع نقديّة في الكرخة (ميسان)[1] تحمل نقوشًا فيها صورة لملك رافدينيّ وفي ظهرها كتابات مندائيّة، حيث تمّ تحديد تأريخ تلك المسكوكات بحدود 150 ميلاديّ[2]؛ كما وُجدت الكتابات المندائيّة على عدد من الرُقى (حروز أو قماهي كما يسمّيها المندائيّون) من الرصاص؛ وعلى أوان فخاريّة[3]؛ وعلى الورق في الكتب الدينيّة المندائيّة. أيضًا عُثر في جنوب غربيّ إيران على صخور محفور عليها عبارات تشابه في معظم حروفها الأبجديّة المندائيّة تعود إلى القرنين الثاني والثالث الميلاديّين. كذلك على نقود عيلاميّة عليها الأبجديّة ذاتها تعود إلى القرن الثاني الميلاديّ.

أطلقت تسميات عدّة على المندائيّين، مصدرها المندائيّون أنفسهم، أو الأقوام المجاورة لهم، منها: المندائيّون، الناصورائيّون، الصابئة، المغتسلة، شلماني، ابني نهورا، اخشيطيّ، المصبتيّون. وللمندائيّين لغة خاصّة بهم تُسمّى اللغة المندائيّة، وهي، كما يصنّفها علماء اللغة، لهجة آراميّة شرقيّة[4]، وتنقسم إلى قسمين: الرطنة (العامّيّة)، وهي متأثّرة باللغات واللهجات الأخرى مثل العربيّة والفارسيّة. والفصحى (لغة الكتب الدينيّة)[5].

المصادر التي تدلّ على أصول عقيدة المندائيّة وكيفيّة تطوّرها تعتمد على الأدب الدينيّ المندائيّ، والدراسات الأوروبيّة التي تناولت هذا الموضوع، بالإضافة إلى المؤرّخين المسيحيّين، والجغرافيّين القدماء، ومصادر التراث العربيّ الإسلاميّ.

الهدف من هذه الدراسة يتعلّق بأمرين أساسيّين: الأوّل، تعرّف الديانة المندائيّة وطقوسها المدفنيّة، بحيث لها ارتباط وثيق بالعماد والماء، وبالتالي ارتباط المندائيّين بالأمكنة التي إلى جانب الأنهر، والمياه الجارية لأجل القيام بالطقوس اللازمة. الثاني، معرفة التحوّلات التي ألزمت المندائيّين العيش خارج نطاق حدودهم الطبيعيّة، وكيفيّة تأقلمهم مع الواقع الجديد.

1- الديانة المندائيّة، أركانها وأسس الإيمان

يختلف الدين المندائيّ عن بقيّة الديانات من حيث إنّه لا يُعرف له مؤسّس، ولم يكن لظهوره ارتباط بشخصيّة تاريخيّة، بالرغم من الزعم القائل إنّ النبيّ يحيى هو المؤسّس، وهو ما ينفيه المندائيّون أنفسهم.

أهمّ أسرار الديانة المندائيّة: البراخا (الصلاة)، صوما ربا (الصوم) لتنقية النفس من شوائبها، زدقا (الصدقة) وهي تقاسم النعمة والحياة مع الخلق، المصبتا (التعميد) وهو التجديد والولادة الجديدة في حياة الربّ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* طالبة دكتوراه، الجامعة اللبنانيّة، قسم الفنون والآثار.

أمّا أهمّ أسس الإيمان فهو التسليم بوجود خالق واحد أزليّ أبديّ هو الأعظم والأكمل[6]، الإيمان بوجود حياة أخرى يجري فيها محاسبة على أعماله، الإيمان بوجود مظاهر الشرّ، وبأنّ هناك معركة ما بين الخير والشرّ في هذه الحياة، الإيمان بالمعرفة التي تسمح بالاتّحاد بملكوت ربّ الوجود، الإيمان بأنّ آدم هو أوّل مخلوق بشريّ أتاه العلم والكتاب فأوجد الشريعة الأولى، والإيمان بأنبياء أربعة فقط هم رسل الله على هذه الأرض، وهم آدم، وشيتل، وسام، ويوحنا[7]. ومن مبادئهم القول في ثنائيّة الكون، وأنّ الكواكب والنجوم تؤثّر على البشر، كما وجوب الزواج، والإنجاب، والتحلّي بالأخلاق، والفضيلة. ولا يوجد رهبنة، أو حياة زهد في المندائيّة[8].

2- مصبتّه (التعميد)

المصبتّه (التعميد) هو الطقس الرئيس في شعائر المندائيّين، وهو، عمليًّا، التطهّر عن طريق الاغتسال في الماء الذي يُعدّ سائل الحياة[9]. فهو يمنح الجسم العافية، ويقي الإنسان من قوى الموت، ويعدّ بحياة الروح الأبديّة. فكما يطرد الماء القذارة، والتعفن، والنجاسة من الجسم، كذلك يطرد الخطيئة، والنجاسة من الروح. والماء الذي يعكس النور، يُعدّ شكلاً من أشكال النور. فالشخص المتعمّد حديثًا يُعدّ “مرتديًا حلّة النور”[10].

3- الأدوات الشعائريّة، الكهانة، والملابس الدينيّة

للأدوات الشعائريّة مكانة مميّزة في الديانات كافّة، فلا تتمّ الطقوس إلاّ بمرافقتها مع ما تحمله من رموز وأسماء خاصّة. وهي في المندائيّة شديدة البساطة، لا يوجد تكلّف في صناعتها، ومن السهل الحصول على موادّها.

  • أدوات العماد
  • كليله: بضعة أغصان طريّة من الريحان، أو الآس (آكيا) يُعمل منها أكاليل.
  • طريانه (خوان طينيّ): عبارة عن طبق دائريّ من الطين المخلوط بالتبن يوضع فوق حلقة طينيّة (كنكانه). يوجد في “الطريانه” تجويف شبه دائريّ تحدّده تسمّى (ميسره) توضع فيه الـ(قَوْقَ)، وهي عبارة عن مكعّب من الطين الناعم المفخور في أعلاه انخفاض دائريّ بسيط، فيه شيء من البخور (ريههْ)، وهذا عبارة عن مزيج من مسحوق خشب الراتنج (سندراش)، وخشب الصندل والجاو. و(البريهى) الذي يحتلّ سائر “الطريانه” عبارة عن وعاء بيضويّ للنار من طين، يحترق فيه الخشب، والقصب، والفحم كوقود. وحين توقد النار فهي أمّا أن تُستعمل لحرق البخور أو لخبز (البهثه) أي الخبز المقدّس.
  • كُنثه: صندوق طينيّ مستطيل الشكل، أعلاه يشبه الصينيّة، يكون غطاؤه مقعّرًا قليلًا وله (ميسره) كـ”الطريانه” تُستعمل من أجل حمل وعاء النار (البريهى) ووعاء البخور (القوقه). وهذا يكون في المناسبات التي يتعمّد فيها أناس كثيرون، أو في مناسبات “اللوفاني”[11].
  • البهثه: الخبز المقدّس الذي يصنعه الكاهن.
  • ممبوهه (ممبوغه): الماء المقدّس. هو ماء صرف، لا تُخلط فيه الخمرة، أو عصير الفاكهة إلاّ في احتفالات “المسخثه”[12] من أجل الميت.
  • الدرفشه: العلم، أو راية يحيى. لا يستعمل في جميع حالات التعميد. إنّ العلم هو مجرد رمز للنور، فالصابئون يتصوّرون أنّ نور الشمس، والقمر، والنجوم ينبعث من أعلام كهذه. يُحمل “الدرفشه” وراء جنازة الميت التي يسير وراءها الكهّان ومعهم الكتب الدينيّة[13].
  • الدرجات الكهنوتيّة: اشكنده (قندلفت). الحلالي (الشمّاس). الشوليه (المرشح للكهانة). ترميده (أولى درجات الكهانة). الأبيسق (لا ينتقل من مرتبته هذه). كنزفره (درجة كهنوتيّة عليا). ريش أمة (أعلى درجات الكهنوت). الربّانيّ (لم يصل إلى هذه المرتبة سوى النبيّ يحيى)[14].
  • الملابس الدينيّة: “الرسته” لباس الصابئة الدينيّ. وهو عبارة عن رداء أبيض، يرمز إلى كساء النور الذي ترتديه الروح الطاهرة.

4- المندي (بيت العبادة)

بما أنّ جميع طقوس المندائيّين تعتمد في الدرجة الأولى على الارتماس في الماء الجاري، لذا، فمن الضروريّ أن تُبنى بيوت العبادة على ضفاف الأنهر. ويُسمّى بيت العبادة بالنصوص الصابئيّة “مندا” أو “مشكنه”. وهو كوخ صغير من القصب المطليّ بالطين، يُبنى على أرض غير مبلّطة. يأخذ شكل جمالون. توضع فيه الكتب المقدّسة، ويُجرى فيه تعميد رجال الدين. لا توجد فيه نافذة ولا أي زينات داخليّة، أو فراش للأرض، بل فقط علاّقتين (شكاصه) لتعليق الملابس، وما شابهها. والنور يدخل من باب واحد بمواجهة الجنوب، فإذا دخل الصابئيّ إليه، فإنّه يستقبل الشمال حيث النجم القطبيّ، ولا يُسمح للنساء بالدخول إليه. ولا تجري أيّ شعائر دينيّة داخل المندي مما يجوز لأفراد العامّة الاشتراك فيها، وحتّى الصدقة المباركة (زدقه بريخه) أي الطعام المهمّ من أجل روح الميت، تجري خارج جدرانه في الساحة من حوله. أمّا في أوقات احتفالات الارتماس، فيُرفع العلم الحريريّ (الدرفشه) على ضفة البركة إلى الجنوب الشرقيّ من الجهة اليمنى من المندي[15].

5- التراث الدينيّ المندائيّ

تمّ نقل التراث الدينيّ المندائيّ شفويًّا. وقد خُطّ على لفائف أوّلًا، ثمّ على صفحات الكتب، ذلك لأنّ الصراعات الدينيّة والمذهبيّة كانت في أوجها. وقد لاحظ دارسو المندائيّة أنّه لم يتمّ نقل هذا التراث إلى الدواوين، والكتب خلال عهد واحد، فأضيفت إليه قصص دينيّة تاريخيّة تداخلت فيها الأسطورة التي تناقلها الناس في ما بينهم. لكنّ الأساس كان تعليم المؤمن الحكمة الدينيّة والاتعاظ بها، فتصبح بمثابة مرجِعه القانونيّ. كما كان هذا التراث يغطّي مواضيع أساسيّة مثل الاسكاتولوجيا eschatology (علم الأخرويّات)، لكنّهم حريصون على عدم اطلاع الغير لأنّه أمر محرّم عندهم، لهذا بقيت الديانة المندائيّة مقفلة نظرًا لتمنّعهم عن دخول أحد إليها أو التزاوج من خارجها.

يُقسم الأدب الدينيّ المندائيّ إلى ست مجاميع[16]، هي:

  • نصوص سرّيّة خاصّة بالكهنة وحدهم، وهي تُدوَّن في شكل لفائف، والواحدة منها تدعى “ديوان”.
  • كراريس تشرح كيفيّة أداء الطقوس الدينيّة، وبعضها مزوّد بالرسوم.
  • مجموعة الأناشيد، والتراتيل، والصلوات التي تُتلى في طقوس التعميد، وكذلك الصلوات على أرواح الموتى، وتُعرف باسم “نياني”.
  • نصوص تتحدّث عن الأساطير المندائيّة التي تدور حول خلق الكون والإنسان، والصراع بين قوى النور، والظلام، ويوم الحساب.
  • المجموعة الخامسة تختصّ بقضايا الفلك كما فهموها آنذاك.
  • طلاسم وأدعية ونصوص سحريّة، لطرد الأرواح الخبيثة، وأدعية لاستجلاب عطف القوى الروحانيّة وما شابه ذلك.
  • أبرز كتبهم المقدّسة: كنزا ربا أو سدره ربا، يعني الكتاب العظيم، أو كتاب آدم. ترجمه ماثيو نوربيرغ السويديّ عام 1813. هو أكبر المخطوطات الصابئيّة. لم يُكتب في عصر معيّن واحد، إنّما كُتب وجُمع في عصور عدّة.
  • دواوين ومخطوطات متنوّعة، منها: ديوان ترسر ألف شويله. ديوان أباثر. تفسير بغره. ديوان طقوس التطهّر (طراسه) والتكريس بأنواعه. ديوان حرّان كويثا. ديوان ملكوثه اليثا. ديوان آلما إلايا. ديوان نهرواثا. قماهى – زرستي (دواوين الرقى والتعاويذ، فقد اعتاد المندائيّون منذ القدم، في أوقات تفشّي الأوبئة، أن يدفنوا في عتبة الدار، أو مع المتوفى في قبره كتابات الرقى المنقوشة على القحوف، عليها تعاويذ لتصدّ أرواح الظلام والجنّ. كما تتضمّن اللعنات على الذين يجلبون الشرّ والبلوى، وتضرعًا لأرواح النور والحياة. استنسخت وأعيد استنساخها منذ قرون، لأنّ بعض الأسماء، والأرواح الطلسمية التي لا تزال تُذكر فيها قد اختفت من الدين الأصليّ، وهي غير موجودة في أيّ كتاب من كتبهم المقدّسة. وتعدّ هذه الأحراز الصغيرة واقيًا ضدّ الأمراض وسوء الطالع والعين الشريرة). آلمه ريشايا ربه. دموثه كشطه.

النسخ القديمة لهذا التراث الدينيّ الكبير نادرة الوجود، وسبب ذلك يعود إلى أنّ الصابئة كانوا يقومون بطمر الكتب أثناء حدوث الأزمات، وفي أوقات الخطر. ومن الأسباب أيضًا هو أنّ أكثر أفراد هذه الطائفة كانوا يعيشون في أكواخ من القصب توقد فيها النار شتاء، وتنشب فيها الحرائق بشكل عامّ. وبما أنّه في التقاليد المندائيّة ذبح الحيوانات تدمير للحياة، لهذا فالجلد غير طاهر، وبالتالي لم تُدوّن الكتب المقدّسة على الجلد مطلقًا، بل إنّها دُوّنت على ورق البردى، وعلى المعادن، والحجر.

تُغلّف الكتب المقدّسة تغليفًا تامًّا بالخام الأبيض، وتُربط بأشرطة من الخام أيضًا، وتُعدّ حروفها مقدّسة، لذا، فالحبر الذي خُطّت فيه كلماتها هو بالتالي مقدّس، ولا يصنعه سوى الكهنة أنفسهم[17]. والكتابة بحدّ ذاتها عمل طلسميّ يجلب الخير للذين يقومون به.

6- مفهوم الحياة الأخرى

يعبّر المندائيّون عن الحياة الآخرة بصفة “المعاد”، حيث بها تحيا النفس في عالم الأنوار (آلما دنهورا) وتتنعّم بما تنعّم به القدّيسون والروحانيّون هناك. أمّا هذه الأرض التي نسكنها، فتعود بعد أن تفنى وتندثر، هي وعوالم الظلمة التي تستمدّ نورها من الشمس[18].

لكنّ النفس التي ستُحاسَب على أعمالها لاحقًا، تعيش في سجن هو الجسد الإنسانيّ، فيرسل الله روح الأرواح (المخلّص)، ليساعدها في رحلتها في الحياة وبعدها، ثمّ يعيدها إلى عالم الأنوار[19]. كما أنّ الخير والشرّ موجودان من قبل الإنسان، ويحدثان بفعله. والله قد بيّن للإنسان طريق الخير وطريق الشرّ، وأعطاه الحرّيّة المطلقة في إتيان ما يشاء، وترك ما يشاء. وأنّ إرادته الحرّة، واختياره المطلق هو الذي يجعله مسؤولًا أمام الله[20].

سكان العالم الآخر هم الملائكة التي تُقسم، بشكل عامّ، إلى ثلاثة مجاميع هي:

  • ملائكة النور وهي الخير دائمًا (وتُسمّى أيضًا الأثيريّين)[21].
  • ملائكة الحساب التي تقطن ما بين عالم النور وعالم الظلام[22].
  • ملائكة المجموعة الأخيرة تضمّ ملائكة الشرّ والظلام، وتسمّى بالمندائيّة “ملكي إد هشوخا”[23]، وتقطن دائمًا في العالم السفليّ.

7- الموت والخلود

كان هاجس الحياة والموت يسيطر على عقول المندائيّين، فشغلهم الموت أكثر ممّا فعلته الحياة، وذلك لرغبة منهم في معرفة حقيقة مصيرهم في الحياة الأخرى. وما الصلوات، والطقوس التي تُقام لراحة نفوس الموتى، إلا تأكيد على اعتقادهم بخلود النفس في العالم الآخر.

وعن فكرة الموت لديهم، هو الذهاب بعيدًا إلى حيث لا نرى ولا نُرى. ويعتقدون بعالم مثاليّ يسمّونه “مشونيَ كُشطه” (Msunia Kusta)، معزول عن هذه الدنيا، غير أرضيّ، يوجد فيه النظير لكلّ شيء في العالم المادّيّ، ولدى الوفاة يفارق إنسان هذه الأرض جسمه الترابيّ، ويلتحق بجسمه الأثيريّ لشبيهه[24].

8- انتقال الروح والحساب

تعبّر المندائيّة عن الروح بثلاث كلمات: نفس (Nafs)، نشمثه (Nisimta)، ومانا (Mana) ذات الأصل الإيرانيّ. أمّا كلمة نفس فهي تعبّر عن ذات الشخص. والروح (الروهه) هي الروح الحيويّة مقرّ الرغبة والشهوة[25].

بحسب ديوان “ترسر ألف شويله” (16 – 215)، تركت النفس عوالم الأثير، وجاءت من عوالم النور، وسقطت في الجسد حاملة معها مظاهر من الخير ومظاهر من الشرّ. إذًا، هذه النفس هي نفحة من الذات العليا، وسوف تعود يومًا ما إليها لتحيا معها حياة خالدة، ولا يتمّ لها ذلك إلاّ بعد رحلة تجري فيها سلسلة من العمليّات التطهيريّة. فعندما يُتوفّى شخص ما، تنفصل “الفرافاشي” Fravashi (الروح المرشدة التي تقوم بمَهَمَّة الدليل) عن روح الإنسان “أرفان” (في الحياة)، ثمّ تقود هذه الأخيرة، وبعدها تذهب إلى موطنها، أو مكانها بين الأرواح المرشدة. وتبقى روح هذا الشخص لتُحاسَب على سيّئاتها أو حسناتها، حيث تلتقي بالعدل الذي يحكم عليها بحسب فضائلها أو نقائصها، فإذا استحقّت السماء تذهب إليها، وإن لا، تذهب إلى الجحيم.

رحلة الروح بعد انفصالها عن الجسد: حين تقترب منيّة الإنسان يأتي ملك الموت (صاروييل أي عزرائيل)، إلاّ أنّ (قمامير زيوا)[26] يهبط ليساعد الروح، وليدافع عنها ضدّ الأخطار. في اليوم الثالث تغادر الروح الجسد نهائيًّا، وتكون حالتها كمن يغطّ في نوم عميق، ولا تعود إلى الوعي إلا تدريجيًّا، فهي ثقيلة لا تُرى، وفجأة تتحرّر ذاتها من هذا الثقل، وتبصر “صاروييل” و”قمامير زيوا” بانتظارها. وعند مفارقتها الجسد تكون على شكل شخص يرتدي ملابس، إلاّ أنّها من خواء وليست حقيقة، فإذا كان المتوفّى من فاعلي الشرّ تكون ملابسه سوداء اللون[27].

أمّا الكهنة فيصفون رحلة الروح على الشكل التالي: عندما تنعتق الروح من الجسد تندفع كالرصاصة نحو عالم (أبثاهيل) محلّقة فوق الجبل الأبيض العظيم المسمّى (سور) الذي يقع المطهّر (مطراثه) وراءه. تُستقبل الروح على بوابة المطهر بوجبة خفيفة تتناسب والطعام الطقسيّ الذي أكل باسمها على الأرض، فتعرف أنّ ذويها قد ذكروها، ولهذا يكون “اللوفاني” على نطاق واسع في اليوم الثالث. تستغرق الرحلة خلال المطهر خمسة وأربعين يومًا، وفي حالة الروح الطاهرة أربعين يومًا. تصل في الأخير إلى موازين أباثر Abathur (أباثر موزانيا، هو المكان حيث توزن الأرواح وتُحفظ فيه إلى أن تغادره)، وتوضع حسنات الروح وسيّئاتها في كفتي ميزان، فإذا رُجّحت كفّة السيّئات، أو تساوت الكفّتان بقيت الروح في المطهر لنيل طهارة وعقوبة تتناسبان وخطيئتها[28].

9- طقوس الموت

بما أنّ الجسد هو وعاء النفس، بحسب اعتقاد الصابئة، وأنّ نفس الإنسان نسمة من الذات العليا، وأنّها لا بدّ سترجع إليها بعد الموت، لذا، فهم يحرصون على تطهير الجسد والنفس كليهما قبل الموت، إذ بعد ذلك، لا يعود للتطهير من وجوب، لأنّه إذا خرجت الروح من الجسد قبل عمليّة التطهير، يصبح نجسًا لا يُمسّ. من أجل هذا يقومون بالمحافظة على نظافة جسم المريض وملابسه، وهو في ساعات احتضاره الأخيرة، من جهة، ومن جهة أخرى يُحضرون له أحد رجال الدين قبيل وفاته للصلاة عليه. أمّا بعد الموت فيدفنونه كما يجب، ويقيمون الصلوات على روحه، ويشتركون بطعام الغفران (اللوفاني) باسمه، ويقدّمون الصدقة. وكانت الصلوات تقام أيضًا في أيّام الأعياد (مثل عيد رأس السنة “دهفه ربه”[29]) والمناسبات الدينيّة طلبًا للرحمة والراحة لنفوس الموتى. وإذا تُوفي أحدهم في أيّام عيد البنجة[30] المباركة يفرح أهله، لأنّ روحه سترتفع بسرعة إلى عالم الأنوار، وستنجو من مخاطر وعذاب المطهر.

أ- إجراءات ما قبيل الموت

يعتني المندائيّون بالشخص المُحتضر قبل وفاته لتخرج روحه طاهرة التي لا بدّ لها من أن تخرج من بدن طاهر. فعندما يشعرون بدنو أجل المريض، أو الشخص المسنّ، يأتي الحلالية، وهم رجال طاهرين طقسيًّا متخصّصين بعمليّة الدفن (عددهم أربعة)، فيُحضرون الماء من النهر، ويخلعون ملابس المُحتضر، ويُغسلونه ثلاث مرات من رأسه إلى أخمص قدميه، ويضعونه فوق فراش نظيف، موجّهين رأسه نحو النجم القطبيّ[31]، ويُلبسونه ملابس دينيّة جديدة (شبيهة بالرسته[32]) مع عدم عقد الزنار، ويضعون الكليله على رأسه، فإذا زهقت الروح يُخاط الكفن عليها.

أمّا من مات قتلًا، أو بسكتة قلبيّة، أو بتصلّب في الشرايين، فإنّه لا يُغسّل، لأنّ الغسل هو فقط لمن به روح، لأنّه باعتقادهم الروح طاهرة، فإن فارقت الروح الجسم، أصبح الجسد كالطين المجبول، لا يطهّره الماء، ولا يؤثّر فيه التعميد. في مثل هذه الحالة يقوم الـ”كنزفره” بواجب التعميد والتكفير، لأنّ الموت الفجائيّ يجعل الميت في عِداد من مات من دون رسوم الجناز. اليوم، أخذوا يتسامحون بهذا الأمر، فصاروا يغسلون الميت، إلى حين حلول عيد “البنجة” حيث يقيمون له ترحيم دينيّ خاصّ يسمّونه “مسخثه” للتكفير عنه[33].

ب- إجراءات ما بعد الموت

عندما يموت المُحتضر، يقوم الحلالية بالعديد من الإجراءات، فيسبلون يدي المُتوفى، ويطبقون جفنيه؛ يضعون (الكليله) في مكانها تحت العمامة، وأوراقها الخضر تتدلّى فوق الصدغ الأيسر، ويثبّتونها بخياطتها في العمامة لئلا تتزحزح من مكانها؛ يُرتّبون “الرسته” مع وضع أقسامها كلّ في مكانه، ويُخيطون عليها قطعتا ذهب أو فضّة؛ يعقدون الزنار عقدة أخيرة، ويدسّون طرفاه إلى الجانبين، ويغطّون القدمان بطرفي البطرشيل (النصيفه).

لكن، إن حصل وعاش المريض ثانية، لا يمكن استعمال “الرسته” إلاّ للأغراض الاعتياديّة، ولا يمكن استعمالها لمُحتضر آخر. عند ذلك، يتجمّع “الحلاليه” الرئيس، وزملاؤه الثلاثة، وأحد الكهّان في ساحة الدار؛ يقومون بإجراء الوضوء (الرشامة)، ويرتدون ملابسهم الدينيّة؛ يقوم رئيس الحلالية بتطهير جميع أدوات الشعائر، محضرًا معه الكتب المقدّسة ملفوفة بقماش أبيض، ثمّ يدسّ في حزام الميت سكينًا من الحديد لا قبضة لها “سكين دوله”، تتدلّى من سلسلة متّصلة في حلقة، يضعها في خنصر اليد اليمنى للميت. ثمّ يتلو الكاهن صلاة “الرهمى” (الرحمة).

بعد هذه الإجراءات، يُراقب الميت باستمرار، ويوضع بجانبه إناء فيه ماء يُجدّد باستمرار وقطعة من الحجر ومصباح، فالظلام يجب أن لا يُخيّم على الغرفة. وهذه الثلاثة (النار أو النور، والحجر، والماء) تبقى حيث وُضعت إلى اليوم الثالث بعد الوفاة، أي إلى حين مغادرة الروح[34].

ج- طريقة الدفن

يقوم بمراسم وعمليّة الدفن “الحلاليه” وجمع من العامّة “سواديه”، وكاهن واحد، أو رئيس الحلالية إذا لم يتوفّر وجود كاهن. ولا يدفنون موتاهم إلاّ بعد الوفاة بثلاث ساعات، وذلك للتحقّق من أنّ الوفاة تمّت فعليًّا، إذ قد يحدث أن تعود الحياة إلى الميت خلال هذا الوقت. وإذا قربت هذه الفترة من الغروب، يؤجّل الدفن إلى صباح اليوم التالي.

ما قبيل الدفن: يقوم المندائيّون بصنع لوازم الدفن بأيديهم، وهذا يكون من قِبل الحلالية الموكلين بجميع المراسم الخاصّة بالدفن. وهم يستعملون من أجل ذلك موادّ بسيطة متوفّرة في أرضهم. فتُهيّأ أوّلًا أعواد من القصب، والبردى، وسعف النخل، وحبال من سعف النخل، تُغسل طقسيًّا، وتُحضّر للاستعمال؛ يقوم “حلإلى” ببناء “المندلثه”، وهي بنية ثلاثية تُقام في ساحة دار المُتوفّى[35]، عبارة عن تشكيلة من القصب مشدودة إلى بعضها شدًّا دينيًّا خاصًّا، توضع في حفرة أو صندوق من الخشب مملوء بالتراب، ومختومة بالـ”سكين دوله”، وهي لا تُفض إلاّ في ختام اليوم الثالث للوفاة[36]؛ يشدّ “الحلاليه” لثمهم (بندامه) حول أفواههم وأنوفهم، ويضعون أيّ نوع من الزهر ذي رائحة بين “البندامه” وأنوفهم، لئلاّ تصل إليهم رائحة الموت[37]؛ يُلفّ الميت في “بانيه”، وهي حصير من القصب يُصنع على قدر حجم المُتوفى، مكوّن من البردى، وحبال من سعف النخل، ثم تُفتل حبال من خوص النخيل، وتُلفّ بها البانيه؛ يوضع جريد النخيل بين الحبال (بشكل يشبه الكرسيّ) بحيث يستطيع بعدها الحلالية الأربعة حمل الجنازة إلى القبر وهم ماسكون تلك الجرائد من سعف النخيل[38]؛ يقف الجميع متوجّهين نحو مقرّ النجم القطبيّ (بيت أباثر)، ثمّ يتلو الكاهن الصلاة على روح الميت[39]؛ يُحضر “الحلاليه” بعد ذلك (الكرسي) إلى جانب الجثمان. يضعون الجثمان فوق “البانيه” ومن ثَمَّ ينقلونه إلى “الكرسيّ”، وتثبّت الجثّة بالحبال التي تُركت مرخاة في “البانيه”[40]. وهم لا زالوا يستعملون هذه الطريقة حتّى الآن.

الدفن: يحمل “الحلاليه” الأربعة النعش (على شكل كرسيّ) على أكتافهم، ويكون الرئيس من الجهة اليمنى عند رأس الجثمان؛ وأثناء تحرّك الجثمان، وخلال المرور من الساحة تُبذل محاولات للحيلولة دون تعريض الجثمان لتبديل اتّجاهه وهو الشمال دائمًا، بحيث إذا ما انتصب الميت فسيواجه النجم القطبيّ. ثمّ يتحرّك الموكب مجتازًا الساحة، وعلى حاملي النعش تخطّي “المندلثه” القصبيّة التي ترمز إلى حدّ الإنسان من هذه الدنيا. وحالما يفعلون ذلك يتوقّفون، ويعود الرئيس فينحني على “المندلثه” ويملط أعمدتها الثلاثة بالطين، ثمّ يختمها بـ”السكندولة” (السكين دوله[41]) وهو يتلو الصلوات، ثمّ يستأنف دوره في حمل النعش[42]. ويتّجه الموكب نحو المقبرة يتبعه الرجال فقط دون السماح للنساء بالسير وراء الجنازة، والسبب في ذلك هو الخوف من عدم طهارة إحداهن لأنّ ذلك سيلحق الضرر بروح الميْت، ويجعل المراسم عبثًا لا طائل منه. عندما بعُدت مواقع الدفن، وصعُب حمل الجنازة على الأكتاف إلى مسافات طويلة، استعملوا وسائط النقل كالدواب والسيارات، على أن يحتفظوا بالمراسم نفس من دون تغيير فيها.

موقع المقبرة هو دائمًا باتّجاه الشمال نحو قبلتهم، وهي عادة في فضاء مفتوح خارج المدينة أو القرية، ومن الصعب تمييزها عن الأرض من حولها لأنّ الصابئيّ لا يقيم أيّ شكل من أشكال القبور فوق الميْت[43]، بل فقط يصنعون شكل مستطيل، بعمق يتراوح من ثلاثة إلى خمسة أمتار، حسب صلابة الأرض. ولدى الوصول إلى المقبرة يحفر “الحلالى” الرئيس بالمعول ثلاث مرات في التربة، وهو يتلو الأدعية، كما يُعمل عند موضع الرأس حفرة صغيرة ضيقة تُسمّى (لغم) فيُدخل فيها رأس الميّت إلى صدره، بحيث يكون مستلقيًا على ظهره، ووجهه ورجلاه متّجهة نحو الشمال. ثمّ تُصفّ الأحجار على كفن الميْت من صدره إلى أخمص قدميه، كما توضع واحدة على فمه[44]. ليأخذ بعدها “الحلالى” الرئيس، وهو متّجه إلى الشمال، معوّلًا ويذر بعض التراب على الجثة ثلاث مرات، مع تلاوة الصلوات في كلّ المراحل[45].

يملأ الآخرون الحفرة بالتراب ليصبح القبر على شكل رابية صغيرة، ثمّ ينحني الرئيس ويبلّ القبر من جوانبه الأربعة، ويختم الطين المتكوّن بختم “السكين دوله”، مبتدئًا من جهة رأس الميْت، ثمّ يعود بعد ثلاثة أيّام ليزيل هذه الأختام لانتفاء الحاجة إليها. تفسير ذلك هو أنّهم يختمون الطين بـ”السكين دوله” كونه من وسائل الحماية ضدّ الكائنات الظلاميّة الشريرة مع ما تحمله من رموز عالم الظلام نفسه، وبعد ثلاثة أيّام من الدفن تكون النفس قد بدأت بالارتقاء إلى عالم الأنوار، فيُزال الطين لأنّه لم يعُد له موجب.

يذهب بعدها “الحلاليه” إلى النهر ليعمّدوا الأدوات التي استعملت في الحفر، والدفن في الماء الجاري. ويبدأ الجميع بتناول اللوفاني، ويدعى “لوفاني سام رايى” على اسم سام بن نوح[46].

ملحوظة: في العهد العباسيّ أصبحت منطقة عقرقوف[47] مقبرة المندائيّين لآل زهرون، وآل قرّه، ومن كانوا في بغداد. أمّا حاليًّا، فقد خصّصت لهم الدولة قطعة أرض على ساحل أحد فروع نهر أبي غريب، وأصبحت مقبرتهم الخاصّة، مجهّزة بالماء والكهرباء، تتخلّلها الأشجار، ومحاطة بسياج من الأسلاك مثبتة بواسطة أعمدة. وفي إيران لديهم مقابر خاصّة في مدينة الأهواز (سخيرية – بهشت آباد – طريق برومى)[48].

10- واجبات ذوي المُتوفى ومظاهر الحداد

تُقام للميْت أثناء الدفن، وجبة طقسيّة (اللوفاني) وهي تعني “العشاء الربانيّ” أي المشاركة المقدّسة. ولا تقتصر واجبات ذوي المُتوفى على الدفن فقط، بل إنّها تتعدّاه إلى ما بعد الدفن من تقديم الصدقة (زدقه بريخه)، وإقامة القدّاس الطقسيّ (مسخثه)، والصلوات على روحه في الأعياد الكبرى، وغيرها من الواجبات.

“لا تبكوا أمواتكم ولا تنوحوا عليهم، بل اطلبوا لهم الرحمة واقرأوا من أجلهم الصلوات”[49]. تبعًا لهذا النصّ الدينيّ، البكاء محرّم في طقوس الموت لدى المندائيّة، ويجب على النساء الصابئيّات أن لا ينثرن التراب على رؤوسهن، وألاّ يمزّقن ثيابهن، أو يقصصن شعورهن، وألاّ يلطمن على صدورهن، أو يشاركن في مراسم الدفن. وبحسب المندائيّين، فالدموع تكوّن نهرًا يصعب على روح المُتوفّى أن تعبره، والشعر المقصوص يشكّل حوائل وقيودًا حول قدميه[50].

على الرغم من ذلك كلّه، فإنّ العوام من الصابئة – المتأثّرين بالغير ممّن يحيطون بهم – أصبحوا يندبون موتاهم، وقد يخطئون فيبكونهم أيضًا، إلاّ إذا كان المُتوفّى من المؤمنين فإنّهم لا يتسامحون في أمر الدين قيد أنملة[51].

خاتمة

يتبيّن ممّا تقدّم أنّ المندائيّة هي خليط من عقائد تتجذّر من الفكر السومريّ والبابليّ (مثل الاهتمام بإقامة الطقوس المدفنيّة الواجبة على الأحياء تجاه الأموات، من صلوات وتقديم وجبات الطعام الطقسيّة؛ استعمال الطلاسم؛ اهتمامهم بالأمور الفلكيّة وغيرها)، وطقوس تعتمد على الغطس بالماء والتعميد كالتي كانت تُمارس لدى طوائف البحر الميّت.

من الثوابت الفكريّة الخاصّة بالمندائيّة تعظيمهم للأنوار التي يرون أنّها فيض من نور الحيّ الأزليّ، لهذا يرتدون الملابس البيضاء، ويرفعون رايتهم “الدرفشه” التي تعكس نور الشمس، والقمر، والنجوم، والماء مقدّسة لأنّها ماء الفرات النورانيّ (السماويّ)، كما أنّهم يطلقون على الجنة تسمية “عالم النور”، وفيها تعيش “الملائكة النورانيّة”. والطهارة هي الركن الأساسيّ في المندائيّة، وهم يعتمدون على المياه في طقوسهم الدينيّة والمدفنيّة كافّة، ومن أجل هذا كانوا يقيمون دائمًا إلى جانب المياه الجارية. لكنّهم حاليًّا استطاعوا التأقلم مع البيئات المتعدّدة التي اضطروا إلى الانتقال للعيش فيها، بعدما تهجّروا من مناطقهم الأمّ بسبب الحروب. مثال العيش في مناطق باردة مثلّجة، يستحيل فيها تنفيذ نفس طرق الاغتسال في المياه لأنها مثلجة؛ أو العيش في منطقة شبه صحراوية حيث إنّعدام المياه الجارية؛ أو في المدن الكبرى التي تتباعد فيها نقاط السكن عن المياه. فبنوا معبدهم “المندي” بطريقة هندسيّة جديدة وحديثة، تسمح بإجراء الطقوس كافّة في داخله. بالإضافة إلى أنّهم بدأوا يبنون القبور والأضرحة، تيمّنًا بالديانات الأخرى، بعدما كانوا لا يقيمون أيّ شكل من أشكال القبور.

العماد المندائيّ باللباس الدينيّ الأبيض (الرسته)

المدنيّ، محمّد نمر (2009). “الصابئة المندائيّون، العقيدة والتاريخ، منذ ظهور آدم حتّى اليوم”. ط1، دار ومؤسّسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا، دمشق. ص.ص. 139، 163، 168. أيضًا : الزهيريّ، عصام خلف غضبان (2007). “الدين الأوّل، مدخل إلى الدين المندائيّ”. الجزء الأوّل، لا دار، لا مكان. ص. 43.

إحدى أدوات العماد “طريانه” مع مستلزماتها (كبثتين وقنينا)

الزهيريّ، عصام خلف غضبان (2007). “الدين الأوّل، مدخل إلى الدين المندائيّ”. ج1، لا د، لا م. ص. 57.

 

أول مندي تمّ افتتاحه في بغداد عام 2014

شوقي، أفراح (21 شباط 2014). “سكان العراق الأصليّون تعمّدهم مياه الأنهار”. جريدة الشرق الأوسط، العدد 12869.

السكندوله (السكين دولة) وما عليها من رموز

العيدانيّ، حسام هشام (كانون الأوّل 2012). “دليل استخدام الخطّ المندائيّ الاعتياديّ”. دليل استخدام إلكترونيّ. النسخة 1.0. ص 42.

 

المراجع

  • الحسنيّ، السيّد عبدالرزاق (1931). “الصابئة قديمًا وحديثًا”. ط1، مكتبة الخانجيّ، مصر.
  • حمادة، محمّد عمر (1992). “تاريخ الصابئة المندائيّين”. ط1، دار قتيبة، بيروت.
  • الخيون، رشيد (2007). “الأديان والمذاهب بالعراق”. ط2، منشورات الجمل، بغداد.
  • الزهيريّ، عبدالفتاح (1983). “الموجز في تاريخ الصابئة المندائيّين، العرب البائدة”. مطبعة أركان، بغداد.
  • الزهيريّ، عصام خلف غضبان (2007). “الدين الأوّل، مدخل إلى الدين المندائيّ”. الجزء الأوّل، لا دار، لا مكان.
  • سباهيّ، عزيز (1996). “أصول الصابئة (المندائيّين) ومعتقداتهم الدينيّة”. ط1، دار المدى للثقافة والنشر، سوريا، دمشق.
  • سبهانيّ، رؤوف (لا ت). “الصابئة المندائيّة في إيران”. دار المحجّة البيضاء، لا مكان.
  • سيوفيّ، نيقولا (2010). “الصابئة عقائدهم وتقاليدهم”. ترجمة: عارف أبو يوسف. دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق – سوريا. ط1.
  • شوقي، أفراح (21 شباط 2014). “سكان العراق الأصليّون تعمّدهم مياه الأنهار”. جريدة الشرق الأوسط، العدد 12869.
  • العيدانيّ، حسام هشام (كانون الأوّل 2012). “دليل استخدام الخطّ المندائيّ الاعتياديّ”. دليل استخدام إلكترونيّ. النسخة 1.0.
  • لفتة، خلف عبد ربّه، عوده، خالد كامل (2004). “القاموس المندائيّ”. جامعة فيرجينيا.
  • الليدي دراوور (2006). “الصابئة المندائيّون”. ترجمة: نعيم بدويّ وغضبان الروميّ. ط2، دار المدى للثقافة والنشر، سورية، دمشق.
  • المدنيّ، محمّد نمر (2009). “الصابئة المندائيّون، العقيدة والتاريخ، منذ ظهور آدم حتّى اليوم”. ط1، دار ومؤسّسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا، دمشق.
  • مرانيّ، ناجية (1981). “مفاهيم صابئيّة مندائيّة، تاريخ، دين، لغة”. ط2، مطبعة شركة التايمس، بغداد.
  • الناشي، غضبان الروميّ (1972). “تعاليم دينيّة لأبناء الصابئة”. مطبعة دار الجاحظ، بغداد.
  • النصّار غسان صباح و نشمي، علاء كاظم (1997). “العهد المندائيّ الجديد، رحلة في بعض مفاهيم الدين الصابئيّ”. لا ط، بغداد.
  • ALDIHISI Salah (2013). «The Story of Creation in the Mandean Holy Book of the Ginz Rba». University College London.
  • BUCKLEY J. Jacobsen (2002). «The Mandeans. Ancient texts and Modern People». Oxford University Press, N.Y.
  • YAMAUCHI Edwin Masao (1966). «The Present Status of Mandaean Studies». Journal of Near Eastern Studies (JNES), VOL. 25, No 2, (pp. 88-96).

 

[1]– نقود الكرخة: (فضّيّة وبرونزيّة) عُثر على بعض منها في أطلال “ديورا بوريس” قرب الرقّة في أعالي الفرات. كذلك في حفريّات أطلال تلّو في جنوب العراق. يعود أقدمها إلى منتصف القرن الثاني ق. م.

سباهيّ، عزيز (1996). “أصول الصابئة (المندائيّين) ومعتقداتهم الدينيّة”. ط1، دار المدى للثقافة والنشر، سوريا، دمشق. ص. 182.

[2]YAMAUCHI Edwin Masao (1966). «The Present Status of Mandaean Studies». Journal of Near Eastern Studies (JNES), VOL. 25, No 2, (pp. 88-96). p. 92.

[3]– عُثر على التعاويذ في منطقة الأهوار الشرقيّة (في ميسان)، يعود أقدمها إلى النصف الأوّل من القرن الثالث. والأواني الفخاريّة ذات الكتابات المندائيّة، عُثر عليها في عدد من المواقع، مثل : بسمايه جنوب نفر، خويبر على نهر الفرات شمال المسيّب، كيش، وفي إيران مقابل شيخ سعد، وفي همدان. تواريخ تدوينها يعود ما بين 600 و700 م. سباهيّ، عزيز (1996)، م. س، ص. 182، 184 – 185.

[4]– استوطنت القبائل الآراميّة على امتداد نهر الفرات، وفي كلّ منطقة الشرق الأدنى، وذلك ابتداء من الألف الأوّل ق. م.

المدنيّ، محمّد نمر (2009). “الصابئة المندائيّون، العقيدة والتاريخ، منذ ظهور آدم حتّى اليوم”. ط1، دار ومؤسّسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا، دمشق. ص. 339.

[5]المدنيّ، محمّد نمر (2009)، م. س، ص 339.

[6]– إحدى أقدس صفات المعبود في المندائيّة “هيي” (أي الحيّ). من تسمياته: “ملكه دنهورا” (ملك النور)، “مارادربوثا” (رب العظمة)، “مانه ربه” (الروح العظمى). يصفونه بالسلب لا بالإيجاب، كقولهم: لا يُحدّ، لا يُرى، لا يظلم، لا يجور. ويطلقون عليه الأسماء الحسنى مجازًا مثل: الحيّ الأزليّ، ملك عالم الأنوار، السامي، ربّ الحقّ، لا شبيه له، الغفور التوّاب، الرحمن الرحيم، العارف بكلّ شيء، الحكيم العليم، لا شريك له بسلطانه… راجع: الليدي دراوور (2006). “الصابئة المندائيّون”. ترجمة: نعيم بدويّ، وغضبان الروميّ. ط2، دار المدى للثقافة والنشر، سوريا، دمشق، ص. 101. أيضًا: الخيون، رشيد (2007). “الأديان والمذاهب بالعراق”. ط2، منشورات الجمل، بغداد. ص. 37. أيضًا: الناشي، غضبان الروميّ (1972). “تعاليم دينيّة لأبناء الصابئة”. مطبعة دار الجاحظ، بغداد. ص. 9.

[7]النصّار غسان صباح و نشمي، علاء كاظم (1997). “العهد المندائيّ الجديد، رحلة في بعض مفاهيم الدين الصابئيّ”. لا ط، بغداد، ص. 11.

[8]المدني، محمد نمر (2009)، م. س، ص. 45.

[9]– يُعدّ الماء مقدّسًا لدى المندائيّين، كونه صفة من صفات الخالق. فالماء الجاري هو انبثاق من المياه الجارية في السماء المقدّسة أثناء عمليّة تكوين العالم الأرضيّ. وهو عنصر أساس في أيّ شيء حيّ، لذلك سُمّي ماء الحياة. إذًا، الحياة الأرضيّة انبثقت من الحياة الأولى في السماء عن طريق الماء، وبعض العناصر الأخرى. انظر: النصّار غسّان صباح، ونشمي، علاء كاظم (1997)، م.س، ص. 43.

[10]– موضوع التعميد، راجع: BUCKLEY J. Jacobsen (2002). «The Mandeans. Ancient texts and Modern People». Oxford University Press, N.Y. pp. 80-81. أيضًا: ALDIHISI Salah (2013). «The Story of Creation in the Mandean Holy Book of the Ginz Rba». University College London. P. 31ff.

[11]– اللوفانيّ: كلمة “لوفا” تعني اتّحاد. هو “العشاء الربانيّ” أي المشاركة المقدّسة. هذه الوجبة الطقسيّة تعني أنّ أرواح المُتوفّين، وأرواح الأحياء متّحدة في قدّاس الطعام الطقسيّ. لفتة، خلف عبد ربّه، عوده، خالد كامل (2004). ” القاموس المندائيّ”. جامعة فيرجينيا.

[12]– مسخثه (مسقثا): تعني الصعود. قداس المسخثه هو طقس يُقام من أجل اتّحاد روح المُتوفّى ونفسه حتى يصبحا من طبيعة، أو كينونة (كينانا) واحدة، ليحلاّ في نظير الإنسان (دموثا) في عوالم النور. المدنيّ، محمّد نمر (2009)، م. س، ص. 352.

[13]الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 130 – 135.

[14]حمادة، محمّد عمر (1992). “تاريخ الصابئة المندائيّين”. ط1، دار قتيبة، بيروت. ص. 92.

[15]– انظر: الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. ص. 147 – 148، 150 – 152. أيضًا: حمادة، محمّد عمر (1992)، م . س، ص. 92 – 94.

[16]– حول الكتب الدينيّة المندائيّة، انظر: سباهيّ، عزيز (1996)، م. س، ص. ص. 13 – 16. الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 53 – 59. أيضًا: المدنيّ، محمّد نمر (2009)، م. س، ص. ص. 19، 23. أيضًا: الحسنيّ، السيّد عبد الرزاق (1931). “الصابئة قديمًا وحديثًا”. ط1، مكتبة الخانجيّ، مصر. ص. 60 – 61.

[17]– لكلّ كاهن تركيبه الخاصّ لعمل هذا الحبر المقدّس (ديوثا)، وينبغي أن يكون أسود لمّاعًا، ويُحفظ على شكل بلورات تُذاب في الماء حين يُراد استعمالها. الخيون، رشيد (2007)، ص. 43.

[18]الحسنيّ، السيّد عبد الرزاق (1931)، م. س، ص. 38.

[19]– المندائيّة هي لون من الغنوصيّة التي من أركانها القول بأنّ الإنسان يتألّف من ثلاثة مكوّنات يتمّم بعضها بعضًا: النفس، وهي شرارة مقدّسة هبطت من العالم العلويّ واستقرّت في جسد الإنسان الذي هو الركن الثاني المادّيّ من الإنسان، والركن الثالث هي الروح، وهي مجموعة الرغبات. الجزآن الأخيران (الجسد والروح) هما من العالم الدنيويّ. والجوهر المقدّس (النفس) سجينة هذين الجزئين الأخيرين، وستظلّ سجينة الجسد الإنسانيّ، ما لم يبادر الله إلى إرسال من يعين هذه النفس على الخلاص من عبوديّتها والصعود إلى السماء. من هنا نشأت فكرة المخلّص في المندائيّة. سباهيّ، عزيز (1996)، م. س، ص. 141 – 142، 146، 150، 128 – 129.

[20]الحسنيّ، السيّد عبد الرزاق (1931)، م. س، ص. 33.

[21]– الأثيري، مفردها اثرا uthra، تطلق على الأرواح النورانيّة المضيئة، وتدلّ على الأرواح الخيّرة التي تهب الحياة، وتديمها بالخصب، والغنى على شكل مطر وينابيع. الزهيري، عبدالفتاح (1983). “الموجز في تاريخ الصابئة المندائيّين، العرب البائدة”. مطبعة أركان، بغداد. م. س، ص. 159.

[22]– مثل هيبل زيوا، أباثر، وأبثاهيل. هيبل زيوا (واهب النور)، هو أكثر الأسماء النورانيّة استعمالًا. أباثر: بحسب الصابئة، هناك أباثرين اثنين: أحدهما “أباثر موزانيا” الذي يتحكم بالموازين التي توزن بها الأرواح، والثاني هو “أباثر راما” وهو لقب “هيبل زيوا”. ابثاهيل: يتسلم أرواح الموتى التي تصل حديثًا ويطلقها في رحلة خلال المطهر منتهييًا عند “أباثر موزانيا”. فإذا رجحت كفّة الروح في تلك الموازين، فإنّها تجتاز الامتحان وتعبّر في زورق إلى عوالم النور حيث تلتقي بالأرواح الطاهرة الأخرى وبنظيرتها الروح المثلى (دموثه). انظر: الليدي دراوور (2006)، م. س، الهوامش (3) و(4) ص. 121.

[23]– ملكي أو ملاخي: كائنات شبه إلهيّة موكلة بحمل إرادة الحياة العظمى وتنفيذها، وهم أمّا كائنات شريرة، وأمّا كائنات خيّرة. مثلًا: “ملكا اد نهورا” (ملك النور malka d nhura)، و”ملكا اد هشوخا” (ملك الظلام malka d hsuka)، وهذه كلّها ألقاب وصفات سلوكيّة أكثر ممّا هي أسماء كائنات. وفي هذا الصدد يجدر التمييز بين كلمتي (ملكِه) الذي هو روح خيّرة، بينما (ملكيا malkia) الذي هو روح ضارّة، ومجموع الأرواح الشريرة تسمّى (المولوخون Molokhun). راجع: الليدي دراوور (2008). “آدم كسيه، آدم الخفيّ”. ترجمة: نعيم بدويّ. مراجعة: عبد الإله سباهيّ، ورياض ناشي فرحان، الدنمارك. ص. 55. أيضًا: الزهيريّ، عصام خلف غضبان (2007). “الدين الأوّل، مدخل إلى الدين المندائيّ”. الجزء الأوّل، لا دار، لا مكان. الهامش (36) من ص. 17. الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 58. أيضًا: سيوفيّ، نيقولا (2010). “الصابئة عقائدهم وتقاليدهم”. ترجمة: عارف أبو يوسف. دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق – سوريا. ط1، ص. 61.

[24]– تصل الروح إلى “مشوني كشطه” بعد التطهير، لكنّها ليست المحطّة الأخيرة، إذ يبقى عليها أن تعبر في الأخير إلى عالم الأنوار. الليدي دراوور (2008)، م. س، ص. 41.

[25]الليدي دراوور (2008)، ص. 48.

[26]– صاروييل: روح ظلاميّة. قمامير زيوا: روح نورانيّة. حمادة، محمّد عمر (1992)، م. س، هامش (10) ص. 123.

[27]حمادة، محمّد عمر (1992)، ص. 122 – 123.

[28]– الروح المشاغبة تذهب إلى مطهر “نيرغ” (كوكب مارس)، والمختالة الفخورة تذهب إلى مطهر “بيل” (كوكب جوبيتير)، وهنالك مطهّرات خاصّة للكهّان. يوجد في المطهر الكواكب السبعة، بالإضافة إلى عوالم أبناء “أبثاهيل” السبعة، وآخرون ممّن يحتفظون بمحلاّت للتطهير.

الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 211.

[29]– يُسمّى يوم رأس السنة (يوم الحاجات)، ولا تجري فيه أيّ طقوس دينيّة. وإن صادف ومات أحدهم في هذا اليوم، يؤجّل دفنه ويُغسل بالماء المختزن في البيت، ويُلبس الملابس الدينيّة (الرسته)، ويُغطى بالخام الأبيض، ويُترك على حاله إلى فجر اليوم الثاني من السنة الجديدة، حيث يمكن دفنه حسب المراسم المعتادة. وتعدّ الوفاة في مثل هذه الظروف كارثة بالنسبة إلى روح الميْت، لذلك تقام من أجله في أيّام البنجه (زدقا بريخه) و(مسخثه – غفران) تكفيرًا وطلبًا للرحمة والغفران. ولهذه التحفّظات ضدّ النجاسة أسباب، فيوم رأس السنة هو ذكرى إتمام خلق العالم، يغلق أباثر بابه وتُرفع الحراسة عن الماء الجاري، وتغادر الأرواح النورانيّة الأرض ويرتفعون إلى عالم النور اللانهائيّ لزيارة ربّ العظمة (مانه ربه كبيره)، وتقديم الشكر له، ويمكثون هناك طيلة يوم رأس السنة، ثمّ يعودون في نهاية الليلة التالية. لهذا يظلّ العالم دون حماية، وتظلّ قوى الشرّ والموت طليقة، وتصبح المياه ذات خطر يجب عدم الاقتراب منها. لهذا يعنى الصابئيّ بالمحافظة على نفسه من النجاسة خلال ذلك الوقت.

راجع: الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 112 – 113.

[30]– البنجة: عيد الخمسة أيّام. يسمّى عيد الخليقة، أو البريّة (برونايا)، ويسمّى على مستوى شعبيّ (بنجة). يجسّد هذا العيد ذكرى الأيّام التي تجلّت فيها قدرة الخالق بعوالم النور، والمعرفة، والحكمة لبعث الحياة للإنسان، والتي بلغ فيها الخلق تمامه. لذلك فإنّ أيّام هذا العيد تدعى أيّام الذكرى (ذخرانا متقريا)، وهي أيّام مضيئة لأنّها تمثّل فجر الحياة المكتمل. يحتفل به بإقامة التعميد والصلوات، وتقديم الطيّبات على أرواح الموتى. مرانيّ، ناجية (1981). “مفاهيم صابئيّة مندائيّة، تاريخ، دين، لغة”. ط2، مطبعة شركة التايمس، بغداد. ص. 143 – 144.

[31]– أي الشمال الذي يعني لدى الصابئة مصدر النور، والمعرفة، والشفاء. ففي الصلاة كما في الموت، يستقبل الصابئيّ النجم القطبيّ. وهو يستقبل الشمال إذا أراد أن يتأمّل بعمق. كما ينام ورأسه نحو الجنوب بحيث إذا نهض يكون وجهه بالاتّجاه الصحيح. والفلاّحون في العراق اليوم لا يزالون يعدّون الشمال موقع الجنّة. الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 48.

[32]– إذا كان المريض كاهنًا، يهيىء له أهله “رسته” كاهن كاملة، ويُدفن مع أدواته الطقسيّة ومعه التاج (التاغة)، والصولجان (المركنه)، والختم (شوم ياور). الليدي دراوور (2006)، م. ن، ص 193. أيضًا: الزهيريّ، عبدالفتاح (1983)، م. س، ص. 118 – 119.

[33]الحسنيّ، السيّد عبدالرزاق (1963). “الصابئون في حاضرهم وماضيهم”. ط3، مطبعة العرفان، صيدا. ص 131.

[34]– عن هذه الإجراءات، انظر: حمادة، محمّد عمر (1992)، م. س، ص. 118 – 119.

[35]– يزعم المندائيّون أنّ أرواح موتاهم تبقى مرفرفة في الفضاء ثلاثة أيّام بعد الوفاة، متردّدة بين القبر والدار، ولهذا يعملون لها “مندلثه” بعد الوفاة مباشرة، إذ يُعتقد أنّها تمنع الميت من إلحاق الأذى بالأحياء. أو قد تكون بمثابة بيت للنفس التي تتردّد على دار سكنها طوال هذه المدّة. بعدها تُفضّ وتُرمى، لأنّ الروح تكون قد بدأت رحلة عروجها إلى عالم الأنوار. انظر: الحسنيّ، السيّد عبدالرزاق (1963)، م. س، ص. 133.

[36]الحسنيّ، السيّد عبدالرزاق (1963). م. ن.

[37]– إنّ عمليّة تغطية الفم والأنف قد أُدخلت في النصّ الدينيّ (للالتزام بها)، لأنّها جاءت من الناحية الصحّيّة تلافيّا للعدوى من بعض الوفيّات في حالات الأمراض السارية المعدية كالأوبئة والطاعون… هذا من جهة. من جهة أخرى، من رائحة الرمّة النتنة عند تفسخ الجسم بعد مفارقته الروح في حالات تأخّر دفن الجنازة. ويوضع في البندامه شيئًا من الطيب كالورد الجوريّ، والآس، والقرنفل، وغيره من الروائح العطريّة النباتيّة. الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 121، 196 – 197.

[38]الزهيريّ، عبدالفتاح (1983)، ص. 117 – 118.

[39]– الصلاة على روح الميْت: “بشميهون دهيى ربى لوفه ورواهه أد هيى وشافق هطايي نهويله الهازا نشمثه دبلان بربلا نيثا اد هازا مسخثه وشافق هطايى نهويله”، وتعني: “باسم الحياة العظمى – لوفه – مشاركة أو العشاء الربانيّ – ورواهه – حرفيًّا سبب التنفس ثانية، أي انبعاث الحياة، وغفران الخطايا تكون لروح فلان بن فلانة صاحب هذه المسخثه لتغفر خطاياه”. حمادة، محمّد عمر (1992)، م.س.، ص. 119.

[40]الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 199.

[41]سبهانيّ، رؤوف (لا ت). “الصابئة المندائيّة في إيران”. دار المحجة البيضاء، لا مكان. ص. 182.

[42]– السكندولة أو السكين دوله: يترجمها المندائيّون بمعنى “مسكن الشرّ” (سكان إداولا). هي الختم الطلسميّ (حلقة مصنوعة من الحديد وتُلبس في اليد)، تحمل نقوشًا تمثّل الأسد، والعقرب، والنحلة، والأفعى التي تشكّل الإطار بنقطة التقاء ذيلها ورأسها، وبحسب الكهّان فإنّ هذه الرسومات تمثّل قوى الظلام. تُلبس أثناء التعزيم، ومن قِبل من كان معزولًا في حالة النجاسة (مثل الولادة والزواج) وتُختم بها سرّة الوليد. في طقوس الدفن يُختم بها القبر حيث تُربط هذه الحلقة بطرف سلسلة من الحديد، وبالطرف الآخر تثبت سكين لا مقبض لها. ولا زال المندائيّون يستعملون “السكندولة” كوسيلة من وسائل الحماية ضدّ الكائنات الظلاميّة الشريرة. الليدي دراوور (2006)، م. س، ص 68 – 69.

[43]– سبب ذلك أنّه بنظرهم لا فائدة بعد ذلك منها، لأنّ الجسم نجس وملوث حين تكون الروح قد فارقته. ولهذا تغور القبور بعد قليل من الوقت وتتساوى مع مستوى سطح الأرض ولا تبقى علامة، أو حجر يميّز قبرًا عن آخر. والاحتفاظ بالمقبرة لا يستمرّ أكثر من خمسة وأربعين يومًا، فما يتخلّف في التراب لا يعني شيئًا بعد صعود الروح خلال ثلاثة أيّام. وبحسب شيخ صابئيّ “كان الدفن يومًا ما يشبه الدفن لدى الفرس، يوضع الموتى في محلّ مكشوف تحيطه أسوار وتأتي الطير وتأكل الجثث”. لكنّهم في الوقت الحاضر شرعوا ببناء القبور والأضرحة ووضع الشواهد بأسماء الموتى، وهي عادة يجارون بها مجاوريهم من الأديان الأخرى. الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 199.

[44]– توضيحًا لذلك يوجد أسطورة يتناقلونها عن سبب وضع الحجارة على أكفان موتاهم مباشرة، فهم يزعمون بأنّ كثيرًا من آبائهم القدماء عمدوا إلى نبش قبور موتاهم ليتفقدوا أوضاعهم، فوجدوا أنّ أكفانهم قد تجمّعت في أفواههم، وأنّ هذه البادرة النحسة أدّت إلى أن يُتوفّى أهل بيوتهم تباعًا، وبسرعة فائقة. فلكي لا يسرع الموت إلى أهل الميْت، يضعون الأحجار على صدره لهذه الغاية، ويضعون في فمه قليلًا من تراب أوّل حفرة تُحفر لقبره. كما أنّهم يضعون مع الميْت قطعتين صغيرتين إحداهما من الفضّة، والأخرى من الذهب، على أن يكون زنة كلّ منهما 1 – 16 من المثقال. أمّا سبب وضع التراب عليه مباشرة، فسنّة عمل بها “مندائيّ” لما أهال حفنتين من التراب على جسد الرسول الأعظم عندهم، يحيى بن زكريا فكانتا قبرًا له. الحسنيّ، السيّد عبد الرزاق (1963)، م. س، ص. 134 – 135.

[45]– أنظر: الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 189 – 200.

[46]– بحسب الروايات المندائيّة، إنّ سام كان جدّ جنس المندائيّين الأوّل. وأنّ هيبل زيوا علّم الكهّان والمندائيّين وأولاد سام كيفيّة تحضير الجسم للوفاة، وطقوس الدفن، وكيفيّة إقامة وتناول “اللوفاني” على روح الميْت. من هنا جاءت تسمية “لوفه سام رايي”، وبالعربيّة “ثواب سام بن نوح”.

الليدي دراوور (2006)،ص. 201 – 202، 205.

[47]– كان سكان عقرقوف من المندائيّين، وتشهد بذلك الأرض المسجّلة حاليًّا في التسجيل العقاريّ باسمهم في المنطقة الممتدّة من عقرقوف حتّى مدينة الشعلة الحاليّة في جانب الكرخ. نقلاً عن: حاتم غضبان الزهيريّ، سكرتير جمعيّة بناء المساكن للمعلّمين في أوائل السبعينيّات. الزهيريّ، عبدالفتاح (1983)، م. س، ص 129 – 130.

[48]سبهانيّ، رؤوف (لا ت)، م. س، ص. 184.

[49]النصّار غسان صباح ونشمي، علاء كاظم (1997)، م. س، ص. 45.

[50]الليدي دراوور (2006)، م. س، ص. 195 – 196.

[51]الحسنيّ، السيّد عبد الرزاق (1963)، م. س، ص. 136.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.