فلسفة هيغل الجماليّة

0

فلسفة هيغل الجماليّة

(دراسة تحليلية)

د. روبير مطانيوس معوّض([1])

مقدمة

يُعدُّ الفيلسوف الألماني هيغل (1770م – 1831م) أحد أهمّ مؤسسي حركة الفكر المثالي في ألمانيا وصاحب المنظومة الجماليّة الواسعة المعروفة بالأستطيقا، والغنية بالتّحليلات العميقة لأعمال كثيرة، والتي أثرت، على علماء الجمال وعلى نتاجاتهم الفنّيّة. ويرى هيغل في فكره الجماليّ حلقة أساسية في العلوم الفلسفيّة والانطلاق من مملكة الجمال وميدان الفنّ. وفي هذه الحالة يُستحسن إدراج فلسفة علم الجمال في مجمل الفلسفة، لأنّ الفنّ هو أحد الأشكال الكليّة للعقل. وما الفنّ سوى خطوة سابقة في طريق العقل نحو الحقيقة. أما الجمال فلا يتحقق، في درجاته القصوى، إلا في الجمال الفنّي، لأنّه فكرة الإنسان التي تُعبّر عن الوحدة المباشرة بين الموضوع والذّات. وهذه الفكرة تنبع من الرّوح البشريّة.

يُعرّف الجمال على أنه البحث في النشاط الفنّيّ بهدف الحكم عليه وتقييمهعلى أساس أنّه ملكة مبدعة وخلاّقة عند الإنسان. والجمال هنا يُعدُّ ممارسة نقديّة وتقييميّة للعمل الفنّيّ، إذ إنّ الفنّ لا يُمكن أن نصدر على حكم قبحه أو جماله من دون خضوع هذا العمل إلى صورة التّقييم والحكم الجماليّ.

وبهذا يكون الجمال والفنّ ملازمين لبعضهما البعض وضروريين، وعلى هذا فإنّ مشكلتهما، أو بالأحرى الفنّ الجميلُ هو مشكلة قديمة ظهرت مع البدايات الأولى للتّفكير الفلسفيّ، إذ نجد أنّها نالت اهتمام العديد من الفلاسفة عبر الحقبات التّاريخيّة المتعاقبة، بداية من أفلاطون وأرسطو في الحضارة اليونانية في العصر القديم وصولاً إلى العصر الحديث في الحضارة الألمانيّة، والتي كانت أكثر تطوّراً مع كانط وهيغل، وهذا الأخير فقد استوعب ما سبقه من الأفكار وكتابات المفكّرين السابقين عليه، إذ نجد أنّ فلسفته تجمع مجمل الآراء السّالفة، وتدير معها نقاشاً وحواراً جدلياً بداية من فلسفة أفلاطون المثالية حتى فلسفة كانط النقديّة، وهو بذلك يُعيد بناء الأفكار الجماليّة والطروحات الفنّيّة في الحضارة الغربيّة على ضوء التّطوّر الفلسفيّ الذي شهدته الحضارة الأوروبيّة.

سنبيّن من خلال هذا البحث محاولة هيغل دراسة كلّ مظاهر الرّوح. كما أنّها محاولة لرؤية تطوّر الفلسفة الجماليّة من خلال فيلسوف استوعب وحلّل الأفكار كلها في تاريخ نشأة الفنّ، وأشكال إبداعاته. ممّا يجعل المهتم بدراسات هيغل يجد مجالاً خصباً، إذ إنّ أفكاره ليست جديدة تماماً.

أما الجديد في فكره فيكمن في تقديمه لفكرة الكليّة من خلال تحليله لقضايا الإبداع والاغتراب. فالجمال ينحصر عند عدد كبير من علماء الجمال في البحث في ظواهر الفنّ ولا تتجاوز ذلك إلى ما سواه من نشاطات الإنسان، ولكنّها عند آخرين لا تقف عند حدود الفنّ، وإنما تتخطّاه إلى كلّ شيءٍ جميل.

وقد عُرّف الجمال في هذا المجال «بالأستطيقا» (Aesthetics)، وهي مفردة يرجع أصلها إلى اللغة اليونانية القديمة، وتعنيّ المعرفة الحسيّة أو الصورة الأوليّة لها، وأوّل من صاغ هذا الاسم هو الفيلسوف الألماني «ألكسندر بومارتن» في بداية القرن الثّامن عشر، وذلك في كتابه «تأملات فلسفية في موضوعات تتعلّق بالشّعر»، الذي ربط الفنّون بالمعرفة الحسيّة، وهو رأي شاع بعد ذلك في فلسفة هيغل الجماليّة وطروحاته الفنّية. وكما هو معلوم فإنّ الفكر الجماليّ هو علم معياري تماماً مثل علوم المنطق والأخلاق، ولكن ما يجعله أشدُّ عسراً هو موضوعاته التي لا تتسم بالتّقنين الموضوعيّ، بل إنّها ذاتيّة، كما أنّ هذه الأحكام مرهونة بخصوصيّة التّاريخ والثّقافة، على الرغم من أنّ بعضَ الأعمالِ الفنّية القديمة مثل الإلياذة لا تزال تثير إعجابنا وتشدّنا، وهو أمر يدلّ على وجود تناقض في صميم طبيعة الجمال عموماً وجمال الفنّ خصوصاً. ولعل هذا هو ما يصعّب من مهمة من يخوض هذه المسألة لأنّ هذه الطّبيعة الخالدة لبعض الأعمال الفنّية تجعل من إصدار الأحكام التّقيميّة شديدة الصّعوبة، فالفنّ مقيّد بالسّياق التّاريخي والثّقافيّ، وفي الوقت ذاته محمّل بزخم «روحاني» يتجاوز التّاريخ والثقافة حتى يبدو كأنّه إرث للبشريّة جمعاء.

يقتضي الجمال الحقيقيّ الحرّيّة والاستقلاليّة الذّاتيّة، وهذان هما العارضان أمام الجمال في الطّبيعة. ويحاول هيغل أن يظهر أنّ الفنّ هو محاولة لكشف المضمون الدّاخليّ للحقيقة.

إذاً، الجمال الفنّيّ يمثّل تجلّيات الحياة في كلّ حريتها، كما أنّه يجعل الخارج موافقاً للرّوح، وهنا تتحرّر الحقيقة من محيطها الزّمانيّ، ومن تجوالها خلال الأشياء المتناهيّة. من خلال ما تقدّم يحاول هيغل إظهار أنّ الجمال الفنّي يعبّر عن فكرة الجمال، وهذا من خلال التّوسط أيّ المثال، وهنا يحاول أن يبيّن فكرة الجمال عنده من خلال ثلاث نقاط رئيسة هي: المثل الأعلى بما هو كذلك، والكيفيّة التي يتحقق بها في الأعمال الفنّية، أو بمعنى آخر العمل الفنّي بوصفه تحققاً للمثال، ليصل إلى تحديد الذّاتيّة الخلاّقة عند المبدع أيّ الفنّان للجمال الفنّي.

أما الإشكالية العامة والمحوريّة لهذا البحث فهي على النحو الآتي:

ما هو تصوّر هيغل للجمال؟ وكيف كان تصوّره لمفهوم الجمال الفنّي؟ كما ترتبت عدة تساؤلات جزئية خاصة لا تقلّ أهمية أثناء عملية إظهار التّصور الهيغليّ الخالص للجمال، وهي الآتية:

ما هي أهمّ المنابع التي استقى منها هيغل فكره الجماليّ؟ وما هي أبرز سمات فكرة هيغل الجماليّة؟

للإجابة على هذه التساؤلات تمّ تقسيم هذه الدّراسة إلى مقدمة ومبحث وحيد وخاتمة. تناولت في المقدمة مفهوم الجمال عند هيغل وكيفيّة تصوره لمفهوم الجمال الفنّيّ. وعالجت بإسهاب في مبحث وحيد الفكر الجماليّ الهيغليّ.

أما في الخاتمة فوضعت الاستنتاجات اللازمة التي توصلت إليها. كما اتبعتُ في بحثي هذا المنهج التّحليلي بحسبانه الأنسب لتحليل الأفكار المعرفيّة والفلسفيّة التي ارتكزت عليها أسس فلسفة هيغل الجماليّة.

الفكر الجماليّ الهيغليّ

يعدُّ هيغل أنّ كل ما في الوجود من نظم فكريّة أو بشريّة أو ظواهر ماديّة أو طبيعيّة ما هي في النّهاية إلاّ مظهراً من مظاهر تشكلاّت الرّوح المطلق التي يحكمها قانون الجدل الذي قوامه سيرورة دائمة.

فغاية الرّوح هي أن تعي نفسها، ووسيلتها في بلوغ هذا الوعيّ الدّين والفنّ والفلسفة. لقد استهلّ هيغل عرضه لمذهبه في الجمال من خلال بحثه في الفكرة.

انطلاقاً من هذا الكلام نسأل ما معنى الجمال عنده وأين نجده؟ وكيف فسّر الفكرة وما علاقتها بالجمال؟ وهل الإبداع الفنّي مجرد محاكاة؟

يرى هيغل أن الجمال ميدانه الإدراك الحسي إدراكاً لا يتطلب أقيسة مجرّدة، إذاً هو فكرة عامة خالدة لها وجود مستقلّ وتتجلى بشكل حسيّ في الأشياء، وهي في ذلك تُخالف الحقيقة في ذاتها، إذ إنّ الحقيقة «لها وجود ذهنيّ غير حسيّ. كما أنّها تتحقق في الخارج عن طريق وجود محدّد المعالم عينيّ، وفي حالة تحققها إذا اقترن ظهورها بإدراكها مباشرة من دون أقيسة مجردة تكون حقيقة جمالية»([2]). إذاً، الجماليّة لا تستهدف الفنّ فقط، بل تتعداه إلى الطبيعة، وإلى جميع كيفيّات الجمال. فالجمال كما يكون في الفنّ يكون في مصدر الفنّ أي في الإنسان والطّبيعة. والجمال معناه: الحسن والبهاء([3])، أيّ حسن الأفعال كامل الأوصاف والإدراك الجماليّ لا يرقى إلى درجة الفلسفة الجماليّة، إلاّ عندما يتهيأ للمفكر رؤية جماليّة للفنّ تتأسس على رؤية فلسفيّة شاملة للإنسان والكون والحياة. إنّ الجماليّة هي النّظرة الفلسفيّة إلى الفنّ وقضايا الإبداع عامة. وأما ما دونها من تأملات أو نظرات في الفنّ فليست تدخل في نطاق الجماليّة بالمعنى العلمي للكلمة، وإن تكن مراحل أولى لازمة في نشوء الجماليّة وتطوّرها نحو التّكامل الفلسفيّ وارتباطها بشموليّة الفلسفة ومنهجيتها والإدراك الجماليّ يرقى إلى درجة الفلسفة الجماليّة، لاستناده على رؤية فلسفيّة جليّة وشاملة للعالم بكل مكوناته. فالرؤية الجماليّة متماسكة ترتبط فيها النتائج بالأسباب ارتباطاً وثيقاً ودقيقاً.

لذا، نجد هيغل ينظر إلى الجمال من جهة المضمون ومن ناحية موضوعيّة، أيّ الفكرة هي كل ذلك الوفاق المتجدّد والمجدّد باستمرار للكليات الجزئية ووحدتها المتوسطة كافة. إذ كيف يمكن للفكر أن يدرك الجمال؟ وهل الجمال الطبيعيّ يعبّر حقيقة عن الجمال؟

يعدُّ هيغل أن الحقيقي هو القابل للتصور، لأن أساسه المفهوم المطلق أو بمعنى آخر الفكرة، فالجمال هو أسلوب معين لتظهير الحقيقة وتمثيلها، كما أنّ الصورة باطنة فيها، أي محايثة في عالم الموجودات، موجودة في ذاتها ولذاتها، كما أنّها الحقّ في ذاته، وهي ما يشارك في الرّوح بطريقة عامة، إذ إنّ الرّوح المطلقة هي الرّوح الكلية. إذاً، الجمال ليس تجريداً من تجريدات ملكة الفهم وإنّما هو المفهوم في ذاته، المطلق والعينيّ، الفكرة المطلقة.

إنّ الحضور الحسيّ للفكرة والتي هي العمليّة الكونيّة الملموسة في وحدتها المتكاملة، وحدة الحريّة والحتميّة، وحدة الطّبيعي وما وراء الطّبيعي، وحدة النّومينا والفينومينا.

إذاً هي العقل الذي هو شامل لا محدود وفردي محدّد في آن معاً. وحتى نعطي عن الفكرة تعريفها أدقّ وأوضح، فسنقول إن: «الفكرة من حيث أنها موجودة في ذاتها ولذاتها، هي أيضاً الحقّ في ذاته، وهي ما يدخل في عداد الرّوح بصورة عامة، هي الرّوحي الكونيّ، الرّوح المطلق، وما الرّوح المطلق إلا الرّوح من حيث هو كوني، وليس من حيث هو خاص ومتناهٍ. إنّه يتحدد على أنّه الحقّ الكونيّ في حقيقته»([4]).

يعني أن الرّوح المتناهي والّذي يتلقى حقيقته القصوى من الرّوح المطلق المطروحة فيه الطبيعة طرحاً مثالياً، ويتميز هذا الرّوح بنشاطاته المحايثة والفعالة، وبذلك فهو ينقسم إلى حدين متضادين وهما: الطّبيعة والرّوح المتناهي، وهذين الحدين يمثلان الفكرة الكليّة من دون أن يكونا شكلها الحقيقيّ الواقعيّ، إذ إنّ الطبيعة لا وجود لها بالنسبة إلى الرّوح المطلق إلاّ في الفكرة بوصفها شيئاً مفترضاً، أيّ أن الرّوح نشاط يستطيع بفضله أن يميّز نفسه من نفسه، وبالتالي ما ينبثق عن الرّوح بفعل التّمايز يتضمن الفكرة والرّوح في كليتهما، يعنيّ أن حقيقة الرّوح المتناهي أيّ الرّوح المطلق الذي يمثل بدوره تلك الكليّة أي الحقيقة العليا.

إذاً بقدر ما يكون الرّوح على صلة في وجوده بالطّبيعة، يكون هو الرّوح المتناهي، وهنا الفكرة هي المطلق الرّوحي التي تمثل كل ما هو لا متناهيّ وكونيّ، ولكن هذه الفكرة عندما يكون لها تعيّن واقعيّ حسّي، تصبح هذه الفكرة في وحدة مع الواقع والمفهوم، إذ إن تحقق هذا المفهوم واقعيّاً هو الفكرة، وبذلك تكون الفكرة هي التّجسيد الواقعي للمفهوم، وهو الذي يقرّر كل شيء، وبالتالي هو الذي يمثّل الفكرة، وبهذا فالفكرة إذاً: «هي الواقعي بوجه عام ولا شيء غير الواقعي، وما هو واقعي يتجلى بادئ ذي البدء، بصفة هذا وجود خارجي، بصفته واقعاً حسياً، لكن الواقعي الحسي، ما هو بحقيقي ولا بواقعي حقاً، إلا بقدر ما يطابق المفهوم»[5].

وبهذا التّطابق بين المفهوم والموضوع الخارجيّ الواقعيّ، به يكون حقيقياً، وإن لم يطابق المفهوم الواقعي يبقى مجرّد تظاهرة لا تحقّق مفهوم تلك الفكرة بل تبقى مجرّد شيء هامد، من دون تجسيد من الواقع، مثال ذلك: بذرة الشجرة فهي تمثّل سلفاً الشّجرة المقبلة التي سوف تتشكّل في ما بعد، يعنيّ هذا أنّ الشجرة كلها محتواة في البذرة، ومنه فالبذرة تمثّل المفهوم الذي لم يتجسّد بعد في الواقع، وعندما تنمو هذه البذرة وتصبح شجرة، تمثل الواقع، أي أنّ البذرة والتي هي المفهوم، تجسدت في الواقع وأصبحت شجرة كاملة، وبالتالي تصبح الشجرة ما هي إلاّ شرح وتجسيد للمفهوم، وبهذا فالمفهوم لا يمثل الوّحدة المجردة، وإنما يمثّل الوحدة العينيّة المحسوسة مثال ذلك: أن نقول «إنسان» هو في هذه الحالة تصور مجرد ولكن يكون هذا التّصوّر محقّق ومطابق للواقع والمفهوم، وُجب على هذا الإنسان أن يشتمل على الميزات، وهي الحسّ، العقل، النّفس والرّوح بحسبان هذه الصفات هي صفات بشرية، بها يشكل مفهوم الإنسان وعليه فإن: «كل ما هو موجود ليس إذن حقيقياً إلا من حيث أنه فكرة، لأنّ الفكرة وحدها هي التي لها وجود واقعي حقاً، فهذه الظاهرة أو تلك الظاهرة حقيقية، لا لأن لها وجود خارجياً أو داخلياً، أو لأنّها واقع بوجه عام، وإنّما بقدر ما يكون واقعياً مطابقاً للمفهوم»([6]).

يعنيّ أن الفكرة هي الكليّة التي تتطابق فيها الموضوعيّة والوحدة الذاتيّة للمفهوم، إذ إنّ الفكرة هي ذلك الكل والوفاق الذي يضم جميع الكليّات الجزئيّة والتي بها تكون الفكرة الحقيقيّة كلها، وعندئذ يغدو ما هو كائن حقيقياً وواقعياً، وإن لم تتوفر هذه الوحدة للهوية، بين الموضوع والمفهوم يصبح هذا الموجود ظاهر مجرد، وعليه فالواقع الموافق للمفهوم هو وحده الصحيح، لأنّ هذا الواقع هو تظاهر للفكرة عينها.

إذاً، الفكرة هي الوحدة العينيّة للفكرة الشّاملة مع موضوع أو مجموعة من الموضوعات، التي تشعر أنّها تدرك بوصفها كثرة في وحدة، إذ إن عامل التعدّد هو جانب الموضوعية، أما عامل الوحدة هو جانب الذّاتية. هذه الحركة لا يعيها إلاّ الرّوح الأخلاقيّ إذ يقول هيغل: «لقد رفع الرّوح شكله الذي يكون فيه لوعيه إلى صورة الوعي ذاته، فهو ينتج لنفسه مثل تلك التصوّرات، وصانع الأثر إنّما أهمل العمل التّوليفيّ، أي خلط الصورة الغريبة التي للفكر والطبيعي، وما دام الشّكل قد اكتسب الصورة التي للنشاط الواعي بذاته فإن صانع الأثر قد يصير عاملاً روحياً»([7]).

كما أنّ الجمال عنده هو تركيبة عضوية بين العناصر التّصورية والعناصر الإدراكية، وعليه فالجمال مرهون بالفكرة وتمثلها.

لذلك نجد أنّ هيغل يرجع إلى قراءة كانط إذ إنّنا نجد هذا الأخير يتحدث عن الجمال سواء أكان طبيعيّاً أو فنيّاً على أنّه نقطة التقاء بين الإحساس والعقل فيقول: «باستطاعتنا بوجه عام أن نصف الجمال سواء أكان جمال الطبيعة أو جمال الفنّ بعبارة الأفكار الجماليّة، في ما عدا أنّ هذه الفكرة يجب أن تسبّب بمفهوم عن الشّيء في حالة الفنّ الجميل، في حين أنه يكفي في الطّبيعة الجميلة مجرّد التّفكير في عيان مُعطى، من دون الحاجة إلى مفهوم عمّا يجب أن يكون الشيء، ليوقظ ويبلغ الفكرة التي يعتبر الشيء عبارة عنها»([8]).

إنّ للجمال أنواع وأشكال ومعايير ومواصفات وأحكام، وهنا سنحلّل مسألة حاول هيغل إظهارها في فلسفته حول الجمال، إذ إنه طرح التساؤل الآتي: هل الجمال في الفنّ في ما نُبدعه أم في الطبيعة فيما نراه؟ ومن الذي يُوصف بالجمال الإنسان أم الفعل الإنساني أو الحيواني أو النباتي، أم المناظر الطبيعية أو الآثار الفنّية؟

يرى هيغل: «أن الجمال نمط معين لتمثيل الحقيقة وإظهارها في طابع حسيّ»([9]).

ونجده يحاول في فلسفته الردّ على نظرية كانط حول الجمال، والذي يرى أنّ الجمال لا يمكن أن يقدم في تصورات، لأنّه قيمة لا يمكن إدراكها، لأنّ الأشياء العرضيّة والمتناهيّة هي الممكنة لإدراكها والجمال غير عرضي وغير متناهٍ.

كما يرى هيغل أنّ الجمال الفنّيّ يستمد قوّته من المباشر عن الرّوح وبالتالي عن الحقيقة، أما الجمال الطّبيعي يوجد كانعكاس للجمال المتعلّق بالرّوح، وذلك على أساس أنّه وجود ناقص وغير مكتمل، إذاً نفترض تقابل بين الطّبيعة والرّوح. وهنا لكي يفسّر هيغل الجمال بوجه عام ذهب إلى ضرورة إبراز العلاقة بين الطبيعة والرّوح المطلق، وهو ما يجب تطويره لإبراز هذه العلاقة في جلائها ووضوحها.

الرّوح يتحرّر من الطبيعة ليعارضها، فالرّوح المطلق هو الحقيقة العليا، والطبيعة تعود إلى حقيقتها التي هي الرّوح. إذاً، الطبيعة والرّوح المتناهي حدين يمثلان الفكرة الكلية، ويرى هيغل: «وجهة نظر الرّوح المتناهي الذي تكمن حقيقته بالأحرى في الرّوح المطلق هو الاتحاد بين ذاته وبين الطبيعة، فالطبيعة إذن لا وجود لها بالنسبة إليه إلاّ في الفكرة، بوصفها شيئاً مفترضاً، وبالنظر إلى أنّ الرّوح نشاط يستطيع بفضله أن يميّز نفسه بنفسه، ينجم عن ذلك أن ما يصدر عن الرّوح بفعل التمايز، أعني الطبيعة، يتضمن الفكرة والرّوح في كليتهما»([10]).

إذاً، الرّوح في البدء هو روح متناهٍ، يعي من خلال هذا التناهي سلبيته، فعله لا يتجاوز فعل الكينونة، يدرك في الوقت عينه الرّوح المطلق على أنه وحدة الحقيقي، والذي يصبح هو الرّوح العمليّ الذي يستمد حقيقته الخاصة من الرّوح واللامتناهي المطلق، وهنا الرّوح المتناهي يمارس أمره في موضوع مطلق هو الحقيقة المطلقة، ومن هنا فالجمال الفنّي لا وجود له في الطّبيعة، لأنّ ميدان الفنّ أسمى من ميدان الطّبيعة والرّوح المتناهي، إذاً فالرّوح المطلق في اتجاهه إلى المثل العليا إنّما يتجه إلى الجمال وإلى الحقيقة وإلى الألوهية، فيُسفر اتجاهه هذا عن الدين والفنّ والفلسفة.

يقوم الجمال في الوحدة بين الوجود الواقعيّ للشيء وبين تصوّره العقلي، إذ يكون الشيء جميلاً حين يتطابق التحقيق العقلي في الوجود مع تصوّره العقلي، بمعنى آخر التطابق بين الوجود العقلي وبين المفهوم العقلي.

إذاً، التصوّر ليس فقط من نتاج تفكيرنا العقلي، بل هو يوجد موضوعياً في الشخص الحسي ذاته وذلك لأن مثاليته موضوعية. ومن هذا المبدأ عدَّ هيغل الحياة التي تشيع في الطبيعة هي جميلة من حيث إنها صورة موضوعية ومحسوسة، ولكن الجمال الطبيعي هو الجمال نفسه إذ إنه ليس جميلاً إلا بالنسبة إلى الآخرين أي بالنسبة إلينا نحن. إذاً، كيف ولماذا الوجود في الحياة يبدو لنا جميلاً في آنيته المباشرة؟

يعدُّ هيغل أنّ الفكرة هي نقطة انطلاق رئيسة لمفهوم الجمال «عندما نقول إذن أن الجمال فكرة، نقصد بذلك أن الجمال والحقيقة شيء واحد. فالجميل لا بدّ، بالفعل، أن يكون حقيقياً في ذاته»([11]). لكن لو أمعنّا النّظر في مفهوميّ الجمال والحقيقة لوجدنا الفرق والاختلاف بينهما؛ فالحقيقة يكون لها وجود خارجي تقوم بتظهير نفسها وعرض ذاتها للواقع الخارجي، كما قد تظهر ذاتها للوعي، في حين الفكرة هي عكس الحقيقة تكون حقيقية بمقتضى طبيعتها الكليّة والشموليّة المتصوّرة في الفكر وهي بذلك تحوز وجوداً داخلياً ذا طبيعة روحيّة. وعلى هذا فالفكرة لا تكون حقيقيّة ولا جميلة إلا بتظاهر الحسيّ الخارجي، ومعناه أن الفكرة كلّما كانت متجليّة وواضحة في الواقع المحسوس كلما اكتسبت جمالها وحقيقتها، وبهذا فإنّ اتحاد كلّ من الحقيقة والفكرة يشكلان المفهوم «وذلك أنّ الجميل هو على الدوام المفهوم الذي بدل أن يتناقض مع موضوعيته بمعارضته إياها بتناهٍ مجرد وأحادي الجانب، يتداخل وهذه الموضوعية ويصبح، بفضل هذه الوحدة المحايثة، لامتناهياً في ذاته»([12]).

فالمفهوم ينقل الفكرة إلى الوجود الواقعي ويبثّ فيها الحياة والتي عن طريقها يظهر وبذلك تتشكل ماهية الجمال وتظهر الحقيقة، فموضوع الجمال يظهر للعيان بمفهومه الخاص وكأنّه متحقّق في كل وحدته الذّاتية والحيّة. فالمفهوم ذاته يشكل العنصر العيني، إذ إن واقعه يظهر هو بدوره كتكوين مكتمل في جميع أجزائه التي تؤلّف وحدة الأفكار داخل الرّوح، وعلى هذا فإنّ التّداخل والتوافق بين التظاهر الخارجي والمفهوم هو توافق حقيقي.

مثال ذلك: «وجه إنسان» هو مفهوم ولكي ينطبق هذا المفهوم مع الواقع لا بدّ على هذا الشكل أن يحتوي كلّ الصفات التي تحتوي عليها كلّ الأوجه، حاجبين وعينين وأنف وفم، وأن تظهر كشكل محايث للواقع محقّقة بذلك تظاهرها الخارجي، طبقاً لمفوم هذا الأخير. باجتماع كل هذه العناصر وأجزائها يشكّل الوحدة الفكروية للمفهوم وبهذا «فإنّ الجمال ليس تجريداً من تجريدات ملكة الفهم، وإنما هو المفهوم في ذاته العيني المطلق»([13]).

وبهذا فإنّ الجمال عند هيغل هو الظاهر العيني للفكرة، إذ لا يحتفظ الحسّيّ والموضوعيّة بأيّ استقلال في الجمال، أي أنّ الموضوعيّ هو الحقيقيّ الفعليّ، وبالتالي هو العقلاني، وبذلك يكون الجميل هو الفكرة المفهومة التي تجسّد الواقع، ولكن هذا الوجود الموضوعيّ الواقعي لا تكون له قيمة إلا على أنه ظهور للمفهوم «لأنّ الجميل تماماً هو المفهوم… والمفهوم يبث النّفس، يبثّ الوجود الحقيقي الذي يجسده»([14]).

فالشيء الجميل في وجوده يجعل مفهومه الخاص يبدو على أنّه متحقّق في ظاهريته، أيّ في وجوده العينيّ الذّاتي، فالمفهوم هو الذي يحدّد غايته الخارجيّة، وبالتالي يكون واقعه في إنتاج نفسه، لا من إنتاج شيء آخر، وهذا بالضبط ما يشكّل ماهية الجمال الحقّة، وعليه فإنّ الجمال يصبح فكرة مجردة إذا لم تتجسد هذه الفكرة في الواقع العينيّ، وبذلك تصبح ميتافيزيقيّة، وهذا عينه رفضه هيغل، إذ نجده ينتقد أفلاطون في هذه الفكرة، فالجمال عند أفلاطون فكرة مجردة موجودة بعالم المثل ولا نلتمس لها أي وجود حسيّ ظاهر، وبهذا يقول هيغل: «وحتّى إذا كان أفلاطون في هذا الصدد يمكن تناوله كأساس وكمرشد، فإنّ التّجريد الأفلاطوني، حتّى بالنسبة إلى الفكرة المنطقيّة للجميل لا يعود يقنعنا بالمرة، إذ علينا أن نستوعب، هذه الفكرة بشكل عين، على نحو أكثر عمقاً، نظراً لأنّ الخواء الذي يلتصق بالفكرة الأفلاطونيّة لا يلبّي الاحتياجات الفلسفية الأكثر غنى لروحنا اليوم، وفي الحقيقة القضيّة هي أنّنا أيضاً يجب أن نبدأ في فلسفة الفنّ بـ«فكرة» الجميل، ولكن لا يجب أن يكون في موضع التمسك بكل بساطة بذلك النمط التجريدي الذي بدأ به التفلسف عن الفنّ»([15]). وهنا يدعو أفلاطون إلى التّأمل والبحث الفلسفيّ، ولكن لا ينبغي أن نتناول موضوعات البحث في جزئيتها، بل نتناولها من حيث هي كلية، فالجمال هو الكليّ، أما صفاته الجزئية موجودة في العالم الحسي، «أعمال فنية جميلة» أو «شجرة جميلة».

أما الصفة الكلية موجودة في عالم المثال، ولذا يدعو أفلاطون أن نتفهم الجمال بصفته الكليّة، وهذا لا يمكن إلا من خلال التّعمّق في التفكير والبحث المنطقيّ والتّصوريّ، وهذا من شأنه يجعل من فكرة الجمال فكرة ميتافيزيقيّة مجردة بعيدة من الواقع الظاهري وعليه فإنّ هيغل يرفض أن يتخذ الجمال صفة التجريد.

من الواضح أن الجمال الطبيعي يتجلّى لنا في مشهد من مشاهد الطبيعة الجميلة، يُعدّ أمراً مختلفاً عن الجمال الفنّي الذي يتجلّى لنا في سيمفونية ما على سبيل المثال لا الحصر. ولكن هل نضع الجمال الفنّي والجمال الطبيعي على قدم المساواة؟ وكيف يمكننا التمييز بين جمال طبيعي وجمال فني، وما هو مفهوم الجمال في الفنّ؟

إنّ الجمال الطبيعي حسب هيغل هو جمال مجرّد، وجد لكي يكون جميلاً، أو لم يُوجد لكي يعي نفسه، وإنما وجد بالنسبة إلينا لأنّنا نفوس واعية ومدركة لهذا الجمال يقول: «ليس الجمال الطبيعي الحي جميلاً لذاته وفي ذاته، مثلما ليس هو نتاج ذاته، ولا موجود بسبب ظاهرة الجميل، فالجمال الطبيعي، ليس جميلاً إلاّ بالنسبة إلى الآخرين، أي بالنسبة إلينا نحن، بالنسبة إلى الوعي المدرك للجمال»([16])، فحين نتأمل الكائن الحيّ في سلوكه الحركي نجده اعتباطي، أي أن الحركة محكومة بالمصادفة، بحيث نجده يلبيّ حاجاته، فيقتات، ويستولي على الغذاء ويلتهمه، ويهضمه وهو بذلك ينجز كل ما يتطلبه بقاءه فهذا من جهة المظهر الخارجي، أما نشاط العضويّة الداخليّة لا نستطيع أن ندركه فهو لا يقع تحت انتباهنا.

وهذان المظهران يغدوان موضوعاً لملكة الفهم لكن هذين الجانبين لا يمكن أن يُظهرا لنا الحياة الحيوانية على أنها ممثلة للجمال الطبيعي وذلك «أنّ الجمال هو ما يميّز هيئة بعينها. سواء في حالة السكون أم الحركة، بصرف النّظر عن تكيف هذه الحالات مع تلبية الحاجات، وبصرف النظر عما يمكن أن يكون في الحركات نفسها من جانب مؤقت وعارض. غير الجمال لا يمكن لغير الشكل أن يعبّر عنه، لأن الشّكل هو وحده التّظاهر الخارجي الذي بواسطته تضع ماثولية الكائن الحيّ الموضوعية نفسها تحت متناول حدسنا وتأملنا الحسيين»([17]).

يعني أن الفكر هو الذي يدرك هذا الكائن في مفهومه لحكم أن هذا المفهوم مفهومه يحكم عموميته أما النظر إلى جماله يكون من خلال واقعه الظاهر وهذا ما يمثله المظهر الخارجي وما يتبدى للعيان وهذا من جهة مفهوم الكينونة للكائن الحي، أما من جهة خصوصيات الظاهر الخارجي نجد أنّ «الشكل يتميز بمداه المكاني، بانحداده، بمظهره، بشكله، بلونه، بحركاته… إلخ، وحشد آخر من التفاصيل المماثلة»([18]).

يرى هيغل أن الجمال الطبيعيّ يوجد كانعكاس للجمال المتعلق بالرّوح وذلك على أساس  أنّه غير مكتمل ووجوده ناقص، أي أنّه كيفيّة غير مستقلة وتابعة للروح. كما أن الجمال «هو الصورة بوصفها وحدة مباشرة للتصور، وحقيقته الواقعة بقدر ما تكون هذه الوحدة حاضرة في تجليها الواقعي المحسوس»([19]). في هذا الصدد نجد أنفسنا أمام أنواع من الحياة، حياة عضوية تتمثل في الكائنات الحية والإنسان وحياة لا عضوية مثل البنايات والكواكب. كما نجد أنّه من وجهة نظر هيغل «أنّنا اعتدنا في حياتنا اليوميّة أن نتحدث عن سماء جميلة، وأزهار جميلة، وحيوانات جميلة، وعلاوة على ذلك القول بالموجودات الجميلة»([20]). كما أنّ الجمال في الطبيعة يكشف عن نقائص خطيرة لأنّ السبب المهم أكثر من غيره في إظهار الجمال الحقيقيّ هو الحرية واللامتناهي، والفكرة بما هي كذلك لامتناهية على نحو مطلق. فالحياة التي تشيع في الطبيعة هي جميلة من حيث هي تجسّد مباشر وحسيّ للحياة، ومن حيث هي صورة موضوعيّة ومحسوسة. ما هي الكيفيّة التي يتحقق بها المفهوم في عالم الطّبيعة ليصير فكرة في هذه الحالات؟ وكيف ولماذا الوجود في الحياة يبدو لنا جميلاً في آنيته أي في وجوده البشريّ؟ يقول هيغل: «أول ما يقع تحت النّظر حين نتأمل الكائن الحيّ في تظاهراته وسلوكه، هو الحركة الإراديّة، هذه الحركة منظوراً إليها كحركة بوجه عام، لا تعدو أن تكون الحريّة التامّة، التجريد في التغيير الزماني للمكان، هذا التّغيير الذي يبدو اعتباطياً في حالة الحيوان، كما تبدو الحركة نفسها، وكأنها محكومة بالمصادفة»([21]).

هنا حسب أن الكيفيّة التي يعتمدها أيّ كائن حي ليشبع حاجاته الضروريّة من غذاء، طريقة أخذ الطعام، طريقة التهامه وهضمه، أي كل ما يساعد على بقاء حياة هذا الحيوان غير كافية كي توضح وتمثل الجمال الطبيعيّ الذي لا يمكن التّعبير عنه إلا في شكل. أي أنّه التّجلي الخارجي الذي به الموضوعية المثالية للكائن الحي تبدو لعياننا الحسيّ، ولتأملنا الحسيّ، لكن الشكل هو امتداد في المكان بحدوده ومظهره ولونه وحركاته، وبالتالي فهذا دليل على أنّ الكائن العضويّ هو مجموعة من الاختلافات والتنوع، ومنه يستمدّ وجوده، إذاً هو كلّ تتجمّع أجزاؤه المختلفة لتبدو لنا أشياء محسوسة.

يرى هيغل أن النفس لا تتجلى بما هي نفس في الطّبيعة، لأنّ الوحدة الذاتية لم تصبح بعد وحدة في ذاتّها، وبالتالي تدرك النفس بحسب تصوّرها، إذاً هنا ازدواجية بين عيان الشكل الحيّ من حيث أنه الاصطفاف المحض للأعضاء وتصوّر النّفس بوصفها تصوراً لا تفرض نفسها بصورة حسيّة ومباشرة على الحدس([22]).

إذاً، هذا هو سيرورة الحياة كحل للتّناقضّ بين الوحدة الفكرويّة للأعضاء وبين انفصالها الواقعيّ، أيّ التّأمين الحسيّ للفروقات الواقعيّة لجميع الأعضاء، ولجميع تعيينات العضويّة، ومن جهة أخرى الانعزال والتّجمّد في استقلالها، بعضها عن بعض، أيّ مثاليّة عامة تنعشها وتنشّط فيها الحياة، وهذه ليست هي الحال حين يتعلّق الأمر بإدراك الجمال عند هيغل.

إذ إنّ الموضوع يجب أن لا يظهر لنا كشيء مفكر فيه فقط، ولا أن يختلف عن العيان، ولا أن يتعارض معه إذ إنه لا يتعلق إلا بالفكرة. وبناء على ذلك يمكن القول إنّ الجمال الطبيعي نعرفه من خلال شكل التّلاحم الحيّ بين المادة من حيث هي هوية مباشرة، وبين التّشكيلات الطبيعيّة العينيّة، يظهر تلازم الشّكل للمادة بصورة مباشرة بوصفه ماهيتها الحقيقيّة وقوّتها المشكّلة، وبالتالي فليس هناك تحديد دقيق للجمال الطّبيعي، إلا أنّه يمكن في رأيّ هيغل أنه باستطاعتنا أن:

أ – نتحدث أحياناً عن الجمال الطّبيعي، لا سيما عندما نجد أنفسنا أمام منظر طبيعي مثلاً، فهنا لا يوجد تنظيم عضوي للأجزاء، وبالتالي نجد أمامنا تنوّع موضوعات، وتجمع خارجي لأشكال عضويّة وغير عضويّة: كواكب، وديان، جبال، مدن، منازل… إلخ، وداخل هذا التّعداد المكوّن للمشهد، نجد توافقاً أو انسجاماً ممتعاً وأحياناً مثيراً يحرّك فينا الاهتمام.

ب – نميّز بين القبح والجمال في العالم الحيواني، فمثلاً الحيوانات التي تتحرك بصعوبة ويدلّ مظهرها على نشاطية بطيئة ننفر منها، لأن النشاط والحركة السريعة هما علامات على مثاليّة عالية تتميّز بها الحياة، كما أننا نندهش عند بعض الكائنات التي يمكنها الانتقال من شكل إلى آخر، ولكن لا نعدّها جميلة وهذا يمكن أن يكون نتيجة لتعودنا على نمط معين.

ج – نجزم أن هناك علاقة قائمة بين جمال الطّبيعة وبيننا، وهذا بفعل ما يولّده فينا الجمال من حالات نفسيّة وانسجام مع هذه الأحوال، وهناك عدة أمثلة على ذلك ومنه: خرير المياه المنساب في الجداول، وسكون الليل في ضياء القمر… إلخ.

كما أننا نقول بجمال حيوان ما، حينما نشاهد فيه تجلياً نفسياً قريب من التجليات البشرية كالجسارة، المكر، السخاء… إلخ، ومن هنا عدَّ هيغل أن الحياة الحيوانية ذروة جمال الطبيعة، ولكن على الرغم من ذلك إلا أنها حياة محدودة ومرتبطة ببعض الصفات، من حيث أن الدورة الحيوية للحيوان دورة ضعيفة ودوافعها تسيطر عليها الحاجات الطبيعية من غذاء وغريزة جنسية… إلخ.

كما أن الحياة النفسية الباطنية للحياة الحيوانية، والتي تعبّر عن نفسها في الوجه فقيرة، مجردة، لا قِوام ثابتاً لها، ومن ثم فإنّ جانبها الباطني لا يتجلّى بما هو كذلك.

إذاً هناك إشارة من هيغل إلى ما يكتسي الحياة الحيوانية من نقص، وهذا بصريح العبارة من قوله إنّ «الحياة الحيوانية بالمقابل لا تملك هذه الوحدة إلا في ذاتها، وفي هذه الوحدة يكون الواقع، من حيث هو جسمانية، شكل مغاير للوحدة المثالية للنفس، إن الأنا الواعي هو بالنسبة إلى ذاته تلك الوحدة التي لجميع مركباتها عنصر مشترك هو المثالية الواحدة، والأنا يتظاهر بالنسبة إلى الآخرين أيضاً من خلال هذا التّجسد العينيّ الواعيّ، لكن كل ما يفعله الحيوان هو أنه يوحي بمظهره للحدس (Intuition) بوجود نفس، لا يملك منها سوى مظهرها الكدر، فكأنّها نفحة نوع من التبخّر يُغلّف شيء ويؤمّن وحدة الأعضاء، ويكشف في المظهر كله عن البدايات الأولى لطابع خصوصي، تلك هي الثغرة التي ينطوي عليها الجمال الطبيعي»([23]).

إذاً، هذا النقص المتجلي في الجمال الطبيعي، دفع بهيغل إلى افتراض ضرورة المثل الأعلى، من حيث هو جمال فني، وخلاصة قوله هي إن الجمال بالمعنى الحقيقي لا يوجد إلا في الإنسان، لأن هذا الجمال هو تعبير عن الصورة العقلية، والتي لا توجد إلا في عقل الإنسان، ومن هذا الأساس فالجمال في المظاهر الطبيعية لا يُعدُّ جمالاً بالمعنى الحقيقي، لأن المنظر الطبيعي جماد خال من العقل، وكذا الجمال في الحياة الحيوانية هو مرتبة دنيا من الجمال، إذ لا يظهر إلا في حركاته ووحدة أعضائه بين أداء وظائفها. إذاً، التّعبير عن الجمال يقتضي علوّه عن الواقع والطبيعة وهو محاولة لكشف المضمون الباطني للحقيقة.

هذا النقص المتجلي في الجمال الموجود في الطبيعة، جعل هيغل يذهب إلى افتراض ضرورة المثل الأعلى، لذلك نجده يقول: «في ثغرة ستحملنا على المصادرة على ضرورة المثال، من حيث هو جمال فني»([24]).

إذاً، هل هذا الجمال الموجود في الطّبيعة ليس إلاّ مقدمة للمثل الأعلى؟ وهل المثال يتحقق في المجال الطبيعي؟

سنبين كيف عالج هيغل تظاهر المثالي، التعبير عنه، تفريده، وتحقيقه، وجلّ هذا يعني الصفات العامة لجمال الطبيعة في نقطتين أساسيتين هما:

1 – من حيث هو جمال مجرّد خارجي

إذا فصلنا عناصر جمال الطّبيعة عن بعضها البعض سنحصل على تعيين خارجي، ولكن لا نحصل على الشكل المُحايث للفكرة الشّاملة، لأن في هذه المرحلة يصبو الجمال إلى وحدة عينية تجعل الهيئة الواقعية تظاهراً صريحاً للداخل، ولكن لم يتوصّل إليها.

بناء على ذلك تبقى الوحدة خارجية في جمال الطبيعة الذي يقتضي شكلاً محدد ومتعيّن من جهة، ينطوي على وحدة يمكنه بفضلها أن ينتسب إلى ذاته، أي هناك صفات عامة لجمال الطبيعة، حيث أنه ينظّم التنوع الخارجي وفقَ هذا التحديد الذي يُسمّى تماثلاً (symétrie) وانتظاماً (Régularité)، أو تعدُّ تابعاً لقوانين ونسميه انسجاماً (Harmonie):

أ – الانتظام: «التناظم Régularité، بما هو كذلك، يكمن بوجه عام في التّساوي الخارجيّ، أو بتعبير أدقّ في تكرار وجه معين واحد يعطي شكل الوحدة العيّنة»([25]). ولكن هذه الوحدة المجرّدة بعيدة جداً من الشمول العقلي، لأن العقل هنا لا يعي سوى، التماثل المجرد لا التماثل العيني، يعني أن هذه الوحدة ليس لها وجود على الواقع، بل تبقى على مستوى التجريد واللاواقع فقط مثال ذلك: «الخط المستقيم» فهو خطّ منتظم لأنه ليس له إلاّ اتجاه واحد ينبغي على مستوى التجريد مساوياً لنفسه، وكذا المكعّب جسم منتظم لأن كل أضلاعه هي سطوح ذوات مقادير متساوية، كما أنه مؤلّف من خطوط وزوايا متساوية، وباعتبار زواياه قائمة فإنّها لا يمكن أن تتغيّر في المقدار كما هو الحال في الزوايا الحادة أو المنفرجة([26]).

ب – التناظر: يشبه التناظر التناظم ولا يختلف عنه كثيراً والتناظر يقابله التماثل وبذلك فالتناظر «لا يتمثل بتكرار شكل واحد مجرد، بل يتناوب هذا الشكل مع شكل آخر يتكرر بدوره، وهذا الأخير، منظوراً إليه بحد ذاته، متعيّن أيضاً ومماثل لنفسه على الدوام، لكنه غير مساوٍ للشكل الأول الذي هو قريبه الدائم. ومن هذا الاقتران يجب أن تُولد مساواة ووحدة أكثر تعيّناً وأكثر تنوّعاً في ذاتها»([27]).

يعنيّ أن شكل التّناظم لا يرتكز على ذلك التجريد المغالي ومثال ذلك: «واجهة منزل» لها ثلاث نوافذ أعلى ومفصولة بمسافات أكبر أو أصغر، وأخيراً ثلاث نوافذ مشابهة للنوافذ الثلاث الأولى في حجمها وفي المسافات التي تفصل بينهما، وبهذا فإنّ الواجهة تعرض لنا مظهراً تناظرياً، وعلى هذا فالتناظر لا يكتفي بتكرار معين واحد بل يقوم على الفروقات في الشكل واللون والحجم وغيرها من التّعيينات الأخرى فهذا الاقتران المتناظم لتعيينات غير متساوية يولد التناظر.

«إن هذين الشكلين، التناظم، والتناظر يندرجان بصورة رئيسة في عداد التعيّن ضمن نطاق الحجم… فهما مميزان لتعيينات الحجوم ولتشاكلها وترتيبها في اللامساواة»([28])، ومثال ذلك أن التشكيلات الطبيعية العضوية منها واللاعضوية نجدها تحقق الشكل التناظري والتناظمي سواء في الشكل أو في الحجم. فعضوية الإنسان متناظمة ومتناظرة. فله عينان وأذنان وخدان وساقان متساويّان في حين نعلم أنه توجد بعض الأجزاء الداخلية غير متناظمة مثل: القلب والكبد والأمعاء، وبذلك فإن التناظر يظهر من حيث الشكل والحجم، أي يُحدّد الجانب الخارجي من العضوية، في حين التناظم يظهر داخل الوحدة الذاتية الداخلية.

ج – تبعية القوانين: «تشكل على كل حال كلية من الفروق الجوهرية لا تتبدى كفروق وتعارضات فحسب، بل تحقق أيضاً في كليتها وحدة وتلاحماً ومثل هذه الوحدة، المحكومة بقوانين، لا يمكن وإن بقيت على ارتباطها بالكم، إن ترد ثانية إلى محض فروق في الحجم، فروق خارجية بالنسبة إلى ذاتها وقابلة للقياس، بل هي تشتمل سلفاً على علاقات كيفية بين العناصر المختلفة. ولهذا لا تبدي هذه الوحدة للعيان لا تكراراً مجرداً لتعيّن واحد أوحد، ولا تناوباً متناظماً للمتساوي واللامتساوي، بل تشتمل على تلاقي واجتماع جوانب مختلفة جوهرياً»([29]).

لكن هذه الفروقات على الرغم من اجتماعها إلا أنها لا تظهر للعيان على أنها مختلفة وذلك عائد إلى الارتباط الكبير بين هذه الفروقات بواسطة رابط خفي ومثال ذلك: «الإهليليج» يتمتع بدرجة أقل من التناظم ولا يمكن التعرّف عليه إلا بالاستناد إلى القوانين التي يخضع لها وبالتالي تنظمه، فالإهليليج يوجد به فرق أساسي وهو عدم توافق وتكافؤ بين المحورين الصغير والكبير ومركزه لا يتطابق مع مركز الدائرة، إلا أنّ هذه الاختلافات هي اختلافات كيفية لكنها خاضعة ومحددة بقوانين، وهنا ينعدم تماماً التناظم على الرغم من وجود قوانين تحدد الشكل، فلو قسمنا هذا الشكل البيضاوي إلى قسمين لحصلنا على نصفين غير متساويين وأحداهما لا يكرر الآخر، وهذا بالضبط ما ينطبق على العضوية الحية، إذ نجد خطوط أحد الذّراعين ليس لها نفس اتجاه ذراع الجنب المقابل، وهنا فعل القوانين هو الذي يحدّد الأشكال البالغة التنوع للعضوية الحية، إذ نجد الاختلاف في الوحدة، وذلك عائد إلى أنّ القانون لا يمارس سلطانه إلاّ بكيفية مجرّدة وهذا من الجهة الأولى أما من الجهة الثانية، فتلك الفروقات الذاتيّة هي الشرط الوحيد للتظاهر الحيّ والمثالي.

د – التناسق: «ينجم التناسق، بالفعل، عن العلاقة بين فروق كيفية، فهو يشكّل كلية لهذه الفروق تكمن علّتها في طبيعة الشيء بالذات. وتفلت هذه العلاقة من تأثير القوانين، ذلك بقدر ما يكون لها جانب يتسم بالتناظم، ولكنها تتجاوز المساواة والتكرار. وفي الوقت نفسه تؤكد الفروق نفسها لا كفروق في تعارضاتها وتناقضاتها، بل كوحدة متناسقة تبرز للعيان جميع الآناء التي منها تتألف، لكنها تحتويها كلها في وضع كل واحد أوحد»([30]).

وهذا هو التعريف الأشمل للتناسق، فهو يمثّل كلية الجوانب الأساسية في حين من جهة أخرى يمثّل الإلغاء التام لكل الاختلافات والتعارضات البسيطة وهذا يعود إلى ذلك الاتحاد الداخلي في ما بينها والذي يظهر في شكل وحدة كاملة التناسق ومثال ذلك: «الأصوات الموسيقية» إذ تؤلف أصوات من الدرجات الأولى والثانية والثالثة والرابعة… من السلم الموسيقي، فهذه الأصوات النغمية على الرغم من اختلاف درجاتها إلا أنها تتوافق وتجتمع في ما بينها على الرغم من تباينها واختلافها وتشكّل وحدة كلية تناسقية، وهذه الوحدة تنجم عن نفي لتلك الفروق، وبهذا النفي تتولّد الوحدة ولكن ليس التناسق هو الذي يخلق هذه الوحدة المثالية. مثال ذلك: شخصان يقومان بأداء اللحن نفسه ، يقوم على أساس التناسق، لكن في الحقيقة أن كل لحن من هذه الألحان يختلف عن اللحن الآخر، ولكن هذا الاختلاف ليس ظاهراً، لأن كلّ لحن من هذه الألحان يعبّر عن ذاتية أسمى وأكثر حرية، وبهذا فالتناسق البسيط لا يظهر للعيان، لا الرّوحية ولا الحيوية الذاتية، وذلك لأنه يشكل الدرجة العليا للشكل المجرد والتعبير الأوّل للوحدة المجرّدة.

2 – الجمال بوصفه وحدة مجرّدة للمادة المحسوسة

يقصد هيغل بالجمال في المادة المحسوسة، حينما تظهر المادة صافية طاهرة، وبالتالي استبعاد كل تباين واختلاف، إذ إن هذا الصفاء يكون من حيث الشكل، اللون والصوت؛ وهذا هو العنصر الجوهري المحقق لجمالها، إذاً، جمالها مرهون بمدى بصيرتنا تجاهها، وهنا يعطينا مثالاً عن الخطوط المرسومة، والتي تمتد بشكل مطرد، وتكون جلية من دون انحراف إلى اليسار أو إلى اليمين، نجد أنفسنا نستريح إليها.

كما أن سكون سطح ماء، وصفاء السماء، تبعث كلّها الرضا والراحة في ذواتنا، أما في ما يخص الأصوات، فكذلك الصوت الخشن العكر يدعو إلى الغموض والنفور، أما الصوت الصافي يبعث فينا الارتياح.

يعدُّ الجمال الطبيعي في رأي هيغل ناقصاً، وهذا بسبب تناهي الموضوعات الطبيعية، إذ إنه حتى ولو كان العقل الإنساني مؤهلاً لإدراك المطلق في الصورة الحسية، إلا أنه في المرحلة الحالية مسلوب الرّوح، ومن هنا لا بدّ أن يخلق لذاته موضوعات الجمال، وبالتالي تنشأ وتظهر الحاجة إلى الفنّ ففي رأيه الجمال الطّبيعي أدنى مرتبة من الجمال الفنّي، ومنه «فالجمال الطّبيعي ليس جميلاً في ذاته ولذاته، وليس موجوداً بسبب ظاهره الجميل، وإنّما هو جميل بالنسبة إلى الآخرين، أي بالنسبة إلينا نحن. أي بالنسبة إلى الوعي المدرك للجمال»([31]). ولكن على الرغم من هذا فإنّ الجمال الطبيعي هو أول تعبير عن الجمال.

إن نقص جمال الشكل الطبيعي يرجع بشكل مباشر إلى خضوع هذا الأخير إلى جملة من القوانين، التي جعلت منه ناقصاً ومجرداً، يعجز عن تجسيد الصورة الجماليّة على الواقع العيني،إذ «إن الفكرة هي الجمال الكامل في ذاته، بينما الطبيعة من هذا هي جمال ناقص»([32])، وذلك لأنّ الفكرة هي الجوهري العام في تجسيد مفهوم الجمال الكامل، أي هي وحدة المفهوم وواقعه، بمعنى أن الفكرة يجب أن تتقّدم وتتجه نحو الواقع الخارجي لتحقق جمالها.

وعلى هذا فالجمال عند هيغل هو التّجلي المحسوس للفكرة التي هي وحدة المفهوم وواقعه وهي الجوهري والعام. فالفكرة ليست هي الفكرة بالمعنى الحقيقي للكلمة من دون وخارج واقعها، وعليه فالفكرة ينبغي أن تتقدم باتجاه الواقع، وبذلك تكون كينونتها الفكرية مطابقة للمفهوم وتصبح بذلك هي وحدها الواقعية والحقيقة، وبهذا علينا أن نتصوّر فكرة الجمال في كينونتها الواقعية، بوصفها عينية ذاتية، فالفكرة ليست بفكرة إلا بقدر ما هي واقعية وتلاقي واقعها في الفردي العيني، وهنا نميّز شكلين من الفردي «الفردي الطبيعي المباشر، والفردي الرّوحي. فالفكرة توجد في هذين الشكلين، وواحد هو المضمون الجوهري لكلا الشكلين، المضمون الذي تشكلّه الفكرة، وفي المضمار الخاص الذي يعنيها هنا، المضمون الذي تشكله فكرة الجمال، لكن أن يكن للجمال الطبيعي، المضمون نفسه الذي للمثال، فمن المهم أن نشير أن الفرق القائم بين الشكلين اللذين فيهما تتحقق الفكرة، أي الفرق بين الفردي الطبيعي والفردي الرّوحي، هو من منظور آخر فرق جوهري أيضاً بين مضموني هذين الشكلين»([33])، وعلى هذا لا بدّ أن نعرف الشكل المناسب الذي يطابق الفكرة حتماً، لأن الفكرة لا تظهر حقيقتها إلا في الشكل الذي يطابقها حقاً.

من الملاحظ دوماً في مجال الطبيعة أن الكائنات الحية لا تحصل على «كينونتها – لذاتها، على فرديتها إلا بفضل صيرورة تتم بلا انقطاع في داخلها وضدّ الطبيعة – لا عضوية بالنسبة إليها – تبتلعها وتهضمها وتتمثلها، محولة الخارجي إلى داخلي ومحقّقة على هذا النحو فحسب كينونتها في  ذاتها» ([34])، يعني أن كل الكائنات وبمختلف أنواعها تعتمد في وجودها وتحقيق ذاتها على غيرها فهي تحول كل ما هو موجود في المجال الخارجي إلى داخلي حتى تبني ذاتها، وذلك من خلال النشاطات التي يقوم بها نظام أجهزتها الخارجية والداخلية حتى تبقى هذه الخليقة على قيد الحياة وبذلك تصبح حياة هذه الخليقة هي حياة الحاجة، ومنظّمة وفق مبدأ الغائية، وعلى هذا «فالخليقة الحية ليست حرّة بعد بالقدر الكافي لتتمكن من توكيد نفسها كذات فردية نقطوية الشكل، على الرّغم من امتداد أعضائها في العالم الخارجي، ويبقى المركز الحقيقي لنشاطات الحياة العضوية خفياً علينا، فلا نعاين سوى المعالم الخارجية للشكل بدوره بالريش، أو بالفلس، أو بالوبر»([35]).

وهذه الخصائص الحيوانية كلها تمثل دونية العضوية الحيوانية من وجهة الصورة الجماليّة، وذلك أن ما نراه في هذه العضوية هو المظهر الخارجي فقط وليس الحياة الداخلية. فالشكل الخارجي يبقى خارجياً وحسب ولا يكشف لنا الأسرار الداخلية كما أن الشكل الداخلي يبقى داخلياً وحسب ولا يتبدى لأنظارنا، أي أنّه لا يوجد أي رابط أو صلة تتغلغل داخل الذات ويمكننا من معرفة مكوّناتها وأجزائها كافة.

وهذا ما ينطبق تماماً على العضوية الإنسانية فلا يمكن أن ندرك منها سوى الشكل الخارجي لها من وجه، وأنف، وشعر، ومسام، وأن نقيس ضغط دمه وخفقان قلبه، ولكن على الرغم من هذا توجد العديد من الثغرات على الحياة الداخلية لا تتظاهر في كل الواقع الإنسانيّ وذلك «فالعلل الباطنية لهذه الأفعال والأحداث لا تظهر على الدوام إلى السطح. ولا تكون على الدوام مرئية غير المظهر الخارجيّ لتحقيقها المباشر»([36])، وهذا يعني أنه لا يتبدى لنا من كلية الفرد سوى واقعيته الخارجية، أي وجوده الخارجي فقط، من خلال مساعيه ورغباته وأنماط عيشه، في حين تبقى الباطنية دفينة لا يمكن الكشف عنها، من شأنه يشكّل لنا عائق في إدراك شخصية هذا الفرد وأهوائه التي تشكل جزءًا من واقعه.

كما نجد هذا الفرد دوماً في حالة تبعية للطبيعة الخارجية، إذ لا يستطيع أن يحقق وجوده بمفرده، إذ نجده تابع إلى مختلف القوانين والمؤسسات الاجتماعيّة والسياسيّة مسبقة الوجود عليه فلا خيار له، إلا أن يمتثل لها من دون أن يتساءل هل تتفق أو لا تتفق مع داخليته، وبهذا تصبح ذاتية الفرد ليست بالنسبة إلى الآخرين كليّة في ذاتها وإنّما يصبح الحكم عليها، بما تنطوي عليه أفعالها من نفع مباشر.

وانطلاقاً ممّا سبق وذكرناه، نستنتج نتيجة أساسيّة وهي أنّ «الفكرة تكتسب بفضل مباشرية الفردي على وجه التحديد وجوداً واقعياً لكن هذه المباشرية بالذات تخلق بينها وبين العالم الخارجي علاقات متعددة ومتشابكة، فالفكرة تصطدم بضغط ظروف وأوضاع خارجية، بنسبية الغايات والوسائل»([37]). وهنا يكون الوجود الفردي المباشر حسب داخل ذاته ونتيجة لهذه العزلة نجده يعقد صلات مع الآخرين، مما يجعله يسقط في التّبعيّة للأشياء المغايرة لنفسه، ومن ثم تبدو كينونة هذا الوجود منظوراً إليها على أنّها نسق من العلاقات بين الأفراد، وكلّ نسق من هذه الأنساق يستخدم كوسيلة في خدمة غايات أجنبية غريبة عنه أي أنه يكون بحاجة إلى ما هو خارجي ليستخدمه كوسيلة.

وعلى هذا فإن «الفكرة بوجه من العموم لا تتحقّق هنا إلا على صعيد الخارجية، يتراءى للمرء وكأنه يشهد انفلات العسف والمصادفة وهجمة البؤس والإملاق الرّوحيين»([38])، وهنا الفكرة تكون قد حقّقت كل مظهر من مظاهرها على حدة، وذلك أن الرابط بين الموجودات منفصل آتٍ من الخارج، كأنّه ضرورة خارجية تفرضها تابعيات عدة كما يفرضها الواقع، إذ نجد العضوية الإنسانية في وجودها، تواجه حالة من التبعية للقوى الطبيعية الخارجية، إذ نجدها تتعرّض إلى العديد من الأمراض وشتّى صنوف الحرمان والبؤس، وهو بذلك يكون أسير في شبكة من ظروف خصوصية وعوائق وشروط نسبية ونتيجة لهذه الأسباب كلها يبدو الفرد محروم من تلك الحيوية وتلك الحرية اللتين هما في أساس الجمال.

وعلى هذا فإنّ العالم الطبيعي هو عالم متقلب ومتناه مليء بالصّراعات وتشابكات النسبية والضغوطات التي لا يستطيع الفرد التّملص منها وبذلك فالفرد يبقى دوماً في حالة من التبعية لما ليس هو.

أخيراً، تكمن محدودية الوجود الفردي في أنّ «كل فرد حيّ منتم إلى العالم الحيواني يندرج قبل كل شيء في عداد نوع محدد، محدود، وبالتّالي ثابت، يتعذّر عليه تخطّي حدوده»([39])، إذ إنّ الفرد هنا يخضع إلى حدود غير قابلة إلى التّخطي وهي متأتيّة من الشّروط الخارجيّة إذ إنّ كل فرد يخضع إلى تبعية ولكنها تختلف وفق المصادفات والمظاهر الخارجيّة. وهذا بدوره يقضي على الاستقلال الفردي والحرية ومنه يؤثر بشكل مباشر على المنظر الجماليّ. وهذا ما يجعل الرّوح يبقى عاجزاً، في تناهيّ الوجود في تحدده وتبعيته الخارجيّة، لاستعادة استقلاليته وحريته يسعى إلى البحث عن مستوى أعلى من هذا المستوى لتلبية ميوله، وهذا المستوى هو الفنّ.

خاتمة

في ختام هذا البحث، نستخلص أن فلسفة هيغل الجماليّة، كان لها أعظم أثر على فلسفة القرن العشرين، وذلك لأن هيغل على الرغم من تأثره بالفلاسفة السابقين عليه، إلا أنه كانت له رؤية بعيدة الأفق جعلت من فكره ينحو منحى آخر. لقد سمح لنا هذا البحث والمتابعة المسيحية التاريخية من ناحية، والتّحليليّة من ناحية أخرى، إلى احتساب أن التّصور الهيغليّ للجمال حلقة أساسية، متلاحمة ومتواصلة في تاريخ الفكر الفلسفيّ عموماً، وفي تاريخ علم الجمال خصوصاً، هي حلقة متواصلة مع ما سبقها من أفكار جمالية سواء كان هذا عند القدماء الشّرقيين وما تميّزت به من ابتعاد من الحقيقة وخضوعها لطابع ارستقراطي متجه اتجاهاً دينياً اصطبغ بالطابع الرّوحي. ثم كان داخل الثقافة اليونانية تارة بتجاهل الحقيقة المحسوسة على أساس انعكاس ضعيف ومبهم لعالم آخر رائع ومتكامل وهذا مع أفلاطون، وتارة أخرى مع أرسطو بالبحث عن الأفكار العامة والعالمية والتي ساعدت على قيام العلوم الطبيعية ووضعت منهجاً للتفكير لقرون طويلة. وهناك عدة قراءات تاريخية مختلفة إلى كانط الذي عبّر عن نظريته في الجمال من خلال مصنّفه «نقد الحكم» والذي يعدّ مقدّمة لا غنى عنها في علم الجمال، وخاصة باتجاهه للبحث عن عناصر أولية سابقة على التجربة. وبالتالي تبيّن لنا أنه يقدم تحليلاً فلسفياً، يؤكد به استقلال ملكة الشعور بالجمال عند الإنسان عن ملكة المعرفة التي تعتمد على النشاط العقلي، وتستقلّ عن ملكة السلوك الأخلاقي الذي يعتمد على ملكة الإرادة في الإنسان، ومنه يُحدد الشروط الأساسية في الحكم على الشيء الجميل.

كما أظهر لنا هذا البحث كيف تأثّر هيغل بهذا الإنتاج الفكري الوفير في فلسفة الجمال، ليبني طرحاً جديداً في ميتافيزيقا الجمال، مؤكداً على أن الجمال يتجسّد في الفكر وليس في المظهر والشكل الخارجي وعلى هذا نجد أنه يميّز بين نوعين من الجمال الطبيعي والفنّي، فالجمال الطبيعي يرفضه تماماً لأنه تقليد ومحاكاة وبالتالي يكون خالياً من أي إبداع ذهني. في حين نجد هيغل يعلي من درجة الجمال الفنّي، لأنه وليد فكر الإنسان وروحه، وما دام أن هذا الفنّ وليد العقل، ولا بد من ضرورة أن يكون وسيلة لتمرير الأفكار والحقائق، وهنا يصبح الفنّان فيلسوفاً. وهذا ما أكد عليه هيغل في كل أبحاثه على أن مهمة الفنّان هي التّعبير عن الرّوح المطلق وإذا فشل في التعبير على هذا يصبح فنه لا قيمة له ولا جدوى منه.

إذاً، الجمال الفنّي هو وحده الذي يكفل التوحيد بين الفكرة والشكل، لأنه ينبع من روح الإنسان وجوهره، وليست الرغبة هي ما يربط الإنسان بالعمل الفنّي؛ لأن الحكم الجماليّ موضوع للفكر والتأمل غير أن التأمل الجماليّ يختلف عن التأمل في العالم، لأن التأمل الفنّي حسي والتأمل في العلم جوهري.

لقد تبيّن لنا أخيراً، أن معرفة حاجة الإنسان إلى النشاط الجماليّ تنبع من رغبته في معرفة نفسه، وتلبية احتياجات روحية عميقة لديه، ومنه فالإنسان في تلقيه للعمل الفنّي يتأمّله دون أن يستهلكه.

هكذا، كان عرضنا لرؤية جديدة ومغايرة لما سبق وطرحناه لأهم المحاور في فلسفة هيغل الجماليّة.

الهوامش

(1) د. الصبّاغ، رمضان، الفنّ والقيم الجماليّة بين المثالية والمادية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ط1، الإسكندرية، 2001م، ص 134.

(2) د. جيهامي، جيرار، موسوعة مصطلحات فلسفيّة عند العرب. مكتبة لبنان، ناشرون، ط1، 1998م، ص 201.

(3) هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط3، 1988م، ص 165.

(4) المصدر نفسه، ص 183.

(5) المصدر نفسه، ص 188.

(6) هيغل، فينومينولوجيّا الرّوح، ترجمة وتقديم د. ناجي العونلي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2006م، ص 682.

(7) كانط، إيمانويل، نقد ملكة الحكم، ترجمة غانم حنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2005م، ص249.

(8) Hegel, Aesthe tics, lectures on philosophy of fint art, trans by: M. knos, two volumes, oxford university, Press 1979, p.99.

(9) هيغل، المدخل إلى علم الجمال فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 165.

(10) المصدر نفسه، ص 189.

(11) المصدر نفسه، ص 190.

(12) المصدر نفسه، ص 164.

(13)  المصدر نفسه، ص ص 183 – 184.

(14)  هيغل، علم الجمال وفلسفة الفنّ، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، ط1، مكتبة دار الحكمة، بيروت، 2007م، ص 182.

(15) هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 206.

(16) المصدر نفسه، ص 207.

(17)  المصدر نفسه، ص 208.

(18)  د. بدوي، عبد الرحمن، فلسفة الجمال والفنّ عند هيغل، دار الشروق، ط1، 1996م، ص 65.

(19)- Hegel, G.W.F. on Art In (on art, religion, philosophy), p23.

(20) هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 209.

(21) د. بدوي، عبد الرحمن، فلسفة الجمال والفنّ عند هيغل، مرجع سابق، ص 66.

(22) د. المقدم عدرة، غادة، فلسفة النظريات الجماليّة، جروس بريس، طرابلس، لبنان، ط1، 1996م، ص ص 184 – 185.

(23) هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص ص 218 – 219.

(24) المصدر نفسه، ص 222.

(25) د. محمد غانم البسطاويسي، رمضان، فلسفة هيغل الجماليّة، المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1991م، ص ص 110 – 111.

(26)هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 222.

(27) المصدر نفسه، ص 223.

(28)  المصدر نفسه، ص 227.

(29) المصدر نفسه، ص 229.

(30) أدهم، علي، فصول في الأدب والنقد والتاريخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1979م، ص 229.

(31) هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 234.

(32) المصدر نفسه، ص 235.

(33) المصدر نفسه، ص 236.

(34)  المصدر نفسه، ص 237.

(35) المصدر نفسه، ص 239.

(36) المصدر نفسه، ص 240.

(37)  المصدر نفسه، ص 241.

(38)  المصدر نفسه، ص 244.

المصادر والمراجع

1- أدهم، علي، فصول في الأدب والنقد والتاريخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1979م. 2- بدوي، عبد الرحمن، فلسفة الجمال والفنّ عند هيغل، دار الشروق، ط1، 1996م.

3- جيهامي، جيرار، موسوعة مصطلحات فلسفيّة عند العرب. مكتبة لبنان، ناشرون، ط1، 1998م، ص 201.

4- الصبّاغ، رمضان، الفنّ والقيم الجماليّة بين المثالية والمادية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ط1، الإسكندرية، 2001م.

5- كانط، إيمانويل، نقد ملكة الحكم، ترجمة غانم حنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2005م.

6- المقدم عدرة، غادة، فلسفة النظريات الجماليّة، جروس بريس، طرابلس، لبنان، ط1، 1996م.

7- محمد غانم البسطاويسي، رمضان، فلسفة هيغل الجماليّة، المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1991م.

8- هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط3، 1988م.

9-هيغل، فينومينولوجيّا الرّوح، ترجمة وتقديم د. ناجي العونلي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2006م.

10-هيغل، علم الجمال وفلسفة الفنّ، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، ط1، مكتبة دار الحكمة، بيروت، 2007م.

المصادر الأجنبية

1-Hegel, Aesthe tics, lectures on philosophy of fint art, trans by: M. knos, two volumes, oxford university, Press 1979.

Hegel, G.W.F. on Art In (on art, religion, philosophy), p23

 

1- أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية– كلية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم الفلسفة- الفرع الأول.

-[2]  د. الصبّاغ، رمضان، الفنّ والقيم الجماليّة بين المثالية والمادية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ط1، الإسكندرية، 2001م، ص 134.

[3]  – د. جيهامي، جيرار، موسوعة مصطلحات فلسفية عند العرب. مكتبة لبنان، ناشرون، ط1، 1998م، ص 201.

[4]  هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط3، 1988م، ص 165.

[5]  المصدر نفسه، ص 183.

[6]  المصدر نفسه، ص 188.

[7] – هيغل، فينومينولوجيا الرّوح، ترجمة وتقديم د. ناجي العونلي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2006م، ص 682.

[8] – كانط، إيمانويل، نقد ملكة الحكم، ترجمة غانم حنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2005م، ص249.

[9]– Hegal, Aesthe tics, lectures on philosophy of fint art, trans by: M. knos, two volumes, oxford university, Press 1979, p.99.

-[10]  هيغل، المدخل إلى علم الجمال فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 165.

-[11]  المصدر نفسه، ص 189.

-[12]  المصدر نفسه، ص 190.

-[13]  المصدر نفسه، ص 164.

-[14]  المصدر نفسه، ص 183 – 184.

-[15]  هيغل، علم الجمال وفلسفة الفنّ، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، ط1، مكتبة دار الحكمة، بيروت، 2007م، ص 182.

-[16]  هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 206.

-[17]  المصدر نفسه، ص 207.

-[18]  المصدر نفسه، ص 208.

-[19]  د. بدوي، عبد الرحمن، فلسفة المال والفنّ عند هيغل، دار الشروق، ط1، 1996م، ص 65.

[20] -Hegel, G.W.F. on Art In (on art, religion, philosophy), p23.

[21] – هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 209.

-[22]  د. بدوي، عبد الرحمن، فلسفة الجمال والفنّ عند هيغل، مرجع سابق، ص 66.

[23]  – د. المقدم عدرة، غادة، فلسفة النظريات الجماليّة، جروس بريس، طرابلس، لبنان، ط1، 1996م، ص ص 184 – 185.

-[24]  هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص ص 218 – 219.

-[25]  المصدر نفسه، ص 222.

[26] – د. محمد غانم البسطاويسي، رمضان، فلسفة هيغل الجماليّة، المؤسّسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1991م، ص ص 110 – 111.

-[27]  هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 222.

[28] – المصدر نفسه، ص 223.

[29] – المصدر نفسه، ص 227.

[30] – المصدر نفسه، ص 229.

[31] – أدهم، علي، فصول في الأدب والنقد والتاريخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1979م، ص 229.

[32] – هيغل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، مصدر سابق، ص 234.

[33] – المصدر نفسه، ص 235.

-[34]  المصدر نفسه، ص 236.

[35] – المصدر نفسه، ص 237.

-[36]  المصدر نفسه، ص 239.

[37] – المصدر نفسه، ص 240.

-[38]  المصدر نفسه، ص 241.

[39] – المصدر نفسه، ص 244.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.