رواية محنة الوطن ووطن المحنة

0

رواية محنة الوطن ووطن المحنة

صباح محسن كاظم*

الاشتغالات الروائية، والقصصية للمبدع شوقي كريم حسن في منجزه الإبداعي تتمظهر وتتجلى في هم المحنة العراقية، كما بينت بدراسة نقدية سابقة نشرت بكتاب الأديبة “وداد فرحان عزيز” – “أوتار ثلاثية الفقراء” – ضمن عدة دراسات نقدية عن تجربة “شوقي كريم حسن” المتمرد والمشاكس الرائي للتحولات العراقية من الملكية، إلى جمهوريات العسكر إلى الحرية وبكل مرحلة معطياتها التاريخية التي وظفها بمسرحياته، وكتاباته الدرامية، والتاريخية، والقصصية، والروائية جرب الأجناس الإبداعية، وهو يغور في الواقع العراقي الذي يمور بالتحولات والإشكاليات التي أدت إلى ظواهر القمع – العنف – الحرب – وآخرها التسليب، والتفريط، وهدر الثروات من لصوص السياسة، ومن سرّاق المال العام المهدور كل تلك التحولات انعكست في نتاجه الروائي بثلاثية اقتحم فيها حصون الظلم شاهرًا سوطه بوجه السرّاق، والقتله منددًا بصوته الوطني ومحتجًا على امتهان كرامة الإنسان العراقي الضائعة والمستباحة في الجنوب المهمل، وهو جنوب العطاء بكل المجالات الاقتصادية، والثقافية، والبشرية في شروكية – خوشيه – هتليه انتصر للفقراء، وللمظلومين، والمهمشين، ثم التحول التاريخي في السرد بالمتن الحكائي – قنزة ونزة – الذي يعبر عن تاريخ المحنة، ومحنة التاريخ لوطن يأبى أن يعيش بسلام ووئام تارة بسبب الدكتاتورية، وأخرى بسبب الانفلات بعد الحرية في 2003 كل الشعوب تنتفع من النظام الديموقراطي، والتحولات الاقتصادية، والاجتماعية إلا نحن خسرنا الدماء والثروات بالعهد الجديد في قراءة وفحص لهذه الرواية أتوقّف عند – عتبة العنوان من عتبة العنونة وثريا النص وغرائبية الاسم، اشتغل شوقي على الواقع العراقي المهيمن عليه أجواء الرعب والفقد بسبب الحروب التي تلد الحروب، من ألاعيب الساسة وأمراض الواقع التي شبهها بهذا الاسم ومن العنونة المقصودة – قنزة ونزة – التي لا تستقر على حال، وتثير الاشمئزاز أراد المبدع وصف الواقع بكل تجلياته، وتحولاته، وانكساراته، وما فيه من مواطن تحمل الإباء، والنخوة، والقيم في ثنائية التناقض التي يعبر عنها الدكتور عبد الكريم الوزان في موقع الصدى (قنزه ونزه) تطلق على أيّ مشكلة مفتعلة، أو التطبیل والتهلیل لشيء یتضح فیما بعد أنّه مبالغ فيه أو غیر مهم و(القنزه ونزه) مقصود بها (الإنفلونزا) كما دأب على تسمیتها بعض سكان مدن جنوبي العراق، وهو مرض منتشر منذ زمن قدیم، قبل أن تعرفه الطیور. حیث تحول فیما بعد إلى وباء عالمي: وهناك روایات عدة منقولة عن أصل التسمیة منها روایة عن أمیر برتغالي اسمها (فون ألونزو) كان مصابًا بـ(لحمیة) في منخریه تجعله دائم الرشح. وكان یقضي معظم وقته في البحث عن علاج، حتى (ألصق به ذلك البلاء، فتحولت الكلمة مع كثرة الاستخدام إلى فون لونزا نسبة إلى الأمیر المذكور، ثم إلى (إنفلونزا وهناك من قال إن الأصل في التسمیة یعود إلى واقعة حصلت مع عربي أندلسي عشق غجریة إسبانیة تدعى (لوینزا)، فواعدته أن یحضر إلى منزلها، والناس نیام كي تستقبله، وتحسن وفادته.  وفي الموعد المحدد انتظر قرب بیتها، وھو یمنّي النفس بلیلة دافئة حمراء، لكنه انتظر تحت المطر الشدید، والبرد القارس دون أن تحضر فصار یتأفف ویقول: أوف لوینزا. لماذا أخلفتي موعدنا. ومن یومها ذهبت الكلمة لوصف المصابین بالرشح فصارت (إنفلونزا) تاريخية الأحداث وظلالها على الواقع لعل الواقع وما يمور فيه من الأحداث اليوم ليس حالة فجائية وليدة الصدفة، بل هي مأساة تاريخية من عام 1963 وسلطة الدم، وشهادة الزعيم عبد الكريم قاسم، وبروز الفكر القومي الأحادي الذي لايؤمن بالآخر المختلف عقائديًّا وأيديولوجيًّا، سياسة البطش، النفي، الإعدام، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باحث وناقد عراقي صدر له ١٣ كتابًا، كتب ٣٥ مقدمةً لأدباء من العراق والعرب، وشارك في ٥٥ كتابًا بدراسات نقدية. يكمل الدراسات في لبنان.

التغييب، السجون… كل ذلك شهده شعبنا خلال نصف قرن بسبب الطغاة من البعثيين القتله وجذور الاستبداد الأموي، والعباسي، والعثماني، لعقود وقرون من الظلم. إلا أن الشعب العراقي بعزيمته وإرادته موحدًا، متصاهرًا، متعانقًا، بوحدته الثقافية، والاجتماعية، والتصاهر بين المكونات فما يهدمه الحكام يقوم الشعب ببناء جسور التواصل بين جميع مكوناته، إنّها المفارقة التي أكد عليها المبدع “شوقي كريم حسن” هذا النسيج الفسيفسائي بين المسلمين بأطيافهم، والتعايش مع المسيحيين، وجميع الأديان بمحبة وألفة هو قاع الواقع، وهذا ما شاهدناه، ولمسناه بعد دخول داعش لقد هاجر معظم المسيحيين إلى مناطق شيعية آمنة، وملاذات تقيهم شر شذاذ الآفاق. بالطبع هناك روايات عراقية عدّة قدمت فيها قراءات نقدية تتناول الثيمة ذاتها تعكس وعي المثقف العراقي تجاه المحنة العراقية، والأحداث الدامية بعد زوال الدكتاتوريه يذكر الناقد عمار إبراهيم عزت ببحثه برسالة الماجستير عن الرواية العراقية ص 106 (لقد أسهم التحول الذي طرأ على مفهوم (النص) نتيجة الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة في إنتاج وعي مغاير لحدود النص الأدبي الذي ما عاد بنية فنية مغلقة ومستقلة كما في التصور البنيوي، بل هو بناء ذو فضاء منفتح على نصوص متنوعة تنتمي إلى الجنس الأدبي نفسه، أو إلى نصوص من خارج الجنس والنوع، يحكمها الترابط، والتداخل، والتفاعل فالنص إشارة فنية متعالقة مع نصوص سابقه ولاحقه عبر فاعليتين أساسيتين (الكتابة والقراءة). فكما أنّ الكتابة تحتم استدعاء واعيًا، أو غير واعٍ لنصوص سابقة فإنّ كل قراءة هي إعادة كتابه للعناصر اللغويه، وغير اللغوية المشاركة في بناء النص) – لغة الرواية في – قنزة ونزة – استطاع الروائي شوقي كريم بتوظيف الموروث الشعبي، واللغة الدارجة، وخياله الخصب، والقدرة الوصفية المدهشة، الغور في أعماق النفس لحشد الصور الشعرية بمقاطع الرواية في ولهه بالحبيبه، والحالات الوجدانية العاطفية بعلاقاته مع شخصيات الرواية من الحبيبات، إدانة الحرب، وبؤس الجنود وشقائهم في السواتر، وهم لا ملاذ لديهم إلا السكر لكي لا يشعروا بالخوف، والهلع، والموت الزؤام، وعلاقات الجنود، والضباط، وحالات الابتزاز التي عاشها كل فرد عراقي إبّان الحروب العبثيه، البعثية حرب في مستوى الشكل، والتقنيات التي كتب فيها بشكل مختلف عن سردياته شروكيه – خوشيه – هتليه في هذه الرواية جنح إلى اللخيال والشعرية بممارساته العاطفيه فيما كانت الروايات السابقة واقعية صرفه ناهيك عن كشوفات بالمعاناة العراقية سرديًّا بكل أبعادها الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية ثورة حسينية جيفارية كانت تلك الثلاثية التي نددت بالظلم، والتهميش، وكسر التابُوات، فيما هذا التحول الجمالي في السرد، والوصف، والتخييل، والتجريب، والعلامات الإشارية البليغة التشويقية في مداعبة الحواس جعل من (قنزة ونزة) رواية محكمة بقصدية تاريخية ثقافية عن البيئة العراقية، ص 8 – المسودة – (وأنا مسكون باللوعة، والإحساس بالندم، والخديعة، والمأساة، التي جعلتني أساوم روحي على خلاصها، ما عادت تلك اللحظات ترضي فحولتي، أعرف أنّ نيران مواقد أنوثتك، تبحث عن مخلص يمجّد الإبقاء عليها، الأصابع حين تعزف تعرف نوع الألحان التي تصدرها الأوتار، لهذا أعرف ما كانت عليه أوتارك. (الرواية رسالة محبة ليست تشاؤومًا أو تمرد ومشاكسة حب الوطن رغم محنه بكل مكوناته. والعلائق في الجيش. والكنيسة. والشارع، تحفة فنية رواية المسرة، والأوجاع عن آمالنا، أحلامنا، علاقاتنا تلك الرواية مرآة للواقع العراقي، والإنسان الذي تكيف مع قساوة الظروف بساحات الحرب، أو الواقع الاجتماعي طوال تاريخ التحولات العراقية، الرواية تثبت المحبة والتصاهر بين العراقيين، مناهضة للمشروع التقسيمي، والطائفي، والاثني، من خلال علاقات الحب بين البطل وحبيبته المسيحية، الجنون بالتعلق بغريماته، وسوط يرفعه بوجه من أراد للعراق الفناء بعد تخلخل البنية الاجتماعية، والتصدعات، ومحاولة تفكيك أواصر المحبة لدرجة وصل إلى الانهيار خصوصًا بذروته بتفجيرات سامراء للمراقد المقدسة، أو بالقتل على الهُوية بمثلث الموت، والإبادة بطريق العتبات المقدسة، وبالتفخيخ، والذبح من القاعدة، ثم حلقتها الأخرى داعش، وتدمير المدن، والمتاحف، الكنائس، وقتل المخالف من المسيحيين، والأيزيديين، والشبك، والشيعة، والسُّنَّة الذين رفضوا مبايعة خليفتهم أبو بكر البغدادي – الخلاص والأهداف لعل أكثر المفردات التي استخدمت في الرواية كلمة الخلاص التي تجدها تتوزع بمعظم الصفحات وأحيانًا التكرار كما في ص 14 السطر الأوّل: (قلت – ما كنت أعرف أنّك تبحثين عن خلاص… ربما يكون عابرًا… إيّاك والخلاصات العابرة فهي من دمر إرثنا الحقيقي… تذكري هذا الخلاص حلم قيد الخلاص لا قيد التنفيذ). بالطبع تحمل دلالات وإزاحات وتأويلات متعددة. هذه الكلمة التي تجدها بمعظم العقائد الروحية والأيديولوجيات الوضعية، وقد ناقشها جميع المفكرين، والباحثين عن الحقائق التاريخية، واليوتوبيا الإنسانية فلا تخلو مؤلفات الفلاسفة والمناطقة من مفردة الخلاص التي أجدها تتكرر بمعظم صفحات الروايات، بل في ثنايا السطور في (قنزة ونزة) التي اشتغلت على مساحة التاريخ، والحاضر، والمستقبل أزمنة الرواية، وعند شخوصها وأبطالها كما في شخصية نابليون بصفحات الرواية الأولى، وجلبه حصان جده في آتون، ولهيب المعركة، أو خلال يوميات السكر التي أراد منها الخلاص من أجواء الرعب بالسواتر، وانهمار الرصاص، وشظايا القذائف التي تقطع الأجساد في ساحات ولهوات الحرب ص 24 (… كان مرأى الدم يفزعني، ولهاث الموت يجعلني اتقيّأ كل جنوني، يرتجف الجسد، وتمور الأرض تحت قدمي، ومثل فص ملح أذوب في رحم الأرض من دون بدايات منه، يسحلني إلى قلب النهر أحاول الاستنجاد، أتوسّل، أقاوم، لكنه يصر على تعميدي – (… البوح العاطفي، والتوق إلى العناق جسدت الرواية هواجس وأحلام ورؤى تخيل البطل لحبيبته، والأم، والوطن، والعلاقات الإنسانية. لقد برع بوصف حياة الراهبة – ميري – العم شمعون – والكنائس، والتراتيل، والمباخر، وتمجيد الرب، والإخلاص، والانعتاق، والذوبان في المحبة الإلهية في ص 29 (… كنت أبصر عيني المخلّص، وتلاحقني ابتسامات (ميري) هي تهمس… اااحبك… وكل ما أطلبه منك أن تنجح… كن ناجحًا في حياتك… بلان بنجاحك ستنا رضا يسوع). بالطبع سر نجاح حبكته في الرواية الخبرة الفنية لشوقي كريم سيما تجربته خلال عقود كتابته للمسرحيات، والمسلسلات من ص 39 صعودًا يتدفق السرد بلغة شفيفة متعالية، وحوارات بمنتهى جمالية السرد الروائي أي لغة، وبلاغة، وجمال في السرد تدهشنا به بين نابليون، ميري، جاكلين، شمعون، كاترين، وجورية أحمد تشغل مساحات من الحوارات المشوقه بالسرد بذروة الحوارات التي تشوبها الرغبة، واللذه العارمة، وقد ضمن بعضها باللغة الدارجة ص 104 (جورية/ ول ولك افتح دفاترك وخلي تسولفلك… ولك وشمسوية كبل… اني عفيفة شريفة… ذيل ثوبي ابيض… محد مدنسه) لا ريب أنّ هناك في ثنايا السرد التوق إلى الحبيبة والممارسة…). في أطروحة الدكتوراه للشاعر حيدر الجبوري – توظيف الجنس في الرواية العربية الحديثة في ضوء النقد الثقافي – عام 2013 حضرت مناقشتها في الجامعة المستنصرية، وقد نالت الامتياز عن جدارة في المناقشة لنصف يوم شارك فيها أبرز النقاد الأكاديميين د. فليح الركابي، د. صالح زامل، د. فائز الشرع، د. عصام العسل لأهمية الموضوع وحساسيته، ومن المسكوت عنه استطاع الجبوري تحليل مفهوم الجنس بالرواية العربية مستعرضًا معظم الروايات العربيه فيؤكد في ص 191 (أنّ الخوض في موضوعة الجنس لم يعد من المحرمات ما دام البحث فيه يعزز الدراسات، والكشوفات التحليلية للذات الإنسانية – خصوصًا في مجتمع تؤطره العادات، والتقاليد، والالتزام الديني كالمجتمع العربي – وتعاملها سلوكيًّا، وثقافيًّا مع أزماتها ومعاناتها في التعبير عن نفسها بما يسمح بإغناء الدراسات العربية ذات البعد النفسي والاجتماعي ويساعدها، ويستمر في نقاطه بالقول: إن لجوء الرواية/ الروائي في المجتمع العربي إلى إيجاد موضوعة الجنس كقناع لأزماتها، ومعاناتها في التعبير عن نفسها هو خروج عن المألوف، والاعتيادي، وخلخلة نمط وروتينية النظام وكسرها حبًّا في التغيير المنشود، وهذا الخرق في مواجهة المتوارث إنما اتخذ طرق الاختباء، والمخاتله خلف الأنساق، والتعبيرات، وأقنعة الجمالي التي تغلف خطابات المؤسسة وقواعد إرضائها والخضوع لها (… الراوي العليم والسارد الجميل – شوقي كريم حسن – في هذه الرواية التي طافت بأرجاء محنة الوطن الذي امتحن بالدفاع عن الأبرياء فيه جسد ذلك حب الشعب العراقي له من خلال فقد ولده – علي رحمه الله-  خلال أسبوعين من حالة الحرق إلى الرحيل ستكبر مريم وتزهو بجدها الذي رأى كل شيء ورواه عن العراق للأجيال القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.