“فندق نابليون”

0

“فندق نابليون”

د. زينب طحّان*

سألته: “هل تقرأ الشعر العرفاني؟

تغاضى عن سؤالها، ليعقب تقطيب حاجبيه بسؤال: “وما أدراك أنت بالشعر العرفاني؟ لمن تقرأين؟”.

أزعجتها رد فعله، فقد أوحت لها بتكبّره المتعجرف. ولكنها ابتسمت له، وقالت: “ابن الفارض”.

  • “ابن الفارض؟!.. وهل تدركين مغزى قصائده العرفانية؟!”.

يا له من مغرور، قالت في سرها، فقد خجلت منه وشعرت باحمرار خديها، وقالت مرتبكة: ولم لا يمكنني ذلك؟! على كلّ أنتظرك كي ترشدني، هل تفعل؟! رتّب جلسته على مقعده الوثير في صالون الفندق، ورفع رأسه وابتسامة ماكرة تعلو شفتيه:”أيتها الصغيرة، لا يزال أمامك وقت طويل كي تحسنين الغوص في شعر ابن الفارض”. تذكرت شيماء تلك الجلسة، وهي تقلّب الكتاب بين يديها في جناح معرض بيروت الدولي للكتاب، وأخيرًا كتبَ عن الشعر العرفاني وغاص فيه..هل فعلاً غاص فيه وأحسن الغوص؟! اشترت الكتاب، وهي تفتح جزدانها كي تخرج المال، وقع الكتاب من بين يديها، فانحنت لالتقاطه، ولكنّ يداً أخرى سبقتها إليه، ووقفا معاً، نظرت إليه، وصدمت من هاتيك النظرات.إنه هو..!! أعطاها الكتاب، مبتسماً، وهو يقول : “هذا النوع من الكتب إذا وقعت أرضاً، أهينت كلماته..”. كان واضحاً أنه لم يتعرف إليها، بادلته الابتسامة وهي تردّ عليه : الأرض هي موطأ الكلمة يا سيدي، أو لم تنتبه كيف أن الله ربط بينها وبين وراثة الأرض..؟!”.

فاجأته كلماتها الواثقة، هذه المرة ثبّتت عينيها في عينيه من دون أن ترتجف، مثلما كانت تفعل حين كان عمرها ثمانية عشر عامًا… حينها كان في الثلاثين يشارك في مؤتمر حول الرواية العربية… برقت عيناه، وسألها باستغراب: “هذا الوجه كأني أعرفه… من أنت؟! لم تجبه، أخذت الكتاب من يده، وهي تشكره، دفعت الثمن، وهي تتذكر أبيات ابن الفارض التي كانت تكررها على مسمعه طيلة ليالي المؤتمر؛ بينما كانت تكتب تقريرها الصحفي للجريدة:

لا تحسبوني في الهوى متصنِّعاً           كلفي بكمْ خلـــــــــــــــــــــــــــــقٌ بغيرِ تكلُّفِ

أخفيتُ حبَّكمُ فأخفاني أســـــــــــــــــــىً           حتى ، لعَمري، كِدتُ عني أختَفي

وجدت في الصفحة الأولى من الكتاب عنوان صفحته على الفايسبوك، لا تعرف لماذا خطرت على بالها تلك الفكرة الجهنمية. هل تفعلها؟! تدغدغها تلك المشاعر القديمة تجاهه… أحسّت أنها أو كأنها لا تزال تحبه.هل فعلاً هو الأمر كذلك؟! أم أنها رغبة في الانتقام لمشاعرها التي سخر منها يومذاك؟!

باسم مستعار، كتبت إليه تقول: “لا أعلم إن كنت تذكرني، ولكن يومها قلت لي: “يا فتاة إن شعرك الأحمر يضيء سماء هذا الليل الأسود، ويفتح لي مرآتي كي أرى الضفة الأخرى من المستقبل. هل وجدت الضفة الآخرى من مستقبلك يا سيدي؟

 

__________________

** * أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم اللغة العربيّة.

لم تنتظر طويلاً كي يردّ على رسالتها الإلكترونية، مذيلة باسمه بالحروف العريضة المضخّمة، وقرأت جملة واحدة فقط: “من أنتِ؟”.

تركته ينتظر أيامًا، وهو يردد السؤال نفسه: “من أنتِ؟ لم لا تجيبين؟! أين اختفيتِ؟!

ضربت أناملها على لوحة المفاتيح أمامها، ولكم تمنت لو أنها تكتب بالقلم، فالقلم يشعر بإحساسها، وينقص حبره كلما كتبت وكتبت مثل حبها ذاك الذي راح ينطفىء كلما باحت له، وباحت، ولكن مع لوحة المفاتيح هذه، تخاف أن تبقى المشاعر بداخلها، ولا يصل تعبيرها إليه. كتبت له تقول: “لا يهم، فربما أكون واحدة من اللواتي وددن التقرّب إليك ولم تفلح. المهم أن تجيب عن سؤالي؛ هل وجدت ضفتك الأخرى حين كتبت عن الشعر العرفاني، وما رأيك بابن الفارض، هل هو غزلي أكثر مما هو عرفاني؟ وهل ابن عربي يفوقه أهمية في هذا النوع من الشعر؟!

ولم تكد تنتهي من الكتابة، حتى وصلتها الإجابة سريعاً: لن تحصلي على أي جواب مني ما لم تعرّفي نفسك!!”

كتبت: “يا سيدي، الاسم لن يشكّل فرقًا إذ يبدو لي أنك لم تعرفني فعلاً، فما الداعي لتذكيرك بي هذا عائد إلى ما تعجّ به ذاكرتك من أسماء النساء اللواتي كنت ربما تخاطبهن بالصيغة الشعرية نفسها. فلم تعد تستطيع التمييز بينهن. بين من هي التي وجّهت إليها هذه القصيدة، أو تلك. انس مسألة الاسم، ولنعد إلى اسمك أنت، كيف صنعت نفسك في خمسة وعشرين سنة مضت علينا؟!

  • أنت بارعة في الهروب إلى الإمام، وأسئلتك تزداد حذاقة يا سيدتي… أنت متزوجة؟!
  • وما الفرق؟! هل ستختلف إجابتك في حال النفي، أو الإثبات؟!
  • ربما نعم، وربما لا. غرور الأنثى يتحكم بها أكثر مما يتحكم بها الوفاء لعقد زواجها.
  • هذا حكم عام. هل يأتي من خبرتك مع النساء؟
  • يمكنك قول ذلك.
  • يمكنني قول أكثر من ذلك.
  • مثلاً؟!!
  • أنك أنت المغرور…
  • أنا؟! وأي غرور رأيت مني؟!
  • كلامك نفسه هنا، وهناك، وفي قصائدك التي تسميها قصائد حب. اقترح عليك تسميتها ولائم لجذب الإناث.
  • على رسلك، لِمَ تهاجمينني؟!! هيا الآن قولي لي من أنتِ؟
  • أستميحك عذراً. عليّ الانصراف. نكمل لاحقًا.

لم يكن ألمي يومًا بجسدي الغض، حين تركني أنزف عذريتي في فندق “نابليون”، لا أزال إلى اليوم أعجز عن المرور قربه في الحمراء، أشعر بنافذة تلك الغرفة التي كانت تطل على الشارع أنّها سرّبت ألمي إلى جيران الفندق. أخبرتهم عنّي، وهم لا يزالون إلى اليوم يبحثون عن صاحبة ذلك الأنين أصعب الأوجاع وأقساها تلك التي تقف في القعر، وتحفر في سنين العمر… صوت شيماء هذا. كانت تلفح به زجاج سيارتها الصغيرة، فتمتد ساحة الضباب، وتحجب عنها الرؤية. لماذا سكتُ طوال هذه السنين؟!

  • ولكنك على الرغم من الألم كنت سعيدة. لا تنكري ذلك!!

وقف وجهها أمامها على الزجاج شامتًا.

  • أنتَ من أرادني أن أسكت. أنا في داخلي كائن يريد أن يحكي ويحكي. أنت أسكتني أبديًّا. ولا يبدو أنه من جدوى لأفتح فمي الآن. أليس كذلك؟!

ابتسم وجهها على الزجاج، ثم عقد حاجبيه: أوتحاولين تفسير الماضي، أو إقامة رؤية للحاضر، أم تحضّرين جدولاً للمستقبل؟! أنت لا تزالين هناك قابعة على ذلك السرير. الزمن لم يتحرك فيك. تحرك من حولك في داخلك لا تزالين تلك الفتاة العشرينية تتحركين مع زمن في لوالب لا نهاية لها. إنه زمنك هناك لِمَ لا تعودين؟!

  • وماذا أفعل؟!
  • لملمي نفسك. ورتبي شعرك، وارتدي ملابسك، وانزلي إلى بهو الفندق، وقاطعته: ولكني فعلت!!
  • ملابسك هناك، أنفاسك لمّا تبرح الغرفة، لون شعرك الأحمر صبغ الوسادة.
  • ولكني رحلت!!

صمت وجهها عابسًا، أغمض عينيه، وسمعت صوت رنين الهاتف إنه صوت مكالمة “فايسبوك”. لن تنظر إلى المتصل. أرادت استنطاق وجهها مجددًا، ولكنه فجأة غاب عن ناظريها. تواصل الرنين. يبدو أنّ صاحبه مصرّ على الإجابة، ركنت السيارة جانبًا، وغزارة المطر تطرق أصواته عاليًا حين يصطدم بالزجاج. ولكن هذا الرنين فاق صوت المطر. نظرت إلى الهاتف إنه هو!! منذ ثلاثة أيام لم تردّ على تساؤلاته.

رنين تساؤلاته تلك لا تزال تطنّ في أذنيها، وهو يهمس بها، ونَفَسَه يلفح وجنتيها. كان يسألها كيف تريد أن يكون هذا الحبّ؟! إن كنتِ متأكدة أنك تحبينني، تجاوبي معي، لا تخافي، سأجعلك تكتشفين هذا الشغف الذي تتحدثين عنه.

كانت يداه تتسللان إلى قميصها الوردي، تفكّ أزراره، وشفتاه ترطّب رقبتها، وتنسحب إلى أذنيها. ويهمس لها بتساؤلاته: هل تعرفين ماذا سأفعل بك؟! ستطيرين، لن تشعري أنك على هذه الأرض. هل تريدين أن تجرّبي؟!

تثاءبت وهي تفتح عينيها صباحًا. راودها ذاك الكابوس المزعج ذاته. لماذا لا يفارقها؟! يجب أن تضع حدًّا له. تذكرت كلام وجهها “لا يزال شعرك الأحمر على تلك الوسادة”. كيف تسترجعه؟! قررتِ حقًّا فعل ذلك؟ سألت نفسها. رؤيتها له في المعرض كان إشارة لوضع نهاية لذلك الكابوس.

لم تتدحرج نزولاً إلى مكتبها في الرملة البيضاء، بل تابعت سيرها باتجاه كورنيش المنارة، الطريق اليوم تراه مختلفًا. لاحظت عددًا جديدًا من البيوت، المطاعم، والناس. لقد تكاثر عدد الناس في الشوارع! ومنذ متى لم تكن بيروت مكتظة بالناس؟! إنها مدينة الأحلام، الشمس، نور الشمس ساطع على غير عادته ينعكس على زجاج سيارتها الأمامي يشوش أمامها الرؤية، ولكنه يشعرها بالدفء. انعطفت باتجاه شارع الحمراء. لم يعد هناك من مكان لركن سيارة في هذا الشارع الذي كان منفتحًا آنذاك – ولا يزال – يضم المئات من المثقفين العرب، ومن المستشرقين الذين كانت تضج بهم المقاهي والمطاعم… عندما رأت هذه التجمعات لأول مرة، شعرت أنها الحضارية والمثقفة، علّاها إحساس بالحرية أنها معهم. هذه الحرية التي كانت تريدها. أن تنطلق كيفما تشاء، وتعيش حياتها كيفما تشاء. رمت يومها حجابها بعيدًا. عندما سمعت محاضرة لـ”نوال السعدواي” في الجامعة الأميركية في بيروت. قامت قيامة أبيها وأخيها الذي عنّفها. وهددتهما بمغادرة المنزل. خاف أبوها من أن تفعلها، وهو مختار الحي المشهود له بالاستقامة. عقد معها اتفاقًا. أن تكون ملابسها محتشمة على الأقل.

لماذا يعجّ رأسها الآن بكل هذه الذكريات؟! هل تشعر بندم ما؟! أَوَليست هي القائلة إنّها حرة في أن تفعل بجسدها ما تشاء، هو ملكها، لا ملك أبيها أو أخيه، أو ملك المجتمع!! بعد ذلك الشاعر “العرفاني” عرفت رجالاً عدة. لم تحب أحدًا منهم. كانت علاقات عابرة. كانت تفتش عن حب آخر يزيح ذلك الضباب القديم عن صدرها.

وهي تدلف بسيارتها إلى شارع الفندق لمحت ملصقًا ضخمًا للممثلة الأميركية جوليا روبرتس في إعلان ترويجي لسلعة تجارية. تذكرت فيلم “امرأة جميلة” شعرت في لحظة أنها تشبهها مع الفارق الجوهري في اللحظة التنويرية للفيلم. ولكن هي من تشبه؟ المرأة في النصف الأول في الشريط أم الثانية. أيهما هي؟!!

ركنت سيارتها في موقف الفندق، لاحظت التغيرات العمرانية التي طرأت عليه. حاولت تذكر ملامحه القديمة، المدخل مكانه، ولكن البوابة الآن إلكترونية. دخلت إلى موظفة الاستقبال وتوجهت، قالت لها: أريد غرفة 71 ليوم واحد.

  • دعيني أرى مدام. أنت حددت الغرفة ربما تكون مشغولة.

بعد كبسة زر صغيرة، قالت الموظفة: حظك طيب، ليست مشغولة. إنها في الطابق الثاني على الجهة الشمالية.

  • ولكن أذكر أنها كانت على جهة اليمين!!

استغربت الموظفة اعتراضها، وهزت برأسها وكأنها تسألها: وما الفرق؟

أخذت المفتاح بيد ترتجف.لا يجب أن تجبن الآن، عليها الصعود، بعدما قطعت هذه الخطوة، فضلت الصعود على الدرج. تريد أن تتذكر تلك اللحظات بحرفية ثوانيها. لم تتذكر. الدرج متغير. مفروش بسجاد والجدران يعلوها بعض اللوحات التشكيلية الصغيرة. كان يوجد نبتة تحمل أزهارًا صفراء لم تعرف اسمها، ولم تجدها. ألم يعد الورد مغريًا كما في السابق؟ يومها قطفت زهرة حملتها معها إلى الغرفة، بينما كاد هو أن يحملها ليدلف بها سريعًا إلى الداخل.

وضعت المفتاح في القفل، حركته يمينًا ويسارًا. توقفت أرادت أن تشعر بأّيّ همسة، أو أنين. هدوء تام. سحبها إلى الداخل. تركت الباب مفتوحًا. لعل صوت ذلك الأنين يخرج من الغرفة، كالطير المسجون. يترنّح من خميرة النوم. أين هو؟! سألت نفسها. تفقدت الغرفة. إنها ليست هي. كل شيء فيها متغير. الجدران مطلية بلون مختلف. يومها كان. كان. فجأة لم تعد تتذكر!!

  • آه… رأسي يشتعل نارًا. لا لقد طوى الزمن كل شيء. المكان لم يعد المكان. أين…أين… خصلات شعري الحمراء… لا أجدها.

لم تستطع البقاء، أسرعت إلى الخارج، أيضًا لم تقفل الباب خلفها. نزلت بسرعة، أعادت المفتاح إلى الموظفة وهي تقول لها: يبدو لي أني أخطأت المكان. نابليون اندثر زمنه.

تركت الموظفة في حيرتها، بينما هي شعرت أنها تحررت من تلك الذكرى، أو يكفي زيارة المكان لتتحرر منها؟! أم أنه شعورها، وإدراكها هو الذي اختلف عندما رأته مجددًا بعد خمسة وعشرين عامًا. الكتاب قرأته كله في يومين متتاليين. أعطاها إحساسًا جديدًا بـ”الشاعر العرفاني”. كما هو بعيد عن إدراك كنه عرفانيات ابن الفارض وابن عربي!!

كيف يدعي هذا “المثقف الحداثي” أنه يفهم كنه آيات الله، وهو الذي يدفنها في تراب من كلمات واهمة ضبابية تصطف في دائرة مسمارية لغوية تشتهي المعنى ولا تصل إليه؟!

  • وأنت هل أدركت كنه آيات الله بعدما تخليّت عنه منذ زمن؟!

سألت نفسها، هذا السؤال الذي كانت تستبعده عن مخيّلتها كلما خطر في بالها. أخوفًا من الندم. من أن تجرؤ إعادة قراءة مسيرتها… مشوارها… إنجازاتها؟!

“نابليون”، القابع في وسط بيروت، حاول إعطاءها رسمه وملامحه. عبق وقفته التاريخية تلك. نابليون الذي أتت به بيروت، واستدرجها إلى مخابئه المزركشة بألوان من الأحلام حول حرية، وعدتنا أن نصبح مثل أهل دياره. لم يعد يعجبها نابليون ذاك. الآن اعترفت لنفسها بهذه الحقيقة. حرية نابليون. كيف تورطت بها؟! تذكرت نفسها يوم كانت صبية ذات ثمانية عشر ربيعًا تضع حجابها وحين كانت براءة عينيها ملجأ روح آمنة.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.