عنوان البحث: دور الإرشاد النّفسي في إعادة توجيه السّلوك العدواني داخل المدرسة المتوسطة
اسم الكاتب: إحسان محمد شمص
تاريخ النشر: 2026/03/05
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 42
تحميل البحث بصيغة PDFدور الإرشاد النّفسي في إعادة توجيه السّلوك العدواني داخل المدرسة المتوسطة
The Role of Psychological Counseling in Redirecting Aggressive Behavior in Middle Schools
إحسان محمد شمص([1])Ehsan mohammad chamas
Dr. Fawzi Abed El Hussein Ayoub إشراف: أ. د. فوزي أيوب([2])
تاريخ الإرسال:29-12-2025 تاريخ القبول:8-1-2026
turnitin:1% الملخص
تتناول هذه الدّراسة دور الإرشاد النّفسي المدرسي في إعادة توجيه السّلوك العدواني لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة، انطلاقًا من عدّ هذه المرحلة حساسة نمائيًا وتشهد تزايدًا في المشكلات السّلوكيّة والانفعاليّة، وتبرز الدّراسة التّحول من مقاربات انضباطيّة تركز على خفض السّلوك الظاهر إلى مقاربات إرشاديّة حديثة تستند إلى التّوجيه النمائي، والتّعلم الاجتماعي–الانفعالي، والمقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة، مع مراعاة تفاعل التّلميذ مع سياقه المدرسي. وتخلص القراءة النّظريّة إلى أنّ العدوان ظاهرة متعددة الأبعاد ترتبط بضعف تنظيم الانفعال وتشوهات معرفيّة وعوامل اجتماعيّة–مدرسيّة، وأنّ فعاليّة الإرشاد تتحقق عبر آليات مثل تنمية الضّبط الذاتي، وإعادة البناء المعرفي، وتدريب المهارات الاجتماعيّة، ضمن مناخ مدرسي داعم ونماذج تدخل متعددة المستويات، بما يعزز تغيرًا أعمق وأكثر استدامة من مجرد الضّبط الخارجي.
الكلمات المفتاحية: الإرشاد النّفسي المدرسي؛ السّلوك العدواني؛ التعلم الاجتماعي–الانفعالي؛ المقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة؛ الدعم متعدد المستويات.
Abstract
This article examines the role of school psychological counseling in redirecting aggressive behavior among middle school students, considering this stage as developmentally sensitive and prone to increased behavioral and emotional difficulties. It highlights a shift from disciplinary approaches focused on suppressing observable behavior to contemporary counseling frameworks grounded in developmental guidance, social–emotional learning, and cognitive–behavioral approaches, while accounting for the student–school context interaction. The theoretical analysis suggests that aggression is a multidimensional phenomenon linked to deficits in emotion regulation, cognitive distortions, and social–school factors. Accordingly, counseling effectiveness is achieved through mechanisms such as strengthening self-regulation, cognitive restructuring, and social skills training, implemented within a supportive school climate and multi-tiered intervention frameworks, thereby promoting deeper and more sustainable change than external control alone.
Keywords: School psychological counseling; Aggressive behavior; Social–emotional learning (SEL); Cognitive–behavioral approach (CBT); Multi-Tiered System of Supports (MTSS).
1. المقدمة
أصبحت قضايا الصّحّة النّفسيّة والسّلوكيّة لدى التلاميذ من الاهتمامات المحوريّة في النّظم التّربويّة المعاصرة، خاصة في ظل تزايد الوعي بدور المدرسة في دعم النّمو النّفسي والاجتماعي، إلى جانب دورها الأكاديمي التّقليدي، وتشير الدّراسات الحديثة إلى أنّ المؤسسات التّعليميّة، ولا سيما في مرحلة التّعليم المتوسط، تُعد بيئات حاسمة للتدخل المبكر في المشكلات السّلوكيّة والانفعاليّة، لما لهذه المرحلة من خصوصيّة نمائيّة تتسم بتسارع التّغيرات المعرفيّة والانفعاليّة وبناء الهُويّة الاجتماعيّة (Hughey & Akos, 2005؛ Perret, 2024؛ Lu et al., 2025).
وتُعد المرحلة المتوسطة من أكثر المراحل التّعليميّة حساسيّة من النّاحية النّفسية، إذ يواجه التّلاميذ تحديات متداخلة تتعلق بتنظيم الانفعالات، وإدارة العلاقات مع الأقران، والتّكيّف مع متطلبات مدرسيّة واجتماعيّة متزايدة، وقد بيّنت دراسات متعددة أنّ هذه التّحولات قد تتجلى في سلوكيّات مشكلة، من أبرزها السّلوك العدواني بأشكاله الجسديّة واللفظيّة، والاجتماعيّة والذي يمثل أحد أكثر التّحديات شيوعًا داخل البيئة المدرسيّة في هذه المرحلة (Babinski et al., 2023؛ Park & Choi, 2024؛ Zachik et al., 2024).
في هذا السّياق، برز الإرشاد النّفسي المدرسي بوصفه أحد المداخل التربويّة الأساسية لمعالجة المشكلات السّلوكيّة والانفعاليّة ودعم التوافق النّفسي للتلاميذ، وقد شهد هذا المجال تحولًا نوعيًا من التّركيز على التوجيه الأكاديمي المحدود إلى تبني نماذج شموليّة تدمج البعد النمائي، والوقائي، والعلاجي، وتستند إلى أطر نظريّة متعددة، مثل التوجيه النّمائي، والتعلم الاجتماعي–الانفعالي، والمقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة (Green & Keys, 2001؛ Lemberger, 2010؛ White & White, 2025)، وتشير نتائج دراسات حديثة إلى أنّ خدمات الإرشاد النّفسي المدرسي، حين تُنفّذ ضمن أطر نظرية واضحة، تسهم في تحسين التّنظيم الانفعالي، وتنمية المهارات الاجتماعيّة، والرّفع من مستوى التّكيّف المدرسي والتّحصيل الأكاديمي لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة (Knight et al., 2019؛ Simbolon & Purba, 2022؛ Rahmatunnida et al., 2024).
وعلى الرّغم من هذا التطور، لا تزال الممارسات المدرسيّة في التّعامل مع السّلوك العدواني تميل في كثير من السياقات إلى المقاربات الانضباطيّة، والعقابيّة التي تركز على التحكم في السّلوك أو خفض مظاهره الظاهرة، من دون التعمق في فهم أسبابه النّفسيّة والمعرفيّة والاجتماعيّة، وأنّ هذا التوجه يؤدي غالبًا إلى نتائج محدودة أو مجاليّة، فينخفض السّلوك العدواني في سياقات معيّنة من دون أن ينعكس ذلك على التّكيّف النّفسي العام للتلميذ أو على استدامة التغيّر السّلوكي (Social Emotional Learning in Middle School…, 2022؛ Kim et al., 2024).
كما كشفت تحليلات نقديّة للأدبيات وجود فجوة واضحة بين التّنظير الإرشادي والممارسة المدرسيّة، تتمثل في محدوديّة التّوظيف الصّريح للنظريات النّفسيّة داخل برامج الإرشاد النّفسي المدرسي، والاكتفاء أحيانًا بتطبيق أنشطة أو برامج لا تستند إلى تصور واضح لآليات التّغيير السّلوكي (Lemberger-Truelove et al., 2020؛ Kim et al., 2024)، وتزداد أهمية هذه الإشكاليّة في المرحلة المتوسطة، إذ تشير عدة دراسات إلى أنّ التدخلات الفعّالة يجب أن تراعي الخصائص النمائيّة للتلاميذ، وأن تتعامل مع السّلوك العدواني بوصفه تعبيرًا عن صعوبات في التّنظيم الانفعالي أو تشوهات معرفيّة أو اختلالات في التّفاعل الاجتماعي، وليس مجرد خرق للنظام المدرسي (Warren et al., 2024؛ White & White, 2025).
وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى معالجة نظريّة معمقة لدور الإرشاد النّفسي المدرسي في التّعامل مع السّلوك العدواني داخل المدرسة المتوسطة، من خلال تحليل النّماذج الإرشاديّة الحديثة التي تركز على التغيير النّفسي الداخلي، وتولي أهمّيّة للسّياق المدرسي، وتسعى إلى بناء بدائل سلوكيّة أكثر تكيفًا، بما يسهم في توضيح أبعاد هذا الدّور ومتطلباته في ضوء التحولات المعاصرة في الممارسة الإرشاديّة.
2. إشكاليّة الدّراسة
يُعد السّلوك العدواني داخل المدرسة المتوسطة من أبرز المشكلات السّلوكيّة المرتبطة بمرحلة المراهقة المبكرة، نظرًا لتعدد أشكاله وتداخل عوامله النّفسيّة والاجتماعيّة، وما يترتب عليه من آثار سلبيّة في التّكيّف النّفسي والمناخ المدرسي (Babinski et al., 2023؛ Park & Choi, 2024)، وتشير الدّراسات الحديثة إلى أنّ كثيرًا من الممارسات المدرسيّة في التّعامل مع هذا السّلوك لا تزال تركز على الضبط والعقاب وخفض المظاهر السّلوكيّة الظاهرة، من دون معالجة الجذور المعرفيّة والانفعاليّة المنتجة للعدوان، وهو ما يحد من استدامة التغيّر السّلوكي (Social Emotional Learning in Middle School…, 2022؛ Kim et al., 2024).
في المقابل، تؤكد النّماذج الإرشاديّة المعاصرة، مثل المقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة والتّعلّم الاجتماعي–الانفعالي، ومقاربة “الطالب داخل بيئته”، أنّ العدوان يُفهم بوصفه سلوكًا متعلمًا قابلًا لإعادة التوجيه عبر العمل على الأفكار والانفعالات والمهارات الاجتماعيّة، وفي إطار سياق مدرسي داعم (Zyromski & Joseph, 2008؛ Lemberger, 2010؛ White & White, 2025)، غير أن الدّراسات الحديثة تكشف فجوة بين هذا التّنظير الإرشادي والممارسة المدرسيّة الفعليّة، إذ يظل توظيف هذه النماذج محدودًا أو غير صريح في كثير من برامج الإرشاد النّفسي المدرسي (Lemberger-Truelove et al., 2020؛ Kim et al., 2024).
وعليه، يسعى هذا المقال إلى معالجة هذه الإشكاليّة من خلال تقديم قراءة نظريّة تحليليّة تجيب عن السؤال المركزي الآتي: إلى أي مدى يسهم الإرشاد النّفسي المدرسي، المستند إلى التوجيه النّمائي، والتعلم الاجتماعي–الانفعالي، والمقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة، ومنظور “الطالب داخل بيئته”، في إعادة توجيه السّلوك العدواني لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة، من خلال معالجة جذوره النّفسيّة والاجتماعيّة، بدل الاكتفاء بخفض مظاهره السّلوكيّة الظاهرة؟
3. تساؤلات الدّراسة
- ما دور الإرشاد النّفسي المدرسي في إعادة توجيه السّلوك العدواني لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة؟
- كيف يُفسَّر السّلوك العدواني في المدرسة المتوسطة نفسيًا وتربويًا؟
- ما إسهام التّوجيه النمائي وSEL في إعادة توجيه السّلوك العدواني؟
- كيف تسهم المقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة في معالجة جذور السّلوك العدواني؟
- ما دور السّياق المدرسي ومقاربة “الطالب داخل بيئته” في فعالية الإرشاد النّفسي؟
4. فرضيّة الدّراسة
تنطلق هذه الدّراسة من فرضيّة مفادها أن الإرشاد النّفسي المدرسي، عندما يستند إلى التوجيه النمائي، والتّعلم الاجتماعي–الانفعالي، والمقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة، ومقاربة “الطالب داخل بيئته”، يسهم في إعادة توجيه السّلوك العدواني لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة، من خلال معالجة جذوره المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة، وليس الاكتفاء بخفض مظاهره السّلوكيّة الظاهرة.
5. أهمّيّة البحث
تنبع أهمّيّة هذه الدّراسة من إسهامها في تعزيز البعد النّظري للإرشاد النّفسي المدرسي، من خلال تقديم قراءة تحليليّة متكاملة لدوره في إعادة توجيه السّلوك العدواني داخل المدرسة المتوسطة، بما يتجاوز المقاربات التّقليديّة التي تركز على الضّبط أو العقاب، كما تتجلى أهميتها في توضيح الفروق المفاهيميّة بين القمع، والضبط السّلوكي، وإعادة التوجيه، بما يسهم في ترشيد الممارسات التّربويّة والإرشاديّة داخل البيئة المدرسيّة.
وتكتسب الدّراسة أهمية إضافيّة من كونها توفّر إطارًا مفاهيميًا مرجعيًا يمكن الاستناد إليه في تطوير البرامج الإرشاديّة المدرسيّة القائمة على أسس علميّة ونماذج نظريّة معاصرة، خاصة المقاربات المعرفيّة–السّلوكيّة والتّعلّم الاجتماعي–الانفعالي، كما تستجيب الدّراسة لحاجة تربويّة معاصرة فرضها تنامي مظاهر السّلوك العدواني في المرحلة المتوسطة، وما يترتب عليها من آثار سلبيّة في المناخ المدرسي والتّوافق النّفسي والاجتماعي للتلاميذ.
6. أهداف البحث
تهدف هذه الدّراسة إلى تحليل الأسس النّظريّة التي يقوم عليها الإرشاد النّفسي المدرسي في التّعامل مع السّلوك العدواني لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة، وإبراز مفهوم إعادة توجيه السّلوك العدواني من منظور نفسي–تربوي معاصر، كما تسعى إلى تحديد الآليات النّفسيّة التي يوظفها الإرشاد النّفسي في إعادة توجيه هذا السّلوك، مثل إعادة البناء المعرفي وتنظيم الانفعال وتنمية المهارات الاجتماعيّة، إضافة إلى إبراز دور المناخ المدرسي والتّعلّم الاجتماعي–الانفعالي في دعم فاعليّة التّدخلات الإرشاديّة وتحقيق تغيير سلوكي أكثر استدامة.
7. الفجوة البحثيّة
على الرّغم من تنامي الاهتمام البحثي بالإرشاد النّفسي المدرسي وبالسّلوك العدواني لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة، تشير مراجعات الأدبيّات الحديثة إلى وجود فجوة بحثيّة واضحة على عدة مستويات، فمن جهة، ركزت نسبة معتبرة من الدّراسات على قياس فاعليّة برامج أو تدخلات محددة (مثل برامج التّعلّم الاجتماعي–الانفعالي أو بعض التّدخلات السّلوكيّة)، من دون تقديم تحليل نظري متكامل يفسر كيف ولماذا تُحدث هذه التّدخلات أثرها، أو يربطها بشكل صريح بنماذج إرشاديّة نفسيّة واضحة.
ومن جهة أخرى، أظهرت تحليلات نقديّة حديثة أن كثيرًا من الممارسات المدرسيّة، وحتى بعض الدّراسات، لا تزال تتعامل مع السّلوك العدواني من منظور ضبطي أو علاجي جزئي، يركز على خفض السّلوك الظّاهر، من دون التّعمق في معالجة جذوره المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة، أو التّمييز المفاهيمي الدّقيق بين القمع، والضبط السّلوكي، وإعادة التوجيه، كما يلاحظ ضعف في الدّراسات النّظريّة التي تدمج بين التوجيه النّمائي، والتّعلّم الاجتماعي–الانفعالي، والمقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة، ضمن منظور شامل يأخذ بالحسبان الطالب داخل بيئته المدرسية.
وتتجلى هذه الفجوة بصورة أوضح في سياق المدرسة المتوسطة، إذ تندر الدّراسات النّظريّة التي تقدم تصورًا تكامليًا لدور الإرشاد النّفسي المدرسي في إعادة توجيه السّلوك العدواني بوصفه عمليّة نمائيّة وتربويّة مستدامة، لا مجرد إجراء انضباطي أو تدخل ظرفي، ومن هنا، تأتي هذه الدّراسة استجابةً لحاجة علميّة تتمثل في سدّ هذه الفجوة من خلال بناء إطار نظري تحليلي متكامل يربط بين النّماذج الإرشاديّة المعاصرة وآليات إعادة توجيه السّلوك العدواني.
8. جديد البحث
يتمثل الجديد في هذه الدّراسة في تقديمها قراءة نظريّة تركيبيّة تسلط الضوء على مفهوم إعادة توجيه السّلوك العدواني بوصفه مدخلًا إرشاديًا نمائيًا، متميزًا عن الأساليب العقابيّة والضبطيّة التّقليديّة، كما تبرز الدّراسة إسهامها في ربط المقاربات المعرفيّة–السّلوكيّة والتّعلّم الاجتماعي–الانفعالي بآليات نفسيّة محددة تفسر فاعليّة الإرشاد النّفسي المدرسي في التعامل مع السّلوك العدواني، ويكمن الجديد كذلك في تركيز الدّراسة على المرحلة المتوسطة بوصفها مرحلة نمائيّة مفصليّة يمكن من خلالها التأثير في المسارات السّلوكيّة المستقبليّة للتلاميذ، وتوجيهها نحو أنماط أكثر تكيفًا واستدامة.
9. منهج البحث
اعتمدت هذه الدّراسة المنهج الوصفي–التّحليلي ذي الطابع النّظري، القائم على مراجعة وتحليل الأدبيّات النّفسية والتّربويّة ذات الصّلة بموضوع الإرشاد النّفسي المدرسي والسّلوك العدواني في المرحلة المتوسطة. وقد كان التّركيز على الدّراسات الحديثة المنشورة خلال المرحلة الممتدة من 2019 إلى 2025، إلى جانب بعض المراجع التّأسيسيّة ذات الصلة، وذلك بهدف تتبع تطور التّصورات النّظريّة والنّماذج الإرشاديّة المعاصرة.
وشملت عمليّة التّحليل مقالات علميّة محكَّمة، ومراجعات منهجيّة، وكتبًا متخصصة في مجالات الإرشاد النّفسي المدرسي، والتّعلّم الاجتماعي–الانفعالي، والمقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة، مع توظيف التّحليل المقارن والنّقدي لاستخلاص المفاهيم الرئيسة، وتحديد الآليات النّفسيّة المفسرة لإعادة توجيه السّلوك العدواني، وبناء إطار نظري متكامل يراعي السّياق المدرسي وخصائص المرحلة المتوسطة.
الإطار النّظري
10. المحور الأول: الإرشاد النّفسي المدرسي في المرحلة المتوسطة: المفهوم والأسس النّظريّة والاتجاهات الحديثة
تُعد المدرسة المتوسطة مرحلة انتقاليّة تجمع بين ملامح الطفولة وبدايات المراهقة، بما يصاحب ذلك من تغيرات معرفيّة وانفعاليّة واجتماعيّة تزيد احتمالات الارتباك السّلوكي والتّوتر داخل البيئة المدرسيّة، وقد أكدت الأدبيّات التأسيسيّة في الإرشاد المدرسي أنّ دور المرشد في هذه المرحلة لا ينبغي أن يقتصر على الإرشاد الأكاديمي، بل يمتد إلى دعم النّمو النّفسي–الاجتماعي، وبناء الوقاية، وإدارة المشكلات السّلوكيّة ضمن مقاربة نمائيّة شاملة (Green & Keys, 2001; Hughey & Akos, 2005; Akos, 2005)، وتُظهر المراجعات الحديثة أنّ الاعتراف المتزايد بتحديات الصّحّة النّفسيّة لدى اليافعين المبكرين جعل المدرسة وسيطًا أساسيًا لدمج خدمات الإرشاد في صميم التّجربة التّعليميّة، بوصفها خدمات تعزز التّكيّف والرفاه والتّحصيل معًا (Perret, 2024; Warren et al., 2024; Lu et al., 2025).
1.10 مفهوم الإرشاد النّفسي المدرسي:
يمكن تعريف الإرشاد النّفسي المدرسي بوصفه عمليّة مهنيّة منظمة داخل المدرسة، تهدف إلى مساعدة التّلميذ على فهم ذاته، وتنمية مهاراته الانفعاليّة والاجتماعيّة، وتحسين توافقه الدّراسي والسّلوكي، عبر تدخلات فرديّة وجماعيّة وصفيّة، وبالتّنسيق مع المعلمين والأسرة وإدارة المدرسة، ويتميز هذا التّعريف بكونه “نمائيًا–وقائيًا–علاجيًا” في آن واحد، وهو ما يتسق مع تطور النّموذج الإرشادي من خدمات متفرقة إلى برامج شاملة وممنهجة داخل المدرسة (Green & Keys, 2001; Sciarra & Sciarra, 2003; Qiu, 2025).
وتشير دراسات حديثة في البيئات المدرسيّة إلى أنّ فعاليّة الإرشاد ترتفع حين يُصمم ضمن إطار متكامل يأخذ في الحسبان: احتياجات الطالب النّمائيّة، وطبيعة البيئة المدرسيّة، وعوائق التّنفيذ (نقص الموارد/التدريب/المقاومة المؤسسيّة)، بدل النّظر إلى الإرشاد بوصفه استجابة ظرفيّة لمشكلة طارئة (Nafisah et al., 2024; Deylen et al., 2024; Saadatzaade et al., 2024).
2.10 أهداف الإرشاد النّفسي المدرسي ووظائفه من التوجيه إلى بناء الكفايات:
تتوزع أهداف الإرشاد النّفسي المدرسي في المرحلة المتوسطة على ثلاثة مستويات مترابطة:
- أهداف نمائيّة (Developmental): تنمية كفايات تنظيم الانفعال، والوعي بالذّات، والمهارات الاجتماعيّة، والقدرة على اتخاذ القرار، بما يحصّن التّلميذ ضد الانزلاق نحو أنماط سلوكيّة مضطربة، وتظهر مراجعات برامج التّعلّم الاجتماعي–الانفعالي أنّ التّركيز على الكفايات (وليس فقط على القواعد) يرتبط بتحسن جوانب متعددة من التّكيّف المدرسي (Perret, 2024; Social Emotional Learning in Middle School…, 2022).
- أهداف وقائيّة (Preventive): تقليل احتمالات ظهور السّلوكيّات المشكلة عبر تدخلات صفيّة وعامة وبناء مناخ مدرسي داعم، وتؤكد الأدبيّات أنّ الوقاية المدرسيّة أكثر استدامة من التّدخل العقابي المتأخر، خصوصًا حين تُدمج في المناهج والأنشطة (Knight et al., 2019; White & White, 2025).
- أهداف علاجيّة/تصحيحيّة (Remedial): تقديم تدخلات موجهة للتلاميذ الذين تظهر لديهم صعوبات سلوكيّة أو انفعاليّة واضحة، عبر الإرشاد الفردي أو الجماعي أو الإحالة عند الحاجة، وتظهر التقييمات الواقعيّة لبرامج الصّحّة النّفسية المدرسيّة أنّ التّدخلات المتدرجة (Multi-tier) تسهم في تحسين الحضور والعلاقات مع الأقران ومؤشرات التّكيّف، وإن ظلت النتائج أحيانًا مرتبطة بطبيعة القياس ومدى التزام التّنفيذ (Canenguez et al., 2022; Warren et al., 2024).
3.10. الأسس النّظريّة المساندة: التوجيه النمائي، SEL([3])، CBT([4])، ومقاربة “الطالب داخل بيئته”
يمكن تثبيت أربع مرتكزات نظريّة رئيسة:
أولًا: التّوجيه النمائي (Developmental Guidance):
يؤسس التوجيه النّمائي لفكرة أن المشكلات السّلوكيّة في المرحلة المتوسطة قد تكون مؤشرات على فجوات مهاريّة أو حاجات نمائيّة غير مشبعة، وأن الدور التربوي للإرشاد هو بناء مسارات نمو وتكيف، وليس مجرد الضبط الخارجي (Hughey & Akos, 2005; Green & Keys, 2001). وتؤكد كتابات حديثة حول “الإرشاد النّمائي” أنّ الخدمات الوقائيّة المنظمة أكثر قدرة على إنتاج أثر ممتد لأنها تعمل على المستوى المهاري والقيمي والسّياقي (Pradana et al., 2025; Nafisah et al., 2024).
ثانيًا: التعلم الاجتماعي–الانفعالي (SEL) بوصفه إطارًا نمائيًا وقائيًا:
يمثل SEL أحد أكثر الأطر حضورًا في أدبيات الإرشاد المدرسي الحديثة، إذ يركّز على بناء كفايات: الوعي بالذات، إدارة الانفعال، الوعي الاجتماعي/التّعاطف، مهارات العلاقات، واتخاذ القرار المسؤول. وتبيّن مراجعات البرامج أن أثر SEL غالبًا ما يظهر في تحسين التّنظيم الانفعالي والكفاءة الاجتماعيّة ومؤشرات الرفاه، مع ملاحظة أنّ بعض النتائج قد تكون “مجاليّة/نطاقيّة” تبعًا لتصميم البرنامج وصرامة التّقييم (Social Emotional Learning in Middle School…, 2022; Perret, 2024; White & White, 2025). كما أنّ دمج SEL في أطر دعم متعددة المستويات يعزز إمكانيّة التوسع والاستدامة ويقوي التكامل بين التّعليم والصّحّة النّفسية (White & White, 2025; Deylen et al., 2024).
ثالثًا: المقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة (CBT):
تقدم CBT نموذجًا واضحًا لآليات التّغيير: الأفكار تقود الانفعالات، والانفعالات تؤثر في السّلوك، والسّلوك يعيد تشكيل الخبرة الاجتماعيّة، وهذا يجعلها مناسبة لفهم السّلوكيات الاندفاعيّة والعدوانيّة ضمن تصور “الجذور المعرفيّة والانفعاليّة” الذي تتبناه فرضيتك، وعلى الرّغم من أن مرجع CBT في الإرشاد المدرسي ليس جديدًا، فإنّ الأدبيّات الحديثة تعود لتأكيد الحاجة إلى تدخلات “مستنِدة إلى نظرية” بدل الاكتفاء بحزم أنشطة غير مفسرة الآليات (Kim, C. et al., 2024; Kim, H. et al., 2024). كما أن توظيف تقنيات CBT داخل المدرسة يساعد على بناء مهارات المواجهة وحل المشكلات وتعديل التّفسيرات العدائيّة للمواقف، وهي لبنات ضروريّة لإعادة توجيه العدوان لاحقًا (Zyromski & Joseph, 2008).
رابعًا: مقاربة “الطالب داخل بيئته” والاعتبارات السياقية والثقافية:
ترى المقاربات الإنسانيّة–البيئيّة أن السّلوك المدرسي لا يُفهم بمعزل عن البيئة: المناخ المدرسي، علاقة المعلم بالطالب، ثقافة الصّف، تواصل المدرسة مع الأسرة، وسياسات الانضباط، وتؤكد أعمال نظريّة “الطالب داخل بيئته” أنّ الإرشاد الفاعل يوازن بين تمكين الطالب وتعديل البيئة الدّاعمة له (Lemberger, 2010)، وتدعم دراسات حديثة في نماذج الخدمات المدرسيّة أهمّيّة مراعاة السّياق الثّقافي والسياساتي والأسري بوصفه محددًا لنجاح الإرشاد أو فشله، وهو ما يلزمنا نظريًا قبل الدّخول في آليات “إعادة توجيه العدوان”(Saadatzaade et al., 2024; Kahfi et al., 2025; Barreiro et al., 2025).
يمكن استخلاص أنّ الإرشاد النّفسي المدرسي في المرحلة المتوسطة انتقل -نظريًا وتطبيقيًا- من كونه خدمة توجيهيّة محدودة إلى كونه منظومة تدخل نمائي–وقائي–علاجي، تتقاطع فيها SEL وCBT وأطر الدّعم متعددة المستويات، مع تأكيد متزايد على ضرورة جعل التّدخلات “مفسَّرة الآليات” و”ملائمة للسّياق” (Perret, 2024; Kim, C. et al., 2024; White & White, 2025).
11. المحور الثاني: السّلوك العدواني في المدرسة المتوسطة: قراءة نفسيّة متعددة الأبعاد
1.11 مدخل مفاهيمي: العدوان كسلوك نمائي–سياقي:
يُعد السّلوك العدواني من أكثر السّلوكيات إشكاليّة في المدرسة المتوسطة، نظرًا لتزامنه مع مرحلة نمائيّة تتسم بارتفاع الحساسيّة الانفعاليّة، وتنامي الحاجة إلى الاستقلال، وتشكّل الهُويّة الاجتماعيّة. وتؤكد الأدبيّات النّفسيّة التّربويّة أنّ العدوان في هذا السياق لا ينبغي فهمه كخاصية ثابتة في شخصيّة التّلميذ، بل كسلوك متعلم ومتغير، يتأثر بتفاعل عوامل داخليّة (معرفيّة وانفعاليّة) وخارجيّة (أُسريّة ومدرسيّة وثقافيّة). وقد أظهرت مراجعات حديثة أنّ تفسير العدوان بوصفه “مشكلة انضباط” فقط يقود إلى تدخلات قمعيّة قصيرة الأثر، بينما يؤدي فهمه كناتج لسيرورات نفسيّة واجتماعيّة إلى تدخلات أكثر استدامة (Babinski et al., 2023; Perret, 2024; Warren et al., 2024).
2.11 مفهوم السّلوك العدواني في السياق المدرسي:
يُعرَّف السّلوك العدواني في المدرسة بوصفه كل فعل أو قول أو إشارة تصدر عن التّلميذ بقصد إلحاق الأذى بالآخرين أو بالممتلكات أو بالذات، سواء أكان هذا الأذى مباشرًا أو غير مباشر، صريحًا أو رمزيًا. ويشمل ذلك العدوان الجسدي (كالضّرب والدّفع)، والعدوان اللفظي (كالسبّ والتّهديد)، والعدوان الاجتماعي (كالعزل والتّنمر)، إضافة إلى العدوان الموجه نحو الممتلكات المدرسيّة. وتشير دراسات حديثة إلى أنّ المدرسة المتوسطة تشهد تنوعًا أكبر في أشكال العدوان مقارنة بالمراحل السّابقة، بسبب تعقّد العلاقات الاجتماعيّة واتساع دوائر التّفاعل بين التّلاميذ (Park & Choi, 2024; Zachik et al., 2024).
وتُظهر تحليلات نفسيّة معاصرة أنّ العدوان لا يكون دائمًا مقصودًا بوعي كامل، بل قد يكون استجابة اندفاعيّة ناتجة عن ضعف التّنظيم الانفعالي أو عن تفسيرات معرفيّة مشوّهة للمواقف الاجتماعيّة، وهو ما ينسجم مع التّفسيرات المعرفيّة–السّلوكيّة للسلوك (Kim, C. et al., 2024; Zyromski & Joseph, 2008).
3.11. أشكال السّلوك العدواني داخل المدرسة المتوسطة:
يتخذ السّلوك العدواني في المدرسة المتوسطة أشكالًا متعددة، من أبرزها:
- العدوان الجسدي: ويشمل الاعتداء البدني، التّخريب، أو الإضرار بالممتلكات، وغالبًا ما يظهر في مواقف الصراع المباشر أو في البيئات المدرسيّة التي تفتقر إلى آليات واضحة لإدارة النّزاعات (Canenguez et al., 2022).
- العدوان اللفظي: مثل السّخرية، التّهديد، الشتم، وإطلاق الألقاب، وتشير دراسات حديثة إلى أنّ هذا النمط أكثر شيوعًا من العدوان الجسدي، نظرًا لانخفاض كلفته الاجتماعيّة مقارنة به، خاصة في البيئات التي لا تعالج اللغة العدوانيّة بوصفها مشكلة نفسيّة–تربويّة (Zachik et al., 2024).
- العدوان الاجتماعي/العلاقي: ويتمثل في الإقصاء، نشر الشّائعات، أو التّنمر غير المباشر، ويُعد هذا النّمط خطيرًا لأنه أقل وضوحًا للراشدين وأكثر تأثيرًا على الصّحّة النّفسيّة للتلاميذ، خصوصًا في ما يتعلق بتقدير الذّات والانتماء المدرسي (White & White, 2025).
- العدوان الموجه نحو الذات: ويظهر في بعض الحالات على شكل سلوكيّات إيذاء ذاتي غير مباشر أو انسحاب شديد، وغالبًا ما يرتبط بصعوبات نفسيّة أعمق تستدعي تدخلًا إرشاديًا متخصصًا (Baetens et al., 2024).
ويُظهر هذا التنوع أن العدوان ليس سلوكًا أحادي البعد، بل ظاهرة مركّبة تتطلب تدخلًا متعدد المستويات.
4.11. العوامل النّفسية المرتبطة بالسّلوك العدواني:
تشير الأدبيّات الحديثة إلى أنّ من العوامل النّفسيّة المهمّة المرتبطة بالسّلوك العدواني في المدرسة المتوسطة:
- ضعف التّنظيم الانفعالي: إذ يعجز التّلميذ عن إدارة الغضب أو الإحباط، ما يؤدي إلى استجابات اندفاعيّة، وقد بيّنت دراسات نوعيّة أنّ صعوبات التّنظيم الذّاتي تعد من أبرز محددات النزاعات الصّفيّة والسّلوكيات العدوانيّة (Babinski et al., 2023; Park & Choi, 2024).
- التّشوهات المعرفيّة: مثل تفسير نوايا الآخرين على أنّها عدائيّة، أو الاعتقاد أنّ العدوان وسيلة مشروعة للدّفاع عن الذّات، وتؤكد تحليلات حديثة أنّ غياب العمل على البنية المعرفيّة يجعل التّدخلات السّلوكيّة محدودة الأثر (Kim, H. et al., 2024; Kim, C. et al., 2024).
- الإحباط والشّعور بالفشل: خاصة لدى التلاميذ الذين يواجهون صعوبات دراسيّة أو اجتماعيّة، إذ يتحوّل الإحباط إلى عدوان موجه نحو الآخرين أو الممتلكات (Simbolon & Purba, 2022; Azura et al., 2023).
5.11. العوامل الاجتماعيّة والمدرسية المؤثرة في العدوان:
إلى جانب العوامل النّفسيّة، تؤدي البيئة الاجتماعيّة والمدرسية دورًا محوريًا في تشكيل السّلوك العدواني، ومن أبرز هذه العوامل:
- المناخ المدرسي: تشير الأدبيّات إلى أنّ البيئات المدرسيّة التي تركز على العقاب من دون الدّعم النّفسي تزيد من احتمالات تكرار السّلوك العدواني بدل خفضه (Warren et al., 2024; Deylen et al., 2024).
- علاقات الأقران: فالتأثير المتبادل بين التلاميذ، والرغبة في القبول الاجتماعي، قد يدفع بعضهم إلى تبني سلوكيّات عدوانيّة بوصفها وسيلة للسيطرة أو إثبات الذات (White & White, 2025).
- دور الأسرة والسّياق الثقافي: إذ تؤكد دراسات حديثة أنّ أساليب التنشئة، ومستوى التّواصل الأسري، والتّمثلات الثقافيّة للعقاب والانضباط تؤثر مباشرة في أنماط العدوان المدرسي (Saadatzaade et al., 2024; Kahfi et al., 2025).
6.11. العدوان بين “الضبط” و”الفهم الإرشادي”:
تُظهر مراجعات البرامج المدرسيّة أنّ كثيرًا من التّدخلات تركز على خفض معدلات السّلوك العدواني بوصفه مؤشرًا كميًا، من دون تحليل كافٍ للآليات النّفسيّة التي أدّت إليه. وقد أشار باحثون معاصرون إلى أنّ هذا التوجه يفسر لماذا تحقق بعض البرامج نتائج محدودة أو “مجاليّة” فقط، إذ يُخفض السّلوك في موقف معين من دون أن ينعكس ذلك على التّكيّف العام للتلميذ (Social Emotional Learning in Middle School…, 2022; Kim, C. et al., 2024).
ومن هنا، يبرز دور الإرشاد النّفسي المدرسي في الانتقال من منطق “الضبط والانضباط” إلى منطق “الفهم والتّوجيه”، عبر قراءة العدوان كرسالة عن حاجة نمائيّة أو خلل في مهارة نفسيّة–اجتماعيّة، وهو ما يمهّد مباشرة للحديث عن إعادة توجيه السّلوك العدواني بدل الاكتفاء بقمعه.
يتضح من هذا العرض أنّ السّلوك العدواني في المدرسة المتوسطة ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العوامل المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة والسياقيّة، كما تُظهر الأدبيّات الحديثة أنّ التّركيز على المظاهر السّلوكيّة وحدها لا يحقق تغيرًا مستدامًا، ما يعزز الحاجة إلى تدخلات إرشاديّة تستهدف الجذور النّفسيّة والاجتماعيّة للسّلوك، وتشكّل هذه الخلاصة منطلقًا نظريًا للانتقال إلى المحور الثالث الذي يناقش مفهوم إعادة توجيه السّلوك العدواني من منظور الإرشاد النّفسي، والتمييز بين القمع، الضّبط، وإعادة التوجيه، في ضوء النّماذج المعرفيّة–السّلوكيّة والتّعلم الاجتماعي–الانفعالي.
12. المحور الثالث: إعادة توجيه السّلوك العدواني من منظور الإرشاد النّفسي المدرسي
1.12. مدخل مفاهيمي: من منطق التّحكّم إلى منطق التحويل:
الإرشاد النّفسي المدرسي يظهر تحولًا واضحًا في كيفيّة التعامل مع السّلوكيات المشكلة، وعلى رأسها السّلوك العدواني، إذ لم يعد الهدف الرّئيس هو “إيقاف السّلوك” أو “خفض معدلاته” فحسب، بل إعادة توجيهه نحو أنماط أكثر تكيفًا نفسيًا واجتماعيًا، ويعكس هذا التّحول انتقالًا من مقاربة انضباطيّة تركز على التّحكّم الخارجي إلى مقاربة إرشاديّة تركز على التّغيير الدّاخلي المستدام لدى التّلميذ، وتؤكد مراجعات معاصرة أنّ التّدخلات التي تفتقر إلى تصور نظري واضح لآليات التّغيير غالبًا ما تحقق نتائج قصيرة الأمد أو محدودة النّطاق، بينما ترتبط التّدخلات المستندة إلى نماذج معرفيّة–سلوكيّة ونمائيّة بتحسن أعمق في التنظيم الانفعالي والتّكيّف الاجتماعي (Kim, C. et al, 2024; Kim, H. et al, 2024; Warren et al., 2024).
2.12. مفهوم إعادة توجيه السّلوك العدواني:
وهي عملية نفسية–تربوية تهدف إلى تحويل مسار الطاقة الانفعاليّة والدوافع السّلوكيّة لدى التّلميذ من التّعبير العدواني غير المتكيف إلى أنماط تعبير مقبولة اجتماعيًا وتربويًا، من دون إنكار المشاعر أو كبتها. فالغضب، والإحباط، والرّغبة في الدّفاع عن الذّات تُعد انفعالات إنسانيّة طبيعيّة، غير أن المشكلة تكمن في أساليب التّعبير عنها.
ومن هذا المنطلق، لا تسعى إعادة التّوجيه إلى “إلغاء” العدوان بوصفه دافعًا، بل إلى إعادة تنظيمه وتوظيفه في سلوكيّات بنّاءة، مثل التّعبير اللفظي المنظم، أو طلب المساندة، أو حلّ النّزاعات بطرق سلميّة. وتنسجم هذه الرؤية مع التّوجهات النّمائيّة التي ترى في السّلوكيّات المشكلة مؤشرات على حاجات مهاريّة أو انفعاليّة غير مشبعة، لا مجرد خروقات انضباطيّة (Hughey & Akos, 2005; Pradana et al., 2025).
3.12. التّمييز بين القمع- الضبط- وإعادة التّوجيه:
يمثل التّمييز بين هذه المفاهيم أساسًا نظريًا لفهم دور الإرشاد النّفسي المدرسي في التّعامل مع العدوان:
- القمع (Suppression): يعتمد على العقاب والزّجر والتّهديد، ويهدف إلى إيقاف السّلوك بالقوّة الخارجيّة، وتشير الأدبيات إلى أنّ هذا الأسلوب قد يحقق امتثالًا ظاهريًا مؤقتًا، لكنّه لا يعالج الأسباب النّفسيّة الكامنة، وقد يؤدي إلى عودة السّلوك بأشكال أخرى أو في سياقات مختلفة (Deylen et al., 2024).
- الضبط (Control): يركز على تنظيم السّلوك عبر القواعد واللوائح والرّقابة المستمرة، وعلى الرّغم من ضرورته للحفاظ على النّظام المدرسي، إلّا أنّه يبقى تدخلًا خارجيًا إذا لم يُدعّم بتعليم مهارات ذاتيّة، ما يحدّ من أثره طويل المدى (Warren et al., 2024).
- إعادة التّوجيه (Redirection): تتجاوز الضّبط والقمع إلى بناء بدائل سلوكيّة داخليّة، عبر العمل على الأفكار والانفعالات والمهارات الاجتماعيّة، ويُعد هذا المدخل جوهر العمل الإرشادي، لأنّه يسهم في تمكين التّلميذ من إدارة سلوكه ذاتيًا، بدل الاعتماد الدّائم على الرّقابة الخارجيّة (Kim, H. et al, 2024; White & White, 2025).
ويُبرز هذا التّمييز أنّ الإرشاد النّفسي لا يلغي القواعد المدرسيّة، بل يمنحها معنى تربويًا من خلال ربطها بنمو التّلميذ النّفسي والاجتماعي.
4.12. إعادة توجيه العدوان في ضوء المقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة (CBT):
توفر المقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة إطارًا تفسيريًا وتطبيقيًا قويًا لإعادة توجيه السّلوك العدواني، إذ تنطلق من افتراض أنّ السّلوك نتاج لتفاعل الأفكار والانفعالات، فالتّلميذ الذي يفسر تصرفات الآخرين على أنها تهديد أو إهانة يكون أكثر عرضة للاستجابات العدوانيّة، وتشير تحليلات حديثة إلى أنّ التّدخلات المدرسيّة التي تدمج تقنيّات CBT، مثل إعادة البناء المعرفي، وحلّ المشكلات، وتدريب مهارات المواجهة، تسهم في تقليل الاندفاعيّة وتحسين القدرة على ضبط الغضب، ما ينعكس إيجابًا على العلاقات الصّفيّة والتّكيّف المدرسي (Zyromski & Joseph, 2008; Kim, C. et al, 2024).
ومن منظور إعادة التوجيه، لا يقتصر دور CBT على خفض العدوان، بل يمتد إلى مساعدة التّلميذ على إعادة تفسير المواقف الاجتماعيّة وتعلّم استجابات بديلة، وهو ما يتسق مباشرة مع فرضيّة الدّراسة.
5.12. دور التعلم الاجتماعي–الانفعالي (SEL) في تحويل الطاقة العدوانية:
يُعد التّعلم الاجتماعي–الانفعالي أحد أكثر الأطر استخدامًا في المدارس المتوسطة لمعالجة السّلوكيّات المشكلة بصورة وقائيّة ونمائيّة. وتركز برامج SEL على تنمية كفايات أساسيّة تُعد ضروريّة لإعادة توجيه العدوان، مثل الوعي بالذّات، وإدارة الانفعالات، والتّعاطف، ومهارات التّواصل، واتخاذ القرار المسؤول.
وتُظهر مراجعات برامج SEL أنّ التّلاميذ الذين يكتسبون هذه الكفايات يصبحون أكثر قدرة على التّعبير عن مشاعر الغضب والإحباط بطرق غير عدوانيّة، وأقل ميلًا للدّخول في نزاعات جسديّة أو لفظيّة (Perret, 2024; Knight et al, 2019; White & White, 2025). ومع ذلك، تشير بعض الدّراسات إلى أنّ أثر SEL قد يكون محدودًا إذا لم يُدمج ضمن إطار إرشادي أوسع يفسر آليات التّغيير ويعالج الحالات الفرديّة الأكثر حدة (Social Emotional Learning in Middle School…, 2022).
6.12. الإرشاد النّفسي كوسيط لتحويل العدوان إلى سلوك متكيف:
يبرز دور المرشد النّفسي المدرسي بوصفه وسيطًا تربويًا يسهم في تحويل العدوان من تعبير فوضوي عن الانفعال إلى سلوك منظم ومتكيّف. ويتحقق ذلك عبر: أولاً: مساعدة التّلميذ على التعرف إلى مشاعره وتسميتها، ثانياً: تفسير السّلوك العدواني بوصفه مؤشرًا على حاجة نفسيّة أو مهاريّة، ثالثًا: بناء خطط إرشاديّة فرديّة أو جماعيّة تستهدف تعليم بدائل سلوكيّة، وأخيرًا التّعاون مع المعلمين والأسرة لضمان اتساق الرسائل التّربويّة.
وتؤكد دراسات تطبيقيّة حديثة أنّ الإرشاد الذي يُدمج في منظومة مدرسيّة داعمة (MTSS)([5])، تعاون متعدد التّخصصات) يكون أكثر قدرة على إحداث تغيير مستدام في أنماط السّلوك العدواني، مقارنة بالتدخّلات المنعزلة أو الظرفيّة (Warren et al, 2024; Rahmatunnida et al, 2024).
يتضح من هذا المحور أنّ إعادة توجيه السّلوك العدواني تمثل جوهر الدّور الإرشادي داخل المدرسة المتوسطة، إذ تقوم على الانتقال من التّحكّم الخارجي إلى التّمكين الدّاخلي، ومن معالجة المظاهر إلى استهداف الجذور المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة للسلوك. كما تُظهر الأدبيّات أنّ دمج المقاربات المعرفيّة–السّلوكيّة مع التّعلّم الاجتماعي–الانفعالي يوفر إطارًا نظريًا وعمليًا متكاملًا لتحويل الطاقة العدوانيّة إلى سلوكيّات أكثر تكيفًا.
وتدعم هذه المعطيات فرضيّة الدّراسة التي ترى أنّ الإرشاد النّفسي المدرسي، حين يستند إلى نماذج نظريّة واضحة، يسهم في إعادة توجيه السّلوك العدواني لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة، بدل الاكتفاء بخفض مظاهره السّلوكيّة الظاهرة.
13. المحور الرابع: آليات الإرشاد النّفسي المدرسي في إعادة توجيه السّلوك العدواني
4.1 مدخل: من الإطار النظري إلى آليات التدخل:
بعد توضيح الأسس النّظريّة للإرشاد النّفسي المدرسي، وتحليل السّلوك العدواني بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد، وبيان مفهوم إعادة التّوجيه مقابل القمع والضبط، تبرز الحاجة إلى تحديد الآليات الإرشاديّة التي يُحوَّل من خلالها السّلوك العدواني إلى سلوك متكيف. وتشير الأدبيّات الحديثة إلى أنّ فعاليّة الإرشاد لا تقاس فقط بنوع النّموذج النّظري المعتمد، بل بقدرة المرشد على تفعيل آليات محددة تستهدف الجذور المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة للسلوك داخل السياق المدرسي (Kim, C. et al, 2024; Warren et al, 2024).
4.2 تنمية الضبط الذاتي وتنظيم الانفعال:
يُعد ضعف الضّبط الذّاتي وتنظيم الانفعال من أبرز المحددات النّفسية للسلوك العدواني في المدرسة المتوسطة، إذ يواجه التّلميذ صعوبات في إدارة مشاعر الغضب والإحباط والاندفاع. وتؤكد دراسات حديثة أنّ تنمية مهارات التّنظيم الانفعالي تمثل مدخلًا أساسيًا لإعادة توجيه العدوان، لأنّها تمكّن التلميذ من التّحكّم في استجاباته بدل الانجرار وراء ردود فعل فوريّة (Babinski et al, 2023; Park & Choi, 2024).
ويعمل الإرشاد النّفسي المدرسي في هذا المجال عبر مساعدة التّلميذ على التعرّف إلى مشاعره وتسميتها بدقة، وتدريبه على استراتيجيّات التّهدئة الذّاتيّة (التّنفس، التّوقف المؤقت، إعادة التركيز)، بالإضافة إلى تعليمه مهارات تأجيل الاستجابة وإدارة الغضب، وتشير برامج الوقاية المدرسية الحديثة إلى أنّ التّلاميذ الذين يكتسبون مهارات التّنظيم الانفعالي يظهرون انخفاضًا في السّلوكيّات الاندفاعيّة وتحسنًا في العلاقات مع الأقران، ما يعزز فكرة أن إعادة التّوجيه تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في السّلوك الخارجي (Knight et al., 2019; Baetens et al., 2024).
4.3 إعادة البناء المعرفي وتعديل التفسيرات العدائية:
تمثل إعادة البناء المعرفي إحدى الآليات المركزيّة في المقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة، وتقوم على مساعدة التّلميذ على فحص أفكاره التّلقائيّة وتعديل التّفسيرات المشوّهة للمواقف الاجتماعيّة. فالتّلميذ العدواني غالبًا ما يفسر تصرفات الآخرين على أنّها تهديد أو استفزاز متعمد، ما يؤدي إلى استجابات دفاعيّة أو هجوميّة، وتؤكد تحليلات معاصرة أنّ غياب العمل على البنية المعرفيّة يجعل كثيرًا من التّدخلات السّلوكيّة سطحية الأثر، لأنها لا تعالج “منشأ السّلوك”(Kim, H. et al, 2024; Kim, C. et al, 2024).
ويُسهم الإرشاد النّفسي المدرسي في إعادة توجيه العدوان معرفيًا من خلال: تدريب التّلميذ على التعرف إلى الأفكار السّلبيّة أو العدائيّة، مناقشة بدائل تفسيريّة أكثر واقعية للمواقف، وتعزيز التّفكير المرن وحل المشكلات بدل التفّكير الثنائي (إمّا هجوم أو انسحاب)، وقد أظهرت دراسات تطبيقيّة في الإرشاد المدرسي أنّ التّلاميذ الذين يتعلمون مهارات إعادة التّفسير المعرفي يصبحون أقل ميلًا للعدوان وأكثر قدرة على التّفاوض والتّواصل (Zyromski & Joseph, 2008; Naraswari et al., 2024).
4.4 تنمية المهارات الاجتماعيّة وحل النزاعات:
تُعد المهارات الاجتماعيّة عنصرًا حاسمًا في إعادة توجيه السّلوك العدواني، إذ إنّ كثيرًا من النّزاعات المدرسيّة تنتج عن ضعف مهارات التّواصل، أو العجز عن التّعبير عن الرأي، أو عدم القدرة على حلّ الخلافات بطرق سلميّة. وتشير الأدبيّات الحديثة إلى أنّ برامج الإرشاد التي تركز على تعليم مهارات التّواصل، والتّعاطف، والعمل الجماعي، تسهم في تقليل النزاعات العدوانيّة وتعزيز التّكيّف الاجتماعي (Perret, 2024; Park & Choi, 2024).
ويعمل الإرشاد النّفسي المدرسي في هذا المجال عبر: تدريب التّلاميذ على مهارات التّعبير اللفظي غير العدواني، ومن ثم تعليمهم استراتيجيّات حلّ النّزاع والتفاوض، وتنمية التّعاطف وفهم وجهات نظر الآخرين.
وتُظهر مراجعات برامج التّعلم الاجتماعي– الانفعالي أنّ تحسين المهارات الاجتماعيّة لا يقلل فقط من العدوان، بل يعزز الشّعور بالانتماء المدرسي ويحدّ من الإقصاء والتّنمر، وهو ما ينعكس إيجابًا على المناخ المدرسي العام (White & White, 2025; Zachik et al, 2024).
4.5 الإرشاد الجماعي وبرامج التدخل المدرسي متعددة المستويات:
تؤكد الأدبيّات أنّ إعادة توجيه السّلوك العدواني تكون أكثر فاعلية عندما تُنفّذ ضمن إطار مدرسي منظم، مثل نماذج الدعم متعددة المستويات (MTSS)، التي تجمع بين تدخلات وقائية عامة وتدخلات موجهة فردية أو جماعية.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الإرشاد الجماعي، خاصة في مجال المهارات الاجتماعيّة وتنظيم الانفعال، يُعد وسيلة فعالة لتعليم التلاميذ بدائل سلوكيّة في سياق تفاعلي واقعي (Rahmatunnida et al, 2024; Warren et al, 2024)، ويُبرز هذا التوجه دور المرشد النّفسي كمنسق للتدخلات، لا كممارس فردي فقط، إذ يعمل على التّنسيق مع المعلمين لتضمين مهارات SEL داخل الصّف، إشراك الأسرة في دعم التغيّر السّلوكي، ومتابعة التقدّم السّلوكي ضمن خطط واضحة وقابلة للتقييم.
4.6 دعم المناخ المدرسي الإيجابي بوصفه شرطًا لإعادة التوجيه:
لا يمكن فصل إعادة توجيه السّلوك العدواني عن المناخ المدرسي العام، إذ تشير الأدبيات إلى أنّ البيئة المدرسيّة الداعمة نفسيًا تقلل من احتمالات السّلوك العدواني حتى قبل التدخل الفردي. وتؤكد دراسات حديثة أن المدارس التي تعتمد سياسات انضباط إيجابي، وتوفر مساحات آمنة للحوار، وتدعم دور المرشد النّفسي، تحقق نتائج أفضل في الحدّ من النّزاعات العدوانيّة (Deylen et al., 2024; Warren et al., 2024)، ويشمل دعم المناخ المدرسي الإيجابي:
تعزيز العلاقات الإيجابيّة بين التّلاميذ والمعلمين، وتبني سياسات انضباط تقوم على الإصلاح لا العقاب، وإتاحة خدمات إرشاديّة يسهل الوصول إليها، وتنسجم هذه المقاربة مع المنظور الإنساني–البيئي الذي يرى أنّ تعديل البيئة المدرسيّة جزء لا يتجزأ من تعديل السّلوك الفردي (Lemberger, 2010; Barreiro et al., 2025).
يتضح من هذا المحور أنّ إعادة توجيه السّلوك العدواني داخل المدرسة المتوسطة تتحقق عبر مجموعة متكاملة من الآليات الإرشاديّة، تشمل تنمية الضبط الذّاتي وتنظيم الانفعال، وإعادة البناء المعرفي، وتعزيز المهارات الاجتماعيّة، وتفعيل الإرشاد الجماعي، ودعم المناخ المدرسي الإيجابي. وتشير الأدبيّات الحديثة إلى أنّ هذه الآليات، حين تُطبق ضمن إطار نظري واضح ومناخ مدرسي داعم، تسهم في إحداث تغيير عميق ومستدام في أنماط السّلوك العدواني، وبذلك يكتمل البناء النّظري الذي يدعم فرضيّة الدّراسة القائلة بأنّ الإرشاد النّفسي المدرسي لا يقتصر على خفض المظاهر السّلوكيّة للعدوان، بل يعمل على إعادة توجيهه من خلال معالجة جذوره المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة.
النتائج النّظريّة
في ضوء تحليل الأدبيات النّفسيّة والتّربويّة الحديثة، واستنادًا إلى الأطر النّظريّة للإرشاد النّفسي المدرسي في المرحلة المتوسطة، أمكن التّوصل إلى مجموعة من النتائج النّظريّة التي تفسر دور الإرشاد النّفسي في إعادة توجيه السّلوك العدواني، وتدعم الفرضيّة التي انطلقت منها الدّراسة.
أولًا: السّلوك العدواني ظاهرة متعددة الأبعاد لا يمكن معالجتها سلوكيًا فقط:
تُظهر النّتائج النّظريّة أن السّلوك العدواني لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة ليس مجرد استجابة سلوكيّة منفصلة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل معرفيّة (التفسيرات العدائيّة للمواقف)، وانفعاليّة (ضعف تنظيم الغضب والإحباط)، واجتماعيّة (أنماط العلاقات مع الأقران والمناخ المدرسي). وعليه، فإنّ الاقتصار على التّدخلات الضبطيّة أو العقابية يؤدي إلى خفض مؤقت للمظاهر السّلوكيّة من دون إحداث تغيير مستدام في البنية النّفسيّة المنتجة للعدوان.
ثانيًا: الإرشاد النّفسي المدرسي يتجاوز منطق القمع إلى منطق إعادة التوجيه:
تشير الأدبيّات إلى أن الإرشاد النّفسي المدرسي، حين يُبنى على أسس نمائيّة ومعرفيّة–سلوكيّة، ينتقل من التّعامل مع العدوان كخرق انضباطي إلى عدِّه مؤشرًا على حاجات نفسيّة ومهاريّة غير مشبعة. وتؤكد النّتائج النّظريّة أن هذا التّحول في المنظور يسمح بإعادة توجيه السّلوك العدواني بدل قمعه، من خلال تمكين التّلميذ من فهم دوافعه، وتنظيم انفعالاته، واكتساب بدائل سلوكيّة أكثر تكيفًا.
ثالثًا: المقاربات المعرفيّة–السّلوكيّة تسهم في معالجة الجذور المعرفيّة والانفعاليّة للعدوان:
تدعم النّتائج النّظريّة الدور المركزي للمقاربة المعرفيّة–السّلوكيّة في إعادة توجيه السّلوك العدواني، لما توفره من أدوات فعالة لإعادة البناء المعرفي، وتعديل التفسيرات المشوّهة، وتنمية مهارات المواجهة وضبط الانفعال. وتبيّن الأدبيات أن العمل على الأفكار والانفعالات المرتبطة بالمواقف الصراعية يحد من الاندفاعية ويقلل من احتمالات تكرار السّلوك العدواني في سياقات مدرسية مختلفة.
رابعًا: التعلم الاجتماعي–الانفعالي يشكل إطارًا وقائيًا ونمائيًا لإعادة التوجيه:
تُظهر النتائج النظرية أن برامج التعلم الاجتماعي–الانفعالي تسهم في إعادة توجيه العدوان من خلال بناء كفايات نفسيّة–اجتماعيّة أساسية، مثل الوعي بالذات، وإدارة الانفعال، والتعاطف، ومهارات التّواصل وحلّ النّزاعات. كما يتضح أن هذه البرامج، حين تُدمج ضمن خدمات الإرشاد النّفسي المدرسي، لا تكتفي بخفض النّزاعات، بل تعزز الشّعور بالانتماء المدرسي والتّكيّف الاجتماعي، ما يقلل من الحاجة إلى السّلوك العدواني بوصفه وسيلة للتّعبير أو الدفاع.
خامسًا: فعالية إعادة التوجيه مشروطة بالسياق المدرسي وآليات التنفيذ:
تشير النّتائج النّظريّة إلى أن إعادة توجيه السّلوك العدواني لا تتحقق بمعزل عن البيئة المدرسيّة، بل تتطلب مناخًا داعمًا، وسياسات انضباط إيجابي، وتعاونًا فعّالًا بين المرشد النّفسي والمعلمين والأسرة. كما يتضح أنّ اعتماد نماذج الدّعم متعددة المستويات التي تجمع بين التدخل الوقائي العام والتّدخلات الموجهة الفرديّة والجماعيّة، يعزز من استدامة أثر الإرشاد النّفسي في تعديل السّلوك العدواني.
سادسًا: دعم الفرضية العامة للدراسة:
بناءً على ما سبق، تؤكد النّتائج النّظريّة أنّ الإرشاد النّفسي المدرسي، المستند إلى النّماذج المعرفيّة–السّلوكيّة والتعلم الاجتماعي–الانفعالي، يسهم فعليًا في إعادة توجيه السّلوك العدواني لدى تلاميذ المرحلة المتوسطة، من خلال معالجة جذوره المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة، وليس الاكتفاء بخفض مظاهره السّلوكيّة الظاهرة. وتدعم هذه النتيجة التّصور القائل بأنّ التّغيير السّلوكي المستدام في البيئة المدرسيّة يمر عبر تمكين التلميذ نفسيًا وتربويًا، لا عبر الضبط الخارجي وحده.
الخاتمة
سعت هذه المقالة إلى تحليل دور الإرشاد النّفسي المدرسي في إعادة توجيه السّلوك العدواني داخل المدرسة المتوسطة، انطلاقًا من فرضيّة مفادها أنّ فعاليّة الإرشاد لا تكمن في خفض المظاهر السّلوكيّة للعدوان فحسب، بل في معالجة جذوره المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة عبر نماذج إرشاديّة نظريّة واضحة، خاصة المقاربات المعرفيّة–السّلوكيّة والتّعلّم الاجتماعي–الانفعالي. وقد أظهر التّحليل النّظري للأدبيات الحديثة والتّأسيسيّة أنّ هذه الفرضيّة تحظى بدعم علمي وتربوي متماسك.
أبرزت المقالة أنّ السّلوك العدواني في المرحلة المتوسطة يُعد ظاهرة متعددة الأبعاد، ترتبط بخصائص نمائيّة وانفعاليّة واجتماعيّة وسياقيّة، ولا يمكن فهمها أو التّعامل معها من خلال مقاربات انضباطيّة أو عقابيّة فقط. فالتّلميذ في هذه المرحلة يواجه تحولات نفسيّة معقدة تجعل العدوان في كثير من الأحيان تعبيرًا غير منظم عن الإحباط أو الغضب أو الحاجة إلى الاعتراف والانتماء، ما يستدعي تدخلًا إرشاديًا يقوم على الفهم والتّوجيه بدل القمع والردع.
كما بيّنت الدّراسة أنّ الإرشاد النّفسي المدرسي، حين يُبنى على أسس نظريّة معرفيّة–سلوكيّة ونمائيّة، يسهم في إعادة توجيه السّلوك العدواني عبر العمل على البنى الدّاخليّة للسّلوك، من خلال تنمية مهارات التّنظيم الانفعالي، وإعادة البناء المعرفي، وتعزيز الكفايات الاجتماعيّة، وتوفير بدائل سلوكيّة متكيّفة. ويعزز التعلم الاجتماعي–الانفعالي هذا الدّور من خلال إرساء قاعدة وقائيّة ونمائيّة تساعد التّلاميذ على التّعبير عن مشاعرهم وإدارة علاقاتهم بطريقة إيجابيّة، ما يقلل من احتمالات اللجوء إلى العدوان كوسيلة للتّفاعل.
وأظهرت الدّراسة كذلك أنّ فعاليّة الإرشاد النّفسي في إعادة توجيه السّلوك العدواني مشروطة بتوافر بيئة مدرسيّة داعمة، وسياسات انضباط إيجابي، وتعاون فعّال بين المرشد النّفسي والمعلمين والأسرة، إضافة إلى اعتماد نماذج تدخل متعددة المستويات تضمن الاستمراريّة والتّكامل بين الوقاية والتّدخل العلاجي. فالإرشاد النّفسي لا يعمل في فراغ، بل ضمن منظومة مدرسيّة ينبغي أن تتبنى رؤية تربويّة شموليّة للسّلوك والتّعلّم.
ختامًا، يمكن القول إنّ الإرشاد النّفسي المدرسي يمثل أداة تربويّة نفسيّة فاعلة في إعادة توجيه السّلوك العدواني داخل المدرسة المتوسطة، عندما يُمارس بوصفه عمليّة تغيير نمائي عميق تستهدف الإنسان في أبعاده المعرفيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة، لا مجرد آلية لضبط السّلوك الظاهر. وتفتح هذه الخلاصة المجال أمام تعزيز مكانة الإرشاد النّفسي داخل المدرسة، وتدعو إلى تطوير ممارساته وبرامجه استنادًا إلى أسس نظرية واضحة وأدلة علميّة حديثة، بما يخدم الصحة النّفسيّة للتلاميذ ويُسهم في بناء مناخ مدرسي إيجابي داعم للتّعلم والنمو المتكامل.
المراجع
- Akos, P. (2005). The unique nature of middle school counseling. Professional school counseling, 9(2), 95–103. https://doi.org/10.5330/PRSC.9.2.C3172218176248X4
- Babinski, L. M., Murray, D. W., & Hamm, J. V. (2023). Self-regulation challenges and supports in middle level education: Health education teachers’ and school counselors’ views. RMLE online, 46(6), 1–16. https://doi.org/10.1080/19404476.2023.2204780
- Baetens, I., Hove, L. V., Azadfar, Z., Heel, M. V., & Soyez, V. (2024). The effectivity of a school-based early intervention targeting psychological complaints and non-suicidal self-injury in adolescents. https://doi.org/10.20944/preprints202403.0237.v1
- Barreiro, A. F. D. S., Leal, D. A., & Fróes, Â. R. (2025). A psicologia escolar na educação – uma revisão literária. Revista Ibero-Americana de Humanidades, Ciências e Educação, 11(8), 1901–1918. https://doi.org/10.51891/rease.v11i8.20750
- Canenguez, K. M., Farley, A. M., Squicciarini, A. M., Dutta, A., Simonsohn, A., Holcomb, J. M., Peña, F., Leiva, L., Benheim, T. S., Guzmán, J., Jellinek, M. S., & Murphy, J. (2022). Implementation and outcomes of a national school-based mental health program for middle school students in chile. School Mental Health, 15(1), 165–176. https://doi.org/10.1007/s12310-022-09541-2
- Deylen, K. V., Atkinson, K., & Duncan, M. (2024). An illustrative case example in a k-12 school district: Considering sustainable mental health practices within systematic, equitable, and collaborative approaches. Neveléstudománynull. https://doi.org/10.3390/educsci14040380
- Green, A., & Keys, S. G. (2001). Expanding the developmental school counseling paradigm: Meeting the needs of the 21st century student. Professional school counseling, 5(2), 84–96.
- Hughey, K. F., & Akos, P. (2005). Foreword: Developmentally responsive middle school counseling. Professional school counseling, 9(2), 93–94. https://doi.org/10.5330/PRSC.9.2.BP6N6544825271V1
- Kahfi, M. A., Binuchillah, R., & Humaida, W. L. (2025). Peran guru bimbingan dan konseling dalam menangani permasalahan peserta didik berbasis teori erikson dan pendekatan carl rogers. Alsys, 5(5), 1965–1982. https://doi.org/10.58578/alsys.v5i5.7495
- Kim, C., Lemberger‐Truelove, M. E., Wills, L., Basner, E. J., & Tipton, J. L. (2024). Mechanisms of change in school counseling intervention studies: A content analysis. Professional school counseling, 28(1b). https://doi.org/10.1177/2156759×241247164
- Kim, H., Molina, C. E., Watkinson, J. S., Leigh-Osroosh, K. T., & Li, D. (2024). Theory‐informed school counseling: Increasing efficacy through prevention‐focused practice and outcome research. https://doi.org/10.1002/jcad.12507
- Knight, M. A., Haboush-Deloye, A., Goldberg, P. M., & Grob, K. (2019). Strategies and tools to embrace prevention with upstream programs: A novel pilot program for enhancing social and emotional protective factors in middle school students. Children & Schools, 41(4), 213–220. https://doi.org/10.1093/CS/CDZ020
- Lemberger-Truelove, M. E., Ceballos, P. L., Molina, C. E., & Dehner, J. M. (2020). Inclusion of theory for evidence-based school counseling practice and scholarship: . Professional school counseling, 23 https://doi.org/10.1177/2156759X20903576
- Lemberger, M. E. (2010). Advocating student-within-environment: A humanistic theory for school counseling. The Journal of Humanistic Counseling, Education and Development, 49(2), 131–146. https://doi.org/10.1002/J.2161-1939.2010.TB00093.X
- Lu, C., Zhou, Y., Chen, X., Tan, P., Zhang, Y., Li, Z., Wu, Y., Chen, P., & Li, W. (2025). A study on the needs for mental health courses for middle school students based on qualitative interviews from diverse perspectives. https://doi.org/10.21203/rs.3.rs-7165019/v1
- Nafisah, D., Hamida, A., & Habsy, B. A. (2024). Urgensi perkuat layanan bimbingan dan konseling pada masa transisi siswa smp. Tsaqofah, 4(3), 1556–1569. https://doi.org/10.58578/tsaqofah.v4i3.2912
- Naraswari, I. A. M. D., Dantes, N., Suarni, N. K., Gading, I. K., & Suranata, K. (2024). Solution-focused brief counseling to improve student’s social-emotional skills and psychological well-being. Deleted Journal, 10(1), 106–106. https://doi.org/10.29210/1202423798
- Park, T., & Choi, Y. (2024). The effectiveness of empathy and communication group counseling of wee school in k region: Its impact on emotional regulation and communication skills. Korean Education and Counseling Association, 5(2), 1–18. https://doi.org/10.58171/jec.2024.5.2.1
- Perret, A. P. (2024). Importance of implementing social emotional learning (sel) programs within middle school settings. Advances in educational marketing, administration, and leadership book series null, 159–177. https://doi.org/10.4018/978-1-6684-9904-7.ch010
- Pradana, G. P., Fahreza, D. A., Febriansyah, A. S., Giovanny, A. B., Maheswara, A., & Haq, M. A. A. (2025). Konsep bimbingan dan konseling perkembangan. As-Syar i : Jurnal Bimbingan dan Konseling Keluarga, 7(2). https://doi.org/10.47467/as.v7i2.7592
- Qiu, Y. (2025). Comprehensive guidance program model in american primary and secondary schools. Arts, culture and language, 1(3). https://doi.org/10.61173/hzxf2041
- Rahmatunnida, R., Nurhidayah, M., Akmali, R. Z., & Marja, M. (2024). Efektivitas layanan bimbingan dan konseling melalui pendekatan komprehensif dalam meningkatkan kesejahteraan psikologis dan prestasi akademik siswa. Guidance: Jurnal Bimbingan dan Konseling, 21(01), 104–118. https://doi.org/10.34005/guidance.v21i01.3906
- Saadatzaade, R., Sodani, M., & Farhadirad, H. (2024). A paradigm model of school counseling services based on grounded theory. Journal of Counseling Research, 23(90), 142–181. https://doi.org/10.18502/qjcr.v23i90.16072
- Sciarra, D. T., & Sciarra, D. (2003). School counseling: Foundations and contemporary issues.
- Simbolon, R., & Purba, W. (2022). Evaluating the impact of school counseling programs on student well-being and academic performance in the educational environment. Jurnal Ilmu Pendidikan dan Humaniora, 11(2), 118–137. https://doi.org/10.35335/jiph.v11i2.19
- Social emotional learning in middle school: Developing evidence-based programs. (2022). https://doi.org/10.3768/rtipress.2022.op.0075.2207
- Warren, J. M., Blount, T. N., & Belle, G. (2024). Implementing effective school-based mental health services: A guide for school counselors. Professional school counseling, 28(1). https://doi.org/10.1177/2156759×241283769
- White, D. M., & White, P. D. (2025). Bridging sel and mental health. https://doi.org/10.4018/979-8-3693-9790-9.ch004
- Zachik, C. P., Collica, S., White, J., Espinoza, C. S., Swartz, K., & Cataldi, M. L. (2024). Universal, school‐based mental health literacy programs for middle school students: A scoping review. Journal of School Health https://doi.org/10.1111/josh.13538
- Zyromski, B., & Joseph, A. E. (2008). Utilizing cognitive behavioral interventions to positively impact academic achievement in middle school students.. Journal of school counseling, 6(15).
[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع علوم وتحقيقات (طهران) – قسم علم النّفس.
PhD student at Azad Islamic University – Science and Research Branch (Tehran) – Department of of Psychology, Email: ehsan.batoul@gmail.com
[2] – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية – بيروت- لبنان.
Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Education – Beirut – Lebanon.Email: fayoub@ ul.edu.lb
[3]– Social and Emotional Learning.
[4]– Cognitive Behavioral Therapy.
[5]– MTSS هو اختصار لـ Multi-Tiered System of Supports، ويُترجم عادةً إلى: نظام الدّعم متعدد المستويات، هو إطار تنظيمي مدرسي يهدف إلى تقديم دعم متدرّج للطلاب بحسب مستوى حاجتهم، عبر دمج الجهود التّربويّة والنّفسيّة والسّلوكيّة داخل المدرسة (مثل الإرشاد النفسي، الدعم الأكاديمي، وبرامج المهارات الاجتماعيّة).