واقع التنمية البشرّية في جرد منطقة دير الأحمر

0

واقع التنمية البشرّية في جرد منطقة دير الأحمر

“مزرعة بو صليبيّ أنموذجًا”

د. صلاح أبوشقرا*

محتوى البحث:

* المقدمة.

1 – الواقع السكّانيّ.

2 – الحالة الاجتماعيّة والمعيشيّة.

3 – مؤشّر التنمية البشرّية.

* خلاصة الدراسة.

المقدمة:

تعدّ منطقة دير الأحمر واحدة من المناطق الأربع[1]، التي يتكوّن منها قضاء بعلبك، التي خصّصت بمركز نفوس، في بلدة دير الأحمر، الذي تتبع إليه مجموعة من القرى والبلدات الشيعيّة والمارونيّة، والمختلطة. وكلّ من تلك المناطق الأربع باتت مشروع قضاء، منذ دمج قضاءي بعلبك والهرمل في محافظة مستقلّة، هي بعلبك الهرمل.

أمّا مزرعة بو صليبيّ فهي قرية جرديّة تابعة عقاريًّا لبلدة بتدعي، إحدى البلدات المارونيّة في منطقة دير الأحمر، التي تقع إلى غرب من بلدة دير الأحمر. وقد تمّ اختيار هذه القرية للدراسة لأسباب عدّة، أبرزها أنّها جرديّة، تبعد عن بلدة دير الأحمر السائرة على طريق التمدّن، جغرافيًّا، وكذلك اجتماعيًّا، ومن ثمّ فهي تعبّر عن القرية القديمة بعاداتها وتقاليدها، كما بنشاطها الاقتصاديّ، ولا سيّما الرعي والزراعة.

يهدف هذه البحث إلى دراسة واقع التنمية البشرّية والوضع المعيشيّ للسكان الدائمين، في مزرعة بو صليبيّ، التي تمثّل جرد دير الأحمر، ومن ثمّ التحقّق من مدى تأثير الانتماء الطائفيّ والمذهبيّ في توزيع الخدمات الحكوميّة، وتأثير ذلك على مستوى التنمية البشرّية في المناطق اللبنانيّة. وفي هذا المجال لا بدّ من مقارنة نتائج هذه الدراسة بقريناتها في المنطقة نفسها، وكذلك على المستوى الوطنيّ.

تتلخّص إشكاليّة الدراسة بالسؤال التالي: أيّها أكثر تأثيرًا في الواقع السكّانيّ ومستوى التنمية البشرّية في بلدات وقرى محافظة بعلبك الهرمل، الانتماء الطائفيّ والمذهبيّ أم البعد الجغرافيّ عن المركز؟ أمّا فرضيّات الدراسة فهي أنّ للبعد الجغرافيّ عن المركز تأثيرًا يفوق الانتماء الطائفيّ والمذهبيّ إلى المنطقة، على الرغم من تأثير هذا الأخير في سهولة توظيف المسيحيّين في المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة لضرورة تحقيق “التوازن والمناصفة”، وهو ما ينعكس على الحالة المعيشيّة، ومن ثمّ التنمية.

اعتمد في هذه الدراسة منهجين علميّين، وهما الوصفيّ – التحليليّ، والكمّيّ – الإحصائيّ، وهما يكمّلأنّ بعضهما لجهة وصف الحالة الاجتماعيّة والاقتصاديّة في القرية، وتحليل ما توصّلت إليه الدراسة من نتائج مبنيّة على المعطيات الإحصائيّة. كما استندت هذه الدراسة إلى مسح ميدانيّ شامل، من خلال استمارة استبيان شملت كلّ المساكن المأهولة في القرية، والبالغ عددها خمسين. وقد تمّ استثناء عشرة مساكن، وهي غير مأهولة بصورة دائمة.

تعالج الدراسة ثلاثة محاور هي: الواقع السكّانيّ في مزرعة بو صليبيّ، الحالة الاجتماعيّة والمعيشيّة للسكان، ومؤشّر التنمية البشرّية لمجتمع القرية، وتختتم بعرض رؤية مستقبلية للسكان والتنمية في القرية .

1 – الواقع السكّانيّ في مزرعة بو صليبيّ

يعالج هذا المحور عدة مسائل، وهي الأصول الجغرافيّة لسكان القرية، عدد المساكن والسكان المقيمين، النموّ الطبيعيّ وخصوبة السكان، إضافة إلى التركيب العمريّ والنوعيّ للسكان، والعوامل المؤثّرة في كلّ منها، فضلًا عن نتائج ذلك الواقع السكّانيّ على الحالتين الاجتماعيّة والاقتصاديّة لأبناء القرية.

1 – 1: الأصول الجغرافيّة للسكان

تندرج حركة النزوح من قرى أقضية بشرّي، البترون، وجبيل، باتّجاه منطقة دير الأحمر، ضمن هجرات الرعيان في فترات متفرّقة من السفوح الغربيّة للسلسلة الغربيّة، وهي تحديدًا من نواحي بشرّي والعاقورة[2] باتّجاه السفوح الشرقيّة المطلّة على الجزء الشماليّ من سهل البقاع. يشكّل القادمون من هاتين الناحيتين نحو ثلاثة أرباع سكان منطقة دير الأحمر[3]، أي بلدة الدير، والقرى،  والبلدات المجاورة لها. وإنّما هذا التفسير لا يمنع من افتراضات أخرى لذلك النزوح الجماعيّ الكبير.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ حركات السكان باتّجاه منطقة دير الأحمر لم تقتصر على الرعيان فحسب، بل شملت أيضًا المزارعين، وفي هذا المجال لا بدّ من التوقّف عند ما توصّل إليه غازي جعجع[4]، أنّ محدوديّة الإنتاج الزراعيّ في بشرّي، بسبب وعورة الأراضي، كان عاملًا أساسيًّا لهجرة العائلات البشرّويّة إلى منطقة دير الأحمر الوفيرة السهول والإنتاج.

كما لا بدّ من الإشارة إلى الأسباب الدفاعيّة، التي ارتأى وجهاء الموارنة في بشرّي والعاقورة ضرورتها لحماية بلداتهم المهدّدة بالغزو من الشرق، أي من جهة البقاع. وهكذا قرّروا تشكيل خطّ دفاع أوّل في المنطقة المتاخمة لحدودهم، وهي تحديدًا بلدة دير الأحمر حاليًا[5]. وما يؤكّد صحّة هذه الفرضيّة هو ما تعرّض له سكان بلدات جبة بشرّي وقراها من هجمات شرسة عبر السلسلة الغربيّة، وأبرزها وأشدّها فتكًا سنة 1283 عندما هاجم التركمان بأمر من المماليك جبة بشرّي، فهدموا قلعة إهدن ودمّروا حدث الجبة، وأسروا البطريرك البنهراي المقيم فيها[6].

أمّا بالنسبة إلى سكّان مزرعة بو صيلبي، فغالبيّتهم، نحو 80%[7] من آل الغصين، وكما يجمع كبارهم فقد نزح أجدادهم إلى ما يعرف اليوم بمزرعة بو صليبيّ[8]، قادمين من بلدة حدث الجبة في قضاء بشرّي، التي ما زالت تسكنها فروع العائلة التي لم تنزح إلى البقاع. وهو نزوح لأسباب اقتصاديّة بشكل أساسيّ[9]، شأن معظم النازحين إلى منطقة دير الأحمر. والأرجح أنهم قد وفدوا في مرحلة متأخرة إلى المقلب الشرقيّ، وهو ما يفسر استقرارهم في المنطقة الجرديّة، على ارتفاع 1200 مترًا فوق سطح البحر.

1 – 2: حجم السكان المقيمين

بلغ عدد المساكن الإجماليّ في القرية 66 مسكنًا، لكن المأهولة بصورة دائمة هو 50. وعدد المقيمين فيها هو 173 نسمة، 97 من الذكور، و76 من الإناث، يضاف إليهم النازحون من المساكن المأهولة بصورة دائمة، ويصل عددهم لنحو 38 شخصًا[10]. وإذا ما أضيف النازحون من المساكن الخمسين المأهولة إلى عدد المقيمين بصورة دائمة يصل العدد الإجماليّ لسكان تلك المساكن إلى 211 نسمة. وهو ما يسمح بتقدير إجماليّ نسبة النازحين من القرية كما يلي:

معدّل الأشخاص في المسكن = إجماليّ عدد السكان/ عدد المساكن

وبالتالي فإنّ معدّل الأشخاص في المسكن = 211/ 50 = 4.22 شخصًا في كلّ المسكن. ومن ثمّ يقدر إجماليّ عدد السكان، من مقيمين ونازحين كما يلي:

إجماليّ عدد السكان = معدّل الأشخاص في المسكن × إجماليّ عدد المساكن

وبالتالي فإنّ إجماليّ عدد السكان = 4.22 × 66 = 278 نسمة.

وهكذا يتّضح أنّ:

 نسبة النازحين من البلدة = عدد النازحين × 100/ إجماليّ عدد السكان

وعدد النازحين = إجماليّ عدد السكان – عدد المقيمين الدائمين = 278 – 173 = 105 شخصًا.

وبالعودة إلى نسبة النازحين من القرية، فهو يساوي 105 × 100/ 278 = 37.8% من مجمل السكان، وهي نسبة ليست كبيرة قياسًا للقرى والبلدات التي تشهد نزفًا سكّانيًّا. هذا بالنسبة للسكان، أمّا بالنسبة إلى المساكن، فتلك المهجورة لا تزيد على 16، أي نحو ربع إجماليّ المساكن.

1 – 3: النموّ الطبيعيّ للسكان

يدرس هذا الجزء معدّلي الولادات والوفيّات، إضافة إلى معدّل الخصوبة الكلّيّة، من خلال تحديد العوامل المؤثّرة في كلّ منها، وتأثيرها على التركيب العمريّ للسكان ونسبة الإعالة.

1 – 3 – 1: معدّل الولادات

شهدت القرية ارتفاعًا في معدّل الولادات، وهو ناتج عن الزواج المبكّر وتدنّي المستوى التعليميّ كما سيتبيّن من الدراسة في المحاور التالية. وقد حصل 11 ولادة حيّة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وهو ما أتاح احتساب معدّل الولادات كما يلي:

معدّل الولادات = 11×100/ 173 = 6.35

لتالوصلنهضة العربي                ثمّ يقسم على 3 (لأنّ الولادات احتسبت لآخر ثلاث سنوات)[11].

معدّل الولادات = 6.35/3 = 2.12%

 

 

وهو معدّل يقارب مثيله في قرية زغرين في جرد الهرمل[12]. وقد يكون التدنّي النسبيّ في متوسّط الأعمار في القرية البالغ 33.8 سنة[13] أحد الأسباب التي أسهمت في الارتفاع النسبيّ لمعدّل الولادات، إضافة إلى عاملي تدنّي المستوى التعليميّ، والزواج المبكّر. وفي هذا السياق يبين الجدول – 1 أنّ نحو ربع الإناث تزوّجن قبل الثامنة عشرة، ونحو 58.2% تزوّجن قبل الثانية والعشرين. وهي نسب متقاربة مع مثيلاتها في قرية زغرين الهرمليّة، التي لم تتعدّ نسبة المتزوّجات قبل الثامنة عشرة 18%، وقبل الثانية والعشرين نحو 64%. كما أن نسبة المتزوّجات بعد الثلاثين بلغت في زغرين نحو 15%[14]، مقابل 2.3% في مزرعة بو صليبيّ.

أمّا بالنسبة إلى الذكور فقد بيّنت الدراسة الميدانيّة أنّ نسبة المتزوّجين بعد الثلاثين في مزرعة بو صليبيّ لا تتعدّى 30.7%، مقابل 46% في قرية زغرين.

الجدول – 1: السنّ عند الزواج الأوّل في مزرعة بو صليبيّ[15]

إناث ذكور الفئة العمريّة
0 0 دون 15 سنة
23.3 0 15 – 18
34.9 0 19 – 22
34.9 36 23 – 26
4.6 33.3 27 – 30
2.3 30.7 أكثر من 30 سنة
100 100 المجموع

 

يستنتج ممّا تقدّم أنّ الزواج المبكّر ظاهرة مشتركة بين القريتين الجرديّتين الشيعيّة والمارونيّة، لا بل تبيّن  أنّ التأخّر في زواج الذكور نسبته مرتفعة في زغرين ومنخفضة في مزرعة بو صليبيّ. وهو ما انعكس تقاربًا إلى حدّ التطابق في معدّل الولادات، وكذلك انعكس على المستوى التعليميّ للسكان، كما سيتبيّن في سياق هذه الدراسة.

معدّل الخصوبة

1 – 3 – 2 : إنّ معدّل الخصوبة الكلّيّة هي حصّة النساء المتزوّجات في الفئات العمريّة (15 – 49 سنة) من الأولاد خلال سنة، وهو ما يعبّر عن مستقبل عدد السكان في المجتمع موضوع الدراسة.

الجدول – 2: معدّل الخصوبة العمريّة في مزرعة بو صليبيّ[16]

معدّل الخصوبة العمريّة بالألف عدد المواليد عدد المتزوّجات أعمار المتزوّجات
0 0  0 15 – 19
0 0 1 20 – 24
666.7 2 3 25 – 29
857.1 6 7 30 – 34
428.5 3 7 35 – 39
0 0 0 40 – 44
0 0 6 45 – 49
1952.3 11 24 المجموع

يتمّ التوصّل إلى احتساب معدّل الخصوبة الكلّيّة من خلال تطبيق القاعدة التالية:

معدّل الخصوبة الكلّيّة = (ف) × مج (معدّلات الخصوبة العمريّة)/ 1000

                                                                                                    [17]

معدّل الخصوبة الكلّيّة[18] = 5 × 1952.3/ 1000 = 9761.5

ثمّ يقسم الحاصل على 3 (لأنّ الولادات احتسبت لآخر ثلاث سنوات)

معدّل الخصوبة الكلّيّة = 3.25

نّيّيساوي 105 × 100 يستنتج مما تقدّم أن معدّل الخصوبة الكلّيّة سنة 2018 في مزرعة بو صليبيّ متوسّط، وهو متقارب جدًا مع مثيله في قرية زغرين البالغة نحو 3.16[19]، وفي كلتا الحالتين فهما يفوقان حدّ التجديد السكّانيّ الذي يساوي 2.1. وهو ما يؤكد أن تلك المعدّلات المتشابهة تستبعد فرضية التمايز الطائفيّ والمذهبيّ، وترجح في هذا المجال التشابه في العادات والتقاليد الريفية، ولا سيّما الجرديّة في قضاءي بعلبك والهرمل، إن لجهة الزواج المبكر، أم لجهة الإنجاب .

1 – 3 – 3: معدّل الوفيّات .

بلغ عدد الوفيّات في السنوات الثلاث الأخيرة نحو أربع حالات، إثنان من الذكور مقابل إثنتان من الإناث، وبالتالي فإن معدّل الوفيّات يحتسب كما يلي:

معدّل الوفيّات = 4 × 100/173 = %2.31

ثمّ يقسم على 3 (لأنّ الوفيّات احتسبت لآخر ثلاث سنوات)

معدّل الوفيّات = 2.31/3 = 0.77%

وهو رقم يفوق نسبيًّا مثيله في قرية زغرين، وذلك على الرغم من تفوّق نسبة المسنين في زغرين على مثيلتها في lزرعة بو صليبيّ، إلا مجتمع زغرين أكثر فتوة حيث متوسّط أعمار المقيمين في القرية 29.32 سنة[20]، مقابل 33.8 سنة، كما مرّ سالفًا. وإنّما نسبته متدنّية بالمقارنة مع باقي المجتمعات، ولا سيّما الريفيّة منها.

أمّا معدّل النموّ الطبيعيّ للسكان فيحتسب كما يلي:

معدّل النموّ الطبيعيّ للسكان% = معدّل الولادات% – معدّل الوفيّات%

= 2.12% – 0.77% = 1.35% .

يدلّ معدّل النموّ الطبيعيّ لسكان مزرعة بو صليبيّ أنّه متباطئ، بحسب المقاييس المعتمدة عالميًّا، أي يتراوح بين 1و2%، وفي هذه الحالة يكون مجتمع مزرعة بو صليبيّ في المرحلة الثالثة على نسق التحوّل السكّانيّ[21]، وهو ما يعرف بمرحلة التزايد السكّانيّ المتأخر Late expanding stage ،كما هو حال مجتمع زغرين، حيث بلغ معدّل النموّ الطبيعيّ للسكان 1.6%. والجدير ذكره هو أنّ الانتماء الدينيّ والمذهبيّ لم يؤثّر في تغيّر عدد السكان بقدر الموقع الجغرافيّ، وهو ما يتّضح بمقارنة معدّل النموّ الطبيعيّ للسكان بين مجتمعين مارونيّين، الأوّل جرديّ – ريفيّ بامتياز في مزرعة بو صليبيّ، والثاني سهليّ – متمدّن نسبيًّا في بلدة دير الأحمر، ففي حين بلغ معدّلي النموّ الطبيعيّ والخصوبة في الأوّل 1.35% و3.25 على التوالي، بلغ في الثاني 0.2%[22] و2.12 [23] على التوالي، وذلك على الرغم من أنّ المعطيات الإحصائيّة لبلدة دير الأحمر ليست حديثة، وكما هو متّفق عليه، فإنّ معدّلي الولادات والخصوبة الكلّيّة في أيّ مجتمع ريفيّ، طارد للسكان، إن لم يتراجعا، يستقرّان دون أي زيادة.

1 – 4: التركيب العمريّ والنوعيّ للسكان

إن التركيب العمريّ للسكان يدل على بنيتهم العمريّة وهو ما يحدد عمر المجتمع، والذي يتراوح بين الفتي والهرم، مرورًا بالمتجه نحو الشيخوخة. كما يمكن من خلال التركيب العمريّ للسكان التعرف على الوضع المعيشيّ والاقتصاديّ للسكان من خلال إمكانية احتساب نسبة الإعالة .

و قد توصّلت الدراسة الميدانيّة إلى أن مجتمع مزرعة بيت بو صليبيّ لم يعد فتيًا، بل دخل مرحلة التحول إذ لم تتجاوز نسبة الفتيان الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة 26% .

1 – 4 – 1: تحليل الهرم السكّانيّ .

من خلال قراءة الهرم السكّانيّ (الشكل – 1) يستنتج أنه هرم متحول، أي في مرحلة النضوج الديموغرافيّ لأنّ قاعدته ضيقة (منحسرة)، ووسطه ممتلئ. ويتضح ذلك من خلال الأرقام التي أتت بها الدراسة، والتي أظهرت أن نسبة الفتيان لا تتعدّى 26%، بالمقابل فإن نسبة البالغين (15 – 64 سنة) بلغت نحو 68.7% من مجمل سكان القرية. أما قمة الهرم ،الذي يمثل الذين تخطوا الخامسة والستين سنة فلا تتجاوز 5.2%. ومن ثمّ فإن مجتمع هذه القرية في أولى مراحل النضوج كون نسبة المسنين تتتراوح بين 5 و10%[24]، وهي نسب ومعدّلات متعارف عليها دوليًا.

65 سنة وأكثر
45- 64 سنة
15-44 سنة
أقل من15سنة

الشكل – 1: الهرم العمريّ والنوعيّ لسكان قرية مزرعة بو صليبيّ – منطقة دير الأحمر[25]

إناث                                               ذكور

كما يتبيّن أنّ هناك تضييق في فئات البالغات الصغار (15 – 29 سنة) ويعود ذلك لانخراط الإناث في الفئات العمريّة (18 – 25 سنة) في الدراسة الجامعيّة، وغالبًا ما ينتقلن إلى السكن خارج القرية في مساكن الطالبات بالقرب من الجامعات في المدن، لا سيّما زحلة وبيروت (الشكل – 2 والشكل – 3). وكذلك لوحظ ارتباط الإناث من تلك الفئات العمريّة، وكذلك اللواتي تعدّين الثلاثين بالعمل خارج القرية، نسبة إلى مؤهّلاتهم العلميّة، وهو ما يحتمّ عليهن الإقامة في المدن لصعوبة التنقل إلى العاصمة وتكلفتها، وخصوصًا بالنسبة إلى الإناث. بالمقابل فإنّ البالغين من الذكور تتدنّى نسبة الجامعيّين منهم، وما يزيد من نسبة المقيمين في القرية مقارنة بالإناث هو انخراطهم بالوظائف العسكريّة، وكما هو معلوم فإنّ نقلهم مؤمن من
مراكز عملهم إلى مناطق سكنهم وبالعكس من خلال حافلات تابعة للمؤسّسات العسكريّة.

الشكل – 2: أسباب النزوح من مزرعة بو صليبيّ[26].

 

الشكل – 3 : نسبة النوع بين النازحين من مزرعة بو صليبيّ[27]

وفي السياق نفسه يتّضح أنّ نسبة الذكورة وسط المقيمين في القرية مرتفعة وهي كما يلي:

عدد الذكور × 100/ عدد الإناث = 97 × 100/ 76 = 127.6 ذكور مقابل كلّ 100 أنثى، وهي نسبة مرتفعة جدًّا قياسًا لمجتمعات أخرى، حيث لم تتجاوز 119 ذكورًا مقابل كلّ 100 أنثى في زغرين.

أمّا بالنسبة إلى اللفئات العمريّة الكبيرة، فقد بيّنت الدراسة الميدانيّة أنّ نسبة الإناث اللواتي تخطّين الخامسة والستين هو خمس، إحداهن تخطّت الثمانين، مقابل أربعة من الذكور، أكبرهم لم يبلغ الثمانين. وهي نتيجة طبيعيّة نظرًا إلى تقدّم أعمار الإناث على الذكور. أمّا بالنسبة إلى الفتيان، الذين تقلّ أعمارهم عن 15 سنة، فمن الطبيعيّ أيضًا تفوّق الذكور على الإناث، ولا سيّما عند الولادة، وهو ما ينعكس تفاوتًا بين النوعين في الفئات العمريّة الثلاث الأصغر. وكذلك فإنّ صغر حجم العيّنة المدروسة لا تعطي الدقّة المطلوبة لجهة نسبة الذكورة، وخصوصًا إن صادف أن ترتفع نسبة الولادات الذكور في سنوات عدّة متتالية ليحدث هذا الفرق الذي حصل في مزرعة بو صليبيّ.

1 – 4 – 2: معدّل الإعالة

بناءً على المعطيات التي تمّ الحصول عليها من خلال الدراسة الميدانيّة أصبح من الممكن احتساب نسبة الإعالة الكلّيّة Rapport de Dependance، التي تطبق كما يلي[28]:

نسبة الإعالة = عدد الفتيان (دون 15 سنة ) + عدد المسنين (65 سنة وما فوق) * 100/ عدد البالغين (15 – 64 سنة)

وعند تطبيق القاعدة أعلاه يتبيّن أنّ نسبة الإعالة الكلّيّة = 45.4%. ومن ثَمَّ فهي أقلّ من نظيرتها في جرد الهرمل البالغة 63.9%[29]، ويعود ذلك إلى تفوّق نسبة الفتيان في زغرين بالمقارنة مع مزرعة بو صليبيّ، وبالتالي فإنّ نسبة إعالة الفتيان هي التي أبرزت ذلك الفارق، أما نسبة إعالة المسنين فتكاد تكون متطابقة. والأرجح أن ذلك التفوق في نسبة الفتيان يعود إلى تفوّق معدّلات الخصوبة والولادات في زغرين في السنوات العشر، التي سبقت الدراستين.

أمّا بالمقارنة مع مجتمع دير الأحمر، فالعكس هو الصحّيّح، إذ تتفوّق نسبة الإعالة الكلّيّة لتبلغ 54.2%، وإنّما بسبب ارتفاع نسبة إعالة الكبار، الذي بلغ 14.6%[30] مقابل 7.5% في مزرعة بو صليبيّ. وهو مرتبط بما تمّ عرضه من اختلاف ديموغرافيّ بين المجتمعين، إضافة إلى تفوّق معدّل النزوح والهجرة من دير الأحمر على مثيله في مزرعة بو صليبيّ.

2 – الحالة الاجتماعيّة والمعيشيّة

يتناول هذا المحور من الدراسة الحالة الاجتماعيّة لمجتمع قرية مزرعة بو صليبيّ، وحصره بالمجالين الصحّيّ، والتعليميّ. ويدرس هذا المحور كذلك الوضع المعيشيّ لسكان القرية.

2 – 1: الحالة الصحّيّة

سيتمّ تقييم الوضع الصحّيّ في هذه الدراسة من خلال معدّل أمد الحياة. وفي هذا السياق بيّنت الدراسة الميدانيّة أن متوسّط أعمار المتوفين في مزرعة بو صليبيّ في السنوات الثلاث الأخيرة هي 71 سنة للذكور، و73 سنة للإناث، أي بمعدّل عام 72 سنة. وهو على الرغم من أنّه يقلّ عن معدّل العمر المتوقّع عند الولادة على الصعيد الوطنيّ بنحو سبع سنوات ونصف، حيث بلغ 79.5 سنة 2015[31]، إلاّ أنّه من المعدّلات الأعلى في المناطق الريفيّة، وعلى وجه الخصوص في القرى والبلدات الجرديّة في محافظة بعلبك الهرمل، حيث لم يتعدَّ 65.25 سنة في قرية زغرين الهرمليّة[32]. ويعود ذلك للضمان الصحّيّ الذي وفّرته الوظيفة، ولا سيّما الرسميّة منها، التي تغطّي تكاليف الاستشفاء والدواء بنسب أقلّها 90%. وهو ما يسهم في متابعة العلاج وشراء الأدوية، الأمر الذي يبعد أخطار تفاقم الأوضاع الصحّيّة والوفيّات في أعمار مبكرة، طبعًا باستثناء الأمراض المستعصيّة، التي تحتّم نهاية المريض، على الرغم من استشفائه. وفي السياق ذاته بيّنت الدراسة الميدانيّة أنّ أكثر من ثلثي سكان القرية مضمونين صحّيًّا (الجدول – 3)، وهو ما يفسّر الارتفاع النسبيّ لمتوسّط أعمار المتوفّين.

الجدول – 3: توزيع سكان مزرعة بو صليبيّ على فروع الضمان الصحّيّ[33].

النسبة المئويّة عدد الأفراد نوع الضمان الصحّيّ
7.5 13 تعاونيّة موظّفي الدولة
8 14 الضمان الاجتماعيّ
47.4 82 الطبابة العسكريّة
5.7 10 ضمان خاصّ
31.4 54 غير مضمون
100 173 المجموع

 

 

 

 

 

 

 

 

يستنتج ممّا تقدّم، أنّ بُعد المسافات بين قرية بو صليبيّ وأقرب المدن البقاعيّة التي توجد فيها مستشفيات كبعلبك وزحلة، لم يُعِقْ استشفاء السكان، وارتفاع متوسّط أعمار المتوفّين جاء ليؤكّد تلك الفرضيّة. وهكذا يتّضح أنّ الضمان الصحّيّ هو الأكثر تأثيرًا من العوامل العديدة الأخرى، ومنها العوامل الجغرافيّة.

2 – 2: الحالة التعليميّة

         يستخلص من الدراسة أنّ المستوى التعليميّ في مزرعة بو صليبيّ وإن شهد تحسّنًا إلاّ أنّه ما زال دون الحدّ الأدنى، وخصوصًا أنّ القرية تفتقد إلى المدرسة، ومن ثَمَّ تبيّن أنّ طلاّب القرية يتوزّعون على قرى الجوار وبلداته (الجدول – 4 ).

الجدول – 4 :توزيع طلاّب قرية بو صليبيّ على مدارس البلدات[34]

78 35 دير الأحمر
16 7 حدث بعلبك
6 3 شليفا
100 45 المجموع

 

ومن ناحية ثانية، فقد بيّنت الدراسة الميدانيّة أنّ الأكثريّة الساحقة من الذين لم يكملوا تعليمهم عزوا السبب إلى عدم توفّر وسائل النقل إلى المدارس في البلدات المجاورة، أم لتدنّي المستوى المعيشيّ والاضطرار لترك الدراسة والالتحاق في ميدان العمل لمساعدة الأهل. وهكذا فقد بلغت النسبة العامّة للأمّيّة، للذين تزيد أعمارهم على 15 سنة، 22.65%[35]. والجدير بالذكر هو تفوّق معدّل الأمّيّة للذكور في مزرعة بو صليبيّ، الذي بلغ 25.35%، على مثيله في قرية زغرين، الذي لم يتعدَّ 16.1%. وهو ما يدلّ على أنّ الإهمال والتهميش هو خطأ أصاب جميع الأرياف، وعلى وجه الخصوص البعيدة منها، وليس له هُويّة طائفيّة أم مذهبيّة.

من جهة ثانية، فإنّ المفارقة تكمن في تراجع معدّل الأمّيّة للإناث في القرية، الذي لم يتجاوز 19.3%، بالرغم من أنّ الشائع هو العكس. ويبدو أنّ تأخّر سنّ الزواج، وتطوّر النظرة إلى المرأة، وتقدير أهمّيّة دورها في المجتمع كان السبب الرئيس في الإقبال على تعليم الإناث، بل وتشجيعهنّ على متابعة التحصيل لبلوغ المرحلة الجامعيّة.

وفي السياق ذاته بيّنت الدراسة الميدانيّة أنّ المتوسّط العامّ لسنوات الدراسة في القرية بلغ 6.6 سنوات[36]، وهو لا يزيد كثيرًا على مثيله في دير الأحمر، قبل 17 عامًا. كما يقلّ عن متوسّط سنوات الدراسة على المستوى الوطنيّ، الذي بلغ 8.4 سنوات سنة 2015[37]. والجدير بالذكر، هو عدم وجود أيّ تسرّب مدرسيّ في المرحلتين الابتدائيّة (الحلقتان الأولى والثانية)، والمتوسّطة[38]. وهو ما يبشّر بتحسّن مستقبليّ في المستوى التعليميّ لسكان القرية.

2 – 3: الحالة الاقتصاديّة والمعيشيّة

سيتمّ اعتماد المداخيل ومصادرها كأساس لتقييم الحالة المعيشيّة لسكان مزرعة بو صليبيّ. وفي هذا المجال بيّنت الدراسة الميدانيّة أنّ الدخل الرئيس لسكان القرية هو الوظيفة الرسميّة، وخصوصًا، الوظائف العسكريّة في مؤسّسات الجيش، قوى الأمن الداخليّ، والأمن العامّ. حيث بلغت نسبة العاملين في القوى المسلّحة نحو ربع القوى العاملة، وأكثر من الثلث يعمل في القطاع الأوّل، الزراعة بشكل أساسيّ، والرعي بالمرتبة الثانية (الجدول – 5). ومن ثَمَّ فإنّ نحو ثلثي القوى العاملة يعمل في القطاعين السالفي الذكر.

تجدر الإشارة إلى أنّ نحو ثلث العاملين في الزراعة هم إمّا متقاعدين من الوظيفة العسكريّة، أم ما زالوا في الخدمة الفعليّة، وهو ما أدى إلى زيادة نسبيّة في المداخيل السنويّة. كما أن المحصول الأكثر رواجًا في مزرعة بو صليبيّ هو التبغ، وهو من المحاصيل التي تتحمّل المناخ الجافّ السائد في منطقة البقاع الشماليّ. كما أنّ كلفة الري التكمّيّلي لهذا المحصول لا تتعدّى 7% من إجماليّ كلفة إنتاجه[39]، وبالتالي فإنّ إنتاج هذا المحصول يعود بالربح الأكيد على المزارع. ولا سيّما أنّ “إدارة حصر التبغ والتنباك” التابعة للدولة اللبنانيّة التي تسلّم المزارعين رخصًا كلّ سنة، وبموجب كلّ رخصة تتسلّم 300 كيلوغرامًا من التبغ. وفي بعض الحالات يتسلّم المزارع أكثر من رخصة، وهو ما يعود بمردود ماليّ يفيض عن حاجاته في حال كان لديه مصدر آخر للدخل من الوظيفة.

الجدول – 5: توزيع القوى العاملة على فروع النشاط الاقتصاديّ في مزرعة بو صليبيّ[40]

المجموع إناث ذكور نوع العمل
38 20 41.5 الزراعة وتربية الحيوان
6.3 0 7.5 عمل حرّ
9.5 20 7.5 قطاع خاصّ
25.5 20 26.5 وظيفة عسكريّة
3.2 10 2 وظيفة إداريّة/ قطاع عامّ
12.8 30 9.4 تعليم
4.7 0 5.6 تجارة
100 100 100 المجموع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي سياق متّصل، فإنّ بلدة دير الأحمر حصلت على 1000 رخصة سنة 2001، أي إنّ الكمّيّة التي تسلّمتها الدولة وصلت إلى 300 طنّ من التبغ، وبما أنّ الدولة كانت تشتري الكيلوغرام من المزارع بعشرة آلاف ليرة لبنانيّة، فقد بلغت قيمة التبغ الذي اشترته الإدارة من مزارعي دير الأحمر في تلك السنة نحو 3 مليار ليرة لبنانيّة، أي ما يعادل 2 مليون دولار أميركيّ[41].

بناءً على ما تقدّم، فإنّ إجماليّ دخل سكان مزرعة بو صليبيّ البالغ 1001800 دولارًا أميركيًّا[42] هو رقم منطقيّ، يساوي نصف مدخول بلدة دير الأحمر من التبغ وحده، منذ 17 عامًا. ولا سيّما أنّ المزارعين من أبناء القرية لديهم رخص لزراعة التبغ، وهو ما يعزّز مداخيلهم. وهكذا فإنّ معدّل الدخل الفرديّ هو 1001800/ 173 = 5790 دولارًا أميركيًّا. وبالتالي فإنّ المجتمع المقيم في القرية ليس من المجتمعات الفقيرة، بل من متوسّطي الحال، فإنّ دخله الفرديّ يساوي ثلثي معدّل الدخل الفرديّ على المستوى الوطنيّ سنة 2017 [43].

من ناحية ثانية، يعود الارتفاع في معدّل الدخل الفرديّ في قرية جرديّة كمزرعة بو صليبيّ إلى ارتفاع نسبة الموظّفين في القطاع العامّ، بوظائف عسكريّة، إداريّة، وتعليميّة، التي يفوق شاغليها ثلث إجماليّ العاملين (الجدول – 5)، وهم ينعمون برواتب شهريّة دائمة، وبضمان الشيخوخة من خلال الراتب التقاعديّ. وما سهّل على سكان القرية الحصول على الوظائف في القطاع العامّ هو انتمائهم الدينيّ، الذي يتمّ أخذه بالحسبان في التوظيف في الأجهزة الأمنيّة والجيش للحفاظ على التوازن الطائفيّ في تلك المؤسّسات. كما أنّ الأمر اللافت هو شبه انعدام العاطلين عن العمل، وخصوصًا وسط الذكور. وإذا ما تمّ إدراج ربّات المنازل ضمن العاملات لكان معدّل البطالة عند الإناث في أدنى مستوياته.

3 – مؤشّر التنمية البشرّية

إنّ مؤشّر التنمية البشريّة هو المعيار الأساس للوقوف على حقيقة الأحوال الاجتماعيّة والاقتصاديّة لأيّ مجتمع. وبعد الحصول على كلّ المعطيات الإحصائيّة المتعلّقة بتلك المواضيع، أصبح من الممكن احتساب مؤشّر التنمية البشريّة، الذي يستند إلى ثلاثة أبعاد، هي دليل الصحّة، دليل التعليم، ودليل الدخل. ويتمّ تطبيق القاعدة التالية[44] لاحتساب كلّ دليل من تلك المذكورة أعلاه.

دليل البعد = القيمة الفعليّة – القيمة الدنيا/ القيمة القصوى – القيمة الدنيا[45]

3 – 1: دليل الصحّة Health Index

يتمّ التوصّل إلى دليل الصحّة في مزرعة بو صليبيّ، من خلال متوسّط أعمار المتوفّين في القرية، كمعدّل قريب من معدّل العمر المتوقّع عند الولادة، الذي يتعذّر احتسابه بسبب صغر حجم العيّنة السكّانيّة المدروسة. وبالتالي فإنّ دليل الصحّة في مزرعة بو صليبيّ =  = 52/64.2 = 0.809

3 – 2: دليل التعليم  Education Index

يحتسب دليل التعليم من خلال متوسّط سنوات الدراسة لكلّ فرد في القرية، وعلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: دليل متوسّط سنوات الدراسة في مزرعة بو صليبيّ =  0.492

المرحلة الثانية: دليل متوسّط سنوات الدراسة المتوقّع[46] =

المرحلة الثالثة: يتمّ احتساب دليل التعليم الذي يساوي الجذر التربيعيّ لحاصل المرحلتين الأولى والثانية، مقسوم على القيمة القصوى لدليل التعليم. وهي طبّقت على الشكل التالي:

Education Index  = 0.490/0.978 = 0.501

3 – 3: دليل الدخل Income Index

يحتسب دليل الدخل من خلال استخدام اللوغاريتم الطبيعيّ Logarithm (Ln) Natural، وذلك من خلال تطبيق القاعدة التالية[47]:

Ln (Domestic Per Capita) – Ln (100) / Ln (Highest Per Capita) – Ln (100)

Ln 5790 – Ln 100 / Ln 129916 – Ln 100

Income index =

وهكذا فإن دليل الدخل = 0.56

مع احتساب الأدلّة الثلاثة، يبقى أن يتمّ احتساب مؤشّر التنمية البشرّية من خلال تطبيق القاعدة التالية:

دليل التنمية البشريّة =

=    =   = 0.611

يتّضح أنّ قيمة مؤشّر التنمية البشرّية المبيّنة أعلاه تصنف مجتمع مزرعة بو صليبيّ بين المجتمعات ذات التنمية البشرّية المتوسّطة، وبحسب تقرير التنمية البشرّية للعام 2018 فإنّ 0.611 يحلّ في المرتبة 129، من بين 177 دولة، أي في الجزء الأدنى من سلّم مجتمعات الدول المتوسّطة التنمية، الذي يتراوح بين 0.5 و0.799 (الشكل – 4)، وبين المرتبة 71 والمرتبة 155[48].

كما يستنتج أنّ مستوى التنمية البشرّية في جرد دير الأحمر لم يرق إلى ما كانت عليه بلدة دير الأحمر سنة 2001 عندما بلغ مؤشّر التنمية البشرّية في البلدة 0.620 [49]. بالمقابل فإنّ لبنان حلّ في المرتبة 88 وقيمة مؤشّر التنمية البشرّية سنة 2018 تساوي 0.772[50]، أي بين أعلى الدول المتوسّطة التنمية.

الشكل – 4: موقع مجتمع مزرعة بو صليبيّ بين مجتمعات الدول ذات التنمية البشرّية المتوسّطة.

وإن كان مؤشّر التنمية البشرّية في مزرعة بو صليبيّ متوسّطًا، لكنّه بالمقابل يدلّ على مستوى تنمية جيّدة قياسًا على المناطق الريفيّة الأخرى في لبنان، ولا سيّما قرية زغرين التي صنّفت ضمن المجتمعات ذات التنمية البشرّية المتدنّية، حيث لم يتجاوز مؤشّر التنمية 0.454[51].

يستنتج من خلال تحليل أدلّة مؤشّر التنمية البشرّية في قرية بو صليبيّ أنّ موطن الضعف، الذي أدّى إلى تدنّي قيمة المؤشّر هو دليل التعليم، الذي لم يتعدَّ 0.501، الذي يقارب المجتمعات ذات المستوى التعليميّ المتدنّي، وذلك على الرغم من انعدام التسرّب المدرسيّ في المرحلتين الابتدائيّة والمتوسّطة. كما أنّ متوسّط سنوات الدراسة للفرد 6.6 سنوات، وهو متدن نسبيًّا.

أمّا دليلي الصحّة والدخل، فالأوّل مرتفع حيث يفوق 0.8، والثاني مقبول بالنسبة إلى قرية جرديّة، فهو يساوي 0.566، إذ لا يقلّ كثيرًا عن دليل الدخل على المستوى الوطنيّ الذي بلغ 0.620.

الخلاصة

خلصت هذه الدراسة إلى حقيقة مفادها أنّ سياسة إهمال الأطراف البعيدة عن العاصمة، هي سياسة متّبعة منذ عهد الاستقلال حتّى الآن، وهي لا تعزّز طوائف على حساب طوائف أخرى، على الأقلّ منذ تسعينيّات القرن الماضي.

إنّ التركيز على تنمية العاصمة والضواحي القريبة دفعت ثمنه كلّ الأرياف الطرفيّة البعيدة، لأيّ طوائف انتمت. وأتت هذه الدراسة لتبيّن أنّ عددًا من المؤشّرات، والمعدّلات الديموغرافيّة جعلت مزرعة بو صليبيّ، القرية المارونيّة في جرد دير الأحمر، تشبه إلى حدّ كبير قرية زغرين، الشيعيّة في جرد الهرمل. وفي الوقت نفسه لا تشبه بلدة دير الأحمر المارونيّة، القريبة منها.

وما يؤكّد على هذا الواقع أنّ هناك اعتراض من مسيحيّي الأطراف، من أقاصي عكار إلى آخر الجنوب، فإلى جرد بعلبك الغربيّ، والشرقيّ، على الإهتمام المتزايد في تأمين الخدمات والرفاهيّة لمسيحيّي العاصمة والمناطق المحيطة بها في ساحلي المتن وكسروان، وإهمال المناطق المسيحيّة في الشمال وعكار والبقاع والجنوب. وهو ما يدلّ بدوره على أنّ الحرمان طال المسيحيّين والمسلمين على السواء.

بالمقابل فإنّ سياسة التوازن الطائفيّ في التوظيف في مؤسّسات الدولة، ولا سيّما العسكريّة والأمنيّة منها، استفاد منه مسيحيّو الأطراف، وخصوصًا أنّ تلك الوظائف ليست من أولويّات مسيحيّي المركز الذين يتمتّعون بكفاءات علميّة ومهنيّة تخوّلهم شغل وظائف كبيرة في القطاع الخاصّ، وحتّى بإمكانهم تأسيس أعمال خاصّة بهم كونهم من عائلات مترسملة وقادرة على ذلك. وهكذا يمكن اعتبار قرية مزرعة بو صليبيّ أنموذجًا، ففيها الوظائف الرسميّة، والرواتب، التي تعزّزها المداخيل من الإنتاج الزراعيّ، وبشكل أساسيّ من زراعة التبغ. هذا ما يفسّر الارتفاع النسبيّ لمعدّل الدخل الفرديّ في البلدة مقابل ارتفاع معدّل الأمّيّة وتدنّي متوسّط سنوات الدراسة للفرد.

وكذلك فإنّ تفوّق معدّل الخصوبة الكلّيّة في مزرعة بو صليبيّ على مثيله في زغرين إنّما يدلّ على سمات مشتركة بين المجتمعين لجهة تدنّي المستوى التعليميّ، وعادات التشجيع على الإنجاب والزواج المبكّر.

أخيرًا، وبعد التأكيد على تهميش الأرياف البعيدة وإهمالها، فإنّ سياسة الإنماء المتوازن بين المناطق أصبحت ملحّة وضروريّة لسد الثغرات كافّة والإنفاق المتوازن بين المناطق الريفيّة والمدن، وهو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة الاجتماعيّة.

المراجع والمصادر العربية والأجنبية .

1 – أبوشقرا، صلاح – التغيّرات الديموغرافيّة والتنمويّة في جرد الهرمل، قرية زغرين أنموذجًا – بحث منشور في أوراق ثقافية، مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – العدد صفر – بيروت شتاء 2019.

2 – أبوشقرا، صلاح عصام – منطقة البقاع الشماليّ، دراسة في جغرافيّة التنمية البشرّية – أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراه في الآداب من قسم الجغرافيّا في جامعة بيروت العربيّة – بيروت 2006.

3 – أبوشقرا، صلاح عصام – النزوح عبر سلسلة جبال لبنان الغربيّة وأثره في التوزيع الجغرافيّ للسكان غرب محافظة بعلبك الهرمل – بحث نشر في مجلّة “المنافذ الثقافيّة” – العدد 22 – بيروت ربيع 2018.

4 – أبو عيانة، فتحي محمّد – جغرافيّة السكان – دار النهضة العربيّة – بيروت 1986.

5 – أبو عيانة، فتحي محمّد – مدخل إلى التحليل الإحصائيّ في الجغرافيّا البشريّة – دار النهضة العربيّة – بيروت 1986.

6 – بريسا، رولان– الديموغرافيا الإحصائيّة – ترجمة حلا نوفل رزق الله – المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع – ط: 1 – بيروت 1993.

7 – بعلبكيّ، أحمد – محاولات في التنمية الريفيّة والمجتمع المحلّيّ في لبنان – دار الفارابيّ – بيروت 1994.

8 – جعجع، غازي إ. تاريخ بشرّي الحديث 1415 – 1920 . بشاريا للنشر. بيروت 1994.

9 – الصليبيّ، كمال – الموارنة، صورة تاريخيّة – دار نلسن – ط: 1 – بيروت 2011.

10 – فاعور، تانيا – التنمية البشريّة المستدامة والتخطيط في المنطقة العربيّة – دار المؤسّسة الجغرافيّة – بيروت 2014. 11– فياض، هاشم نعمة – نظريّة التحوّل الديموغرافيّ، المفهوم والتطبيق: دراسة تحليليّة مع إشارة خاصّة إلى الدول العربيّة – بحث منشور في مجلّة عالم الفكر – العدد: 1، المجلّد: 41 – يوليو، سيبتمبر 2012.

12 – كرم، عصام فريد. تاريخ دير الأحمر، منطقتها  وعائلاتها. شركة توش دار. ذوق مكايل 1980.

13 – UNDP – Human Development Report – 2011.

14 – UNDP – Human Development Report – 2016.

15 – UNDP – Human Development Report – 2018.

16 – World Bank Group – Lebanon GDP Per Capita – 2017.

17 – http://www.deirelahmar.com/

**  أستاذ مساعد في قسم الجغرافيا، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، الجامعة اللبنانيّة، الفرع الأوّل.

[1] المناطق الأربع هي: شمسطار، النبيّ شيت، اللبوة، ودير الأحمر، إضافة إلى مدينة بعلبك، التي خصّص لها مركز نفوس.

 كرم، عصام فريد. تاريخ دير الأحمر، منطقتها وعائلاتها. شركة توش دار. ذوق مكايل 1980. ص: 48 [2]

[3]  تمّ الحصول على هذه الأرقام بالاعتماد على “تاريخ دير الأحمر”، المرجع السابق.

 جعجع، غازي إ. تاريخ بشرّي الحديث 1415 – 1920. بشاريا للنشر. بيروت 1994. ص: 21. [4]

[5] http://www.deirelahmar.com/

[6] الصليبيّ، كمال – الموارنة، صورة تاريخيّة – دار نلسن – ط: 1 – بيروت 2011 – ص: 39.

[7] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[8] سميت مزرعة بو صليبيّ، نسبة للجدّ الأوّل النازح باتّجاه تلك الأرض، التي باتت تحمل اسمه، بو صليبيّ الغصين.

[9] أبوشقرا، صلاح عصام – النزوح عبر سلسلة جبال لبنان الغربيّة وأثره في التوزيع الجغرافيّ للسكّان غرب محافظة بعلبك الهرمل – بحث نشر في مجلّة “المنافذ الثقافيّة” – العدد 22 – ربيع 2018 – بيروت 2018.

[10] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[11] لقد تمّ إحصاء الولادات والوفيّات على مدى ثلاث سنوات بسبب صغر حجم العيّنة المدروسة.

[12] أبوشقرا، صلاح – التغيّرات الديموغرافيّة والتنمويّة في جرد الهرمل، قرية زغرين أنموذجًا – بحث منشور في أوراق ثقافيّة، مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – العدد صفر – بيروت شتاء 2019 – ص: 49.

[13] بيّنت بيّنت الدراسة الميدانيّة نّ مجموع أعمار المقيمين بشكل دائم في القرية هو 5851، وإجماليّ عدد المقيمين 173، وبالتالي فإنّ متوسّط أعمار المقيمين في القرية هو 33.8 سنة.

[14] أبوشقرا – التغيّرات الديموغرافيّة والتنمويّة في جرد الهرمل – المرجع السابق – ص: 52.

[15] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[16] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[17] أبو عيانة، فتحي محمّد – مدخل إلى التحليل الإحصائيّ في الجغرافيّا البشرية – دار النهضة العربيّة – بيروت 1986 – ص: 219.

[18] ف = 5 (عدد السنوات لكلّ فئة عمريّة).

[19] أبوشقرا – التحوّلات الديموغرافيّة والتنمويّة في جرد الهرمل – المرجع السابق – ص: 50.

[20] أبوشقرا – التحوّات الديموغرافيّة والتنمويّة في جرد الهرمل – المرجع السابق – ص: 57.

[21] فياض، هاشم نعمة – نظريّة التحوّل الديموغرافيّ، المفهوم والتطبيق: دراسة تحليليّة مع إشارة خاصّة إلى الدول العربيّة – بحث منشور في مجلّة عالم الفكر – العدد: 1، المجلّد: 41 – يوليو، سيبتمبر 2012 – ص: 241.

[22] أبوشقرا، صلاح عصام – منطقة البقاع الشماليّ، دراسة في جغرافيّة التنمية البشرّية – أطروحة أعدّت لنيل درجة الدكتوراه في الآداب من قسم الجغرافيا في جامعة بيروت العربيّة – بيروت 2006 – ص: 58.

[23] نفس المرجع – ص: 59.

[24] أبو عيانة، فتحي محمّد – جغرافيّة السكان – دار النهضة العربيّة – بيروت 1986 – ص: 405.

[25] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[26] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[27] الدراسة الميدانيّة – 2018.

 

[28]  بريسا، رولان – الديموغرافيّا الإحصائيّة – ترجمة حلا نوفل رزق الله – المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع – ط: 1 – بيروت 1993 – ص: 25.

[29]  أبوشقرا، صلاح – التغيّرات الديموغرافيّة والتنمويّة في جرد الهرمل، قرية زغرين أنموذجًا – بحث منشور في أوراق ثقافيّة، مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – العدد صفر – بيروت شتاء 2019 – المرجع السابق – ص: 54.

[30] أبوشقرا – منطقة البقاع الشماليّ…. أطروحة دكتوراه – ص: 93.

[31] UNDP – Human Development Report – 2016.

[32]  أبوشقرا، صلاح – التغيّرات الديموغرافيّة والتنمويّة في جرد الهرمل، قرية زغرين أنموذجًا – بحث منشور في أوراق ثقافيّة، مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – العدد صفر – بيروت شتاء 2019 – المرجع السابق – ص: 54.

[33] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[34] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[35] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[36] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[37] UNDP – Human Development Report – 2016.

[38] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[39] بعلبكيّ، أحمد – محاولات في التنمية الريفيّة والمجتمع المحلّيّ في لبنان – دار الفارابيّ – بيروت 1994 – ص: 131، 132.

[40] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[41] أبوشقرا – منطقة البقاع الشماليّ…. – ص: 144.

[42] الدراسة الميدانيّة – 2018.

[43] World Bank Group – Lebanon GDP Per Capita – 2017.

[44] فاعور، تانيا – التنمية البشرّية المستدامة والتخطيط في المنطقة العربيّة – دار المؤسّسة الجغرافيّة – بيروت 2014 – ص: 44.

[45]  القيمة القصوى لمعدّل العمر المتوقّع عند الولادة، قد سجّلت في هونغ كونغ، التابعة لجمهوريّة الصين الشعبيّة، سنة 2015، حسب تقرير التنمية البشرّية لسنة 2016. كما أنّ القيمة القصوى لمتوسّط سنوات الدراسة المتوقّع لسنة 2015، قد سجّل في أستراليا، حسب تقرير التنمية البشرّية لسنة 2016. أمّا القيمة القصوى للدخل الفرديّ بين دول العالم، فقد سجّلت في قطر سنة 2015، حسب تقرير التنمية البشرّية لسنة 2016. أمّا القيمة الدنيا فتحدّد أيضًا في تقرير التنمية البشرّية الصادر عن UNDP.

[46] نظرًا إلى عدم توفّر متوسّط سنوات الدراسة المتوقّع لمزرعة بو صليبيّ، يتمّ اعتماد مثيله لدولة بلغ متوسّط سنوات الدراسة للفرد فيها 6.6 سنوات.

[47] UNDP – Human Development Report – 2011.

[48] UNDP – Human Development Report – 2018.

[49] أبوشقرا – منطقة البقاع الشماليّ…. – ص: 284.

[50] UNDP – Loc. Cit.

[51]  أبوشقرا، صلاح – التغيّرات الديموغرافيّة والتنمويّة في جرد الهرمل، قرية زغرين أنموذجًا – بحث منشور في أوراق ثقافيّة، مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – العدد صفر – بيروت شتاء 2019 – المرجع السابق – ص: 65.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.