فقدان الذّاكرة الانفصاليّ: الثقب الذي يبتلع ذكريات الأحداث (دراسة حالة)

0

فقدان الذّاكرة الانفصاليّ: الثقب الذي يبتلع ذكريات الأحداث (دراسة حالة)

د. توفيق عبدالله سلوم*

الملخص

هدفت هذه الدّراسة النّوعيّة إلى فهم السيرورة المعرفيّة المصاحبة لسياق الأحداث الخارجية، والروابط الجوهرية التي تساعد في فهم اضطراب “فقدان الذّاكرة الانفصاليّ”. اعتُمدت طريقة “دراسة حالة”، واستُخدمت الملاحظة، والمقابلة أدوات لتحصيل البيانات، بالإضافة إلى معطيات الجلسات العياديّة.

اقترحت الدّراسة مجموعة من التّفسيرات لمعطيات حالة السيد “ص” الذي انتهت جلساته العلاجيّة بالعودة إلى حياته الطّبيعيّة، وانتهت الأعمال إلى تأكيد وجود حالات انفصاليّة في الإطار العام، ولكنّها تختلف في التّفاصيل.

الكلمات المفاتيح: النّسيان التّفكّكيّ؛ ذاكرة الأحداث؛ علاقة الانفصال بالنّوم؛ التذكّر والتّوقّع؛ نقطة النّسيان.

Dissociative Amnesia: The Hole that Swallows Episodic Memory

(Case Study)

Dr. Toufic Abdallah Salloum. Assistant Professor at Lebanese University – Faculty of Literature and the Human Sciences. Department of Psychology.

Abstract

This study aims at understanding the cognitive procedure that follows the context of life events, and the crucial links that can help understand this sort of disorder. The “case study” method was followed. Observation, as well as conducting interviews, were used for data gathering, in addition to the input from Clinical sessions.

The study suggested some explanations related to Mr “S”, who has resumed to his normal life, and the findings support the existence of D.A. as a general type with different details.

Keywords: Cognitive Procedure; Amnesia; Episodic memory.                            

المقدمة

مفاهيم الدّراسة

فقدان الذّاكرة الانفصاليّ

وردت مجموعة من التّرجمات العربيّة للمصطلح الإنكليزيّ Dissociative Amnesia من بينها: النّسيان المفارق، النّساوة التّفارقيّة، النّسيان التّفكّكيّ، فقدان الذّاكرة الفصاميّ، فقدان الذّاكرة الرّجوعيّ (السّابق للصدمة)، وفقدان الذّاكرة (أو النّسيان) الانفصاليّ، وهذا الأخير بحالتيه هو الذي سيُعتمد في هذه الدّراسة، إن في صياغة الباحث، أو في خلاصات كلّ مرجع من المراجع. يحدّد الدليل التّشخيصيّ والإحصائيّ الخامس للاضطرابات العقليّة DSM5، فقدان الذّاكرة الانفصاليّ على النحو الآتيّ:

“A – عدم القدرة على استدعاء معلومات شخصيّة مهمّة، وهي عادة ذات طبيعة متعلقة بالصّدمة والشّدة، ولا تتوافق والنّسيان العاديّ.

ملاحظة: في معظم الأحيان يتكون فقدان الذّاكرة الانفصاليّ من فقدان موضعي للذّاكرة، أو انتقائي لحدث، أو لأحداث معيّنة، أو فقدان الذّاكرة المعمّم للهُوية وتاريخ الحياة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة قسم علم النفس.

B- الأعراض تسبب تدنّيًا، أو إحباطًا ملحوظين في مجالات الأداء الاجتماعيّة، والمهنيّة، أو مجالات الأداء المُهِمَّة الأخرى.

C- لا تُعزى الأعراض إلى التّأثيرات الفيزيولوجيّة لمادّة (الكحول، أو الموادّ الأخرى، الدّواء) أو حالة طبية أخرى (على سبيل المثال؛ النوبات الصرعية الجزئية المعقدة، النساوة المؤقتة الشّاملة، عقابيل لأذيّة مغلقة في الرّأس، أو رضّ على الدّماغ، أو حالات عصبيّة أخرى).

D- لم يفسر الاضطراب بشكل أفضل من خلال اضطراب الهُوية التّفارقيّ، واضطراب الكرب ما بعد الصّدمة PTSD، أو اضطراب عصبيّ معرفيّ جسيم أو معتدل”. (P. 212) (ترجمة أنور الحمادي، 2015).

يهدف هذا التّفسير إلى تبيان أسس تشخيص اضطراب الذّاكرة الانفصاليّ، لكن في كثير من الحالات يطال الاضطراب ما هو أوسع من الانفصال الجزئي ليشمل باقي محتويات الذّاكرة، في ما يسمى فقدان الذّاكرة Amnesia، وفي تعريفه لفقدان الذّاكرة، يُعدُّ معجم علم النّفس أنه: “عمومًا، أيّ فقدان جزئيِّ، أو كلّيِّ للذّاكرة. يُتعرَّف على أشكال محدّدة في الفقدان، كلّ شكل يدلّ على نوع معيّن من أنواع الصّعوبة في التذّكر”. وأشار إلى أنّها تعود إمّا لاعتلال عضويّ، أو لأحداث ذات تأثير نفسيّ تتدخل فيها مجموعة عوامل. أمّا في تعريفه لفقدان الذّاكرة الانفصاليّ فقد عدّه ثقب في ذاكرة شخص ما، يعزل تجربة صادمة، أو ضاغطة عن الظّهور إلى وعيّ الإنسان (Reber, 1995). كذلك ذكر مركز هارفارد للصّحّة العقليّة، أنّ فقدان الذّاكرة الانفصاليّ هو انعدام القابليّة لاستدعاء معلومات مُهِمَّة عن حياة الشّخص وهُويّته العميقة (Harvard Mental Health letter, 2005). وفي تحليل البيانات يتبيّن أنّ الصّدمة تلازم كلّ حديث عن هذا الاضطراب، لكن الصّدمة في تلك الأحاديث لها معنيان: (1) عضويّ، (2) نفسيّ.

في الجانب العضّويّ استنتج كيكوتشي وزملاؤه (Kikuchi et al, 2009) أنّ النّسيان الانفصاليّ يتبع حدثًا ضاغطًا، ولا يمكن نَسبه لأيّ ضرر دماغيّ، لكنّ ماركويتش، وستانيلوي خالفا هذا الاستنتاج؛ ففي دراستهم لعدد من تلك الحالات (18 حالة)، وجدوا أنّ وظائف الدّماغ قد تأثّرت، وظهر ذلك من خلال فحوص MRI (Magnetic Resonance Imaging)، وفحوص DTI (Diffusion Tensor Imaging) (Markowitch & Staniloiu, 2015). وتدعم نظريةَ الضّرر الدّماغي أعمالُ ريزبرغ وهرتل (Reisberg & Hertel, 2004) التي سبقتهم بالتّصريح عن احتمال تضرّر مناطق في الدّماغ تتصل بالذّاكرة، ولم يعمّم ذلك على جميع الحالات. مع الإشارة إلى أنّ تتبع كيكوتشي للحالات كشف وجود نشاط عصبيّ في حِقبة الاضطراب، ولكنّه هدأ بعد معافاة الأشخاص.

أما العامل النّفسي فقد ذهب باتّجاهات متعدّدة، إذ عدَّ وولف وشركاؤه (Wolf et al, 2013)، أنّ الميل للانفصال هو في حدّ ذاته وراء حصول النّسيان الانفصاليّ، ودعم ذلك بآراء مجموعة من الباحثين من بينهم فندر وفيسلر، وهرمن (Vender & Fisler, 1995; Herman, 1992)، وهذا يعني أنّ الانفصال لدى هؤلاء، سمة وجدت ظرفًا يدعم بروزها.

من ناحية ثانية فُسّر الانفصال على أنّه أسلوب دفاعيّ ينطلق ليجنّب الشّخص مواجهة المواقف الشّديدة. (وولف عن: Goldsmith, Berlaw & Freyd, 2004). وقد دعم وولف هذا الافتراض بما ورد عن بريير وشركائه (Beriere et al, 1993)، من أنّ الذين أصيبوا بنسيان انفصاليّ عاشوا حالات من الضّيق في كلّ مرّة كانت الذّكريات تصعد إلى السّطح. وبالنّسبة إلى ريزبرغ وزميله، هذا الأمر ينتج عن تخفيف الذّاكرة من عملية استرجاع الأحداث التي ترتبط بالصّدمة التي سبقت النّسيان. هذا يعنيّ أنّ القاعدة التي تحدّث عنها براون ورفاقه، والتي تعدُّ أنّ الذّاكرة تحتفظ وتستدعي بسهولة كلّ حدث صاحبه انفعالات، وأنّه كلّما كانت الانفعالات أشدّ كان التّذكر أسهل. (Brown & Colleagues, 1998) كذلك عدُّوا أنّ الذّكريات غير الصّريحة هي التي تتأثّر بالصّدمة أكثر من الذّاكرة الصّريحة، وسيتبيّن لاحقًا أنّ كِلا النوعين قد تعرّض للغياب الشّامل تقريبًا. تبقى الإشارة هنا إلى عدّ ماكدونالد، وزملائه أنّ النّسيان الانفصاليّ ناتج من الضّيق النّفسي (MacDonald et al., 2009)، وتتوافق نتائج دراسة ماركوبولس مع تلك الاستنتاجات (Marcopulos et al., 2016). ثمّة رأي آخر مهمّ في هذا المجال، لكنّه لم يحظ بدراسات كافية، ظهر في السّؤال الذي طرحته كلويه وزملاؤها؛ “هل الاضطرابات الانفصاليّة تعود إلى اضطرابات في النّوم؟ أم أنّ اضطراب النوم يمكن فقط أن يزيد من حدّة الاضطرابات الانفصاليّة؟” وبالتالي لا يُعدُّ سببًا في انطلاق النّسيان الانفصاليّ، وإنّما عامل محرّض على زيادة حدّة تلك الاضطرابات. وأوضحت كلويه أنّ هذا النّوع من الانفصال قد يكون حالة من السرنمة (السّير أثناء النّوم)، نظرًا إلى الغياب عن الواقع الحاليّ، والانتباه للعالم الخياليّ (Kloet, et al., 2012). لكن ما يطعن في هذا الفرض؛ أنّ الذي يسير أثناء النّوم لا ينتبه لوقائع عالم اليقظة ومحتوياته، بل يفسّرها ويتعامل معها وفق سياق الحلم، كما يحصل حين يتداخل صوت مجاور للنّائم مع وقائع منامه. دخل الكبت كآلية على مسار تفسير الاضطراب، فقد ذكر حبّ الله (2006) أنّ العرض الصّدميّ النّسيانيّ يتشكّل انطلاقًا من الكبت الذي يعقب الحدث الصّدميّ. هذا الاختلاف في فهم أصول فقدان الذّاكرة الانفصاليّ انسحب على فهم آلية انطلاقه؛ فقد ميّز البعض بين الكبت والانفصال في حالة النّسيان الانفصاليّ؛ فالأول يحصل نتيجة قمع الأفكار المحرّمة، فيما الثّاني يحصل نتيجة الأفكار المزعجة. لكن التمييز الذي تحدّث عنه ريزبرغ وهرترل يصلح استجابيًّا ولا يصلح تأسيسًّا عامًا، بمعنى أنّ المحرّم والمعيب يتطلب الكبت، ولكن لا تقتصر وظيفة الكبت على المحرّم أو المعيب، وينطبق ذلك على الانفصال (التفكك) كآليّة لنسيان الأحداث ذات الطابع المحرّم، أو المُخجل، ومنها الأحداث الجنسيّة (الاغتصاب، التّحرش، …)، وهذه القناعة تظهر أيضًا في استنتاجات ريزبرغ وزميله؛ إذ يعقّبان أنّ الجدال حول الذّاكرة لا يفسّر عند تمييزه، الفرق بين كلّ من الكبت والانفصال في حالة النّسيان الانفصاليّ، وعدّا أنّ البيانات المتوفرة لا تكفي لتّوضيح الكبت اللاواعي، ولا يوضح أيضًا آلية الانفصال لطرد الذّكريات الصادمة من الوعي، أو كيف يمنع عودتها من اللاوعي. ويدفع هذا الاعتراض إلى التّمييز بين ما يُعزل بسبب عدم أهمّيّته، وما يختفي لأسباب تتعلّق بشدته. ففي عزل ما هو ثانويّ يعرّضه إلى التّلاشي مع الوقت، أو التّداخل مع ذكريات أوّليّة، أو ثانويّة لأحداث سابقة، أو لاحقة، لكنّه ليس بالضرورة أن تدخل تلك الذّكريات في إطار نوع من فقدان الذّاكرة على النّحو الذي تحدّثت عنه تقارير الحالات الانفصاليّة. ويبقى أنّ أغنينغنو وزملاءه ربطوا بين النّسيان الانفصاليّ، والشّرود الانفصاليّ Dissociative Fugue من جهة، وبين أعراض الذّهان من جهة ثانيّة، وبرّروا تفسيرهم هذا بطول مدّة الاضطراب قبل التّعافي (Agenagnew et al., 2020).

الخلاصة إذًا، كما أفاد ماركوبولس، أنّ تشخيص الفرد باضطراب “فقدان الذّاكرة الانفصاليّ” يتحقّق عندما يكون عاجزًا عن استدعاء معلومات من سيرة حياته الشّخصيّة، وهذه المعلومات قد تعود إلى حِقبة محدّدة من حياته، مع الاحتفاظ بباقي الوظائف المعرفيّة التي من بينها الذّكاء.

ذاكرة الأحداث Episodic Memory

قبل الحديث عن ذاكرة الأحداث، من المفيد الإشارة إلى أنّ العلماء ميّزوا بين الذّاكرة كمركز عمليّات ومستوعب، وبين التذكّر كعمليّة معرفيّة، وفي حديثهم عن عمليّة التذكّر استخدموا مصطلح “استرجاع لوصف تلك العمليّة، كذلك ميّزوا بين نوعين من عمليّات التذّكر هما:

أ – الاستدعاء Recall: وهو طريقة في استرجاع المعلومات من دون الحاجة إلى معرفة شيء من خصائصه، إذ يكفي فيه معرفة الرّمز الدّال عليه (اسمه).

ب – التّعرّف Recognition: الطريقة الثّانيّة التي يستخدمها الذّهن الإطلاق لاسترجاع المعلومات، لكن بخلاف طريقة الاستدعاء، التّعرّف يتطلّب معرفة بعض خصائص الشّيء الذي يستهدفه التّذكّر (كاللون، الحجم، الموقع، …).

دُرِست مسألة الذّاكرة من اتّجاهات عدّة، وعند الحديث عن ذاكرة الأحداث فإنّ مجموعة من المفاهيم تأخذ مكانها في النّقاش، مثل مفهوم الذّاكرة الطويلة المدى، الذّاكرة الدّلاليّة، الذّاكرة الإجرائيّة، والذّاكرة الصّريحة، والذّاكرة غير الصّريحة. بالنّسبة إلى الذّاكرة الطويلة المدى، وهي المعنيّة بمسألة النّسيان الانفصاليّ، تسمح هذه الذّاكرة لصاحبها أن يحمل معه سجلّ الأحداث لمدّة طويلة قد تمتدّ إلى نهاية عمره في كثير من محتوياتها. أمّا بالنّسبة إلى محتوياتها فقد ذكر سولسو (2000) أنّها تشمل: (1) تصوّرنا المكانيّ للعالم من حولنا. (2) معلوماتنا عن قوانين الطّبيعة، والكون، وبنيته، وعناصره. (3) معتقداتنا عن النّاس وعن أنفسنا، والكيفيّة التي نتصرف بها في المواقف المتعدّدة. (4) مهاراتنا الحركيّة. (5) مهاراتنا المعرفيّة على أنواعها. ولذلك هي بالنّسبة إلى سولسو ما يسمح لنا بالعيش في الماضيّ والحاضر.

على أنّ المعلومات التي تصل إلى الذّاكرة الطويلة المدى لا يمكن استدعاؤها جميعًا في المستوى نفسه، ومع ذلك تبقى موجودة على الرّغم من أن بعضها غير نشط. في هذا الصّدد أورد سوربرينانت ونيث (Surprenant & Neath, 2009) سبعة مبادئ للذّاكرة؛ أحدها هو مبدأ التّحديد (التخصيص)، وهو يتعلّق بالمهارات التي تتطلّب معلومات محدّدة وليس معلومات عامّة، إذ تكون المعلومات المحدّدة أكثر عرضة للتّداخل والنّسيان من تلك التي تعتمد أكثر على المعلومات العامّة. وفي تشريحهما للذّاكرة، أفادا بوجود خمسة نظم هي: (1) الذّاكرة الإجرائيّة، (2) نظام التّمثيل الإدراكيّ، (3) الذّاكرة الدّلاليّة، (4) الذّاكرة العاملة، (5) وذاكرة الأحداث. لكنّ هذا التّصنيف تعرّض لمجموعة انتقادات بسبب ما كشفته حالات فقدان الذّاكرة الانفصاليّ من تداخل بين تلك النظم.

طرح ريان وكوهين (Ryan & Cohen, 2002) سؤالاً في السّابق، حول تقسيمات الأنظمة المعرفيّة، خصوصًا نظم الذّاكرة، إذ عدَّ أنّ الفصل بين قدرات الذّاكرة وكفاياتها يعود إلى الاستناد على دراسات الذّاكرة المضطربة، وبالتّالي هل فعلًا الذّاكرة تختلف من حيث نوع الوظائف؟ بمعنى أن التّشويش يطال مَهَمَّة محدّدة أكثر من غيرها عند إخضاعها للفحص والتّجريب، مع العلم أنّ سوربرينانت ورفيقه صرّحا أنّ الفصل التّام بين الذّاكرة الدّلاليّة، وذاكرة الأحداث لا يزال يواجه تساؤلات وطعن، وأنّه لا يمكن تقديم دلائل على التّلاشي الكلّيّ لذاكرة الأحداث من دون تأثّر الذّاكرة الدّلاليّة، وكلّ من الذّاكرة الإجرائيّة، ونظام التّمثيل الإدراكيّ. أمّا بالنّسبة إلى مفهوم الذّاكرة الصّريحة وغير الصّريحة، فقد أفاد ريزبرغ (Reisberg, 2019) بوجود نوعين من الذّاكرة من حيث وضوح محتوياتها؛ (1) الذّاكرة الصّريحة، وتحتويّ على كلّ من ذاكرة الأحداث، والذّاكرة الدّلاليّة، (2) الذّاكرة غير الصّريحة، التي تظهر من خلال سلوك الأشخاص، أو من خلال الاختبارات غير المباشرة، وتتضمّن: الذّاكرة الإجرائيّة، العمليّات الأوّليّة، التعلّم الإدراكيّ، والتّشريط الكلاسيكيّ.

من جهة ثانية، تحدث ريزبرغ عن عامل آخر لذاكرة الأحداث، وهو ارتباط تجاربنا وأحداث حياتنا بالخبرات الانفعاليّة (السّرور، الحزن، الغضب والخوف)، جميعها تشكّل انطباعات داخليّة، تحفّز الذّاكرة على البحث، والتّنقيب، والاستدعاء. لكن سكواير وكاندل (2002) عدَّا، في السّابق، أنّ ما يصاحب الأحداث هو حسّ عامّ، أو حدس بكيفيّة التّعامل مع تلك الأحداث، وقد يكون ما يُطلق عليه الحدس هو من محتويات الذّاكرة غير الصّريحة. أو كما يعبّر عنها تمبل (2002) بالمعرفة التي لا يهمّ فيها تذكّر ظروف تعلّمها.

تبقى الإشارة إلى أنّ مفهوم الذّاكرة الإجرائيّة استخدم في كثير من الأحيان مرادفًا للذّاكرة غير الصّريحة، وأحيانًا سمي بالذّاكرة الضّمنيّة كما ورد في حديث آندرسون (2016) عن متلازمة كورساكوف Korsakoff، التي تسبب نوعين من فقدان الذّاكرة؛ (1) فقدان الذّاكرة الرّجعيّ Retrograde Amnesia، الذي يتضمّن أحداث الماضي، (2) فقدان الذّاكرة التّبعيّة Anterograde Amnesia، الذي يشير إلى العجز عن الاحتفاظ بالتّعلّم الجديد، أو استدعاء ذكرياته. بالعودة إلى مفهوم ذاكرة الأحداث الذي ورد في بعض التّرجمات تحت اسم “ذاكرة الخبرات الشّخصيّة” (سولسو، 2000)، صُنِّفَ هذا النّوع من الذّاكرة مقابل نوع آخر هو “الذّاكرة الدّلاليّة”، الذي ورد أيضًا تحت اسم “ذاكرة المعاني”، كترجمة للمصطلح الإنكليزيّ Semantic Memory. وفي عرضه لمحتويات كلّ نوع منهما، نقل سولسو عن تولفنج (Tulving, 1989 b)، أنّ ذاكرة الأحداث تستقبل، وتحتفظ بالمعلومات المتّصلة بالوقائع، أو الأحداث المؤقّتة (التي لها حدود زمنيّة)، والعلاقات بين تلك الأحداث. وقد فسّر الزّغول وزميله محتويات تلك الأحداث، فضمّناها الوقائع المفرحة والمؤلمة، الانطباعات الشّخصيّة، الهوايات، الميول، والتفضيلات. أمّا الذّاكرة الدّلاليّة فتحوي الكلمات، المفاهيم، القواعد، والأفكار المجرّدة. من جهة ثانية، تحدّث تولفنج عن نوع ثالث أطلق عليه “الذّاكرة الإجرائيّة” (التّلقائيّة) التي تحتفظ بالارتباطات بين المنبّهات، والاستجابات. تتميّز ذاكرة الأحداث بمجموعة من الخصائص، منها أنّها: (1) عرضة للتغيّر والفقدان إلى حدّ كبير، (2) تشترط التّسلسل الزّمنيّ والحيّز المكانيّ، (3) تفتقر إلى بنية منهجيّة واضحة، (4) تمتلك قدرة إضافيّة على تمثيل الأحداث الدّاخليّة (التي تطلقها المخيّلة)، (5) تساعد في تذكّر المعلومات المتّصلة بالمفاهيم. ونقل كوريات وزملاؤه (Koriat & Colleagues, 2000) عن تولفنج (1983)، أنّ مفهوم “ذاكرة السيرة الذّاتيّة” عومِل على أساس أنّه مرادف، أو مساوٍ لمفهوم ذاكرة الأحداث، وعدّه اشتباه لأنّ محتويات ذاكرة الأحداث لا تقتصر على وقائع السيرة الذاتيّة Autobiographical Memory التي عرّفها سولسو بأنّها التاريخ الماضي للفرد، ورأى أنّها لا تقتصر على مجرّد تجميع لانطباعات حسّيّة في ذخيرتنا المخّيّة Cerebral Warehouse، بل هي تنتقي ما طاب لها من الأحداث وفق تقييمها الخاصّ. وفي إطار دراسة السّيرة الذّاتيّة، نقل عبدالله (2003) عن جالتون الذي استقصى سيرته الذّاتيّة باستخدام طريقة الكلمة – الإشارة Cue – Word Procedure، على حِقبات زمنيّة متعدّدة، وتبيّن له أنّ نصف الذّكريات كانت لأحداث فريدة وخاصة، وكانت موزّعة وفق ثلاث مجموعات، هي: (1) المعلومات الحديثة جدًّا، (2) معلومات مرحلة الرّشد، (3) ذكريات مرحلة الطفولة. وهو تقسيم يمكن تفسيره وإعادته إلى أسباب عدّة: منها دوام التأثّر بالمعلومات الحديثة جدًّا، والأحداث الجوهريّة والمؤثرة في تشكّل مهنته، ومعرفته، وموقعه الاجتماعيّ، وهذه تعود إلى حِقبة الرّشد، أمّا الأحداث ذات الأثر العاطفيّ البليغ، وتلك التي تتّصل بالمواقف المُخجلة، أو المُضحكة فتعود إلى مرحلة الطفولة. لكنّ ذلك يتطلّب تمحيصًا إضافيًّا لتعميمه كتفسير علميّ. من جهة ثانية، تتميّز الذّاكرة الدّلاليّة بأنّها؛ (1) لا تحتاج إلى الزّمان والمكان في عمليّة تخزين المفاهيم (سولسو، 2000)، (2) تتبع تنظيم جيّد (الزغول والزغول، 2014).

وجد روبن (Rubin, 2006) في استنتاجاته لدراسات السّلوك، وعلم النّفس العصبيّ، والتّصوير العصبيّ، أنّ الذكريات في ذاكرة الأحداث تتشكّل من التّفاعل بين مجموعة نظم هي: البصرVision، النّطق Audition، الشّمّ Olfaction، وغيرها من الحواسّ، والتّصوير المكانيّ Spatial Imagery، اللغة Language، المشاعر Emotion، السّرد Narrative، المُخرجات الحركيّة Motor output، الذّاكرة الصّريحة Explicit Memory، البحث Search، والاسترجاع Retrieval؛ على الرّغم من اختلاف كلّ نظام من تلك النّظم، واستقلاليّته، وآليّاته، ومخطّطاته Schemata . وعليه، وفق سوربرينانت، تتولّى وحدة ذاكرة الأحداث تقديم تلك المحتويات المتعدّدة المصادر في سياقات متكاملة بكلّ تفاصيلها نسبيًّا. وقد أشار براون (Brown, 2006) إلى أنّه في حالة فقدان الذّاكرة الانفصاليّ D.A.، يحصل نوع من التّفكك بين مستويات المعالجة المختلفة ضمن النّظام المعرفيّ. من هنا استنتج سوربرينانت تعذُّر وجود دلائل على حصول التّلاشي الكلّي للمعلومات في ذاكرة الأحداث، من دون تأثر الذّاكرة الدّلاليّة، والإجرائيّة، ونظام التّمثيل الإدراكيّ. تجدر الإشارة إلى أنّ هناك تصنيفًا آخر قدّمه جان دولاي (1989)، عدَّ فيه أنّ للذاكرة ثلاث بنيات متنوّعة هي: (1) الذّاكرة الحسّية الحركيّة؛ (2) الذّاكرة الفصميّة؛ (3) الذّاكرة الاجتماعيّة. وفي شرحه يتبيّن أنّ الأولى تعادل الذّاكرة الإجرائيّة، أمّا الذّاكرة الفصميّة التي هي النّوع الذي يظهر للعلن عندما يتحدُ الشّخص عن الماضيّ كأنّه الحاضر، ويفاعل معه على هذا الأساس، أو يبقى كامنًا في حالة النّوم إذ الحلم هو الذي يسيطر على الذّاكرة. يبقى أن الذّاكرة الاجتماعيّة في تصنيف دولان تعادل ذاكرة الأحداث، خاصة مع اعتماده على شرح جانيه الذي يرى في الذّاكرة الاجتماعيّة مسلك الرّواية.

فقدان الذّاكرة والصّدمة

إذا كانت المعلومات عن الأحداث مرتبطة بالانفعالات، وبالتّالي ستؤدي الحالة الانفعاليّة إلى تحريض الذّاكرة لاسترجاع ما يرتبط بها، خاصة عند مرور الشّخص قرب ما يتصل بتلك الحوادث، بما في ذلك مكان وقوع الأحداث (جينس، 2007)، لماذا إذًا تبقى المعلومات مندثرة في حالة فقدان الذّاكرة الانفصاليّ؟

ثمة مجموعة من الاحتمالات، لكن أسرعها ورودًا إلى الذّهن احتمالين؛ (1) أن تكون تلك المعلومات قد انفصلت عن انفعالاتها، (2) أنّ الانفعالات لاتزال عصيّة على التّحريض. قدم ريزبرغ وهرتل ما يشبه هذا التّفسير، وقد اقترحا تخمينًا لوجود مآلين لتأثير الصّدمة على ذاكرة الأحداث، أحدهما توجّه الاعتلال إلى المعلومات، وعدم المساس بالمشاعر، لكنّ ذلك يستتبع أن تستثار المشاعر من دون معرفة الأسباب، ونكون في هذه الحالة أمام تأويلات تشبه ما يقدّمه التّحليل النّفسيّ من بقاء الأثر النّفسيّ، وغياب ذكريات الأحداث. والمآل الثّانيّ يشبه أحد الاحتمالات السّابقة لجهة انفصال المعلومات عن انفعالاتها من خلال عزلها. وقد يفسّر هذا الاحتمال التّوصيات التي قدّمها باسليت وهيل (Baslet & Hill, 2011) لإعادة استدعاء تلك المشاعر وتحريضها من خلال خلق بيئة آمنة انفعاليًّا أثناء العلاج، ومنح المُصاب باضطراب الانفصال الشّعور بالتحكّم بالوضعيّة والذّكريات من جهة، وتطوير اتّجاه Attitude يعزّز حالة التّسليم (القَبول) لنتائج الاسترجاع لتلك الأحداث التي كانت سببًا لدخول الشّخص في وضعيّة الصّدمة، أو وضعيّة الضّغوط التي تتجاوز قدرة تحمّل الفرد. تجدر الإشارة إلى أنّ ريزبرغ وهرتل عدّا أنّ ارتباط اضطراب الذّاكرة، والتّعرّض للضّغط الشّديد باضطراب الذّاكرة جزئيًّا أو كلّيًّا، لا يزال يواجه بعض الشّكوك بسبب وجود حالات قدّمت معطيات مناقضة لهذا الاستنتاج. وهذا يدعم ما ورد لدى عبدالله عن صعوبة فهم الذّاكرة السّوية من خلال دراسة الذّاكرة الرضّيّة Traumatic Memory، إذ إنّ الصّدمة في تفسيرات أصول الاضطراب العقلي تؤدي دورًا يفضي إمّا إلى اعتلال النّظام التّكيّفيّ، أو إلى اعتماد نمط انتقائيّ من الاعتلال، يحدّد فيه المجال الذي يطاله الاعتلال الظّاهري في الزّمان والمكان.

بالخلاصة، فإنّ فقدان الذّاكرة الانفصاليّ هو نوع من اضطرابات الذّاكرة، لا يزال النّقاش حوله يأخذ حيّزًا في نقاشات علم النّفس المعرفيّ وعلم النّفس المرضيّ والعياديّ وفي علم النّفس العصبيذ. وعدَّه ماركوبولوس وزملاؤه من الاضطرابات الطبّ نفسيّة النّادرة والمحيّرة، خصوصًا عندما نجد خلطًا بينه وبين أنواع متعدّدة من الأمراض كالذّهان، أو الاضطرابات النّفسيّة كالشّرود الانفصاليّ، ومتلازمة منيستك بلوك Mnestic Bloch Syndrome، التي تكون فيها الأعراض في شبهة التّصنّع، كما ورد في حالة دو Doe التي تحدّث عنها ماركوبولوس.

الدّراسات السّابقة

وفي إطار معرفة طبيعة اضطراب فقدان الذّاكرة الانفصاليّ، أطلق بوب وزملاؤه (Pope & Colleagues, 2007) استقصاءً لمعرفة مدى انتشار هذه الظّاهرة، وذلك في حِقبات متعدّدة، وتبيّن لهم أنّ أعداد تلك الحالات كانت متوفّرة قبل تسعينيّات القرن الماضي، لكن بعد ذلك هبطت أعداد الأبحاث لتبلغ ربع ما كانت عليه سابقًا. هذا من حيث الانتشار، أمّا في نتائج الدّراسات فقد تبيّن في مراجعة الأبحاث التي سبقت الدّراسة الحالية ما يلي:

أفاد سولسو (2000) عن حالة وصفها تولفنج، عُرِفت باسم “K.C.”، فقد عانى من تلف في المخّ نتيجة حادث دراجة بخاريّة، وبقي فاقدًا لذاكرته على نحو مفرط، وعلى الرّغم من نسيانه أحداث حياته كافة بقي قادرًا على محاورة الآخرين، وعلى القراءة والكتابة وتنظيم الأشياء والصّور المألوفة.

حالة أخرى تحدّثت عنها مارشا ديغان – ماذر (Degun – Mather, 2002)، تعود لإمرأة عمرها 51 سنة (السيّدة Y)، أصيبت بفقدان الذّاكرة للأحداث المرتبطة باثنتي عشرة سنة (12) من عمرها، وقد غابت عنها أحداث حياتها من عمر 37 سنة حتّى عمر 49 سنة، بعد حادث سير وقع لها في عمر 49 سنة. الفحوصات لم تُظهر أيّ ضرر دماغيّ، ولم تُظهر لديها أيّ أعراض تنتمي إلى اضطراب ما بعد الصّدمة (وفق وصفها). الجهد الّذي بذلته مارشا ساعد في عودة ذاكرة السّيّدة Y إلى حياتها قبل فقدان الذّاكرة الانفصاليّ، لكنّ هذا الجهد (العلاج الإيحائيّ) لم يقدر على مساعدتها في تذكّر أحداث مرحلة فقدان الذّاكرة، وبقيت تلك الأحداث بالنّسبة إليها طيّ النّسيان. ولم ترد لاحقًا أيّ بيانات تضيف على تلك المعطيات جديد سوى أنّها تجاوزت حالة الاكتئاب النّاتج عن تلك الحِقبة بعد سنة من عودة ذكريات ما قبل الحادث فقط، على الرّغم من أنّ السيّدة Y محاطة بأفراد عائلتها، وتتلقّى مساندة نفسيّة، وتذكّر الحادث، ولا تتجنّب المرور بقربه، وفق ما صرحت لمارشا لاحقًا.

تحدّث عنها الزّغول وزميله (2014) عن دراسة متعدّدة الحالات، أجراها إرنغتون ووايزكرانتر على مجموعة من المصابين بفقدان جزئيّ للذاكرة، تبيّن أنّ ذاكرتهم الدّلاليّة لم تتأثّر بحالة الفقدان، على خلاف أدائهم في ما يتعلّق بمعلومات ذاكرة الأحداث.

وفي سنة 2016 نشر كاسل وهمفري (Cassel & Humphrey) دراسة لحالة أطلقا عليها اسم “بِن” “Ben“. وأفادا أنّ بِن خضع لعلاج معرفيّ سلوكيّ (CBT)، وعلاج بالقَبول والالتزام (ACT)، وأنّ ذاكرته تحسّنت كنتيجة للعلاج، خصوصًا أنّ العلاج استهدف إزالة سلوك تجنّب الاقتراب من الخبرة الصّادمة. طالت مدّة العلاج ستّة شهور تقريبًا، وعادت الذّاكرة على دفعات طيلة تلك المدّة، لكنّهما لم يشيرا إلى مدّة النّسيان وما إن كانت قد بقيت خفية على بِن.

أسئلة الدّراسة

يتبين من هذه الدّراسات وجود بيانات متفاوتة أو ناقصة أحيانًا، كذلك فإنّ بعض تلك الحالات تعرّض لصدمات رضّيّة جسدية، لكن ما يختلف في الدّراسة الحاليّة هو عدم تعرّض “صلاح” (الاسم المعتمد للحالة) لحادث جسديّ سابق على النّسيان، وهو شخص يتمتع باستقامة في سلوكه ولديه حرص على من حوله، وبالتّالي، فإنّ المقدّمات مختلفة عن الحالات السّابقة، والخصائص لا تدعم فكرة التّصنّع كما في حالة “دو” Doe، كذلك معطيات ما بعد العلاج تختلف في حالة “صلاح” عمن سبقه من حالات وردت في صفحات الدّراسة؛ وبالتالي تسعى الدّراسة للإجابة على الأسئلة الآتية:

  1. ماهي وقائع مشكلة صلاح؟
  2. كيف عبّر فقدان الذّاكرة الانفصاليّ عن نفسه في حالته؟
  3. أين تشبه معطيات حالته المعطيات السّابقة للباحثين، وأين تختلف عنها؟
  4. وما الّذي يمكن فهمه من دراسة حالته؟

هدفت هذه الدّراسة إلى فهم السّيرورة الذّهنية وسياق الأحداث الخارجيّة والمعرفيّة والرّوابط الدّالة، لتحصيل معرفة في آليات فقدان الذّاكرة الانفصاليّ ونطاقه ومظاهره في إطار علم النّفس المعرفيّ Cognitive Psychology. ولا تهتمّ هذه الدّراسة بأسباب فقدان الذّاكرة الانفصاليّ، لأنّه سيكون استنتاجًا تأويليًّا على الرّغم من المؤشّرات المتعدّدة التي تفيد في بحث الأسباب، ولا تعتمد على السّرديات التّحليل – نفسيّة على الرّغم من الأهمّيّة التّأويليّة لها، وما يمكن أن تقدّمه في إطار فهم الأسباب، بل هي تقتصر على الوصف المعرفيّ Cognitive Description للنّسيان الانفصاليّ، مع تبيان موارد التّشابه بين حالة صلاح، والحالات الأخرى التي ذكرها الباحثون، وموارد الاختلاف أيضًا، ومحاولة تفسير تلك الاختلافات.

المنهج

المنهج: هو بحث نوعيّ إمبريقيّ Emperical، يعتمد طريقة دراسة حالة Case Study Method.

الأدوات: (1) المقابلة، (2) الملاحظة العياديّة، (3) مساهمات طرف آخر (الأب).

الإجراءات: في البداية تمّت الاستفادة من الطّبيب النّفسيّ لحسم التّشخيص، واقتراح الإجراءات العلاجيّة الطب نفسيّة. ثمّ أُجريت المقابلات في حالتين:

  1. في إطار المقابلة العياديّة بهدف التّشخيص والعلاج.
  2. في إطار المقابلة البحثيّة بهدف المتابعة المعرفيّة التّفصيليّة لتاريخ الحالة، ولمعرفة معطيات الوضع الحالي. بعد أخذ الإذن الحصريّ منه للتسجيل والدّراسة والنّشر. وقد روعي في المحتوى المتّصل بالهّوية بعض التّعديلات وفق ضرورات البحث وأخلاقيّاته.

حدود الدّراسة: كما هو حال الدّراسات النّوعيّة، لا تشكّل النتائج خطوة نحو التّعميم، وإنّما هي مساهمة إضافيّة في سبيل الفهم العلميّ لظاهرة فقدان الذّاكرة الانفصاليّ.

النتائج Findings

البيانات الشّخصيّة

–      الاسم:  صلاح.                                              –      الرّمز المعتمد في النصّ:  ص.
–      العمر عند المقابلة الأخيرة:  30 سنة.      –      الوضع الاجتماعيّ:  متأهل وله ولدان.

جُمعت البيانات من خلال مقابلات متعدّدة على ثلاث مراحل:

  • المرحلة الأولى: عندما قصد الأب والابن (الحالة) العيادة مرّتين بهدف العلاج. في هذه المرحلة كان صلاح في حالة فقدان الذّاكرة لمدّة من عمره تساوي 18 سنة تقريبًا، تبدأ من عمر يقارب 10 سنوات، وتنتهي عندما استيقظ من نومه في عمر 28 سنة.
  • المرحلة الثّانيّة: بعد أسبوع من عودة ذاكرته إليه، لكن العودة اقتصرت على معلومات الحِقبة السّابقة (الأولى). هذه المرّة جرت المقابلة هاتفيًّا مع الأب لمعرفة المستجدّات، وشارك صلاح بتقديم معطيات غير مباشرة عندما طلب شكر الطبيب الذي ساعده للخروج من محنته؛ وظهر من الاتّصال عدم قدرته على تذكّر وقائع حِقبة النّسيان الانفصاليّ.
  • المرحلة الثّالثة: بعد سنتين من عودة الذّاكرة (المرحلة الثّانية)، لكن في هذه الحِقبة كان صلاح قد استرجع السّياق الزّمنيّ في ذاكرته كاملًا ؛ فقد تبيّن أنّ ذاكرة مرحلة النّسيان الانفصاليّ (18 يومًا)، قد عادت له بعد ثلاثة شهور من عودة معلومات المرحلة الأولى. يوضح الشّكل (1) مسار جمع البيانات، وتسلسل الأحداث في المراحل الثلاث. وتمثّل الأحرف الأبجديّة الامتداد الزّمنيّ، فيما تمثّل الأرقام الأحداث الأساسيّة في الحدود الزّمانيّة للانفصال، وما قبله وما بعده.

الشكل(1) مسار جمع البيانات وتسلسل الأحداث

أما المعطيات فتتألّف من ثلاثة عناوين: السّرد العامّ لسياق الأحداث، تحديد مواطن الاضطراب (ما نسيه وما لم ينسه)، وملاحظات إضافيّة.

السّرد العامّ لسياق الأحداث: (ملاحظة: روعي في السّرد التّاريخيّ حالة الدّهشة التي قدِم بها صلاح، كذلك عَدّلت بعض المفردات للتّخفيف من اللغة العاميّة تسهيلاً للقرّاء من باقي الدّول العربيّة، من دون المسّ بالمعنى الظّاهريّ، أو الجوهريّ للمضمون). عاش “ص” 28 سنة (تقريبًا) في نمط عيش تقليديّ، درس في المدرسة حتّى نهاية الصّف السّابع من التعليم الأساسيّ، ثمّ تحول بعدها للعمل مع أبيه في مهنة حرفيّة (نجّار)، واستمرّ في هذه المهنة إلى الوقت الحاضر.

في سنة 2018 ذهب “ص” إلى عمله كالعادة، ولأنّه، كالعادة أيضًا، وصل باكرًا، أخذ غفوة لحين بَدء دوام العمل، رنّ جرس الدّوام فاستيقظ “ص” ونهض عن اللوح الخشبيّ الذي يعلوه فراش صغير من الإسفنج، يستخدمه لحِقبات الاستراحة، نظر إلى جانبه فوجد كيسًا فيه طعام، حمله “كالعادة”، وبدأ يتلفّت يمينًا ويسارًا. ثمّة أمور غريبة تحيط به! وهنا بدأت رحلة جديدة لم يعهدها في حياته، ولا عهدها كلّ من كان معه في المؤسّسة. سأل “ص” بغرابة: “من أنتم، ولماذا أنا هنا، أين أختي؟ وقال: أريد الذهاب إلى المدرسة”. ضحك الأشخاص المحيطون به، وظنّوا أنّه يمازحهم، فبادلوه المزاح، وبدأ الخوف يظهر على وجهه. أسرع ليخرج من المكان، لكنّ أباه – الذي يعمل تمامًا قرب الباب – فوجىء بابنه كيف يهمّ بالخروج من المصنع. فناداه كي يعرف السّبب، وحينها أجابه: “أريد الذّهاب إلى المدرسة. أختي ستوصلني، ولكنّها تأخّرت”. الأب أيضًا تملّكته الدّهشة، فقال: “ارجع إلى عملك”، لكن “ص” رفض لأنّه لا يعرف عما يتحدّث أبوه. طرح سؤالًا على أبيه: “لماذا أنت هكذا، ما الذي حصل لك؟ لماذا شعرك أبيض؟ لماذا صرت أصلع؟” وهنا بدأت رحلة الأب مع حدثٍ وحالةٍ، لولا أنّ مثيلاتها شوهدَت في الأفلام السّينمائيّة لظنّ أنّ ابنه قد أصابه “الجنون” (وفق تعبير الأب)، لكنه فهم أنّه أمام حالة فقدان للذّاكرة، من دون أن يتيّقن من ذلك، بسبب وجود قدرة على التّواصل والتّعرّف على أبيه، وشخص آخر يعرفه منذ كان طفلًا. عاد الأب بولده إلى البيت، وفي الطريق سأل “ص” عن معالم أماكن لم تكن هكذا من قبل، وجد جسورًا لم تكن موجودة: “لماذا السيّارات مختلفة، صايرة جديدة؟ ولماذا لوحات السيارات مختلفة، صارت بيضاء؟”  ثمّ طلب زيارة جّده وجدّته، وهما متوفّيان منذ سنوات، حينها، كما ذكر الأب، أدرك بوضوح أنّ ابنه مصاب بفقدان الذّاكرة من دون أدنى شك. وعند الوصول إلى البيت، نزل “ص” من السيّارة واتّجه إلى البيت الذي يسكنه منذ ولادته، لكنّه سأل أباه: “أين بائع الخضار واللحام؟”. دخل البيت فاستقبلتهما أمّه، ولكنّها عندما رأته كذلك بدأت تبكي وتنوح، فبدأ بالبكاء حزنًا على حالها، من دون أن يعرف لماذا تبكي. خرجت زوجته من الغرفة مع طفليهما لتعرف ما سبب أصوات البكاء، فسأل أباه: “من هذه؟ ومن هؤلاء الأطفال؟”، ثم قال لأبيه: “أريد الذّهاب إلى المدرسة. أختي تنتظرني”. رفض أن يكون أبًا، أو زوجًا، كيف ذلك وهو طفل؟! هنا، أدخله أبوه إلى إحدى الغرف، وشرح له حقيقة قصّته؛ فتعجّب وظنّ أنّه في لعبة، أو أمام الكاميرا الخفيّة. سأل عن أثاث المنزل لماذا تغيّر. وبقي يُطالب بالذّهاب إلى المدرسة. وها هو مصاب بدهشة، وخوف، واستغراب حين طلب منه أبوه أن يقف أمام المرآة، فوجد نفسه بجسم كبير ولحية. “مش معقول! لِمَ أنا هكذا، لا يمكن لطفل أن يكون بجسمي ولحيتي؟” بناءً على توصية طبيب الأعصاب الذي عاينه بعد ذلك تقرّر أن يخضع لفحوصات متعدّدة في المستشفى، فأقام فيه أربعة أيّام (4)، وانتهت جميعها إلى نتيجة واحدة؛ “لا يوجد أثر لأيّ ضرر عضويّ، القصّة نفسيّة.”، هكذا لخّص الطبيب النتيجة التي وصل إليها، لذا نصحه بالعودة إلى البيت، والتعايش مع الواقع الجديد، أو الاستفادة من متخصّص في المجال النّفسيّ. خلال وجوده في المستشفى، عندما كان يستيقظ، كانت تأتيه في المنام بعض الصّور التي لا يعرف ما هي، لكنّه كان يسرد وقائع مناماته، أو يصف عناصرها. وهي بحسب الأب تدلّ على وقائع من حياته قبل فقدان الذّاكرة. إحدى المرّات سمعه قريبه يذكر، أثناء نومه، اسم أحد أولاده، ولمّا استيقظ قال له؛ سمعتك تذكر هذا الاسم، فمن هو (اسم ولده)؟ أجاب “ص”: “لا أعرف، ولكنّه كان خلف سيّدة، وكانت تذكر اسمه، وأنا صرت أردّد اسمه أيضًا، فمن هو؟” أتته بعض الصّور التي تعود إلى عشر سنوات وخمس سنوات من دون معرفة حقيقتها، خصوصًا، وأنّها قليلة جدًّا (وكان يشعر بالحاجة إلى أن تتوقّف لشدّة وقعها عليه، وما يحصل معه من ألم في رأسه). حين قالوا له: “ابنك وقعت عليه الخزانة”، وهو في هذه الصّورة، صار يبكي لأنّ طفلًا وقعت عليه الخزانة (مع أنّه كان قد رآه بخير منذ أيّام). ذكروا له أنّ حادثة حصلت معه ومع ولده منذ أيّام، ونظر إليها في الهاتف، فلم يعرف سوى أنّه شاهد هذا الطفل في البيت قبل المجيء إلى المستشفى. عبّر “ص” عن دهشته من مواصفات الهاتف، فلم يعهد هاتفًا فيه الفيديو، ووسائل التّرفيه، ولم يخطر في باله أنّ لديه واحدًا أفضل منه، فبدأ يسأل عنه كالأطفال، وطلب أن يتعلّم استخدامه، وبالفعل، قام قريبه بتعليمه كيف يستخدم الهاتف الذّكي، وأصبح يجيد استخدامه بحدود ما علّمه إيّاه. وسيلة (آلة) أخرى لم يعرفها صلاح، ولم يدرك أنّه يملكها وهي سيّارته، بل إنّه لم يعرف كيف يقود سيّارة، ولم يطلب أن يقود سيّارة (لأنّه طفل). أمر آخر لم يعرفه “ص” هو أكلته المفضّلة حين أحضروا له سندويشاً منها: “ما هو الشّيش طاووق؟”  نسي حتّى طعمها. صلاح إذًا، طفل عمره 9 سنوات وبضعة أشهر، متزوّج، وله ولدان، ويملك سيّارة. صاحب حرفة منذ سنين، ولقبه فيها “معلّم”. إنّ هذا لشيءٌ عُجاب؛ ومن الطّبيعيّ أن يكون الخوف، والدّهشة، والحذر، والحشريّة سمة هذه المرحلة. استمرّت محاولات التّذكير من دون جدوى، إلى أن قصد الأب العيادة النّفسيّة، وهنا سرد قصّة ابنه، ثمّ دخل صلاح بريبة وقلق، تحدّث عن نفسه بصفته طفلًا في عمر 9 سنوات. عبّر عن استغرابه لقدومه إلى عيادة لا تشبه عيادات أطباء الصحة؛ “أبي يقول إنّني كبير، وإنّني فاقد الذّاكرة.”، بعد سؤاله عن الواقع كما يراه في ذهنه، تحدّث بطلاقة وراحة. المدرسة، الرّفاق، الأخت، …، هذه هي المواضيع التي تحدّث عنها، وعندما يُسأل عن المرحلة الحالية (وليس المنسيّة) لا يذكر شيئًا، بل يجهد للتذكّر من دون جدوى، ثمّ يلي تلك المحاولات شعور بالانزعاج. في الجلسة الثّانية: تحدّث الأب عن غضب “ص” من طلب الآخرين منه أن يتذكّر، كأنّما يطلب شخص من شخص عمره 9 سنوات أن يتذكّر أحداث عمر لم يبلغه (28 سنة). هذا ليس تذكّرًا في حساباته، بل عدَّه جنون منهم، وعدوان يستوجب الغضب والتعصيب. في هذه الجلسة تُرِك “ص” ليتحدّث عن أيّ شيء يريد الحديث عنه، وكان واضحًا أنّ الانطباع، والّلذة في الأكل، والّلعب في زمن الشّباب قد اندثر، لذلك هو لم يتذكّر حتّى طعم الشّيش طاووق. ولكنّه كشف الغطاء عن مفاتيح تساعد في استدعاء المعلومات، وهذه المفاتيح هي:

  1. السّعي لاستدعاء الّلذة والانطباعات الجميلة.
  2. إنّ إمكانية استدعاء المعلومات تقتصر على الاتّجاه المعاكس، بمعنى إنّ محاولة استرجاع الذّكريات القديمة أوّلًا، لن يحقّق أيّ نجاح؛ فأوجاع الرّأس كانت تظهر بعد سؤاله عن أحداث اليوم الأخير، أو اليوم الذي سبقه. بدأت الصّور تظهر عندما استطاع أن يستدعي الانطباعات اللذوية، من دون أن يقترب من أيّ ذكريات مقلقة. في هذا اليوم طُلِب من الأب كنتيجة لعمليّة تداعي ذكريات الّلذة أن يقصد مع ابنه نقطة فقدان الذّاكرة؛ أيّ مركز عمله. ووفق التّعليمات، بقيّ الأب و”ص” في السيّارة مدّة ربع ساعة أمام المصنع، تذكّر أنّه المكان الّذي خرج منه منذ أيّام، ليشعر بعدها “ص” بألم في الرّأس، يطلب على أساسه النّوم. يعود إلى البيت، أيضًا وفق التّعليمات، ويتناول (حسب نصيحة الطبيب النّفسيّ)، دواءً لتخفيف أوجاع الرّأس وينام. استيقظ صلاح، وكان تعجّبه شديدًا، “أين أنا؟”، “نمت في الشّغل، لماذا أنا هنا في البيت؟”، نادى زوجته؛ وبدأ مرحلة جديدة. عند استيقاظه أكمل “ص” حياته كما لو لم يحصل معه شيء. لكنّ مدّة فقدان الذّاكرة غابت كلّيًّا عن ذهنه. تلقّى الأب تعليمات بخفض التّواصل كي لا يرهق ذهن ابنه. وبعد شهرين، استيقظ “ص” وقد عاد إليه خط العمر موصولًا، تذكّر كلّ مرحلة فقدان الذّاكرة. بعد سنتين تحدّث “ص” عن تجربته بدقّة، واللافت أنّه وصف العيادة النّفسيّة بتفاصيلها، تحدّث عن موقع برّاد المياه، ومحوِّل الكهرباء وموقع الكراسي ونوعها، وصف كذلك غرفة العلاج ومحتوياتها، حتّى نوع الدّيكور والألوان على الجدران. ووصف خطوات وطريقة التّدخُّل أيضًا: الإجراءات والتّعليمات، التّلاعب بالذّاكرة، الاحتياطات لمنع التّسبب بالخوف، أو الألم في حال استرجع صوراً من الماضي. وللتأكّد من سلامة باقي محتويات الذّاكرة طُلب منه أن يستعيد ذكريات من طفولته، ومن مراهقته، ومن عمر الشّباب، ثم من زمن النّسيان وما بعده إلى الوقت الحاضر. وبعد التّدقيق في المحتويات من خلال مقابلة الأب تبيّن أنّه استطاع أن يسترجعها بدقّة ويعلّق على بعضها ويحلّل البعض الآخر.

مواطن الاضطراب: ما الذي نسيه وما الذي تذكره؟

يبيّن الجدول (1) مواطن الفقدان والتذكّر، سواء الأحداث الأساسيّة، أو الوظائف المعرفيّة.

جدول (1) ما نسيه صلاح وما لم ينسه

ما نسيه ما تذكّره
–       حادثة تعرض ابنه للخطر.

–       الهُوية المهنيّة.

–       حرب تمّوز 2006.

–       ملامح المناطق بعد التغيّر في البناء (والجسور).

–       وفاة أجداده.

–       زواجه. وكونه أب لولدين (مع ما لهما من زخم انفعاليّ).

–       وجود سيّارة له في الأصل.

–       لوحات السّيارات (شكلها).

–       تفضيله الطّعام الذي كان يحبّه في شبابه. (شيش طاووق) وشعوره بالّلذة والسّرور عند أكله.

–       مهارات المهنة.

–       قيادة السّيّارة.

–       استخدام الهاتف.

–       الهُويّة الشّخصيّة.

–       الهُويّة الاجتماعيّة.

–       ملامح الأشخاص الذين عرفهم قبل عمر 10 سنوات.

–       التّصور المكانيّ للعالم قبل 18 سنة (موقع البيت، الصوفا القديمة، الخزانة، …).

–       لوحات السّيّارات القديمة.

–       التّعلم الجديد anterograde؛ كان يتذكّر ما يتعلّمه فيها (مثل استخدام الهاتف الذكيّ).

–       الكلام وكفاءة التّعبير.

–       أسماء الأشخاص من حوله.

–       الحساب العامّ.

–       الشّعور بالمسؤوليّة.

–       ريب الأطفال كحالة تَلقائيّة نتيجة الغربة.

أبعاد النّسيان

يتبين من السّرد ومن جدول (1) أنّ النّسيان طال الأبعاد الآتية: (1) الوقائع، والسّياقات بما فيها الأحداث الكبرى (كحرب تمّوز 2006 في لبنان)، والمؤلمة (كتعرّض ولده للخطر)؛ (2) ملامح الأشياء، والأشخاص، والمناطق؛ (3) الهُويّة الاجتماعيّة للراشدين (مثل وضعه الاجتماعيّ كمتزوج وكأب)؛ (4) وظائف الأشياء؛ (5) المهارات (بما فيها المهنيّة).

لكنّ كلّ ذلك محدّد بحدود بين عمر 10 سنوات و28 سنة. فنسيان الأحداث محدّد بإطار زمنيّ (18 سنة)، أمّا ما قبله وما بعده فبقيت الذّاكرة تعمل بدقّة (فقد تحدث عن فرض الرّياضيّات والمعلّمة، وأخته التي ستوصله إلى المدرسة، وقد فُحِصَت تلك المعلومات فتبيّن صحّتها).

ملاحظات إضافيّة

بدا واضحًا مجموعة من الملاحظات وأكثرها أهمّيّة:

  • لم يظهر عليه أيّ قلق من معرفة حادثة الطّفل.
  • لم يتردّد في الإجابة عن أيّ سؤال.
  • الدّهشة كانت ترافقه في كلّ لحظة.
  • إجادة التّعبير والفطنة في سلوكه.
  • حبّه لأهله وطاعته لهم، ظهرا في أدائه أثناء مدّة النّسيان.
  • الاستجابة المهذّبة لتعليمات الأبّ، والنّفسانيّ.
  • تدفُّق بعض الصّور من الماضي التي كان يصعب عليه فهمها.

المناقشة

يتبيّن ممّا ورد من معطيات حالة “ص” أنّ النّسيان قد حصل، وأنّه شمل قسمًا من حياته. هذا عمومًا، أمّا في التّفصيل، فالسّرد التّاريخيّ العامّ، وتحديد مراكز الاضطراب، تصبّ في مجموعة عناوين تتعلّق بفقدان الذّاكرة الانفصاليّ في إطار علم النّفس المعرفيّ، وهذه العناوين هي؛ (1) التّعريف والتّشخيص، (2) في أقسام الذّاكرة، (3) التّفسير المعرفيّ.

في التّعريف والتّشخيص

تدلّ أحداث الحياة التي ذكرها صلاح وأبوه أن النّسيان شمل تاريخ الحياة لمدّة 18 سنة من عمره، مع هبوط واضح في الأداء للمَهَمّات (المهنة)، وهي عناصر ذكرها دليل التّشخيص الخامس DSM5 في تحديده لفقدان الذّاكرة الانفصاليّ، وإذا أضفنا له احتساب حادثة تعرض طفله للخطر فإنّ المحكّات الضّروريّة للتّشخيص تكون قد تحقّقت. وهذا ينسجم أيضًا مع ما ذكره كيكوتشي (Kikochi, 2009)، ويتلخّص هذا بتصوير ربر (Reber, 1995) لأحداث فقدان الذّاكرة الانفصاليّ بأنّها ثقب في ذاكرة الشّخص، تمامًا كما حصل مع “ص”، لكنّه يتجاوز الثقب إلى الفجوة الكبيرة من حيث امتدادها. ولم تكن له علاقة بمتلازمة كورساكوف التي تحدّث عنها أندرسون (Anderson, 2016)، نظرًا إلى عدم وجود دلائل لفقدان الذّاكرة التّبعيّ Anterograde، فقد كان “ص” يتذكّر كلّ ما يعرفه، أو يتعلّمه في مدّة الانفصال، وبالتالي ينطبق على حالة “ص” التّعريف والتّشخيص الخاصّ بفقدان الذّاكرة الانفصاليّ.

في أقسام الذّاكرة

ذكر براون وزملاؤه (1998) أنّ تأثّر الذّاكرة غير الصّريحة بالصّدمة أكثر من الذّاكرة الصّريحة، وهذا يتعذّر ضبطه بدقّة في حالة “ص”، لكن من الواضح أنّ النّسيان لدى “ص” قد شمل كِلا الذاكرتين؛ إذ نسيَ الكثير من أحداث حياته والوقائع التي شهدها على مدار 18 سنة، ونَسي أيضًا كفاءته المهنيّة، استخدام الهاتف الذّكيّ، وقيادة السيّارة.

أمّا في خصوص الذّاكرة الدّلاليّة مقابل ذاكرة الأحداث والذّاكرة الإجرائيّة، في مراجعة معطيات الحالة يتبيّن أنّ ذاكرته احتفظت بالمفاهيم، والأفكار القديمة، ولم يكن سهلاً تمييز تذكّر المفاهيم في مدّة الانفصال، من بين ذلك سلوكه العقلانيّ الّذي يدلّ على نمط من المخطّطات التي بُنيت سابقًا للتّعامل مع مطالب الحياة، ولذلك يمكن حسبان ذلك نوعًا من الاحتفاظ بمعاني الرّموز الكلاميّة، والقواعد التي تحدث عنها إرنغتون ووايزكرانتر (الزغول وزميله، 2014)، كما يدعم ذلك وصف الأب له في تلك المرحلة “ذاكرة ولد صغير، وتفكير شخص كبير”. في ذاكرة الأحداث، تكشف حالة “ص” عدد من المعطيات، فالنّسيان في هذا الجانب شامل، الصّور (الأحداث، الملامح، صورة الجسد في المرأة، …)، الطّعم (شيش طاووق – الأكلة المفضلة)، المشاعر (تجاه زوجته، وأولاده، ووفاة أجداده)، والأحاسيس المرتبطة بالّلذة (حين يضع رجليه في المياه). حتّى الانطباعات التي تتشكّل عند مشاهدة بعض الأشخاص، أو المناطق، جميعها غابت عنه.

في الذّاكرة الإجرائيّة تحدّث تمبل (2002) عن أنّها تحوي المعرفة التي لا يهمّ فيها تذكّر الظّروف التي أدت إلى تعلّم المهارات؛ فهل ينطبق على المهنة؟ لأنّ للمهنة، ربما، أثر عميق في الشّخص، وقد بدأ “ص” العمل في هذه المهنة باكرًا؛ أي إنّ خبرته فيها مديدة، ومع ذلك استغرب وجود الأدوات، وعجز عن استخدامها بما يتجاوز الاستخدام الأوّليّ إلى الاستخدام الحِرَفيّ، كذلك غابت عنه مهارة قيادة السّيارة، وهي ضمن محتويات الذّاكرة الإجرائيّة، كما هو حال استخدام الهاتف الذّكيّ. أمّا الوظيفة الجنسيّة فلم تتأثّر، ولكنّ الأداء اختلف، إذ تراجع لجهة الكيفيّة وليس القدرة.

هذا التّوضيح يُعدُّ قاصرًا إذا لم يتعدَّ الوصف إلى محاولة التفسير من خلال تحليل المعطيات الأساسيّة، ثمّ يربطها بما يقدّم تفسيرًا معرفيًّا، وانطلاقًا من ذلك، يمكن تفسير تلك المعطيات وفق الآتي:

التّفسير المعرفيّ

التّشريح المعرفيّ لحالة “ص” يأخذ ثلاثة اتجاهات؛ (أ) علاقة الانفصال بالنّوم، (ب) تفسير المظاهر الأساسيّة التي برزت في حقبات اليقظة، (ج) الصّدمة ودوافع الانفصال في ما ظهر من معطيات، مع الإشارة إلى أنّ النّسيان لم يقتصر على ما يمكن تسميته، تسامحاً، بالحدث الصدميّ، بل شمل حقبة تسبق الصّدمة بسنين وبأشهر وتليها بأيام. لكن افتراض أنّ حادثة تعرّض ابنه للخطر الكبير هي الحدث الصدميّ وراء النّسيان يبقى ضمن دائرة التأويل.

أ – علاقة الانفصال بالنّوم: اتّضح من العرض أنّ نقطة الانفصال بدأت في النّوم (أو لحظة اليقظة من النّوم). ونقطة الاتّصال والعودة بدأت في النّوم أيضًا، كذلك حالة الاتّصال الثّاني عند عودة ذاكرة مدّة الانفصال. في الحدث الأوّل يمكن اقتراح تفسيرات متعدّدة، من بينها الشّكوك التي قدّمتها كلويه، التي عدّت أنّ الانفصال قد يكون نوع من السرنمة، مع أن “ص” لم يتعامل مع الواقع الخارجيّ (في مدّة الانفصال)، على أنّه جزء من منام، فحالات السرنمة تختلف من حيث المظاهر عن حالة فقدان الذّاكرة الانفصاليّ؛ فقد كان يتجاوب مع أحداث الحياة بشروطها الواقعيّة، وليس الخياليّة، والاحتمال الوحيد الذي يسمح بقَبول فرضيّة السرنمة هو أن يكون للسرنمة حالات متنوّعة، بعضها يُبقي الشّخص في اندماج مع عالم المنام، والثّانيّ يفصله عنه ليستطيع البقاء مدّة أطول في سرنمته. لكنّ هذا التّفسير سيواجه تشكيكًا جوهريًّا عندما تؤخذ بالحسبان الومضات التي كانت تأتيه التي ينبغي أن تعيده إلى نومه، لو كان النّوم هو الإطار الزّمنيّ، والذّهنيّ الذي كان يعيش فيه حينها. أمّا في الأحداث الآتية (عودة الذّاكرة على مرحلتين)؛ فيمكن اقتراح تفسير يشير إلى حسبان أنّ ذاكرة النّوم التي لم يصلها النّسيان الانفصاليّ (كما أظهرت مناماته)، وبالتالي بقيت متّصلة، هذا الاتّصال شكّل نموذجًا لذاكرة اليقظة كي تطلق نوعًا من المحاكاة مع ذاكرة النّوم، وبذلك يتحقّق وصل مدّة التذكّر ما قبل الانفصال بما بعده. السّيناريو ذاته حصل في التذكّر الثّانيّ؛ نوم يليه يقظة تحوي استرجاعًا لذكريات مرحلة النّسيان الانفصاليّ بتفاصيلها. استحضار الصّور، والسّيناريوهات في المنام (لأحداث المرحلة الانفصاليّة) يدلّ على أمرين؛ (1) أنّ ذاكرة النّوم بقيت على حالها، ما يشير إلى انفصامها في الأصل عن ذاكرة اليقظة كما صنّفها دولاي؛ (2) أنّ تفسير رموز النّوم لتصبح واضحة بيّنة أثناء اليقظة كان أمرًا متعذّرًا؛ بمعنى أنّه حتّى عندما كانت تأتيه أحلام تتضمّن ذكريات أحداث مرحلة الانفصال، خصوصًا حادثة طفلة، بقيت عصيّة عن أن تُفهَم، أو أن تسمح لذهنه أن يدمجها في عالم اليقظة.

اقتراح آخر يمكن تقديمه، لكنّه يخرج من إطار علم النّفس المعرفيّ إلى إطار علم النّفس العصبيّ، وهو إمكانيّة حسبان أنّ الذّاكرة قد تلقّت أمرًا بالانفصال، ولاحقًا أمرًا بالاتّصال، ويدعم ذلك العودة الشّاملة والسّريعة التي حصلت في لحظات النّوم. ولكن هذا الاقتراح دونه عقبات أهمّها؛ تعذّر فحصه، أو مراقبته؛ فالمصاب بالنّسيان الانفصاليّ يقصد مراكز التّشخيص، والعلاج بعد بَدء العارض، وليس قبله، وبالتالي لا يمكن كشف ذلك في حدود أدوات العلم الحاليّة.

ب – تفسير المظاهر الأساسيّة التي برزت في مرحلة اليقظة: في رحلته مع فقدان الذّاكرة الانفصاليّ عاش “ص” أحداثًا تَلقائيّة، حاول تفسيرها بطريقته، وأحداثًا شكّلت تحدّيات بالنّسبة إليه، وبعضها شكّل ضغطًا يُضاف إلى كامل الوضعيّة التي وجد نفسه فيها. وبمراعاة التّسلسل الزّمنيّ، فإنّ الأحداث ساهمت في بناء الملاحظات المعرفيّة الآتية:

  • العادات اليوميّة لحظة الاستيقاظ: حمل كيس الطّعام (الزّاد) والسير باتّجاه الباب للخروج من المصنع (الباب مكشوف، ولذلك من الطبيعيّ أن لا يحتاج إلى دليل يعلّمه كيف يخرج من بين الجدران)، هناك احتمالان في تفسير حمله للكيس؛ (1) إنّه سلوك آليّ اعتاده في كلّ مرّة كان يستيقظ، وبالتالي فهو فعل غير خاضع للوعيّ والانتباه الكامل، مثلما يمسك كلّ شخص – في هذه الأيّام – هاتفه الذّكي لحظة استيقاظه، (2) إنّه سلوك مشابه لما كان يقوم به في طفولته عند ذهابه للمدرسة، فعادة الزّاد (الزّوّادة) رافقت “ص” من المدرسة إلى المصنع، وبالتّالي تعود إلى ما كانت عليه أيّام المدرسة.
  • العلاقة بين المهارة وصور أحداثها: التّعامل مع السّيّارة، والهاتف، ومهنته كمهارات تتبع الذّاكرة غير الصّريحة. عجز “ص” عن توظيف مهاراته التي كسبها ومارسها لسنوات، لكن هل يعود هذا النّسيان إلى أنّ استحضار المهارة بذاتها يتطلب استحضار الصّور المتعلقة بها، والتي تستوجب الزّمان والمكان والسّياق المشهديّ في الحالات الثّلاث؟ ربما يكون الكمّ الكبير من الصّور التي سترافق قيادة السّيارة قليلًا، سيحرمه من نعمة النّسيان الانفصاليّ، وبالتّالي خسارة منافع تلك المهارات أقلّ شدّة من الوقوع في تذكّر لم يكن مستعدًا له بعد على المستوى الانفعاليّ وعلى المستوى الذّهنيّ أيضًا، وهذا قد يدل على أنّه (حينها) لا يزال تمثيل صورة الجسم المفعلة في ذهنه تعود لعمر وسنوات مشاهدته، على الرّغم من مشاهد خلاف ذلك في المرآة، وهنا الحديث عن الصّورة الذّهنية وليس الصّورة الفعليّة.
  • الغريزة الجنسيّة وعمق انفعالاتها: سعت زوجته إلى مساعدته في التّعرف على أحد أدواره كزوج؛ فوجّهته نحوها غريزيًّا، وأرشدته ليقوم بالاتّصال الجنسيّ معها، لم يفهم الفكرة، لكنّه لم يرفض، فقد نوقش الموضوع مسبقًا في العيادة، وصرّح “ص” أنّه لا مانع لديه من القيام بكلّ ما يطلبه منه الطبيب، لأنّه أصبح واثقًا من أنّه تعرض لفقدان ذاكرته. تحدّث لاحقًا أنّه لم يفهم الفكرة جيّدًا، وكان حدثًا مستغربًا، لم يكن مخيفًا بسبب حديثه مع نفسه أنّه في مرحلة علاجيّة، ولكنّه لم يطلق لديه أيّ ذكريات، مع أنّها وضعيّة تتّصل بها صور، وأحاسيس، وسياقات مشهدية، ولم تكن مهارة بالمعنى المعقّد، بل أداءً غريزيًّا في صوره البدائيّة، وقد تكون هذه البدائيّة سببًا لعدم الحاجة إلى استدعاء صور، أو سياقات، لكنّه، ربما، ساعد في استدعاء مجموعة مصاحبة لهذا النّوع من التّواصل البدائيّ تشمل الّلذة، الرّغبة، الممارسة والعاطفة. الرّغبة الجنسيّة تستدعي النّضج وقَبول التّعرَي ومشاهدة شخص عارٍ، خصوصًا من غير جنس، وإن كان الآخر غريبًا (أو غريبة) نسبيًّا (إذا لم يرها منذ كانت طفلة، هكذا تقول له ذاكرته). هذا الكشف يعيد إلى مسألة الطفرة الذّهنيّة التي تسبق الطفرة الجنسيّة لدى المراهقين، كون الجنس يحتاج إلى ذهن الرّاشد كي يقبل التّضحيّة بالعفّة الطفليّة، والحياء الطفليّ أيضًا، لقاء تحقّق مكاسب غريزيّة. كذلك حال الانطباعات النّاشئة عن أكلته المفضّلة. لذّة من دون تذكّر.
  • انعكاس الصّورة في المرآة: النّظر إلى صورة الجسد في المرآة، تلك اللحظة التي فحص فيها “ص” حقيقة ما يُقال له، لم يكن كافيًّا انتباهه إلى جسمه، المرآة كانت مصدرًا خارجيًّا للمعرفة والتّقييم، بسبب الشّكّ في الذّات وما تحويه من معارف ومعايير تقييم. لم يكن استخدام المرآة لفحص العيوب أو الجمال، بل الذّات الجسديّة التي ستقول له إن كان من حوله صادقين أم أنّ أُلعوبَة تجري حوله.
  • التذكّر والتوقّع اتّجاهان متعاكسان: تعليمات الآخرين وأوامرهم له بالتّذكّر كانت مدعاة للغضب فيعبّر عن ذلك بالصّراخ، أو العزلة (وهو الإجراء الذي استخدمه أكثر من غيره)، فلماذا كان ذلك التوتّر؟

يمكن فهم ردّة الفعل هذه إذا ميّزنا بين مفهومين متعدّدين هما: التّوقّع، والتّذكر. فكانت تعليمات التّذكّر تُفَسَّر في ذهن “ص” على أنّها طلبٌ للتوقّع مع فارق اللفظ، وفارق الوجهة؛ فالتّذكّر عودة إلى الماضي، فيما التّوقع ذو وجهة مستقبليّة، وقفز سريع إلى الأمام. وعليه فإنّ التذكّر طلب طبيعيّ بالنّسبة إليهم، ولكنّه مخالف للمنطق بالنّسبة إلى طفل عمره 9 سنوات، وبالتالي هو طلبُ ما لا يُطاق، وما لا يمكن القيام به.

  • العقلانيّة الحاكمة: وصف الأب ولده بأنه: “عقلُ راشد في ذاكرة طفل”، وهذا ظهر – كما ورد سابقًا – في طريقة استجابته لمطالب العلاج، وهذا يشير إلى التّفكّك بين مراكز الذّاكرة، ومراكز التّفاعل. وهو التّفكك الوحيد بين مستويات المعالجة المتعدّدة ضمن النّظام المعرفيّ وفق ما تحدّث عنه براون (2006)، ولكن قد يكون هذا التّفسير مخالفًا لحقيقة النّشاط الذّهنيّ، فما كان وصفٌ لسلوكه بأنّه راشد ربّما هو مجرّد نتائج لتحالف انتباهه الشّديد من جهة، وذكائه البارز منذ طفولته من جهة ثانية، وهو تقييم يدعمه قوّة المنطق لديه، ومستوى المسؤوليّة المهنيّة التي كان يتولاّها في المصنع.

ج – في الصّدمة ودوافع الانفصال: كما ورد في المقدّمة، فإنّ البحث لا يتوجّه إلى موضوع الأسباب، أو الحادث الصّدميّ كسبب افتراضيّ لتجربة الانفصال، لكنّ جُزءًا من الحديث عن الرّبط بين الصّدمة، وذكرياتها، والأعراض المصاحبة للومضات، أو للعودة التّدريجيّة، أو السّريعة للذّكريات، سيساهم في فهم الآليّات المعرفيّة لعودة الذّاكرة. وعليه، ثمّة مجموعة من الملاحظات في هذا السّياق:

  • الصّلابة النّفسيّة لحظة الانفصال والاتّصال: الذّهول، والاستغراب عند استيقاظه (مرّتين)، واكتشافه أنّه ليس في المكان الذي ينبغي أنّه نام فيه، لا شكّ أنّها من الأحداث الضّاغطة، لكنّها كشفت مدى صلابته الذّهنيّة في التّعامل مع التّغيرات المفاجئة، التي نقلته مرّتين من عالم إلى عالم؛ حين عاد طفلًا، وحين استيقظ رجلًا من جديد. والاستيقاظ في مكان غير الذي نام فيه المرء سيتطلّب استحضار خارطة ذهنيّة جديدة (لمخطّط المكان) على وجه السّرعة. وأقلّ منه، أو أكثر شدّة، تغيُّر معالم الأحياء والشّوارع، وهذا يدلّ على مقدار النّسيان الذي أصاب معلوماته.
  • الاستدعاء من نقطة النّسيان: ذكر روبن أنّ استدعاء الذّكريات الأقرب أسهل من استدعاء الذّكريات البعيدة. هذا الفرض تبيّنت صحّته في حالة “ص”؛ فقد كانت محاولات استدعاء أحداث من الماضي البعيد أمرًا لا يعني له شيئًا من النّاحية الوظيفيّة، فيما كان وجع الرّأس ينطلق سريعًا حين توجيهه لتذكّر الأيّام الأخيرة. ومضاتٌ تلو الومضات، إذا كان الطلب ارتداديًّا في الزّمن؛ وهي آليّة وظّفها ذهنه للمزيد من التذكّر. مع الأخذ بالحسبان أنّ الحثّ والتّحريض تركّز على الانطباعات أكثر من الصّور والمشاهد، ودعمه الحرص على التأكد من شعور “ص” بأنّه في بيئة آمنة، وأنّه الذي يتحكّم بحدود عمليّة التّحريض الذّهنيّ، وهي أيضًا عوامل تحدّث عنها روبن.
  • ارتباط الانفعالات بالذّكريات: بكاؤه حين قيل له إنّ طفلًا تعرّض للخطر، معرفته بوفاة أجداده، حزن من حوله، تعصيبه، كلّ هذه المشاعر لم يكن لها أيّ دور في إعادة وصل الذّاكرة، على الرّغم ممّا تحدّث عنه ريزبرغ من ارتباط قويّ بين ذكريات الأحداث وانفعالاتها. والشيء الوحيد الذي أمكن نَسبه إلى هذا النوع من الارتباط هو أنّه عندما كان يشعر بالأمن كانت فرص عودة الذكريات أكثر احتمالاً. لا يمكن نفي احتساب الصّدمة سببًا للفقدان على الرّغم من معوّقات حسم هذا الافتراض، أو بتعبير آخر، على الرّغم من كونه استنتاجًا تأويليًّا وليس وصفيًّا؛ فالألم النّاتج عن التذكّر قد يعود إلى المقاومة التي تمنع العودة، أو إلى النشاط العصبيّ الذي يجد في استدعاء حادثة من الحوادث تحريضًا لكمٍّ هائل من الصّور، أو لعدد مُهِمٍّ من الرّكائز المعرفيّة، كعاملَيْ الزّمان والمكان، القرابة والخصومة، الحبّ والبغض، الخوف والتحدّي، وغيرها ما ينتسب إليها حشد الصّور والمشاعر. وهذا يدفع أيضًا إلى التّساؤل حول سبب تدفّق الصّور من الماضي، وليس من الحاضر؛ هل حدث ذلك بسبب اعتلال (مؤقت) في التّرميز، أم نتج عن الاستدعاء من صندوق زمنيّ محدّد؟

الخلاصة

هذه حالة من الحالات النّادرة لاضطراب فقدان الذّاكرة الانفصاليّ Dissociative Amnesia، شاب في عمر 28 سنة، أخذ استراحة دقائقٍ صباحيّة، ليستيقظ ويجد نفسه في عالم غير الذي يناسب إدراكه، في زمان غير الزّمان الذي يُفترض أنّه الحقيقة. نسيَ 18 سنة من عمره، وأصبح إدراكه منطلقًا من طفولته. دامت رحلة النّسيان 18 يومًا تقريبًا، شهد فيها غرائب وعجائب المستقبل الذي سيواجهه، مع أنّه الماضي الذي عاشه. التّقرير الطّبيّ دلّ على سلامة الدّماغ، وأداؤه دلّ على سلامة نشاطه العقليّ ما بعد النّسيان. من هذه القاعدة المعرفيّة بدأت خطوات علاجه التي انتهت بعودة “ص” إلى وضعه الطّبيعيّ كما كان قبل الاضطراب، وتشكّلت على أساس الملاحظات والمقابلات مجموعة من المعارف في إطار تشخيص اضطراب فقدان الذّاكرة الانفصاليّ وفهمه. فجوة في الذّاكرة، سبقتها حادثة يمكن عدُّها صدمة، تبعها تعرّضه بعدها لانتقادات متكرّرة، يمكن حسبانها ضغوطًا شديدةً بالنّظر إلى طبيعة “ص” المسؤولة. دَاهَم النّسيان ذاكرة الأحداث Episodic Memory، والذّاكرة الإجرائيّة Procedural Memory. إذ نسيَ أحداث شبابه، ومهنته، وقيادة سيّارته، واستعمال هاتفه الذّكيّ، ودَاهَم الرّغبة، وذكريات الملذّات التي تعود إلى مرحلة النّسيان، ولم يكن لاستحضار اللذّة، أو الصّور دور في استدعاء ما يتّصل بها بسرعة. في الخلاصة، كشفت حالة “ص” مجموعة من النقاط أكثرها أهمّيّة:

  • أنّ ذكريات اللذّة شملها النّسيان كغيرها.
  • شكّل النوم نقطة انطلاق الانفصال الاتّصال.
  • العادة الأولى لحظة الاستيقاظ باتت مورد شكّ في كونها إراديّة أو شبه آليّة.
  • المهارات وصورها تختفي في حالة الانفصال، ولكن قابليّة التعلّم اللاحق تبقى سليمة.
  • عمق الغريزة الجنسيّة لا يشفع لها لكي تحمي نفسها من الاختباء الانفصاليّ.
  • لا يكفي أن يكون المرء كبير الحجم لينتبه أنّه قد بلغ سن الرشد، فالمرآة هي الدّليل القاطع على ذلك.
  • طلب التذكّر في حالة النّسيان الانفصاليّ يعني أنّك تطلب توقّع المستقبل بمفعول رجعيّ.
  • قد يكون للعقلانيّة وتحالف الذّكاء والانتباه دور في تحديد شكل الانفصال وسياقه. لكن الذّكاء والعقلانيّة كان لهما الدّورُ المُهِمُّ في التّعاون والسّرد والفهم. ولعل الدور الآخر لهما هو في تحديد نوع الانفصال، وتفاصيله، ومداه، ومدّته. وعليه، هل يمكن حسبان أنّ من لا يمتلك هذا المقدار من الذّكاء والعقلانيّة سيكون انفصاله مختلفًا؟ هذا متروك لأعمال الباحثين اللاحقة، في المقارنة بين الحالات التي وردت في الأبحاث المنشورة.
  • استرجاع المعلومات من نقطة النّسيان أسهل من استرجاعها من الزّمن الأبعد.
  • لا يكفي أن تتّصل الأحداث، أو المعلومات بالانفعالات، كي يكون التوقّع أنّها ستشكّل ضوءًا في ثقب الانفصال.
  • يبقى أن دمج الانفصال بالذّهان لم يجد ما يدعمه في حالة “ص”، ولم تكن حالة تَصَنُّعِيَّة، وما قدّمته من بيانات يوافق – ترجيحًا – فكرة اختلاف أقسام الذّاكرة الانفصاليّة Dissociative Memory، عن الذّاكرة السويّة.

وعلى الرّغم من أنّ الدّراسة لم تستهدف معرفة دوافع الانفصال، وأثر الصّدمة، لكنّه في حال كانت الصّدمة حقًّا هي السبب، فهذا يعني أنّ الدّراسة قد كشفت نوعًا خاصًا من الصلابة النّفسيّة عمومًا والذّهنيّة خصوصًا يتعلّق بالمفاجآة الضاغطة معرفيًّا.

المراجع

  1. تمبل، كريستين (2002). المخّ البشريّ. ترجمة عاطف أحمد. الكويت. عالم المعرفة. العدد 287.
  2. الجمعيّة الأميركيّة للطبّ النّفسيّ (2015). خلاصة الدليل التشخيصيّ والإحصائيّ الخامس للاضطرابات العقليّة. ترجمة أنور الحماديّ. بيروت. الدار العربيّة للعلوم.
  3. جينس، إيريك (2007). التعلّم المبنيّ على العقل. السعوديّة. مكتبة جرير.
  4. الحارثيّ، إبراهيم (2001). التفكير والتعلّم والذّاكرة في ضوء أبحاث الدماغ. الرياض. مكتبة الشقريّ.
  5. حبّ الله، عدنان (2006). الصّدمة النّفسيّة، أشكالها العياديّة وأبعادها الوجوديّة. بيروت. دار الفارابيّ.
  6. الزغول، رافع والزغول، عماد (2014). علم النّفس المعرفيّ. الأردن. دار الشروق.
  7. دولاني، جان (1989). أمراض الذّاكرة. ترجمة ميشال أبي فاضل، بيروت، دار عويدات.
  8. سكواير، لاري وكاندل، إيرك (2002). الذّاكرة، من العقل إلى الجزئيّات. السعوديّة، مكتبة العبيكان.
  9. سولسو، روبرت (2000). علم النّفس المعرفيّ. ترجمة محمّد الصبوة، مصطفى كامل، محمّد الدقّ. ط 2. القاهرة. مكتبة الأنجلو المصريّة.
  10. عبدالله، محمّد (2003). سيكولوجيّة الذّاكرة. الكويت. عالم المعرفة. العدد 290.
  11. العتوم، عدنان (2012). علم النّفس المعرفيّ. الأردن. دار المسيرة.
  12. Anagnew, Liyew, Tesfaye, Elias, Alemayehu, Selamawit, Masane, Mathewos, Betek Tilahun, & Tadessa, Jinenus (2020). Dissociative Amnesia with Dissociative Fugue and Psychosis: A Case Report from a 25- Year – Old Ethiopian Woman. Case Report in Psychiatry. Doi.org/10.1155/2020/3281487
  13. Baslet, Gaston, & Hill, James (2011). Case Report: Brief Mindfulness – Based Psychotherapeutic Hospitalization in a Patient With Conversion and Dissociation. Clinical Case Studies, 10 (2), 95 – 109. 10.1177/1534650110396359
  14. Bonanno, George A., Berwin, Chris R., Kaniasty, Krzyszto F., & La Greca, Annette M. (2010).Weighing the Costs of Disaster: Consequences, Risks, and Resilience in Individuals, and Communities. Psychological science in the public interest, 11 (1). https://doi-org.ezproxy.aub.edu.lb/10.1177/1529100610387086
  15. Brown, D., Scheflin, A. W., 86 Hammond, D. C. (1998).  Memory, Trauma Treatment, and the Law. New York. Norton.
  16. Brown, Richard J. (2006). Different Types of “Dissociation” Have Different Psychological Mechanisms. The Haworth Press. http://jtd.haworthpress.com/doi:10.1300/J229v07n04-02
  17. Cassel, Anneli, & Humphrey, Kate (2016). Psychological Therapy for Psychogenic Amnesia: Successful Treatment in a Single Case Study. Neuropsychological Rehabilitation, 26 (3), 374 – 391. http://dx.doi.org/10.1080/09602011.2015.1033431
  18. Degun – Mather, Marcia (2002). Hypnosis in the Treatment of a Case of Dissociative Amnesia for a 12 – year period. Contemporary Hypnosis, 19 (1), 33 – 41.
  19. Harvard Mental Health letter. Harvard Medical School. Falling Apart: Dissociation and its Disorders, 21 (7), January 2005.
  20. Kikuchi, Hirokazu, Fujii, Toshikatsu et al. (2009). Memory Repression: Brain Mechanisms Underlying Dissociative Amnesia. Journal of Cognitive Neuroscience, 22 (3), 602 – 613.
  21. Koriat, Asher, Goldsmith, Morris, & Ponsky, Ainat (2000). Toward a Psychology of Memory Accuracy. Annual Review Psychology, 51, 481 – 537. annualreview.org
  22. Kloet, Dalena, Merckelbach, Harald, Giesbrecht, & Lynn, Steven J. (2012). Fragmented Sleep. Fragmented Mind: The off sleep in Dissociative Symptoms. Perspective on Psychological Science, 7 (2), 159 – 175. https://www.jstor.org/stable/41613553
  23. MacDonald, Kai, & MacDonald, Tina (2009) Peas, Please: A Case Report and Neuroscientific Review of Dissociative Amnesia and Fugue. Journal of Trauma and Dissociation, 10, 420 – 435. org/10.1080/15299730903143618
  24. Manteiga, Tatay A., Sopena, Laguna L., Diez- Canseco, Lloret M., Magan, Marino T., Diez, Cepada S., & Martine, Blanza V. (2020). Post- Traumatic Stress Disorder Associated to Long- Term Dissociative Fugue. A Case Study. AUB, Clinicalkey.com, Elsevier.
  25. Marcopulos, Bernice A., Hedjar, Laysa, & Arredendi, Beth C. (2016). Dissociative Amnesia or Malingered Amnrsia? A Case Report. Journal of Forensic Psychology Practice, 16 (2), 106 – 117. https://doi.org/10.1080/15228932.2016.1142782
  26. Markowitch, H. & Staniloiu, A. (2015). Neurological Changes in Dissociative Amnesia. Journal of the Neurological Sciences, 357, 215- 234. Doi:10.1016/j.jns.2015.08.775
  27. Pope, Harrison G., Barry, Steven, Bodkin, Alexander, & Hudson, James (2007). Reply. Psychotherapy Psychosomatic, 76, 401- 403. Doi:10.1159/000107571
  28. Reber, Arthur S. (1995). Dictionary of Psychology. London. Penguin Books.
  29. Reisberg, Daniel (2019). Cognition, 7th Ed. New York & London. W.W. Norton 86
  30. Reisberg, Daniel, & Hertel, Paula (2004). Memory and Emotion. Oxford & New York, Oxford University Press.
  31. Rubin, David (2006). The Basic Systems Model of Episodic Memory. Perspectives on Psychological Science, 1(4), 277 – 311. https://www.jstor.org/stable/40212174
  32. Surprenant, Aimee, & Neath, Ian (2009). Principles of memory. New York. Taylor and Francis Group.
  33. Wolf, Molly R., 86 Nochajski, Thomas H. (2013). Child Sexual Abuse Survivors with Dissociative Amnesia: What’s the Difference? Journal of Child Sexual Abuse.22. 462- 480. Doi:10.1080/10538712.2013.781094

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.