فقدان الأب وتأثيره في تراجع التّحصيل الدِّراسي لدى الأبناء دراسة تطبيقيّة على فئة المراهقين في الثانوية الأهليّة
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
فقدان الأب وتأثيره في تراجع التّحصيل الدِّراسي لدى الأبناء
دراسة تطبيقيّة على فئة المراهقين في الثانوية الأهليّة
Loss of father and its impact on the decline of academic achievement among children
An applied study on a group of teenagers in a private secondary school
Diana Hussein tehfe ديانا حسين تحفة([1])
Supervised by Dr. Fawzi Ayoub المشرف أ. د. فوزي أيوب([2])
تاريخ الإرسال؛17-1-2026 تاريخ القبول:29-1-2026
الملخص turnitin:8%
لخصت الدّراسة الآليّة النّفسيّة المعقدة التي تربط بين فقدان الأب والتّراجع التّحصيلي لدى طلاب المرحلة الثانوية، وتبيّن أنّها علاقة وسيطة وليست مباشرة. وقد أثبتت النّتائج الإحصائيّة أنّ ثلاثة أبعاد نفسيّة تشكّل جسرًا انتقاليًّا لهذا الأثر المدمّر القلق الوجودي الذي يستنزف طاقة التّركيز، ويحوّل العقل إلى حالة تأهب دائمة، والعجز المكتسب الذي يقتلع جذور الدّافعيّة والمثابرة ويقنع الطّالب بعدم جدوى جهوده، وتدني تقدير الذّات الذي يقوّض أساس الثّقة بالنّفس والقدرة على مواجهة التّحديات الأكاديميّة. وقد برز تدني تقدير الذّات كأقوى مفسر منفرد، قادر على تفسير ما يقرب من نصف التّباين في الأداء الدِّراسي، تؤكد هذه النّتائج أنّ التّراجع الدِّراسي ليس علامة على الكسل بل هو عرض طبيعي لصدمة نفسيّة عميقة تتطلب تدخلًا متخصصًا. وعليه؛ تدفع نحو ضرورة تحوّل المدارس والمؤسسات التّربويّة من النّهج التّقليدي العقابي أو التّلقيني، إلى تبني برامج دعم نفسي منهجيّة تستهدف هذه الأبعاد الثلاثة تحديدًا، لاستعادة الأمان والدّافعيّة والقيمة الذّاتيّة للطالب، كشرط أساسي لإعادة إطلاق مساره التّعليمي وحماية مستقبله الأكاديمي من التّدهور الدّائم.
الكلمات المفتاحيّة: الفقد، الأب، ققدان الأب، التّحصيل الدِّراسي.
Abscrat
The present study summarized the complex psychological mechanism linking paternal loss and academic decline among secondary school students, revealing it to be a mediated rather than a direct relationship. Statistical results proved that three psychological dimensions form a transitional bridge for this detrimental effect: existential anxiety, which drains focus and puts the mind in a state of constant alert; learned helplessness, which uproots motivation and perseverance and convinces the student of the futility of their efforts; and low self-esteem, which undermines the foundation of self-confidence and the ability to face academic challenges. Low self-esteem emerged as the strongest single predictor, capable of explaining nearly half of the variance in academic performance. These results confirm that academic decline is not a sign of laziness or lack of intelligence, but rather a natural symptom of a deep psychological trauma requiring specialized intervention. Consequently, the study advocates for a necessary shift in schools and educational institutions from traditional punitive or rote-learning approaches to adopting systematic psychological support programs that specifically target these three dimensions, to restore the student’s sense of security, motivation, and self-worth as a fundamental condition for relaunching their educational path and protecting their academic future from permanent deterioration.
Keywords: Loss, father, paternal loss, academic achievement
يُعدّ فقدان الأب أحد أقسى التّجارب الحياتيّة التي يمكن أن يمرّ بها الفرد في مرحلة المراهقة، وتتشابك تداعياته النّفسيّة العميقة مع المسار التّنموي والتّعليمي للفرد، مما يخلق حالةً من التحديات المعقدة التي تدرسها علوم النّفس التطوري والتّربوي والاجتماعي بعمق، ينبع الاهتمام البحثي في هذا المجال من محاولة فهم الآليات النّفسيّة الوسيطة التي تتحوّل فيها الصّدمة العاطفيّة إلى تراجع ملموس في الأداء الأكاديمي، إذ يتجاوز الأمر مجرد رصد التّرابط الإحصائي ليدخل في صميم العمليّات النّفسيّة الدّاخليّة.
ومن المنظور النّفسي؛ فإنّ فقدان الأب في مرحلة المراهقة التي تتوافق مع مرحلة التّعليم الثانوي، يشكّل صدمةً تؤثر في البنية النّفسيّة في وقت حرج من تكوين الهُويّة، والذَّات بوصف أنّ الأب لا يمثل مصدر الأمان المادي، فحسب بل هو عنصر أساسي في عمليّة الاتصال الصّحيّة التي يحتاجها المراهق لبناء استقلاليته مع الاحتفاظ بشعور الانتماء والدّعم، يؤدي غياب هذا الرّكن إلى خلل في هذه العمليّة، إذ قد يشعر الفرد بالانفصال المفاجئ والقاسي، ما يولد شعورًا بالضّياع وعدم الاستقرار يهدم الرّكيزة الأساسيّة التي ينطلق منها نحو العالم الخارجي، بما فيه عالم التّحصيل الدِّراسي، كما يشعر المراهق الذي يفقد والده بالاختلاف عن أقرانه، مما قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعيّة الطّوعيّة أو غير الطّوعيّة. يفقد بذلك الدّعم الاجتماعي الطبيعي من الرفاق الذي يعدُّ مهمًّا في المرحلة الثانوية للمشاركة في الدّراسة الجماعيّة وتبادل المعلومات والتّشجيع العاطفي. كما قد تفرض عليه المسؤوليّات المنزليّة الجديدة (المساعدة في شؤون الأسرة) أدوارًا بالغة لا تتناسب مع سنه، مما يسرق وقت الدّراسة والطاقة العاطفيّة.
وبالتالي، فإنّ دراسة العلاقة بين فقدان الأب والتّحصيل الدِّراسي في مرحلة الثانوية هي في جوهرها دراسة لانهيار وتفكك البنى النّفسيّة الدّاعمة للتّعلم (الأمان، والدّافع، والهُويّة، والاستقرار الانفعالي، والموارد المعرفيّة) تحت وطأة حدث صادم لا يظهر التّراجع الدِّراسي كنقص في الجهد، بل كنتيجة حتميّة لاستنفاد الجهاز النّفسي في معركة البقاء العاطفي. يفيد هذا الفهم في توجيه التدخلات النّفسيّة السريريّة المتخصصة، كالعلاج المعرفي السّلوكي للصّدمة، أو علاج الحداد والذي يستهدف إعادة بناء هذه البنى لتمكين الفرد من استعادة قدرته على التّعلم والتّقدم. إنّه تحليل للكارثة الدّاخليّة التي تسبق وتفسر الكارثة الأكاديميّة الظاهرة.
- إشكاليّة الدّراسة: تمثّل مرحلة المراهقة في مرحلة التّعليم الثانوي عتبة حرجة، وحاسمة في تشكيل هُويَّة الفرد وبناء مستقبله الأكاديمي والمهني، وهي مرحلة تتميز بتحولات نفسيّة وجسديّة عميقة، وتزداد فيها الحاجة إلى الدّعم العاطفي والاستقرار الأسري، كقاعدة آمنة ينطلق منها المراهق لاستكشاف عالمه، وتحقيق ذاته فتبرز الأزمات الحياتيّة المفاجئة لتختبر متانة هذه القاعدة وتعيد رسم مسار النمو الفردي، وتُعدُّ ظاهرة فقدان الأب واحدة من أقسى تلك الأزمات وأكثرها تأثيرًا على البنيّة النّفسيّة والاجتماعيّة للمراهق.
بالتّعمق أكثر في تحليل هذه العلاقة العامة، نجد أنّ الآلية ليست بسيطة أو حتمية، بل هي معقدة ومتوسطة بعدد من العوامل النّفسيّة الوسيطة، فليس كلّ من يفقد أباه يتراجع تحصيله الدِّراسي بالضّرورة بالدّرجة نفسها أو بالطريقة نفسها، إلّا أنّ الثّابت هو أنّ الصّدمة النّاجمة عن الفقد تعمل على زعزعة الأسس النّفسيّة التي يقوم عليها التّعلم الفعال، مثل الشّعور بالأمان، وتقدير الذّات، والدّافع نحو المستقبل، والقدرة على التّنظيم الانفعالي والتّركيز المعرفي، فالعقل المنشغل بالوجود المهدد بالقلق يجد صعوبة بالغة في تخصيص الموارد الذّهنيّة اللازمة.
وبالتالي، فإن إشكاليّة هذه الدّراسة تبحث في رسم الخريطة النّفسيّة الدّاخليّة لطالب الثانوية الذي يحمل جرح الفقد، وفهم كيف تتحول طاقته العقليّة والعاطفيّة من التّركيز على مقاعد الدّراسة والطّموح المستقبلي، إلى إدارة أزمة وجوديّة مفاجئة، مما يخلق حالة من التّعارض الدّاخلي بين متطلبات النّجاح الأكاديمي وضرورات البقاء النّفسي، وعليه تطرح الدّراسة السؤال الإشكالي الأساسي الآتي:
الى أيّ مدى يؤثر فقدان الأب بأبعاده (القلق الوجودي، العحز المكتسب، تدني تقدير الذّات) في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء؟
ويتفرع من السؤال الإشكالي الأسئلة الفرعيّة الآتية:
- هل يوجد أثر ذو دلالة معنويّة للقلق الوجودي في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء؟
- هل يوجد أثر ذو دلالة معنويّة للعجز المكتسب في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء؟
- هل يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لتدني تقدير الذّات في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء؟
- سد فجوة في فهم التّفاعل النّوعي بين الصّدمة والنمو الأكاديمي.
- توفير خريطة طريق للتّدخلات الدّاعمة المستهدفة.
- توفير أساس علمي لواضعي السياسات التّربوية لدمج برامج الدّعم النّفسي الطارئ، والمستدام في خطط المدارس.
- فرضيات الدّراسة
- الفرضيّة الرئيسة : يؤثر فقدان الأب بأبعاده (القلق الوجودي، العحز المكتسب، تدني تقدير الذات) في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء.
- الفرضيّة الفرعيّة الأولى: قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة للقلق الوجودي في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء.
- الفرضيّة الفرعيّة الثانية: قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة للعجز المكتسب في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء.
- الفرضيّة الفرعيّة الثالثة: قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لتدني تقدير الذّات في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء.
- اهداف البحث
- تحديد مدى انتشار وشدة كلّ بعد من الأبعاد النّفسيّة الثلاثة (القلق الوجودي، العجز المكتسب، تدني تقدير الذات) بين عينة من طلاب المرحلة الثانوية الذين تعرضوا لفقدان الأب.
- قياس الأثر المستقل والدّلالة الإحصائيّة لكل بعد نفسي على حدة في تراجع التّحصيل الدِّراسي.
- التّوصل إلى مؤشرات أو معادلات تنبؤية تمكن من تقدير مستوى الخطورة على المسار الأكاديمي للطالب الثانوي الذي يفقد أباه.
- إثراء المعرفة النّظريّة في حقلي علم نفس الصّدمات (حداد المراهقين) وعلم النّفس التّربوي، من خلال تقديم بيانات ميدانيّة مُوثقة عن تفاعل أزمة الهُويّة والقلق الوجودي في مرحلة النّمو الحرجة مع متطلبات التّحصيل الأكاديمي المرتفع في المرحلة الثانوية.
- الدّراسات السّابقة: تستند دراسة العلاقة بين فقدان الأب والتّحصيل الدِّراسي الى تحليل من زوايا مختلفة، ففي السياق العربي، تُعد دراسة الشمَّري (2018) بعنوان “فقدان الأب وأثره في التّحصيل الدِّراسي والاتزان الانفعالي لدى عيّنة من طلاب المرحلة الثانوية في المملكة العربيّة السّعوديّة” من الدّراسات الرائدة، اعتمدت الدّراسة على المنهج الوصفي التّحليلي، وطبقت استبيانات على عيّنة قوامها 120 طالبًا. أظهرت النّتائج وجود علاقة ارتباطيّة موجبة ذات دلالة إحصائيّة بين فقدان الأب وانخفاض التّحصيل الدِّراسي، كما وجدت أنّ الطلاب اليتامى يعانون من مستويات أعلى من القلق والاكتئاب مقارنة بزملائهم. ومع ذلك، لم تتناول الدّراسة الآليات النّفسيّة الوسيطة (مثل تلك المذكورة في إشكاليّة الدّراسة الحاليّة) بعمق، واكتفت برصد العلاقة العامة والجانب الانفعالي العام، مما يترك مجالًا للبحث في الأبعاد الأكثر تحديدًا كالقلق الوجودي أو العجز المكتسب، أمّا دراسة العلي ومحمد (2020) بعنوان “الدّعم الاجتماعي كعامل وسيط في العلاقة بين حرمان الأب والتّحصيل الأكاديمي لدى المراهقين في الكويت”، فقد قدمت نقلة نوعيّة. استخدم الباحثان المنهج المختلط (كمي ونوعي)، مع مقابلات معمقة. توصلت الدّراسة إلى أنّ غياب الدّعم الاجتماعي الفعال بعد الفقد (من الأسرة الممتدة والمدرسة) هو العامل الحاسم في تفسير التّراجع الدِّراسي الحادّ. بمعنى آخر، لم يكن الفقد بذاته هو المؤثر المباشر الأقوى، بل انهيار شبكة الأمان الاجتماعي التي كان الأب يمثل عمودها الفقري. هذه النّتيجة تشير ضمنًا إلى أهمّيّة البعد الوجودي المتعلق بالأمان، ولكن الدّراسة ركزت على المتغير الخارجي (الدّعم الاجتماعي) أكثر من التّركيز على الحالة النّفسيّة الدّاخليّة للفرد كوسيط أولي، وقدمت دراسة إبراهيم (2021) بعنوان “التّكيّف النّفسي والتّحصيل الدِّراسي لدى طلاب الثانوية العامة الذين تعرضوا لفقدان أحد الوالدين، دراسة إكلينيكيّة” تحليلًا عميقًا. اعتمدت الدّراسة على منهج دراسة الحالة الإكلينيكيّة لـ 15 طالبًا، واستخدمت مقاييس إسقاطيّة ومقابلات إكلينيكيّة. كشفت النّتائج نمطين: نمط انسحابي (يتميز بالعجز وتدني الذّات وتراجع حاد في التّحصيل)، ونمط تعويضي مفرط (إذ يغرق الطّالب في المذاكرة بشكل هوسي كآليّة دفاع لمواجهة الألم، وقد يحصل على نتائج جيدة لكن على حساب صحّته النّفسيّة). أبرزت هذه الدّراسة تباين الاستجابات، وأشارت بشكل غير مباشر إلى مفاهيم العجز والقلق، لكنّها لم تقيسها إحصائيًّا على عينة واسعة، مما يحدُّ من إمكانيّة تعميم نتائجها (إبراهيم، 2021).
وتُعدُّ دراسة بيرغر وويذر (Berger & Wether, 2017) من الدّراسات المؤسسة وقد استخدمت بيانات طوليّة من مسح أمريكي كبير مع تحليل نمذجة المعادلات البنيويّة، أثبتت الدّراسة بدقّة أنّ العلاقة بين فقدان الوالد في المراهقة والتّحصيل التّعليمي اللاحق تتوسطها ثلاثة عوامل: أعراض الصَّدمة (التي تتضمن القلق)، وانخفاض الكفاءة الذّاتيّة (المقاربة لمفهوم العجز المكتسب وتدني الذّات)، وضعف التّوجه نحو المستقبل (المقارب للقلق الوجودي)، قدمت هذه الدّراسة إطارًا نظريًّا وإحصائيًّا قويًّا يؤكد فرضيّة الوساطة النّفسيّة التي تتبناها الدّراسة الحالية، واتبعت دراسة كولن وفريقه (Köhlen et al., 2019) منهجًا تجريبيًّا دقيقًا قاس مؤشرات الإجهاد (الكورتيزول) والأداء في مهام الذّاكرة العاملة والانتباه لدى مجموعة من المراهقين الحزانى مقارنة بمجموعة ضابطة. وجدت أنّ المراهقين الذين فقدوا أحد الوالدين أظهروا مستويات أعلى من الكورتيزول وضعفًا ملحوظًا في الوظائف التّنفيذيّة للدّماغ، مما يفسر بشكل بيولوجي عصبي الصّعوبات التي يواجهونها في التّركيز، ومعالجة المعلومات الدِّراسيّة المعقدة. هذه الدّراسة تربط بشكل مباشر بين التجربة الانفعالية (التي تولد القلق الوجودي والإجهاد) والعجز المعرفي الملموس الذي يقود لتراجع التّحصيل، مكمّلة بذلك الصّورة التي تقدمها الدّراسات النّفسيّة التّقريريّة.
- منهج الدّراسة: يُعد المنهج العلمي أسلوبًا للتّفكير والعمل، يعتمده الباحث لتنظيم أفكاره وتحليلها وعرضها، والوصول إلى نتائج وحقائق معقولة حول الظاهرة موضوع الدّراسة، وهو محاولة الوصول الى المعرفة الدّقيقة والتّفصيليّة لعناصر مشكلة، أو ظاهرة قائمة للوصول الى فهم أفضل وأدقّ أو وضع السياسات والإجراءات المستقبليّة الخاصة بها، كما يُعد طريقة لوصف الموضوع المراد دراسته عن طريق منهجيّة علميّة صحيحة وتصوير النتائج التي يُتوصَّل اليها على أشكال رقميّة معبِّرة يمكن تفسيرها (المحمودي، 2019، ص46).
سنعتمد في هذه الدّراسة على المنهج الوصفي التّحليلي لوصف عذع الظاهرة، وتحليلها بناء على بيانات معبئة من قبل أفراد العيّنة.
يستند الفهم العلمي للعلاقة المعقدة بين فقدان الأب، وتراجع التّحصيل الدِّراسي إلى إطار نظري متعدد الأبعاد، تقدم فيه نظريات رئيسة من حقول علم النّفس المختلفة تفسيرات متكاملة للآليات الوسيطة. تُعد نظريّة التّعلق (Attachment Theory) لجون بولبي حجر الزاوية الأولى في تفسير هذه العلاقة. تفترض النّظريّة أنّ الرابط العاطفي الآمن مع مقدم الرّعاية الأساسي (غالبًا الأب والأم) في الطفولة والمراهقة يشكل “قاعدة آمنة” ينطلق منها الفرد لاستكشاف العالم، بما في ذلك عالم التّعلم والمدرسة، يؤدي فقدان الأب خاصة إذا كانت العلاقة به آمنة إلى زعزعة هذه القاعدة بشكل جذري، مما يولد ما يسمى قلق الانفصال المُعقد ويهدد الشعور الأساسي بالأمان، في السّياق الدِّراسي يتحول الطالب من حالة الاستكشاف والفضول المعرفي (المرتبط بالتّعلق الآمن) إلى حالة من اليقظة الدِّفاعيّة ينصب تركيزه الدّاخلي على تعويض الخسارة العاطفيّة وإدارة الشّعور بالتهديد الوجودي، مما يستنزف الطاقة النّفسيّة والذّهنيّة المخصصة عادةً للمهام التّعليميّة المعقدة. يصبح العقل مشغولًا بإدارة الألم والخوف بدلًا من معالجة المعلومات الأكاديميّة، مما يؤدي إلى ضعف في الذّاكرة العاملة والانتباه المستمر، وهما عمادا التّعلم الفعال (Bowlby, 1980; Bretherton, 1992).
تقدم نظرية الصّدمة (Trauma Theory) ونموذج الحداد المعقد (Complicated Grief) الإطار الثاني الأساسي فوفقًا لهذا المنظور لا يُعدُّ فقدان الأب مجرد حدث حزين، بل قد يشكل صدمة نفسيّة، خاصة إذا كان مفاجئًا أو عنيفًا أو في ظل ظروف تمنع عمليّة الحداد الصّحيّة. تعطل الصّدمة النظام النّفسي وتؤدي إلى مجموعة من الأعراض التي تصطدم مباشرة مع متطلبات التّحصيل الدِّراسي، تشمل هذه الأعراض التّكرار القهري للذكريات المؤلمة (مما يعيق التّركيز في الحصِّة الدِّراسية)، والتّجنب لكل ما يذكر بالفقد (مما قد يمتد ليشمل تجنب المدرسة أو الأنشطة التي كان الأب يشجع عليها، أو حتى تجنب التفكير في المستقبل المرتبط بالدّراسة)، وفرط اليقظة والقلق المستمر. تحول هذه الأعراض البيئة الدّاخليّة للطالب إلى ساحة حرب نفسيّة، إذ تُستهلك الموارد العقليّة في إدارة الصدمة بدلًا من استيعاب الدروس. يُظهر البحث في علم الأعصاب أنّ التوتر النّاتج عن الصّدمة المزمنة (مستويات مرتفعة من الكورتيزول) يمكن أن يضر بمناطق الدّماغ المسؤولة عن التّعلم والذاكرة، مثل الحصين، مما يوفر تفسيرًا بيولوجيًا عصبيًا مباشرًا للتراجع المعرفي (Worden, 2018; van der Kolk, 2014).
أمّا نظريّة العجز المُكتسب (Learned Helplessness Theory) لـ مارتن سليجمان فتشرح كيف يمكن أن يؤدي التّعرّض لموقف مؤلم لا يمكن السّيطرة عليه (كفقدان الأب المفاجئ وغير المتوقع) إلى تعلم الاعتقاد بأنّ النّتائج مستقلة عن الأفعال الذاتية. في السّياق التّعليمي، ويرتبط هذا بشكل وثيق بانخفاض الكفاءة الذّاتيّة (Self-Efficacy) من نظريّة ألبرت باندورا الاجتماعيّة المعرفيّة، إذ يخسر الطالب إيمانه بقدرته على تنظيم، وتنفيذ الإجراءات المطلوبة لتحقيق النجاح الدِّراسي، هذا المزيج من العجز وقلّة الكفاءة الذاتيّة يحول دون استثمار الجهد اللازم للتعافي الأكاديمي (Seligman, 1972; Bandura, 1997).
كما تقدم نظريّة النُّظم البيئيّة (Ecological Systems Theory) لأوري برونفنبرينر الإطار الشّامل الذي يضع الفقد في سياق أوسع من التّفاعلات البيئيّة المتداخلة، لا يحدث تأثير الفقد في فراغ، بل داخل نظام ديناميكي تتداخل فيه مستويات متعددة:
- المايكروسيستم (Microsystem): التّفاعل المباشر في البيئة المنزليّة المباشرة بعد الفقد، مثل تغيّر أدوار الأسرة، والصّحّة النّفسيّة للأم، والضّغوط الاقتصاديّة. كل هذه العوامل تخلق بيئة غير مستقرة وغير داعمة للدراسة.
- الميزوسيستم (Mesosystem): التّفاعل بين المنزل والمدرسة. قد ينقطع التّواصل الفعال بين الأسرة (التي قد تكون منهكة) والمدرسة، مما يحرم الطالب من التكيف المناسب للتحديات التي يواجهها (مثل تمديد مواعيد التسليم).
- الإكزوسيستم (Exosystem): العوامل غير المباشرة مثل سياسات المدرسة تجاه الطلاب في ظروف خاصة، أو توفر خدمات الإرشاد النّفسي.
- الماكروسيستم (Macrosystem): القيم الثقافية والاجتماعيّة المحيطة بالحداد ودور الأب. في المجتمعات التي يعد فيها الأب المصدر الرئيسي للسلطة والتوجيه الأكاديمي، قد يكون تأثير فقده أعمق على هوية الطالب وهدفه.
تشرح هذه النّظريّة سبب اختلاف التأثير من طالب لآخر، فشدة التّراجع الدِّراسي لا تعتمد فقط على الصّدمة النّفسيّة الدّاخليّة بل على جودة ودعم الأنظمة البيئيّة المحيطة التي يمكنها أن تخفف من حدة الضّربة أو تفاقمها. فالدّعم الأسري القوي، والمدرسة المستجيبة، والسِّياق المجتمعي الدّاعم يمكن أن يشكل عوامل حماية تقلل من حدة تأثير الأبعاد النّفسيّة السلبيّة (القلق، العجز، تدني الذات) على التّحصيل (Bronfenbrenner, 1979).
تتكامل هذه النّظريات لتشكل نموذجًا تفسيريًا شاملًا، تشرح نظريّة التّعلق والصّدمة الانهيار العاطفي والانفعالي الأولي الذي يخلق حالة من الضّعف النّفسي، والبيولوجي ثم تفسر نظريّة العجز المكتسب كيف يمكن أن يتحوّل هذا الضعف إلى قناعة راسخة بعدم الجدوى، تقوض الدّافع والمثابرة الأكاديميّة على المدى المتوسط والطويل. وأخيرًا، توفر نظريّة النُّظم البيئيّة الإطار السِّياقي الذي يحدد شدّة وكيفيّة عمل هذه الآليات الدّاخليّة، مشيرة إلى أنّ النتيجة النّهائيّة (مستوى التراجع الدِّراسي) هي محصلة للتّفاعل المعقد بين حالة الفرد النّفسيّة الدّاخليّة وخصائص البيئات المحيطة به. وبالتالي، فإن فهم ظاهرة تراجع التّحصيل بعد فقدان الأب يتطلب النّظر في هذه الأبعاد جميعًا: البعد العاطفي-العلائقي (التعلق)، والبعد النّفسي-المرضي (الصّدمة)، والبعد المعرفي التّحفيزي (العجز/الكفاءة الذّاتيّة)، والبعد السّياقي-البيئي (النّظم البيئيّة).
- إجراءات الدّراسة: تمَّتْ عمليّة جمع البيانات من خلال تصميم استبيانٍ مُفصَّل، اشتمل على أربعة أقسام رئيسة غطّت جوانب البحث جميعها، إذ تضمّن معلوماتٍ ديموغرافيّة عن أفراد العيّنة شملت العمر، والمستوى التّعليمي، ومدَّة وفاة الأب، وعدد الأبناء، والحالة الاقتصاديّة، أمّا الأقسام الثلاثة الأخرى فقد خُصصت لقياس الأبعاد، وقد بُنِيَ الاستبيان على مقياس ليكرت الخماسي.
وقد حُدِّد المجتمع الأصلي للدّراسة مع التركيز على الفئة العمريّة من 15 إلى 18 سنة، وقد اعتُمِد أسلوب العيّنة العشوائيّة الطبقيّة لضمان تمثيل مختلف الشّرائح الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ووُزِّع الاستبيان مع مراعاة المعايير الأخلاقيّة في البحث،إذ كان الحصول على موافقة المشاركات بعد شرح أهداف الدّراسة وضمان سرّيّة البيانات.
| الفرضيّة الفرعية الأولى | معامل الإرتباط R | مستوى الدّلالة |
| قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة للقلق الوجودي في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء. | 0.72 | 0.01 |
تشير النَّتائج إلى وجود علاقة ارتباطيّة قويَّة جدًا وذات دلالة إحصائيّة عالية المستوى بين متغير القلق الوجودي ومستوى التّحصيل الدِّراسي، يتجلى ذلك من خلال قيمة معامل ارتباط سبيرمان البالغة 0.72، وهي قيمة تشير إلى علاقة قويّة وفق التّصنيفات الإحصائيّة الشّائعة، إذ إنّها تقترب من الحدّ الأعلى للقوة الممكنة (والذي هو -1)، تكمن دلالة الإشارة في تأكيدها لطبيعة العلاقة المتوقعة نظريًّا، فكلما ارتفعت درجة معاناة الطّالب من مشاعر القلق الوجودي النّاجمة عن فقدان الأبّ، والشّعور بعدم الأمان وتهديد المستقبل كلما انخفض مستوى تحصيله الدِّراسي، وهو ما يتماشى مع الإطار النّظري الذي يفترض أن استنزاف الطاقة النّفسيّة في إدارة هذه الأزمة الوجوديّة يحول دون تخصيص الموارد الذّهنيّة الكافية للتعلم.
أمّا في الدّلالة الإحصائيّة، فإنّ مستوى الدّلالة (.01) يؤكد أنّ هذه العلاقة القويّة لم تنتج عن الصّدفة أو التباين العشوائي في العيّنة، بل تعكس أثرًا منهجيًّا وحقيقيًّا يمكن تعميمه على مجتمع الدّراسة مع درجة ثقة عالية (تصل إلى 99%). بمعنى آخر، فإنّ احتماليّة أن تكون هذه العلاقة الواضحة (الموضحة بالمعامل -0.72) قد ظهرت بالخطأ في هذه العيّنة هي احتمال ضئيل جدًا (واحد في المائة)، مما يدعم بقوة الادّعاء بوجود أثر معنوي للقلق الوجودي على التّحصيل.
| الفرضيّة الفرعية الثانية | معامل الإرتباط R | مستوى الدّلالة |
| قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة للعجز المكتسب في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء. | 0.65 | 0.01 |
تظهر النتائج الإحصائيّة دليلًا قويًّا يدعم وجود علاقة ارتباطيّة ذات دلالة إحصائيّة عالية المستوى بين المتغيرين. إذ بلغ معامل ارتباط سبيرمان (0.65)، وهي قيمة تشير إلى علاقة قويّة وفق التّصنيفات الإحصائيّة، إذ تقع ضمن المدى الذي يعكس درجة تأثير مهمة، تؤكد الإشارة للمعامل على طبيعة العلاقة المتوقعة منطقيًّا ونظريًّا، إذ يشير المسار إلى أنّ الارتفاع في مشاعر العجز المكتسب، وفقدان الإحساس بالسّيطرة على النّتائج لدى الطالب كنتيجة لتجربة الفقد الصّادمة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بانخفاض ملحوظ في مستوى أدائه الأكاديمي، هذا يتوافق تمامًا مع جوهر نظريّة العجز المكتسب التي تفترض أنّ تجربة المواقف غير القابلة للسّيطرة تدفع الفرد إلى التّعميم والاستسلام، مما يترجم في السّياق الدِّراسي إلى انخفاض في المثابرة وضعف في المبادرة نحو التّعلم، وتراجع في التّحصيل.
أمّا في الدّلالة الإحصائيّة، فإن مستوى الدّلالة (.01) يؤكد بشكل قاطع أن هذه العلاقة القويّة لم تكن وليدة الصّدفة أو التباين العشوائي ضمن أفراد العينة، بل هي علاقة منهجيّة وحقيقيّة يمكن تعميمها على مجتمع الدّراسة بمستوى ثقة يصل إلى 99%. وهذا يعني أنّ احتماليّة ظهور هذا المعامل القوي (0.65) نتيجة للعشوائيّة وحدها هي احتمال ضئيل جدًا (واحد في المائة)، مما يمنح النتيجة مصداقيّة عالية ويدعم بقوة ادِّعاء الفرضيّة بوجود أثر ذي دلالة.
| الفرضيّة الفرعية الثالثة | معامل التحديد 2R | قيمة F |
| قد يوجد أثر ذو دلالة معنويّة لتدني تقدير الذات في تراجع التّحصيل الدِّراسي للأبناء. | 0.48 | 45.30 |
بناءً على نتائج تحليل الفرضيّة الفرعيّة الثالثة، والمتمثلة في اختبار أثر تدني تقدير الذات على التّحصيل الدِّراسي، تكشف النّتائج الإحصائيّة وجود أثر تفسيري قوي وذو دلالة إحصائيّة عالية المستوى لهذا المتغير النّفسي. إذ يبلغ معامل التّحديد (R²) 0.48، مما يشير إلى أنّ متغير تدني تقدير الذَّات يفسر لوحده ما نسبته 48% من التّباين الكلي الحاصل في درجات التّحصيل الدِّراسي ضمن عيّنة الدّراسة. تعدُّ هذه النّسبة مرتفعة وقويّة في العلوم السّلوكيّة والتّربويّة، إذ تعني أنّ مشاعر عدم القيمة وانخفاض الصّورة الذّاتيّة لدى الطالب، النّاجمة عن فقدان الأب، تساهم بشكل رئيس وكبير في تحديد مسار أدائه الأكاديمي، بينما تعزى النسبة المتبقيّة من التباين (52%) إلى عوامل أخرى لم تشملها هذه العلاقة البسيطة. أمّا في دلالة هذه القوة التفسيريّة، فإن قيمة F المحسنة والبالغة 45.30 تؤكد أنّ النّموذج الإحصائي (العلاقة الخطيّة بين تدني تقدير الذّات والتّحصيل) ذو دلالة إحصائيّة عالية. عند مقارنة هذه القيمة بالقيمة الجدوليّة لـ F عند درجات حرية مناسبة (1 ، n-2) ومستوى دلالة 0.01 أو 0.001، فإنّ القيمة المحسوبة (45.30) تتجاوزها بشكل كبير. وهذا يعني أنّ العلاقة المتمثلة بقوة تفسيريّة بلغت 48% لم تظهر بشكل عشوائي، بل تعكس أثرًا حقيقيًّا ومنهجيًّا لمتغير تدني تقدير الذّات على التّحصيل، مع احتماليّة ضئيلة جدًا للخطأ (أقل من 0.001 في العادة)، مما يدعم بقوة متناهية فرضيّة وجود أثر معنوي.
- تحليل فرضيّات الدّراسة: بناءً على التّحليل الإحصائي الشّامل لفرضيّات الدّراسة الفرعيّة الثلاث، يمكن الخروج بنتائج واضحة وقويّة تدعم بشكل جازم الفرضيّة الرئيسة للبحث والتي تتبنى فكرة أن فقدان الأب، يؤثر في تراجع التّحصيل الدِّراسي عبر أبعاد نفسيّة وسيطة محددة، فقد أكدت النَّتائج وجود أثر دال إحصائيًّا لكل بعد من الأبعاد النّفسيّة المقترحة (القلق الوجودي، العجز المكتسب، تدني تقدير الذَّات)، وإن بدرجات متفاوتة من القوة والتأثير، مما يسمح برسم صورة متكاملة للآلية التي تعمل من خلالها هذه الأزمة الإنسانيّة على تقويض أحد أركان التنمية البشريّة وهو التّحصيل التّعليمي.
بالنسبة إلى الفرضيّة الفرعيّة الأولى، أظهر تحليل الارتباط وجود علاقة قويّة جدًا ودالة إحصائيًّا بين القلق الوجودي والتّحصيل الدِّراسي، إذ بلغ معامل الارتباط (0.72) عند مستوى دلالة (0.01). وهذا يدل على أنّ المشاعر المصاحبة لفقدان الأب، والمتمثلة في الخوف على المستقبل وانهيار الشّعور بالأمان والاستقرار، تستنزف الطاقة الذّهنيّة والنّفسيّة للطالب وتحول دون قدرته على التّركيز والانخراط في عملية التّعلم، فالطّالب الذي يشغل باله بهواجس “من سيدعمني؟” و”كيف سيكون مصيري؟” يصبح عاجزًا عن تخصيص الموارد المعرفيّة اللازمة لفهم وحل المعادلات الرّياضيّة أو تحليل النّصوص الأدبيّة، مما يترجم مباشرة إلى انخفاض في الدّرجات.
أمّا الفرضيّة الفرعيّة الثانية، فقد أيدتها النتائج بشكل قوي أيضًا، حوقد سجل العجز المكتسب معامل ارتباط قوي بلغ (0.65) عند مستوى دلالة (0.01). وهذا يعزز الفهم النّظري القائل بأن تجربة الفقد، بوصفها حدثًا مفاجئًا وخارقًا للسّيطرة، تغرس في نفس الطالب قناعة راسخة بأن جهوده لا طائل من ورائها، وأنّ النَّتائج محتومة بصرف النّظر عما يبذل. فتتحول هذه القناعة إلى نبوءة ذاتيّة تتحقق، فيفقد الطالب الدّافع للمثابرة والمبادرة في الدّراسة، ويتوقف عن المحاولة عند أول عائق، مما يؤدي حتمًا إلى تدهور أدائه الأكاديمي.
وفيما يخص الفرضيّة الفرعية الثالثة، كشف تحليل الانحدار نتيجة بالغة الأهمّيّة، إذا استطاع متغيّر تدني تقدير الذّات أن يفسر ما نسبته 48% من التباين في التّحصيل الدِّراسي، بقيمة F دالة إحصائيًّا بلغت (45.30). هذه النتيجة تضع تدني تقدير الذّات في موقع القلب من الآلية النّفسيّة الوسيطة، إذ إنّ الشّعور بانخفاض القيمة الذّاتيّة وفقدان الاحترام للنفس، في أعقاب فقدان النّموذج والمصدر التّقليدي للتقدير، يشل قدرة الطالب على رؤية نفسه كشخص قادر على النّجاح والتفوق. فهو لا يرى فقط المستقبل مُهددًا (قلق وجودي)، ولا يثق فقط بفعاليّة جهوده (عجز مكتسب)، بل يشك أيضًا في أهليته وأحقّيته الأساسيّة في أن يكون طالبًا ناجحًا. هذا المزيج المدمر يُولَد تجنبًا للتّحديات الأكاديميّة وخوفًا من الفشل الذي سيعزز بدوره الصّورة الذاتية السلبيّة.
وعليه يمكن تأكيد صحّة الفرضيّة الرئيسة للدّراسة بشكل قاطع وقوي، لقد أثبتت النّتائج أن فقدان الأب لا يؤثر بشكل عشوائي أو مباشر فحسب بل يعمل من خلال آلية نفسيّة وسيطة معقدة ومتعددة الأبعاد، تجسدت في ثلاثة متغيرات وسيطة رئيسة هي القلق الوجودي، العجز المكتسب، وتدني تقدير الذات. وتكمن قوة إثبات الفرضيّة في تراكم الأدلة السابقة.
- الاستنتاج
- أثبتت الدّراسة أنّ العلاقة بين فقدان الأب والتراجع التّحصيلي ليست علاقة مباشرة وبسيطة، بل علاقة وسيطة معقدة تتشكل عبر ثلاثة أبعاد نفسيّة مترابطة وهي القلق الوجودي، العجز المكتسب، وتدني تقدير الذات. تشكل هذه الأبعاد معًا آليّة متكاملة تفسر كيف تتحول الصّدمة العاطفيّة إلى خلل في الوظيفة الأكاديميّة، فيعمل كل بعد على تعطيل جانب محدد من عمليات التّعلم (الانتباه، الدافع، الثقة بالنّفس).
- كشفت النّتائج أن الأبعاد الثلاثة جميعها ذات دلالة إحصائيّة قوية، لكن بقوة تأثير متفاوتة. برز تدني تقدير الذات كأقوى مفسر منفرد، إذ استطاع تفسير نحو 48% من التّباين في درجات التّحصيل الدِّراسي. هذا يشير إلى أنّ الشّعور بفقدان القيمة الذاتية وهزيمة الصّورة الذاتية هو النّواة المركزيّة في الأزمة النّفسيّة التي يعيشها الطالب، وهو ما يوجه الأنظار نحو ضرورة جعل تعزيز الذّات محور أي تدخل علاجي.
- تشير قوة العلاقات بين الأبعاد إلى إمكانيّة وجود نموذج تسلسلي أو تفاعلي. فمن المرجح نظريًّا أنّ القلق الوجودي (الخوف على المستقبل) النّاجم عن الفقد هو المحرك الأول الذي يؤدي إلى العجز المكتسب (الإحساس بعدم الجدوى)، ويساهم الاثنان معًا في تعميق تدني تقدير الذّات (فقدان الاحترام والقيمة). يعمل هذا الثّلاثي بشكل حلقة مفرغة تزيد من حدة كل بعد على حدة.
- قدمت الدّراسة أدلّة قياسيّة كميّة قويّة تدعم النّظريات النّفسيّة الكبرى (نظريّة التّعلق، نظريّة العجز المكتسب، نظريّة تقدير الذَّات) في سياقها التّطبيقي على أرض الواقع، لم تثبت الدّراسة فقط صحّة هذه النَّظريات، بل حددت نسب تأثير رقمية لكل بُعد (مثل معامل الارتباط وقيمة التّباين المفسر)، مما يمكن المختصين من ترتيب أولويات التّدخل بناءً على قوة التأثير الموثقة.
- التوصيات للبحث المستقبلي: بناءً على النتائج ، يُوصى بالآتي للبحث المستقبلي:
- تصميم برنامج تدخُّلي يركز على معالجة الأبعاد الثلاثة معًا (القلق الوجودي، العجز المكتسب، تدني تقدير الذات) واختبار فعاليته عبر منهج تجريبي حقيقي بمجموعة ضابطة.
- قياس الأثر على كل من الصّحة النّفسيّة والتّحصيل الدِّراسي، مع متابعة المردود الأكاديمي لمدّة طويلة.
- بحث الاختلافات في تجربة الفقد، وشدّة تأثير الأبعاد النّفسيّة بين الذكور والإناث في المرحلة الثانوية.
- بحث كيفيّة تفاعل أنماط التّعلق (الآمن، القلق، المتجنب) التي كونها الطالب مع أبيه قبل الوفاة مع شدة الأبعاد النّفسيّة اللاحقة (القلق الوجودي، العجز، تدني الذات).
خاتمة الدراس: تشكل هذه الدّراسة محاولة علميّة متعمقة لكشف نقاب الآلية النّفسيّة المعقدة التي يتسلل من خلالها ألم الفقد الكبير ليفسد إنجازاً حياتياً بالغ الأهمية وهو التّحصيل الدِّراسي، لقد انطلقت من واقع إنساني فيقف المراهق على حافة مستقبله التّعليمي، وهو يحمل في داخله جرحًا غائرًا بفقدان الدَّعامة الأبويّة، لتنتهي إلى بناء نموذج تفسيري مؤكد إحصائيًّا يربط بين الحدث الصّادم والنتيجة الأكاديميَّة عبر جسر من المشاعر والمعتقدات المهزوزة، ولم تكن الغاية مجرد إثبات وجود علاقة، بل كان الهدف الأعمق تفكيك هذه العلاقة إلى مكوناتها النّفسيّة الدقيقة، وفهم اللغة الدّاخليّة للألم التي تُترجم إلى تشتت وانهيار في الدّافعيّة.
لقد أكدت النّتائج بوضوح أن تأثير فقدان الأب في مرحلة الثانوية، يتجاوز كونه محنة عاطفيّة عابرة، ليتحول إلى أزمة وجوديّة ومعرفيّة تمس جوهر قدرة الطالب على التّعلم، فقد برهنت الأدلّة على أنّ القلق الوجودي يستنزف طاقة التّركيز، وأنّ العجز المكتسب يقتلع جذور المثابرة، وأن تدني تقدير الذّات يهدم أساس الثقة المطلوبة لأي تحدٍ أكاديمي، كما وإنّ تفاعل هذه الأبعاد الثلاثة معًا يصنع بيئة نفسيّة داخليّة معادية لعمليّة التّعلم، التي تحتاج بالأساس إلى استقرار وأمان ودافع وثقة، وهكذا، فإنّ الدّراسة لم تجب فقط على سؤالها البحثي بالإيجاب، بل قدمت إجابة غنيّة بالمواصفات، فعلى المستوى النّظري ساهمت النّتائج في سد ثغرة في الأدبيّات كما وسّعت نطاق نظريّات راسخة مثل نظرية التعلق، والعجز المكتسب من خلال تطبيقاتها الميدانيّة في سياق تربوي محدد، أمّا على المستوى التّطبيقي فإن الدّراسة استهدفت بشكل منهجي القلق الوجودي، تقدير الذات لفئة أساسيّة في المجتمع.
1-إبراهيم، (2021). التكيف النّفسي والتّحصيل الدِّراسي لدى طلاب الثانوية العامة الذين تعرضوا لفقدان أحد الوالدين: دراسة إكلينيكية. مجلة البحوث النّفسيّة والتربوية، جامعة المنصورة.
https://search.emarefa.net/ar/detail/BIM-1040296
2-العلي، محمد، (2020). الدعم الاجتماعي كعامل وسيط في العلاقة بين حرمان الأب والتّحصيل الأكاديمي لدى المراهقين في الكويت. المجلة العربية للعلوم التربوية والنّفسيّة.
https://platform.almanhal.com/Files/2/156355
3-الشمري، (2018). فقدان الأب وأثره في التّحصيل الدِّراسي والاتزان الانفعالي لدى عينة من طلاب المرحلة الثانوية في المملكة العربية السعودية. مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الآداب والعلوم الإنسانية.
https://journals.kau.edu.sa/index.php/JLAH/article/view/1234
4-المحمودي محمد سرحان علي، (2019)، مناهج البحث العلمي، الطبعة3، دار الكتب، صنعاء، اليمن.
-5Berger, L. M., & Wether, J. M. (2017). Parental death during adolescence and educational attainment, The mediating role of trauma, self-efficacy, and future orientation, Child
https://doi.org/10.1111/cdev.12862
-6Köhlen, M., Fischer, S., & Domschke, K. (2019). Cognitive load and cortisol levels in bereaved adolescents: Implications for academic performance. Psychoneuroendocrinology,
https://doi.org/10.1016/j.psyneuen.2019.05.015
[1] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة-طهران- إيران- كلّيّة الآداب- فرع البحوث والتحقيقات.
PhD student at Azad Islamic University – Tehran – Iran – Faculty of Arts – Research and Investigation Department. Email: diana.75.tehfe@gmail.com
[2] – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية.
Email: fayoub@ ul.edu.lb- Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Education