الصُّورةُ الشِّعريَّةُ بينَ المذهبِ والبلاغةِ والنَّقدِ والمظهرِ

0

الصُّورةُ الشِّعريَّةُ بينَ المذهبِ والبلاغةِ والنَّقدِ والمظهرِ

د. حامد حامد([1])

مقدمة

‏لن تستطيعَ كلُّ الدِّراساتِ النَّقديةِ أَن تَحْصُرَ معنى الصُّورةِ الشِّعريَّةِ ومفهومَها في قالبٍ محدَّدٍ؛ لأَنَّ الصُّورةَ الشِّعريَّةَ، أَو الصُّورةَ الفَنِّيَّةَ الشِّعريَّةَ تكتسبُ خصائصَها، ومفاهيمَها من الإبداعِ الشِّعريِّ. الأَمرُ الَّذي يصعِّبُ مهمَّةَ التَّحديدِ، بخاصةٍ أَنَّ الإِبداعَ الشِّعريَّ بذاتِه يعصى ‏على الحصرِ والتَّحديد؛ ذلك لارتباطِه بكلِّ التجاربِ الذَّاتيةِ للشُّعراءِ، والمبدعينَ على مستوى النَّثرِ والشِّعرِ معًا.

غير أَنَّ ما اتُّفِقَ عليه في مجالِ الدِّراساتِ المتعدِّدةِ، هو الإِجماعُ على الدَّورِ الدَّلاليِّ للصُّورةِ الشِّعريَّةِ بما يحملُ من تأثيراتٍ، وإيحاءاتٍ مشحونةٍ بالعواطفِ الرُّوحيَّة الصَّادقةِ، وبما يبثُّه الشُّعراءُ في الصُّورةِ الشِّعريَّةِ في ذواتِهم، خصوصًا في مجالِ الشِّعرِ الرُّومنسيِّ الغنيِّ بالايحاءاتِ ‏الذَّاتيَّةِ الَّتي تتماهى فيها الصُّورةُ الشِّعريَّة معَ صورةِ الشَّاعرِ ذاتِه.

وقد ارتبطَت دراساتُ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ بدراسةِ الخيال؛لأَنَّ للخيالِ الأَثرَ الأَجلَّ في ابتكارِ الصُّورِ الشِّعريَّةِ عندَ كلِّ أَصحابِ المذاهبِ الأَدبيَّةِ. وقد وردَ الحديثُ عن مفهومِ الخيالِ القديمِ عندَ أَرسطو، والعربِ، والكلاسيكيِّينَ، إذ شكَّلَ المفهومُ القديمُ للخيالِ عقبةً ‏في سبيلِ فَهْمِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ، وفي سبيلِ ميلادِ الشِّعرِ الغنائيِّ الحديث؛ ”‏لأَنَّ الخيالَ والوهمَ شيءٌ واحدٌ عندَ أولئكَ القدماءِ جميعًا، ويجبُ الحذرُ من هذا الكلامِ في الأَدب“([1]). ‏وعليه؛ يمكنُ دراسةُ دورِ الخيالِ في رَسْمِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ وبيانِها انطلاقًا من المدارسِ والمذاهبِ الأَدبيَّةِ، ومدخلًا لتعريفِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ في المصطلح. وقد وعى النُّقَّادُ قَدْرَ الخيالِ، وخطرَه من ناحيةِ الفَهْم؛ لأَنَّ الصُّوَرَ الشِّعريَّةَ بحسبِ الطُّرُقِ الفنِّيَّةِ المتعدِّدَةِ، تختلفُ من مذهبٍ فنِّي إِلى مذهبٍ فنِّيٍّ آخرَ.

‏وَقَدْ ظهرَتِ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ في كتابةِ الشِّعْرِ، وفي الإِبداعاتِ الشِّعريَّةِ على صُوَرٍ متعدِّدةٍ، تميلُ كلُّها إِلى إِبرازِ قيمةِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ على المستوياتِ الخياليَّةِ، والعقليَّةِ، والفكريَّةِ كلِّها ، والَّتي تتوزَّعُ بينَ الصُّورةِ المشهديَّةِ، والصُّورةِ اللَّونيَّةِ، والصُّورَةِ الضَّوئيَّةِ الموجودةِ جميعِها في الأَبياتِ الشِّعريَّةِ من كلِّ قصيدةٍ أَو في القصائدِ الشِّعريَّةِ عامَّةً. وعليه؛ يمكنُ تقسيمُ هذا البحثِ ثلاثةَ أَقسامٍ:

‏         القِسم الأَوَّلُ: الخيالُ ودورُه في الصُّورةِ الشِّعريَّةِ من خلالِ المذاهبِ الأَدبيَّة.

‏         القِسم الثَّاني: الصُّورةُ الشِّعريَّةُ بينَ البلاغةِ والنَّقد.

  • ‏تعريفُ الصُّورةِ الشِّعريَّة.
  • ‏علاقةُ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ بأَنواعِ البلاغةِ: الاستعارة، التَّشبيه….

القِسم الثَّالث: مظاهرُ الصُّورةِ الشِّعريَّة:

  • ‏الصُّورةُ المشهديَّةُ.
  • ‏الصُّورةُ اللَّونيَّةُ.
  • ‏الصُّورةُ الضَّوئيَّةُ.

 

القِسمُ الأَوَّلُ: الخيالُ ودورُه في الصُّورةِ الشِّعريَّةِ

‏إِنَّ دراسةَ الأَدبِ في معانيه الجماليَّةِ، وصلتِه بالخَلْقِ الفنيِّ، والأَصالةِ تدفعُنا إِلى النَّظرِ في العملِ الأَدبيِّ، – بخاصَّةٍ الشِّعرُ منه – بوصفِه وحدةً متكاملةً، والنَّظرِ إِلى موقفِ الشَّاعرِ في تجربتِه. و‏في كلتا الحالتينِ تكونُ طريقةُ التَّصويرِ الشِّعريَّة وسيلةَ جمالٍ فنِّيٍّ من خلالِ التَّأمُّلِ بالصُّورةِ الفنِّيَّةِ الشِّعريَّةِ، ومن خلالِ معنى الخيالِ، وأَثرِه في العملِ الفنِّيِّ بعامَّةٍ، وبالصُّورةِ الشِّعريَّةِ بخاصَّة، وكذلك من خلالِ موقفِ المدارسِ، والمذاهبِ الأَدبيَّةِ، واختلافِ النَّظرةِ إِلى الخيالِ بينَ القديمِ والحديث. ويمكنُ إِبرازُ دورِ الخيالِ استنادًا إِلى مواقفِ هذه المذاهبِ الأَدبيَّةِ على الشَّكل الآتي:

1- ‏المذهبُ الكلاسيكيُّ: لقد وقفَ الكلاسيكيُّون موقفًا سلبيًّا من الخيالِ، وأَثرِه في الصُّورةِ الشِّعريَّةِ، بل حذَّروا منه في الأَدبِ، وفي الأَحاديثِ العامَّةِ لدى أَصحابِ الفلسفةِ العقليَّةِ هؤلاءِ، متَّخذينَ قولَ “لابروويير” الكلاسيكيِّ الفرنسيِّ شعارًا في هذا المضمارِ إِذ يقولُ: “‏يجبُ أَلَّا تحتوي أَحاديثُنا أَو كتبُنا على كثيرٍ من الخيال؛ لأَنَّه لا ينتجُ غالبًا إِلَّا أَفكارًا باطلةً صِبيانيَّةً، لا تُصْلِحُ من شأنِنا، ولا جدوى منها في صوابِ الرَّأيِ أَو قوَّةِ التَّمييزِ أَو السُّموِّ، فيجبُ أن تصدرَ أفكارُنا عن الذَّوقِ السَّليمِ، والعقلِ الرَّاجحِ، وأَن تكونَ أَثرًا لنفوذِ بصيرتِنا”([2]).. ‏وهذا ما يؤكِّدُ أَنَّ بعضَ الكلاسيكيِّينَ كانوا يرونَ الخيالَ قسمةً مشتركةً بينَ الإِنسانِ، والحيوانِ، ويقيِّدونَ الشَّاعرِ بقيودِ نظريَّةِ المحاكاةِ لئلَّا يضلَّ في متاهاتِه”([3]).

‏ولكن كانَ لا بدَّ من وجودِ مناصرينَ لدورِ الخيالِ في بناءِ الصُّورةِ الفنِّيَّةِ الشِّعريَّة. وقد تحقَّقَ أَعظمُ تحوُّلٍ في مفهومِ الخيالِ، ودورِه، وأثرِه في التَّصويرِ الأَدبيِّ‏ على يدِ الفيلسوفِ الأَلمانيِّ “كانت Kant” الَّذي رأَى: “أَنَّ الخيالَ أَجَلُّ قوى الإنسان، وأَنَّه لا غنى لأَيَّةِ قِوى أُخرى من قوى الإِنسانِ عن الخيالِ… وقلَّما وعى النَّاسُ قَدْرَ الخيالِ وخطرَه”([4]).

2- ‏المذهبُ الرُّومانتيكيُّ: يُعَدُّ الرومنتيكيُّونَ ‏من أَصحابِ المذاهبِ الحديثة. وهم يتبعونَ “كانت” في تقديرِ خطرِ الخيالِ، وقد فَهموه فهمًا حديثًا، على “أَنَّه التَّفكيرُ بالصُّورِ بحسبِ طرقٍ فنِّيَّةٍ تختلفُ من مذهبٍ فنيٍّ إِلى مذهبٍ فنيٍّ آخرَ”([5]).

وقد عبَّرَ “وردزورث” أَحدُ الرُّومنتيكيِّينَ الغربيَّينَ عن التَّجربةِ الفنِّيَّةِ في مجالِ رسمِ الصُّورِ الشِّعريَّةِ والأَدبيَّةِ؛ بقولِه: “هي ‏فيضٌ تلقائيٌّ للعواطفِ القويَّةِ، ولكن على أَن يثيرَ الشَّاعرُ آثارَ الانفعالِ في حالةِ طمأنينةٍ، وهدوء. وقد فرَّقَ بينَ الوهمِ والخيالِ، إِذ كرَّرَ خطَرَ الأَوَّلِ، وسموَّ الثَّاني. فالوهمُ سلبيٌّ يغتَرُّ بمظاهرِ الصُّورِ الفنِّيَّةِ والشِّعريَّةِ، ويسخِّرُها لمشاعرَ فرديَّةٍ عرَضيَّة. أَمَّا الخيالُ فهو العدسةُ الذَّهبيَّةُ الَّتي من خلالِها يرى الشَّاعُر موضوعاتِ ما يلحظُه أَصيلةً في شكلِها، ولونِها، وصورتِها”([6]).

‏وكان “وردزورث” من دعاةِ الخيالِ المدعَّمِ بالعاطفةِ، والموهبةِ لرسمِ الصًّورةِ الفَنِّيَّةِ الَّتي تعبِّرُ عن فصاحةِ المشهدِ والموضوعِ في النَّصِّ الأَدبيِّ خصوصًا الشِّعريُّ. وهذا ما أَكَّدَه “كوليردج” ‏في حديثِه عن الصُّورِ الفنِّيَّةِ الشِّعريَّةِ في شعرِ “شكسبير” بالقول: “الصُّوَرُ فيه براهينُ عبقريَّةٍ أَصيلة، وما ذلك إِلَّا لأَنَّها خاضعةٌ في صياغتِها لسيطرةِ العاطفة “([7]).

‏وهكذا نجدُ أَنَّ أَبرزَ من بحثَ في الخيالِ، وأَثرِه في ابتكار الصُّورِ في عهدِ الرُّومانتيكيِّينَ؛ هما: “وردزورث” و”كوليردج”. وكانت عنايتُهما بالبحثِ في الخيالِ الطَّريقَ إِلى العنايةِ بأَثرهِ في الصُّورةِ الفنِّيَّةِ الشِّعريَّةِ، إذ يجدُ الشَّاعرُ صورةَ ذاتِه في كلِّ شيءٍ يصوِّرُه، ويظهرُه في صورِه الشِّعريَّةِ؛ بخاصَّةٍ أَنَّ الفَنَّ بشكلٍ عامٍّ يقتبسُ مادَّتَه من الطَّبيعةِ ليصوِّرَ الأَفكار: “فهو اللُّغةُ التَّصويريَّةُ للفكرِ؛ وإنَّما يمتازُ الفنُّ من الطَّبيعةِ بتوحيدِ جميعِ الأَجزاءِ حولَ صورةٍ ذهنيَّةٍ أو فكريَّةٍ، قد تكونُ هي الصُّورةَ الشِّعريَّةَ نفسَها”([8]).

ويدركُ الشُّعراءُ الرُّومنتيكيُّونَ أَصالةَ الشَّاعرِ في خيالِه على نحوِ ما أَدركَه “شلنج” حينَ أَوضحَ العلاقةَ بينَ الفَنِّ، والطَّبيعةِ وما ينتجُ من هذه العلاقةِ من صورٍ فنِّيَّةٍ شعريَّة. يقولُ “كولوردج” وهو أَوَّلُ المتأثِّرينَ بنظريَّةِ “شلنج”: “إِنَّ سرَّ العبقريَّةِ في الفنونِ إِنَّما يظهرُ في إِحلالِ هذهِ الصُّورِ محلَّها، مجتمعةً، ومقيَّدةً بحدودِ الفكرِ الإِنسانيِّ، كي يُستطاعَ استنتاجُ الأَفكارِ العقليَّةِ من الصُّورِ الَّتي تمتُّ إِليها بصلةٍ، أَو إِضافةُ هذه الأَفكارِ إِليها. وبذا تصيرُ ‏الصُّورُ الخارجيَّةُ أَفكارًا ذاتيَّةً، وتصيرُ الأَفكارُ الدَّاخليَّةُ صورًا خارجيَّةً، فتصبحُ الطَّبيعةُ فكرةً، والفكرةُ طبيعةً”([9]). وهكذا تولَدُ الصُّورةُ الشِّعريَّةِ من التقاءِ الأَفكارِ بالطَّبيعةِ وتبادلِهما، وتحوُّلِهما.

‏وقد اتَّضحَ أَنَّ الشَّاعرَ الرُّومنتيكيَّ يستعينُ على جلاءِ الصُّورِ في الشِّعرِ بالطَّبيعةِ ومناظرِها، وهو يراعي دورَ الخيالِ، وصنوفَ التَّشابهِ‏ الَّتي تربِطُ ما بينَ صورِ الطَّبيعةِ، وجوهرِ الأَفكارِ والمشاعر، والاستفادةِ من محاكاةِ الطَّبيعةِ في إِخراجِ الأَفكارِ الذَّاتيةِ صورًا شعريَّةً طبيعيَّة. “ولكن على أَن يحتفظَ الشَّاعرُ بأصالتِه في البحثِ عن الصُّورِ الطَّبيعيَّةِ الَّتي تمثِّلُ أَفكارَه، وتربِطُ ما بينَها عضويًّا حولَ موضوعٍ واحدٍ وصورٍ شعريَّةٍ محدَّدة.([10])

‏وتمثِّلُ الصُّورُ الشِّعريَّةُ عندَ الرومنتيكيِّينَ ‏مشاعرَ، وأَفكارًا ذاتيَّةً، إِذ يخلِطُ الشَّاعرُ الرُّومنتيكيُّ مشاعرَه ‏بصورِه الشِّعريَّة؛ فيناظرُ بينَ الطَّبيعةِ، وحالاتِه النَّفسيَّةِ، حتَّى تبدوَ ذاتُ الشَّاعرِ في أَشعارِه محورَ تصويرِه، وإِنتاجِه للصُّورِ الشِّعريَّةِ الذَّاتيَّة.

وقد ركَّزَ الرومنتيكيُّونَ ‏على مقولةٍ واحدةٍ، هي أَنَّ الخيالَ وحدَه يستطيعُ أَن يعثُرَ على كلِّ صورِ الأَفكارِ في الطَّبيعة، فَيحاكيها، وينتجُ منها صورَه الفنِّيَّةَ الشِّعريَّة. وقد قَسَّمَ “كوليردج” ‏الخيالَ ‏نوعينِ: ‏الخيالُ الأَوَّليُّ، والخيالُ الثَّانويُّ.

‏أ- الخيالُ الأَوَّليُّ: “‏هو القوَّةُ الحيويَّةُ، والعاملُ الأَوَّلُ في كلِّ إدراكٍ إِنسانيٍّ وهو علميٌّ في وظيفتِه”([11]). ويقابلُه عندَ “كانت” ما يُسمَّى بالخيالِ الإِنتاجيِّ. فكلُّ إِدراكٍ علميٍّ لا بدَّ فيه من هذا النَّوعِ من الخيال.

ب- ‏الخيالُ الثَّانويُّ: ‏هو صدًى للخيالِ الأَوَّليِّ، ويترافقُ دائمًا معَ الوعي الإِراديِّ، ويتَّفقُ معَ الخيالِ الأَوَّليِّ في نوعِ العمل. ولكن “يختلفُ عنه في درجتِه، وطريقةِ عملِه، لأَنَّه يحلِّلُ الأَشياءَ، ويؤلِّفُ بينَها، ويوحِّدُها ويتسامى بها ليخرجَ من كلِّ ذلكَ خلقٌ جديدٌ نسمِّيهِ الصُّورةَ الفنِّيَّةَ الشِّعريَّة”([12]).

3- ‏المذهبُ ‏البرناسيُّ: ‏هو المذهبُ الَّذي يناظرُ‏ في الشِّعرِ المذهبَ الطبيعيَّ أَو الواقعيَّ في كتابة القِصَّةِ أَو المسرحيَّة. ويُعنى المذهبُ البرناسيُّ بالصُّورةِ الشِّعريَّةِ، و‏صياغتِها، ‏ولكنَّه ‏يحتِّم الموضوعيَّة في هذه الصُّور؛ “لأَنَّه قامَ على أَنقاضِ الرُّومنتيكيَّةِ الَّتي كانت تحفلُ دائمًا، وكثيرًا بالفردِ وبمواطنِ الضَّعفِ فيه، والبؤسِ في اعترافاتِه الذَّاتيَّة”([13]).

‏لقد اعتمدَ أَصحابُ المذهبِ البرناسيِّ من الشُّعراءِ على اختيارِ الموضوعاتِ من خارجِ دائرةِ الذَّاتِ الفرديَّة؛ كالصُّورِ، والمناظرِ الطَّبيعيَّة، ومآثرِ الحضاراتِ الغابرةِ، والأَحداثِ، والرُّسومِ، والتَّماثيلِ بقصدِ عرضِ الصُّورِ الشِّعريَّةِ من دونِ اختلاطِها بالعواطفِ، والأَحاسيسِ عندَ الشاعرَ، وبذلك تعبِّرُ هذه الصُّورِ تعبيرًا موضوعيًّا عن آراءِ ‏الشَّاعرِ وأَفكارِه، وعواطفِه؛ “ولهذا لجأَ الشُّعراءُ البرناسيُّونَ إِلى الصُّورِ المجسَّمةِ (البلاستيكيَّة) ليسجِّلوا مظاهرَ الصُّورِ الكلِّيَّةِ للأَشياءِ والموضوعاتِ الَّتي يعالجونَها؛ كأَنَّما هذه الصُّورُ مرآةٌ تعكسُ جوهرَ الأَشياء”([14]). ‏ومن أَهَمِّ القصائدِ الَّتي تنتمي إِلى المذهبِ البرناسيِّ، قصيدةُ “البحيرة” للشَّاعرِ “لو كنت دي ليل” وفيها أَكثرَ من استعمالِ الصُّورِ الغريبةِ (الجزرُ الدَّكناء، والتماسيحُ، والكهوفُ، واللَّحمُ الحيُّ، وتنامُ الصَّحراءُ، والأَرضُ المدمِّرةُ، وغيرُها من الأَلفاظِ الموحشة).

فالصُّورُ الشِّعريَّةُ التَّجسميَّة، والوصفُ الموضوعيُّ يظهرانِ في القصائدِ البرناسيَّة، ولكنَّ التَّصويرَ التَّجسميَّ للصُّورِ الشِّعريَّةِ “لا يقفُ عندَ حدودِ التَّشابهِ الحسِّيِّ بينَ الأَشياءِ، وإِنَّما يهدِفُ إِلى جلاءِ روعةٍ فنِّيَّةٍ أَو أَفكارٍ فلسفيَّةٍ أَو مُثُـلٍ إِنسانيَّةٍ، على القارئ أَن يستشفَّها من وراءِ هذه الصُّورِ الموضوعيَّة” ([15]).

فالصُّورُ الشِّعريَّةُ في القصيدةِ البرناسيَّةِ “تتتالى تجسميَّةً نظريَّةً كأَلوانِ اللَّوحاتِ في الرَّسمِ ، وكأَجزاءِ التِّمثالِ، وينفُذُ الشَّاعرُ من ورائِها إِلى صميمِ الصُّورةِ الكلِّيَّةِ لتصويرِ فكرتِه في موضوعه “([16]).

4- المذهبُ الرَّمزيُّ: أَو المذهبُ الإِيحائيُّ؛ وقد أَتى بعدَ المذهبِ البرناسيِّ الَّذي تعاطى معَ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ المرئيَّة. وقد عابَ الشُّعراءُ الرَّمزيُّونَ على البرناسيِّينَ وقوفَهم عندَ حدودِ الصُّورِ المرئيَّةِ، معَ اعترافِهم بروعةِ اللَّوحةِ الشِّعريَّةِ في أَشعارِهم.

وإِنَّ اقتصارَ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ على التَّجسيماتِ، والمحسوساتِ يمنعُها من الحركةِ، والحيويَّة، والمرونةِ؛ لأَنَّ الصُّورةَ الشِّعريَّةَ بنظرِ الرَّمزيينَ يجبُ أَن تبدأَ بالأَشياءِ المادِّيَّة. وعلى الشَّاعرِ أَن يتجاوزَها ليصلَ إِلى النَّفسِ، ويعبِّرَ عن أَثرِها العميقِ في المناطقِ اللَّاشعوريَّةِ، وهي المناطقُ الغائرةُ في أَعماقِ النَّفسِ البشريَّة. “ولا تَرقى اللُّغةُ إِلى التَّعبيرِ عنها إِلَّا عن طريقِ الإيحاءِ بالرَّمزِ المنوطِ بالحَدْسِ. وفي هذه المناطقِ لا يُعْتَدُّ بالعالمِ الخارجيِّ إِلَّا بمقدارِ ما نتمثَّلُه، ونتَّخذُه منافذَ للخلجاتِ النَّفسيَّةِ الدَّقيقةِ المستعصيةِ على التَّعبير”([17]).

فالصُّورةُ الشِّعريَّةُ الرَّمزيَّةُ ذاتيَّةٌ، وهي على خلافِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ البرناسيَّةِ الموضوعيَّة. وهكذا “تُعَدُّ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ الرَّمزيَّةُ تجريديَّةً تنتقلُ من المحسوسِ إِلى عالمِ العقلِ، والوعي الباطنيِّ، ثمَّ هي مثاليَّةٌ نسبيَّةٌ؛ لأَنَّها تتعلَّقُ بعواطفَ وخواطرَ دقيقةٍ وعميقةٍ تقصرُ اللُّغةُ عن جلائِها”([18]). وتنمازُ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ الرَّمزيَّةُ بما يأتي:

  • شحنُها بالصِّفاتِ الرَّمزيَّةِ الإِيحائيَّةِ للصُّور.
  • استخدامُ “تراسل الحواسِّ” فتعطي المسموعاتِ أَلوانًا، والمشموماتِ أَنغامًا، وتصبحُ المرئيَّاتُ عاطرة. وهذا التَّراسلُ استخدمَه “بودلير” في قصيدةٍ عنوانُها “تراسل” حيثُ يقولُ؛ مثلًا: “الطَّبيعةُ معبدٌ ذو دعائمَ حيَّةٍ، وأَحيانًا تنطِقُ هذه العمدُ؛ ولكنَّها لا تُفصح..”([19]).
  • إِضفاءُ شيءٍ من الغموضِ، والإيهامِ على الصُّورةِ الشِّعريَّةِ، إذ تتحدَّدُ بعضُ معالمِها، لتبقى فيها معالمُ أُخرى ظليلة موحية.
  • غيابُ اللَّهجةِ البيانيَّةِ الخطابِيَّةِ، وغيابُ الوسائلِ التَّقليديَّةِ من سخريَّةٍ أَو تهويل.

لقد ظهرتِ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ الرَّمزيَّةُ في الغربِ على يدِ الكثيرينَ من خلالِ الذَّاتِ المفعمةِ بالصُّورةِ الشَّخصيَّةِ الفرديَّة، وكذلكَ ظهرَت عندَ العربِ في المنحى نفسِه. وتتمثَّلُ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ الرَّمزيَّةُ عند الغربِ بإحدى قصائدِ “رامبو” السَّفينة السَّكرى” الَّتي يَنْعَى نفسَه فيها على لسان السَّفينةِ قائلًا: “حينَ هبطْتُ من الأَنهارِ الرَّتيبةِ الهادئةِ لم أَعدْ أَشعرُ بالبحَّارةِ يجرُّونَني… ‏في الهديرِ الجيَّاشِ للأَمواجِ بين مدٍّ وجَزْرٍ – جريتُ.. وقد باركتِ العاصفةُ يقظاتي البحريَّة”([20]).

ونجد المضمونَ نفسَه عندَ الشُّعراءِ العربِ في قصيدةِ “نشيد السُّكون” للشَّاعرِ “أَديب مظهر” حيثُ يقولُ: [من السَّريع]

‏”أَعدْ على نفسِي نشيدَ السُّكـــون             ‏حلوًا كمُرِّ النَّسَمِ الأَســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــودِ

واستبدلِ الأَنَّاتِ بالأَدمــــــــــــــــــــــــــــــــعِ            واسمع عزيفَ اليأسِ في أَضلعي

واستبقني باللَّـهِ يا منشدي”([21])

ففي القصيدتينِ الغربيَّةِ والعربيَّة نعثرُ على تجاوبِ الحواسِّ، وتراسلِها من خلالِ إِضفاءِ الأَلوانِ على المسموعاتِ، والمشموماتِ، وتشخيصِ التجريديَّاتِ، وتضافرِها على تصويرِ الشُّعورِ العامِّ بالأَسى، والحزنِ، والظَّلام. ويبدو أَنَّ الرَّمزيَّةَ في الصُّورِ الشِّعريَّةِ عندَ الشَّاعرينِ رمزيَّةٌ في المظهرِ، لكنَّها تفتقدُ إِلى روحِ الرَّمزيَّةِ العميقة.

5‏- المذهبُ السُّرياليُّ: ‏أَو مذهبُ ما فوقَ الحقيقةِ. ويُعنى بالصُّورِ الشِّعريَّةِ ذاتِ الدَّلالاتِ النَّفسيَّةِ، وهو أَقربُ المذاهبِ إِلى المذهبِ الرَّمزيِّ.

‏لقد اهتمَّ أَصحابُ المذهبِ السّرياليِّ بالصُّورةِ الشِّعريَّة. وقالوا: إِنَّ الصُّورةَ هي العنصرُ الجوهريُّ للشِّعرِ”([22])؛ لأَنَّها من نتاجِ الخيالِ، وعلى الشَّاعرِ أَن يثقَ بالإلهامِ، ويستسلمَ له، بحيث يستقبلُ هذه الصُّوَرَ الَّتي تنبُعُ من وجدانِه أَكثرَ ممَّا يحاولُ خلقَها بفكرهِ المحضِ عن طريق الشُّعور. وهنا يسهمُ الخيالُ في صياغةِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ السرياليَّةِ، لأَنَّ الخيالَ الجميلَ لا يحتوي على حلِّ المسائلِ؛ ولكنَّه صورةُ المسأَلةِ الَّتي لا تستطيعُ المعارفُ الإِنسانيَّةُ أَن تتجاوزَها. ووظيفةُ الخيالِ أَن ينتجَ الصُّورَ الجميلةَ الَّتي تيسِّرُ للمرءِ أَن يملأَ فراغًا في وجودِه لا سبيلَ إِلى الاستعاضةِ منه إِلَّا بالشِّعرِ، وصورِه الشِّعريَّة. من هنا كانَ على الشَّاعرِ أَن يبحثَ عن الوسيلةِ الَّتي يتوصَّلُ بها إِلى نقطةِ تلاقي حلمِه الشِّعريِّ بالحقيقَةِ، وإلى جلاءِ الصِّلةِ بينَ فكرِه والواقعِ، ليوحيَ في شعرِه إِلى الحقيقة المطلقة”([23]).

‏وفي الصُّورِ الشِّعريَّةِ تتمثَّلُ هذه الوسيلةُ، الَّتي بفضلِها يثبتُ الشَّاعرُ العلاقاتِ الَّتي تصلُ ما بينَ الأَشياءِ والفكرِ، وما بين المحسوسِ والعاطفةِ، وما بينَ المادَّةِ والحلمِ أَو الخيالِ الَّذي يتجاوزُها([24]).

‏وإذا كانتِ الحواسُّ وحدَها هي الَّتي تجيزُ الصَّورَ الشِّعريَّةَ، وتستحسُّها، فإنَّ هذه الصُّورَ لا قيمةَ شعريَّةً لها إِذا انحصرَت في نطاقِ الحواسِّ. وقد حذَّرَ الكثيرونَ من أَصحابِ المذهبِ السُّرياليِّ من التَّكَلُّفِ في صياغةِ الصُّورِ الشِّعريَّةِ بما يُضِرُّ بالأَصالةِ، ويقضي على الدَّلالةِ اللَّاشعوريَّةِ للصُّور. وهذا ما يحرصُ عليه السُّرياليونَ. وهو حدُّ الافتراقِ بينَ السُّرياليِّينَ، والرَّمزيِّينَ؛ لأَنَّ السُّرياليِّينَ يريدونَ أَن يكشفَ الشَّاعرُ بالصُّورةِ عن حالاتِ النَّفسِ السَّاذجةِ الحالمة، كون الصُّورِ الشِّعريَّةِ عندَهم كصورِ الأَحلامِ، وخواطرِ المرضى، لهَا ظاهر؛ ولكن لا بدَّ من تأويلِه بباطنٍ يَشِفُّ هو عنه. لذا فهي تكشفُ أَحيانًا عن الصُّورِ الغامضةِ للنَّفسِ في دقَّتِها وسذاجتِها. ومن وراءِ مثلِ هذه الصُّورِ يصلُ المرءُ إِلى منطقةٍ أَقربَ إِلى اللَّاشعورِ، يسمو فيها على المادَّةِ من خلالِ استنطاقِ الصُّور.

والصُّورُ الشِّعريَّةُ السُّورياليَّةُ يعبَّرُ عنها بجملٍ لا ترتبِطُ إِلَّا بالموضوعِ، ولا يعبأُ فيها بالدَّلالةِ العقليَّةِ المنظَّمةِ، بل بنوعٍ من الإيحاءِ. وأَقوى الصُّورِ عندَهم هيَ الصُّورُ التَّحكميَّةُ المتناقضةُ المتواردةُ على معانٍ يصعُبُ التَّعبيرُ عنها، وتربِطُ ما بينَ الأَشياءِ البعيدةِ ربطًا يحدثُ هزَّةً في العقلِ والحسِّ معًا”([25]). وهنا يرى السُّرياليُّونَ ما يعزِّزُ مزاعمَهم في قولِ “فرويد”: إِنَّ شعراءَنا هم أَساتذتُنا في معرفةِ النَّفس… وبهذا تكونُ الصُّورُ الشِّعريَّةُ السُّرياليَّةُ تمثِّلُ تجربةً نفسيَّةً يعيشُها المرءُ، وتكشفُ عن ‏باطنِه الخبيء.

‏أَخيرًا نجدُ تراكمًا كمِّيًّا، ونوعيًّا في تعريفِ الصُّورةِ الفنِّيَّةِ الشِّعريَّةِ ‏وَفْقَ المذاهبِ الأَدبيَّةِ ‏الَّتي عنيَت بدراسةِ الصُّورةِ الشِّعريَّة. وقد تابعَت مدارسُ ومذاهبُ أُخرى هذا المضمارَ، كالمدرسةِ النَّفسيَّةِ في الأَدبِ، والمدرسةِ الوجوديَّةِ، والمذهبِ التَّعبيريِّ في الشِّعرِ الغنائيِّ. ولكنَّ هذا البحثَ القصيرَ لا يسمحُ بتناولِها.

القِسمُ الثَّاني: الصُّورةُ الشِّعريَّةُ بينَ البلاغةِ، والنَّقد

هي ما ترسمُه للذِّهنِ المتلقِّي كلماتُ اللُّغةِ، شعرًا أَو نثرًا، من ملامحِ الأَفكارِ، والأَشياءِ، والمشاهدِ، والأَحاسيسِ، والأَخيلة. وتكونُ إِمَّا فكرةً نقليَّةً تقريريَّةً ترسمُ معادلَها الحقيقيَّ في أَخصِّ خصائصِ الواقعيَّةِ، وإمَّا معادلًا فنِّيًّا جماليًّا يوحي إِلى الواقعِ، ويومئُ إِليه بأَشباهِه من الرُّسومِ، واللَّوحاتِ عن طريقِ الحشدِ الإِيقاعيِّ، وسائرِ ضروبِ الإيحاءِ البلاغيِّ، والبديعيِّ، والصِّياغاتِ التَّشكيليَّةِ، والتِّقْنِيَّاتِ الأُسلوبيَّةِ، واللُّغويَّةِ المختلفة.

والصُّورةُ في أَبسطِ وصفٍ لها هي تعبيرٌ عن حالةٍ أَو حدثٍ بأَجزائِهما أَو مظاهِرهما المحسوسة: هي لوحةٌ مؤلَّفةٌ من كلماتٍ، أَو هي مقطوعةٌ وصفيَّةٌ في الظَّاهرِ، لكنَّها في التَّعبيرِ الشِّعريِّ توحي إِلى أكثرَ من الظَّاهرِ، وقيمتُها ترتكزُ على طاقتِها الإِيحائيَّةِ الَّتي تفوقُ قوَّةَ الإِيقاعِ، لأَنَّها توحي إِلى الفكرةِ كما توحي إِلى الجوِّ، والعاطفة”([26]).

وكان مصطلحُ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ قد استُعملَ في معانٍ عديدة، “من بينِها الدَّلالةُ الرَّمزيَّةُ، أَو حسنُ التَّأليفِ، أَو الصُّورةُ الخياليَّةُ من خلالِ التَّشبيه، والاستعارة. وفي أَحيانٍ كثيرةٍ كانت تَرِدُ الاستعارةُ رديفًا للصُّورةِ الشِّعريَّةِ، سواءٌ عندَ النُّقَّادِ العربِ أَم الغربيين”([27]).

وقديمًا انبهرَ العربُ كما اليونانُ بشعرِ شُعرائِهم، فراحوا يفسِّرونَ “ظاهرةَ الإبداعِ عندَ الشُّعراءِ بأَنَّها فوقَ طاقةِ البشرِ، وأَنَّ ربَّاتِ الشِّعرِ، وشياطينَه؛ إِنَّما همُ الملهمونَ الحقيقيُّونَ، وأَنَّ لكلِّ شاعرٍ شيطانًا أَو جنِّيًا أَو قوَّةً خارقةً، هي خلفَ نبوغِه، وإبداعِه، وإلهامِه”([28]).

وقد استغلَّ الشُّعراءُ قديمًا الظَّواهرَ الطبيعيَّةَ، وما يتَّصلُ بها من الشِّدَّة، والرَّهبَةِ، والقوَّةِ، وقد كانت تلك الظَّواهرُ ممثَّلةً بالنَّاقةِ، وكثيبِ الرَّملِ، والوَحشِ، والظِّباءِ، وغيرِ ذلك. فغدَتِ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ آنذاك منتزَعَةً من خيالِ الشَّاعرِ المبنيِّ على تلكَ المظاهرِ، كما بدتِ الصُّورُ أَقوى تعبيرًا، وأَكثرَ واقعيَّة؛ لأَنَّها كانت تمَسُّ أُصولَهم، وتُفصِحُ عن تكوينِهم النَّفسيِّ، وتقديسِهم لبعضِ القِوى، ‏والعَادات. وإِذا كانت الصُّورةُ الشِّعريَّةُ محدودةً بحدودِ عالمِ الحواسِّ؛ إِلَّا أَنَّها كانت أَكثرَ دقَّةً في رؤيةِ هذا العالمِ، والانفعالِ به، والاستجابةِ لنبضِه ‏الدَّافقِ، والاهتزازِ بحركتِه الزَّاخرةِ، والاندماجِ التَّامِّ معَ قواهُ العظيمة.

‏وليسَ كلُّ صورةٍ شعريَّةٍ محصورةً في التَّشابيهِ، والاستعاراتِ، وسواها من ضروبِ المجاز؛ لأَنَّ الصُّورةَ أَحيانًا قد توحي إِلى أكثرَ من معناها الظَّاهرِ، حتَّى ولو كانت منقولةً عن الواقع. وهذا ما نلحظُه في أَشعارِ القُدامى الَّتي تزخرُ بالتَّصويرِ، وتتلوَّنُ بينَ واقعيٍّ، وخياليٍّ؛ ومنها: قولُ مجنون ليلى([29]): ‏[من الطويل]:

فَأَصْبَحْتُ مِنْ لَيْلَى الغَدَاةَ كَقَابِضٍ           عَلَى المَاءِ خَانَتْهُ فُرُوْجُ الأَصَابِعِ

وهذا أَبو العلاءِ المعريُّ([30]) يرسلُ صورًا مختزنةً في الذَّاكرَةِ مشحونةً بكثيرٍ من الافتنانِ في التَّمثيل؛ فيقول:[من الخفيف]

لَيْلَتي هَذِهِ عَرُوْسٌ مِنَ الزَّنْــ               ــجِ عَلَيْهَا قَلَائِدٌ من جُمَانِ

هَرَبَ النَّومُ مِنْ عُيُوْنِي فِيْهَا               هَرَبَ الأَمْنِ عَنْ فُؤَادِ الجَبَانِ

غيرَ أَنَّ قُدامةَ بن جعفر ‏يكادُ لا يعطي الخيالَ، والصُّورةَ الشِّعريَّةَ القيمةَ الَّتي تستحقُّ، لذلك فقد هوَّنَ من قيمةِ الإبداعِ القائمِ عليهما. لكن بعد قُدامة، أَخذت فكرةُ الخيالِ تَرِدُ على أَلسنةِ النُّقَّادِ، ورجالِ البلاغةِ، بخاصَّةٍ حينَما بدأَ الحديثُ عن الصَّنعةِ في الشِّعر؛ لأَنَّ هذه القضيَّةَ وثيقةُ الصِّلةِ بالخيالِ، وبالصُّورةِ الشِّعريَّة. فهذا الجاحظُ يقول: “فإِنَّما الشِّعرُ ضربٌ من النَّسْجِ، وجنسٌ من التَّصوير”([31])؛ قاصدًا بذلك جَوْدَةَ ‏السَّبْكِ، وحُسْنَ الصِّياغةِ، وكذلكَ ‏فعلَ الآمُديُّ في حديثِه عن الخيالِ في إِطارِ الاستعارة. وقد أَدَّى شغفُ النُّقَّادِ، ورجالِ البلاغةِ بتقسيمِ مباحثِ البيانِ، وإِغراقُهم في التَّفريعِ، والتَّفصيلِ إِلى منعِهم من التَّركيزِ على جماليَّةِ الصُّورةِ، ووظيفتِها، وكيفيَّةِ تذوُّقِها وتقييمِها، إِلى أَن جاءَ عبدُ القاهرِ الجرجانيُّ، فأَعطى الخيالَ معناه الفنِّيَّ، وربطَه بأَدواتِه من استعارةٍ، وكنايةٍ، وقرَّبَه من معنى المحاكاة إذ يقول: “فالاحتفالُ، والصَّنعةُ في التَّصويراتِ الَّتي تروقُ السَّامعينَ، وتروعُهم، والتَّخييلاتُ الَّتي تهزُّ الممدوحينَ وتحرِّكُهم… إِلى أَن يقول: كذلك حكمُ الشِّعرِ في ما يصنعُه من الصُّورِ، ويشكِّلُه من البِدْعِ، ويوقعُه في النُّفوسِ من المعاني الَّتي يتوهَّمُ بها الجامد ‏الصَّامت في صورةِ الحيِّ النَّاطق”([32]).

ويكادُ عبدُ القاهرِ الجُرجانيُّ يكونُ الوحيدَ الَّذي بحثَ في عُمْقِ الصُّورةِ، وجماليَّتِها، مركِّزًا على ما تتضمَّنُه من رمزٍ، وتلويحٍ، وإيماءٍ يفوقُ المعنى الظَّاهر. وهو القائلُ أَيضًا: “يُستحسَنُ في الشِّعرِ اجتماعُ المألوفِ، وغيرِ المألوفِ من الصُّورِ، وليسَ الإِغرابُ في التَّصوير أَمرًا ضروريًّا في كلِّ الأَحوال”([33]).

‏وقد بلغ إِسرافُ الشُّعراءِ في ‏التَّأَنُّقِ بوجوهِ البيانِ حدَّ التَّكَلُّفِ، والتَّصَنُّعِ في شعرِهم، إِذ حسبوها مدارَ البلاغةِ، ومقياسَ الإبداعِ من دونِ التَّنبُّهِ لوظيفتها في الجملةِ، الأَمرُ الَّذي أَدَّى إِلى الابتذالِ، والتَّـكرارِ في الصُّورِ كقولِ أَحدهِم: [من البسيط]

واستَمْطَرَتْ لؤلؤًا مِنْ نَرْجِسٍ وَسَقَتْ         وَرْدًا وعَضَّتْ عَلَى العُنَّابِ بالبَرَدِ

لكن في المقابلِ، نرى بعضَ الشُّعراءِ يُجيدونَ في صُوَرِهم؛ كقولِ أَبي تمَّام: [من الكامل]:

لَا تُنْكِرِي عَطَلَ الكَرِيْمِ مِنَ الغِنَى  فَالسَّيلُ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ العَالِي

‏كذلك فقد عرفَ الغربيُّونَ هذه الظَّاهرةَ، وقد “غَدَتْ صُوَرُهم في القرنينِ السَّادسَ عَشَرَ، والسَّابعَ عَشَرَ مشحونةً بشتَّى أَنواعِ التَّشابيهِ، وأَوجهِ المجازِ، وباتتِ الزَّخرفةُ من مستلزماتِ صياغةِ الصُّورِ للتَّعبيرِ عن الدَّلالات”([34]).

إِضافةً إِلى ذلك فقد مالتِ الفنونُ الحديثةُ، ولا سيَّما منها الشِّعرُ، إِلى التَّلميحِ دونَ التَّصريحِ، وراجَ التَّصويرُ الَّذي يوحي إِلى المعنى، من غيرِ شرحٍ أَو إيضاح. فهذا جُبران خليل جُبران([35]) يقدِّمُ التَّصويرَ على الإِيقاعِ، إذ تجتمعُ في صُوَرِهِ المجرَّداتُ بالمحسوساتِ، وتَضِجُّ الحياةُ بمخلوقاتِ الطَّبيعة. كذلك فعلَ الشُّعراءُ الرَّمزيُّونَ، أَمثال: “بودلير” و “رَمبو” و “آلان بو” حيثُ إِنَّهم خطَوا طريقَ التَّجديدِ، وعدَلوا عن الصُّورِ المألوفةِ، “فلجأُوا إِلى الغريبِ منها، وصولًا إِلى الأَساطيرِ، وكدَّسوا الإِشاراتِ، والرُّموزَ حتَّى تعانقتِ الأَضدادُ؛ نظيرَ: شربُ النَّارِ، ونهرُ الفحمِ، ‏وحُلمٌ من حجرٍ، وزهراتُ الشَّرِّ، وشهقاتٌ بيضاء… كما غاصُوا في أَعماقِ النَّفس، فاستلهموا الأَحلامَ، واللَّاوعي”([36]).

‏وهذا “ريتشاردز” يطلقُ مصطلحَ “استعارة” وهو يريدُ الصُّورةَ الشِّعريَّةَ، وهذا “هيوم” رائدُ مدرسةِ التَّصويرِ حديثًا؛ يقول: إِنَّ الشِّعرَ لغةٌ تصويريَّةٌ مجسَّمةٌ، فهي توفِّقُ بينَ لغةِ الحَدْسِ، وتقديمِ الأَحاسيسِ بطريقٍ مجسَّمةٍ، وهي دائمًا تحاولُ أَن تستوليَ عليك، وهي القادرةُ على نقلِ الأَشياءِ المجسَّمةِ من الطَّبيعةِ، ولا يمكنُ نقلُ المعاني التَّصويريَّةِ إِلَّا في وعاءِ الاستعارةِ الجيِّدة”([37]).

وقد مالَ أَكثرُ النُّقادِ المعاصرينَ؛ أَمثال: عزِّ الدِّين إِسماعيل، وإِحسان عبَّاس، وأَحمد الشَّايب، وغيرِهم، إِلى عدِّ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ تكوينًا مترابطًا تقومُ الاستعارةُ، والتَّشبيهُ، والرَّمزُ فيها بدورٍ فاعلٍ لا يُنْكِرُ أَحَدٌ أَثَرَهُ في نَقْلِ التَّجربةِ الشُّعوريَّة. وغدَا عندَهم الخيالُ الباعثُ على الإِثارة، الأَساسَ في تكوينِ الصُّورةِ، كونه يحملُ العواطفَ المترجمَةَ عن إِحساسِ الفنَّان.

وهكذا فإِنَّ الصُّورةَ في الشِّعرِ الحديثِ “تخرجُ عن المقاربَةِ بين طَرَفَي التَّشبيهِ، وتصبحُ شيئًا آخرَ. فعناصرُ النَّصِّ الشِّعريِّ الحديثِ تخوِّلُنا أَن نتساءلَ عن إِمكانيَّةِ ولادةِ نظامٍ جديدٍ للقصيدةِ الحديثةِ، نظامٍ يحملُ بعضًا من عناصرِ النِّظامِ السَّابقِ، ينطلقُ منهما ليؤسِّسَ رؤيةً جديدةً لها مستواها، ومجالُها‏”([38]).

‏نخلُصُ إِلى القول: إِنَّ ما يسمَّى بالوحَدةِ العضويَّةِ في النَّقدِ الحديثِ ما هو إِلَّا وَحدةُ الصُّورةِ، وهذه الأَخيرةُ تؤلِّفُ وحدَةَ الإِحساسِ، ومعنى هذا أَنَّ الصُّوَرَ في داخلِ العملِ الفنِّيِّ ما هي إِلَّا تجسيدٌ للتَّجربةِ الشُّعوريَّةِ الَّتي يعانيها الفنَّانُ “وأَنَّ ما يسمِّيه النَّقدُ الحديثُ بالوَحدةِ الفنِّيَّةِ، ليسَ في ‏الحقيقةِ إِلَّا وحدة الشُّعورِ، والعاطفةِ، والصُّورةُ الشِّعريَّةُ بكلِّ أَشكالِها المجازيَّةِ، وبمعناها الجُزئيِّ، والكلِّيِّ، هي وسيلةُ الفنَّانِ لتجسيدِ هذا الإِحساس”([39]).

القِسْمُ الثَّالثُ: مظاهرُ الصُّورةِ الشِّعريَّة

إِذا كانَ الشِّعرُ يعتمدُ على الدِّقَّةِ في الصِّياغةِ، فإِنَّ أَهمَّ مبادئ الصِّياغةِ هو استثمارُ خصائصِ اللُّغةِ بوصفِها مادَّةَ بنائِه، ثمَّ تأمينُ ‏القالبِ التَّصويريِّ الَّذي من خلالِه تتشكَّلُ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ بوَساطةِ اللُّغة. فالشَّاعرُ يعتمدُ على ما في قوَّةِ التَّعبيرِ من إيحاءٍ إِلى المعاني في لغتِه التَّصويريَّةِ الخاصَّةِ به، ويعتمدُ على ما في قوَّةِ التَّصويرِ من مظاهرَ تعتمدُ على دلالاتِ القرائنِ، وما يمكنُ أَن تضيفَه هذه الدَّلالاتُ إِلى التَّصويرِ، إِذ تتبلورُ بمظاهرَ متعدِّدة. ‏فتظهرُ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ من خلالِ مشهديَّةٍ معيَّنةٍ أَو من خلالِ الأَلوانِ وما ترمزُ إِليه، أَو من الإيحاءاتِ الضَّوئيَّةِ الَّتي ترمزُ إِلى المعاني، والصُّورِ الرَّاسخةِ في الفكرِ، وفي ذاتِ الشَّاعر؛ ‏لذلك سنتحدَّثُ عن مظاهرِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ من خلال: ‏الصُّورةِ المشهديَّةِ، والصُّورةِ ‏اللَّونيَّةِ، والصُّورةِ الضَّوئيَّة.

1– ‏الصُّورةُ المشهديَّةُ: هي الصُّورةُ المشتركةُ بين فنِّ الشِّعرِ، وفنِّ السِّينما والمسرحِ من خلالِ الإِطارِ الَّذي يجمعُ مشهدًا من “التَّركيزِ على لقطةٍ محدَّدةٍ أَو تقديمِ الصُّورةِ بشكلٍ يؤدِّي فيه المونتاجُ في القطعِ، والمزجِ دورًا أَساسيًّا في تتالي اللَّقطاتِ زمنيًّا أو تعاصرِها”([40])؛ ذلك أَنَّ تحويلَ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ المفعمةِ بالإيحاءاتِ المضمورةِ إِلى صورةٍ مشهديَّةٍ واضحةٍ تتدخَّلُ فيها مجموعةٌ من التِّقْنِيَّاتِ الفنِّيَّةِ لتظهرَ ‏الإِيحاءاتُ بشكلٍ صريح.

والقصائدُ الشِّعريَّةُ مليئةٌ بالصُّورِ الشِّعريَّةِ القابلةِ للتَّجسيدِ الفنِّيِّ عن طريقِ الوصفِ، والسَّرد، إذ يؤدِّي الشَّاعرُ دورَ السِّينمائيِّ عندما يتقنُ صورَه الشِّعريَّةَ، ويعطيها الحيويَّةَ، والقابليَّةَ، والمرونةَ لتتحوَّلَ إِلى مشاهدَ معبِّرةٍ عن حقيقةِ ما يرغبُ الشَّاعرُ في إيصالِه من النَّاحيتينِ ‏الذَّاتيَّة و الموضوعيَّة. ‏والشِّعرُ العربيُّ يقومُ في معظمِه على التَّصويرِ من خلالِ قدرةِ الشَّاعرِ الفنِّيَّةِ على تحويلِ الكلمةِ إِلى صورةٍ أَو القصيدةِ إِلى مسرحيَّةٍ نراها بأَعينِنا في الكلماتِ الَّتي نقرأُها، ونحسُّها، ونستشعرُها كما في مشهديَّةِ الشَّاعرِ الخليجيِّ “باسم العيثان” من قصيدةِ “ذكراك” إذ يقول:

كنَّا ومازِلنا
‏قناديلَ انتظار

‏تنطفئُ فيها سنون

‏ولم تزلْ أعمارُنا زيتًا

‏به ‏تتوقَّد

بالأَمسِ كانَ فتيلَها آباؤنا

‏واليوم نحن”([41]).

وهذه صورةٌ شعريَّةٌ تجسِّدُ مشهديَّةَ تعاقبِ الزَّمنَ الَّذي ينطفئُ بتعاقبِ الأَجيالِ، فكلُّ جيلٍ يأتي على أَنقاضِ الجيلِ السَّابق؛ كأَنَّ الزَّمنَ أَداةٌ للموتِ، يحترقُ فيه عمرُ الإِنسانِ بزيتِ ذاتِه. والإِنسانُ يرى مشهديَّةَ موتِه يومًا بعدَ يومٍ حينَ يشعرُ بقساوةِ الزَّمنِ في لونِ شعرِه، وتجاعيدِ وجهِه، وجسمِه الهزيلِ، ويشعرُ أَنَّ الزَّمنَ وحدَه يرسمُ مشهديَّةَ الحياةِ والموت.

‏ويُعَدُّ “نزار قباني” شاعرَ المشهديَّاتِ، والصُّورِ الشِّعريَّةِ الموحيَةِ بكلِّ أَحاسيسِ الحبِّ، والوصفِ الدَّاخليِّ، والخارجيِّ، فهو يرسمُ لنا مشهديَّتَه الخاصَّةَ عن الغربةِ الرُّوحيَّةِ في قصيدتِه “هي قصيدةٌ مسافرة” قائلًا:

‏صديقتِي، صديقتِي الحبيبَة

‏غريبَة العينينِ في المدينةِ الغريبة

‏شهرٌ مَضَى، لا حرف… ‏لا رسالة خضيبَة

‏لا أَثر

‏لا خبر

‏منكِ يضيءُ عُزلتِي الرَّهيبَة

أَخبارُنا

‏لا شيء يا صديقتِي الحبيبَة

‏أَيَّامُنا

تافهةٌ فارغةٌ رتيبَة..”([42])

‏يرسمُ لنا الشَّاعرُ مشهديَّةً سرياليَّةً ‏تختلطُ فيها المرأةُ بالقصيدةِ بالمدينة. فنظنُّ أَنَّه يخاطبُ إِنسانةً يحبُّها، بينَما هو يخاطبُ القصيدةَ الَّتي لم يجدْها لينظمَها، أو يكتبَها بسببِ الحالةِ النَّفسيَّة؛ كأَنَّه يرثي مرحلةً زمنيَّةً من حياتِه، جفَّت فيها موهبتُه أَو قريحتُه. ونجدُ الزَّمنَ دائمًا هو السَّبب، عندما يقول: “أَيَّامُنا تافهةٌ، فارغةٌ، رتيبة، إِذ يلتقي معَ الشاعرِ “باسم العيثان” من حيثُ الخوفُ من الزَّمنِ؛ وإِن كانَ “قبَّاني” يرسمُ مشهديَّةً ‏زمانيَّةً، مكانيَّةً، يرفضُ فيها حياةَ المدينةِ، ويقتطعُ جزءًا من حياتِه فيها محتسبًا إِيَّاه سرابًا تافهًا، ومستخدمًا ‏إيحاءَ لغةِ ‏الرِّثاءِ، والغربةِ، ‏والجفافِ بسببِ توقُّفِ الموهبةِ عن الدَّوران.

٢ الصُّورةُ اللَّونيَّة: ‏قد تكونُ الصُّورُ اللَّونيَّةُ هي الصُّورَ الشِّعريَّةَ المستمَدَّةَ من الحواسِّ في بعضِ الأَحيان. أَمَّا في الشِّعرِ فالصُّورةُ الشِّعريَّةُ، هي تشكيلٌ لغويٌّ، يكوِّنُها خيالُ الفنَّانِ من معطياتٍ متعدِّدةٍ، يقفُ العالمُ المحسوسُ في مقدِّمتِها”([43])؛ وخصوصًا في مجالِ الصُّورِ اللَّونيَّةِ الَّتي تمثِّلُ أَلوَانَ الطَّبيعةِ بكلِّ تفاصيلِها. والصُّورُ اللَّونِيَّةُ تُستَمَدُّ من حركةِ الكلماتِ داخلَ القصيدةِ. وهي تخرجُ عن الأَلوانِ المألوفةِ الَّتي تُرى بالعين، لتصبحَ هذه الأَلوانُ أَلوانًا نفسيَّةً يعيشُها الشَّاعرُ، ويفصحُ عنها بدلالاتٍ لا تُرى إِلَّا من خلالِ استغلالِ الرَّمزِ الموحي بهذه الأَلوانِ. ‏وقد حظيَ “الدَّالُّ اللَّونيُّ” من ناحيتَي التَّأويلِ، والتَّحليلِ بأَهميَّةٍ خاصَّةٍ في الشِّعرِ العربيِّ الحديثِ، واستخدمَ في الكثيرِ من المناهجِ النَّقديَّةِ من أَجلِ التَّوصُّلِ إِلى الكشفِ عن أَشكالِ الاستخداماتِ المتعدِّدةِ والمتنوِّعةِ الَّتي يبالِغُ بعضُ الشُّعراءِ أَحيانًا في اعتمادِها، وتوظيفِها”([44]). ‏واستخدامُ الصُّورِ اللَّونيَّةِ في الصُّورةِ الشِّعريَّةِ لها أَسبابُها الفكريَّةُ، والشِّعريَّةُ، والاجتماعيَّةُ، والنَّفسيَّةُ، وخصوصًا في شعرِ الحداثةِ، وقد تمَّ تجاوزُ الاعتمادِ على الصِّفاتِ، والقيمِ التَّقليديَّةِ للَّونِ، إِلى الاعتمادِ على صفاتٍ وقيمٍ غيرِ تقليديَّةٍ، وغيرِ مباشرةٍ تحدِّدُها فلسفةُ اللَّونِ عندَ الشَّاعرِ، ووجهةُ نظرِه في استخدامِها؛ ‏لأَنَّ للأَلوانِ تأثيرًا كبيرًا في رسمِ الصُّورةِ المعبِّرَةِ عن مكنوناتِ الشَّاعرِ، وأَحاسيسِه المثيرَةِ في إِظهارِ الصُّورِ الشِّعريَّة.

لقد اختمرَ اللَّونُ في شعرِ “يوسف الخال”، حتَّى باتتِ الأَلوانُ عندَه مظاهرَ حسِّيَّةً تحدثُ تعبيرًا وتوتُّرًا في الأَعصابِ، وفي حركةِ المشاعرِ. “فأَلوانُ الأَشياءِ وأَشكالُها هي المظاهرُ الحسِّيَّةُ الَّتي تحدثُ توتُّرًا في الأَعصابِ، والمشاعرِ… إِنَّها مثيراتٌ حسِّيَّةٌ، يتفاوتُ تأثيرُها في النَّاس”([45]) وانطلاقًا ‏من أَنَّ ‏الشِّعرَ ‏ينبتُ في أَحضانِ الأَشكالِ، والأَنواعِ، والأَلوان، فقد باتَ اللَّونُ الأَسودُ هو الأَكثرُ طغيانًا على شعرِ “الخال” نظرًا إِلى تذمُّرِه من الظَّلاماتِ الَّتي تسودُ الأُمَّةَ، وفي ذلكَ يقول:

يا نفسُ بوحي بالَّذي صَار

‏مزِّقي الحُجُبَ السُّود

‏أَطِلِّي على الجديدِ الثَّوري

‏ليتَ ذاكَ النَّهارَ لمْ يكُ

ليتَ العينَ ما أَغمضَت عليه

‏سوادُ الموتِ أَبهى..”([46]).

‏وهكذا نجدُ أَنَّ “الخال” استخدمَ اللَّونَ الأَسودَ للايحاءِ الَّذي يَدُلُّ على ما يجري في أَعماقِه ‏ليعبِّرَ عن انفعالاتِه الوجدانيَّةِ والرَّافضةِ لواقعٍ خطِرٍ يمثِّلُ القديمَ الَّذي لوَّنَه بالأَسودِ من أَجلِ أَن يدعوَ إِلى أَلوانٍ جديدةٍ تمثِّلُها الثَّورةُ النَّفسيَّةُ الَّتي تشجِّعُ النَّفسَ على البوحِ بكلِّ ما هو جديد. وفي هذا المقطعِ اللَّونيِّ القاتمِ تعبيرٌ عن الفجيعةِ الَّتي حلَّت بالأُمَّةِ العربيَّةِ والَّتي انتقلَت من استعمارٍ إِلى استعمارٍ، ومن ‏نكسةٍ ‏الى نكسةٍ، (نكبةُ فِلَسْطِيْن، ‏نكسةُ 1967م والحربُ اللُّبنانيَّةُ العامَ 1975م) فكانَ اللَّونُ الأَسودُ هو الرِّداءُ الحقيقيُّ ‏لواقعِ الأُمَّةِ وخصوصًا عندما يقول: “سوادُ الموتِ أَبهى” وقد أُعطِيَ اللَّونُ الأَسودُ بُعْدًا جديدًا هو بعدٌ ما ورائيٌّ لا يفقهُه العابرونَ في هذهِ الحياة. و”هو تمثيلُ تصوُّرٍ ذِهنيٍّ معيَّنٍ له دلالتُه، وقيمتُه الشُّعورِيَّة”([47]). ‏ولأَنَّ الخلاصَ من الظُّلمةِ في أُمَّتِنَا العربيَّةِ لا يتحقَّقُ إِلَّا بالتَّمنِّياتِ، فقد ذكرَ “يوسف الخال” هذه الأُمنِيَّةَ في قصيدتِه “العودة” بقولِه:

غدًا يعودُ سيِّدي

‏شراعُه غيمَةٌ بيضاءُ عندَ الشَّفق..”([48]).

فاستخدامُ اللَّونِ الأَبيضِ يعبِّرُ عن الأَملِ، والرَّاحةِ النَّفسيَّة. والغيمةُ البيضاءُ ترمزُ إِلى الحياةِ الصَّافيةِ، وإِلى الانبعاثِ، والخلاصِ، والثَّبات. أَمَّا لونُ الشَّفقِ فهو لونُ نهايةِ الخوفِ، وانتظارِ الآتي المُفْعَمِ بمعاني المستقبلِ الجديدِ المنتظَرِ، الَّذي يحملُ مشاعلَ تشبِهُ أَلوانُها لونَ الشَّفقِ المرتبطِ بلونِ القمر. ‏إِنَّ الصُّورةَ اللَّونيَّةَ في الصُّورةِ الشِّعريَّةِ عندَ الشَّاعِر “يوسف الخال” والَّتي تتراوحُ ما بينَ ضِفَّتي السَّوادِ، والبياضِ تؤكِّدُ ارتباطَ اللَّونِ بالمشاعرِ،  والعمقِ الإِنسانيِّ الَّذي لا يقبلُ المساومةَ، بلْ يؤكِّدُ الرَّغبةَ في الانتقالِ من ضِفَّةِ السَّوادِ إِلى ضِفَّةِ البياضِ بالمطلقِ، وفي ذلكَ دعوةٌ إِلى تغييرٍ كليٍّ، وشاملٍ لواقعِ الأُمَّةِ المهزومةِ دائمًا. وهذا يعني استبدالَ الخنوعِ بالثَّورةِ؛ وهو ما يُعْرَفُ اليومَ ‏بالمقاومة.

٣ الصُّورةُ الضَّوئيَّةُ: هيَ الصُّورةُ الشِّعريَّةُ الَّتي تشبِهُ الصُّورةَ اللَّونيَّةَ؛ ولكنَّ أَلوانَها ليست محصورةً بالأَلوانِ المألوفةِ (الأَسود، والأَبيض، والأَصفر) بل هي أَلوانٌ إِيحائيَّهٌ عامَّةٌ، وكونيَّةٌ غيرُ مجسَّدَةٍ بأَحجامٍ يمكنُ حصرُها أَو تحديدُها؛ لأَنَّ الضَّوءَ كونيٌّ تراه البشريَّةُ جمعاء؛ نحو: “‏نورُ الشَّمسِ، وضَوءُ القمرِ، واللَّيلُ، والنَّهارُ، والغبارُ، والرِّياحُ، والمياه”…

‏والصُّورةُ الشِّعريَّةُ تعتمدُ عندَ معظمِ الشُّعراءِ على استغلالِ “الضَّوءِ” للتَّعبيرِ عن رؤاهم، وعمَّا تحملُ مشاعرُهم من أَثقالٍ إِيحائيَّةٍ، ورموزٍ تنقلُ تجاربَهم ‏في الحياةِ من النَّاحيتينِ الفرديَّةِ و الموضوعيَّة.

‏ولأَنَّ الشَّاعرَ يوسف الخال مزجَ الذَّاتيَّةَ بالموضوعيَّةِ، ‏فإِنَّه حملَ همومَ أُمَّتهِ، فكانَ متشائمًا على مستوى ‏أُمَّتِه، وأَحيانًا على مستوى الكونِ عندما ‏قال:

وأَدَرْنَا وجوهَنا، كانتِ الشَّمس

‏غبارًا على السَّنابك…

‏وهنا الصُّورةُ الضَّوئيَّةُ كونيَّةٌ عندما يحجبُ الغبارُ ضوءَ الشَّمس. وهي تعبِّرُ عن ضياعِ الأَملِ في التَّغييرِ في هذا الكونِ، حينَما استطاعَ الغبارُ أَن يؤثِّرَ في نورِ الشَّمس، فيفقِدُ الشَّاعرُ والنَّاسُ هذا الدِّفءَ المنشودَ، ليسودَ الغبارُ المتمثِّلُ بالظُّلمِ، والفسادِ، والذُّلِّ، والخنوعِ هذا الكون.

‏ثمَّ يكرِّرُ الصُّورَ الضَّوئيَّةَ المستمدَّةَ من البحرِ، رمزِ الحركةِ، والامتدادِ الفسيحِ ليعبِّرَ عن خيبتِه من أُمَّةٍ أنجبَتِ الأَنبياءَ حينَ يقول:

‏كلُّ الجراحاتِ يا بحر

‏حبَالى

‏ونحنُ مهدٌ عريق

‏للولادات

‏أَي،

‏أَيُّ إلهٍ ما رأَى النُّور بينَنا وتربَّى؟..”([49]).

فالنُّورُ الَّذي يعبِّرُ عنه الشَّاعرُ هو نورٌ مرتبطٌ باللَّـهِ الَّذي أَوحى إِلى الأَنبياء.. هو نورٌ ربَّانيٌّ لم تعرفْ قيمتُه هذه الأُمَّةُ، فانحرفَت عنه، وضَيَّعَتْهُ، وهي مهدُ الحضاراتِ كلِّها… ثمَّ يعودُ الخالُ ويناجي البحرَ مرَّةً جديدةً في القصيدةِ نفسِها، كأَنَّه لم يَفْقِدِ الأَملَ، ويراهنُ من جديدٍ على النُّورِ الإِلهيِّ في صورةٍ شعريَّةٍ ضوئيَّة. فالنُّورُ الإِلهيُّ هو المنتظَرُ، والمخلِّصُ من ‏همومِ أُمَّةٍ ممزَّقةٍ، وواقعٍ مريرٍ حينَ ‏يقول:

أَيُّهَا البحرُ، يا ذراعًا مددنَاها

‏إِلى الله

‏ردَّنا إِليك، دَعْنَا

‏نستردَّ الحياةَ من نورِ عينيك..”([50]).

‏وهكذا يُنهي “الخال” دعاءَه، ويحصرَه بالخلاصِ الآتي من نورِ اللهِ وإِن كانَ البحرُ الواسعُ المديدُ هو الذِّراعُ الَّذي يجبُ أَن يصلَ إِلى اللهِ ليسترِدَّ منه الحياةَ الصَّافيةَ المليئةَ بالآمالِ، والأَحلام. وهكذا تكونُ الصُّورةُ الضَّوئيَّةُ في شعرِ “يوسف الخال” هي الصُّورةُ الشِّعريَّةُ العابرةُ إِلى الأَملِ، والمليئةُ بالدُّعاءِ والسَّفرِ نحو كونٍ أَفضلَ.

الخاتمة

‏إِنَّ اقتصارَ البحثِ في دراسةِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ على معرفةِ العلاقةِ بينَها وبينَ المذاهبِ الأَدبيَّةِ يعني مالهذه الصُّورةِ من قيمةٍ جماليَّةٍ فنِّيَّةٍ التزمَ بها الشُّعراءُ منذُ البداياتِ، لإِضفاءِ صفةِ التَّمثيلِ الفكريِّ للُّغةِ، وإنتاجِ نصٍّ شعريٍّ قابلٍ للتَّحويلِ إِلى فنونٍ أُخرى نسمعُها، ونشاهدُها بدلًا من أَن نقرأَها فقط. وهذا التَّحويلُ ناتجٌ من المرونةِ الموسومةِ ‏بها الصُّورةُ الشِّعريَّةُ الَّتي تحوَّلت إِلى أَداةٍ للتَّعبيرِ في عملٍ شعريٍّ مقروءٍ أَو مسموعٍ أَو مرئيٍّ. ‏أَمَّا دراسةُ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ من خلالِ تطوُّرِ المذاهبِ الأَدبيَّةِ، فيعني أَيضًا مدى تطوُّرِ الشِّعرِ وتناغمهِ معَ مقتضياتِ التَّطوُّرِ العامِّ للحياة. فقد ظهرَ كلُّ مذهبٍ ‏َأدبيٍّ على أَنقاضِ المذهبِ الَّذي سبقَه. فتغيَّرت الصُّورةُ الشِّعريَّةُ في المرحلةِ الموضوعيَّةِ إِلى المرحلةِ الذَّاتيَّةِ عندما أَصبحَ المجتمعُ الإنسانيُّ بحاجةٍ إِلى دراسةِ الذَّاتِ، والتَّعمُّقِ بها أَو دراسةِ الميلِ إِلى الطَّبيعةِ والابتعادِ من همومِ الواقع ومشاكلِه. فكانت كلُّ مدرسةٍ أَدبيَّةٍ تعبِّرُ بوسائلِها عن مسارِ تطوُّرِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ بما يتناسبُ معَ الزَّمنِ الَّذي وُجِدَت فيه. ‏ودراسةُ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ من حيثُ ارتباطُها بلغةِ البلاغةِ، والنَّقدِ تؤكِّدُ مدى القيمةِ الفنِّيَّةِ، والجماليَّةِ، الَّتي تحتضنُها هذه الصُّورةُ من أَجلِ المتعةِ في صياغةِ ‏الشِّعرِ، والتَّماثلِ، والمحاكاةِ، والتَّماهي ‏بينَ الحقيقةِ والخيالِ باستخدام لغةٍ بلاغيَّةٍ في رسمِها، الأَمرُ الَّذي يؤَدِّي إِلى الغموضِ والتَّشويقِ اللَّذينِ يميِّزانِ الشِّعرَ من اللُّغاتِ العاديَّةِ، وكلامِ النَّثرِ السَّرديِّ القصصيِّ. أَمَّا علاقةُ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ بالنَّقدِ، فَتُظْهِرُ مدى اهتمامِ البَاحثينَ والدَّارسينَ، والنَّاقدينَ بدراسةِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ، وتناولِها في التَّحليلِ، والتَّأويلِ لإبرازِ مكامنِ القوَّةِ اللُّغويَّةِ والتَّصويريَّةِ فيها. لأَنَّ ما يهمُّ النَّاقدَ هو الارتقاءُ بالصُّورةِ الشِّعريَّةِ، فضلًا عن التَّصويبِ الَّذي يخدِمُ الشُّعراءَ، ويضعُهم أَمامَ مسؤولياتِهم في نظمِ الشَّعر. ‏ويبقى أَن نذَكِّرَ بمظاهرِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ الَّتي تتجلَّى في القصيدةِ من خلالِ الرَّسمِ بالكلماتِ، والتَّصويرِ الفنِّيِّ المتمثِّلِ بالصُّورةِ المشهديَّةِ،  والصُّورةِ اللَّونيَّةِ، والصُّورةِ الضَّوئيَّة.إذ إنّ لكلِّ كلمةٍ موقعٌ في الصُّورةِ، ولونٌ، وإِيحاء. وتتنوَّعُ ‏هذه الصُّورُ وتختلفُ وَفْقَ طريقةِ استخدامِ الكلامِ، والقصدِ منه.

فهرس المصادر والمراجع

  • المصادر العربية
  • أبو عثمان الجاحظ، عمرو بن بحر: الحيوان، ثمانية أَجزاء، تحق: عبد السَّلام هارون، بيروت، دار الجيل، لا.ط،1996 م.
  • عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة تحق: محمد الفاضلي، بيروت، المكتبة العصرية، لا.ط، 2009م.
  • المراجع العربية
  • أحمد الصاوي: فن الاستعارة، الاسكندرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، لا.ط، 1979م.
  • روز غريب، تمهيد في النَّقد الحديث، بيروت، دار المكشوف، لا.ط، لا.ت.
  • صلاح لبكي، لبنان الشاعر، طبعة بيروت، 1954م.
  • طلال زينل سعيد، النَّص الشِّعري الحديث (التشكيل، الفضاء، الرؤية)، عمَّان، دار غيداء للنشر والتوزيع، ط1، 2015م.
  • عبدالله الغذامي: تشريح النَّص، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1987م.
  • عزُّ الدِّين إِسماعيل، الأُسس الجمالية في النَّقد العربي، عرض وتفسير ومقارنة، القاهرة، 1955م.
  • عزُّ الدِّين إِسماعيل، التَّفسير النَّفسي للأَدب، القاهرة، مك. غريب، ط4، 1990م.
  • عزُّ الدِّين إِسماعيل، الشعر العربي المعاصر (قضاياه وظواهره الفنِّيَّة والمعنويَّة)، القاهرة، دار الفكر العربي، ط3، 1978م.
  • علي البطل، الصُّورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري، بيروت، دار الأَندلس للطباعة والنشر، ط2، 1981م.
  • محمد خلف الله: من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، القاهرة، 1947م.
  • محمد زكي العشماوي: قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، بيروت، دار النهضة العربية، لا.ط، 1979م.
  • محمد عناني: النَّقد التحليلي، القاهرة، الأَنجلو المصرية: لا.ط، 1965م.
  • محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، بيروت، دار العودة، 1987م.
  • محمود بن سليمان الحلبي، حسن التَّوسل إِلى صناعة الترسُّل، القاهرة، م1915.

3– الدَّوريات والأَبحاث

أحمد الصغير، الصورة الشعرية / الدراميَّة في قصيدة الحداثة العربيّة، بحث منشور في مجلة جيل الدراسية الأدبيَّة، الفكرية، طرابلس، لبنان، العدد الرابع، كانون أول،2014 م، ص 43.

4- المصادر والمراجع الأجنبية

  • André le Breton: Le Roman français au XVIII siècle, Paris – 1957.
  • Baudelaire: Œuvres, éd de la pléiade. Paris 1951.
  • Coleridge: Biographia literai. Chap. XII.
  • Coleridge: Biographia literai. Chap. XV, vol- II.
  • Gaétan Picon: Panorama des idées contemporaines. Paris, 1957.
  • La Bruyère: Les caractères de l’art poétique – Paris, 1942.
  • Louis Cazamian: Poésie et symbolisme, l’exemple anglais. Laissâmes 1947.
  • Leconte de Lile: Derniers poèmes. Paris, 1924.
  • Martin Heidegger: Kant et le problème de la métaphysique. Paris 19.

الهوامش

1- أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم اللغة العربية وآدابها- الفرع الخامس.

([1]) محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، دار العودة، بيروت، 1987، ص 388.

([2]) La Bruyère: Les caractères de l’art poétique – Paris, 1942. p. 196.

([3]) محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 388 .

([4]) Martin Heidegger: Kant et le problème de la métaphysique. Paris 1949-p.16.

([5]) عز الدين اسماعيل، الأُسس الجمالية في النقد العربي، عرض وتفسير ومقارنة، القاهرة، 1955، ص 108 .

([6]) Wordsworth: Letters, later years. London, 1950, p.116.

([7]) Coleridge: Biograhia literaria. Chap XV, vol- II.p.206.

([8]) Coleridge : M.S. PAGE179.

([9]) Coleridge : M.S. PAGE 258.

([10]) محمد خلف الله: من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، القاهرة، 1947، ص 16 .

([11]) Coleridge: Biograhia literaria. Chap XII, p.393.

([12]) محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س. ص 390.

([13]) محمد غنيمي هلال، م.ن. ص 98.

([14]) محمد غنيمي هلال، م.ن.، ص 393.

([15]) Leconte de lile: Derniers poèmes. Paris, 1924, p.70.

([16]) محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 395.

([17]) Louis Cazamian : Poésie et symbolisme , l’exemple anglais. Laissâmes 1947, p.23.

([18]) محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س. ص 390.

([19]) Baudlaire: Œuvres, ed de la pléiade. Paris 1951, p.102.

([20]) محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 397.

([21])     صلاح لبكي، لبنان الشاعر، طبيعة بيروت 1954، ص 174.

([22]) Gaetan Picon: Panorama des idees contemporaines. Paris, 1957, p. 405.

([23]) محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، م.س، ص 400.

([24]) محمود بن سليمان الحلبي، حسن التوسل الى صناعة الترسل ، القاهرة، 1915، ص 80.

([25]) محمد خلف الله: من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، م.س، ص 27.

([26]) روز غريب، تمهيد في النقد الحديث، بيروت، دار المكشوف، لا.ط لا.ت، ص 191.

([27]) أحمد الصاوي: فن الاستعارة، الاسكندرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، لا، ط، 1979 ، ص 272-273.

([28]) روز غريب، تمهيد في النقد الحديث، م.س، ص 281.

([29]) مجنون ليلى: (….- 68هـ/….-688م) هو قيس بن الملوَّح بن مزاحم العامريُّ. شاعر غزل، من المتيَّمين. من أَهل نَجد. لم يكن مجنونًا، وإنَّما لقِّبَ بذلك لهيامِه في حبِّ “ليلى بنت سعد”. كان الأَصمعي يُنْكِرُ وجوده، ويراه اسما بلا مسمّى. جُمِعَ بعضُ شعرِه في ” ديوان”: (الأَعلام للزِّركلي: مج5، ص 208)

([30]) أَبو العلاء المعرِّي: ( 363-449هـ / 973-1057م). هو أَحمد بن عبدالله بن سليمان، التَّنوخيُّ المعرِّيُّ، شاعرٌ فيلسوف. ولِدَ، وماتَ في معرَّةِ النُّعمان. أُصيب بالجدريِّ صغيرًا فعميَ في السَّنةِ الرَّابعةِ من عمره. قالَ الشِّعرَ، وهو ابن إِحدى عشرةَ سنةً، لما ماتَ، وقفَ على قبره 84 شاعرًا يرثونَه. كان يلعبُ بالشِّطرَنْج، والنَّرد. له تصنيفاتٌ كثيرةٌ، أَشهرُها: “رسالة الغفران”. (الأَعلام للزِّركلي: مج1، ص 157) .

([31]) أَبو عثمان الجاحظ، عمرو بن بحر: الحيوان، م.س، ص 132.

([32])     عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة تحق: محمد الفاضلي، بيروت، المكتبة العصرية، لا.ط، 2009، ص 253 – 254.

([33]) م.ن.، ص 47.

([34]) روز غريب: تمهيد في النقد الحديث، م.س، ص 613.

([35]) جبران خليل جبران: ( 1300-1349هـ / 1883-1931م). هو جبران بن خليل بن مخائيل بن سعد. من أَهمِّ الكتَّابِ المعاصرينَ في المهجرِ الأَميركي. أَصلُه من دمشق. نزحَ أَحدُ أجدادِه إِلى بعلبكَّ ثمَّ إِلى قريةِ “بشعلا” في لبنان. وانتقلَ جدَّه يوسف جبران إِلى قريةِ بشرِّي. وفيها وُلِدَ جبران. تنقَّلَ بينَ بيروت، وباريس، والولايات المتحدة. امتازَ بسَعَةٍ في خيالِه، وعمقٍ في تفكيرِه، توفِّي في نيويورك، ونقلَ رفاتُه الى مسقطِ رأسِه ” بشرِّي”. من كتبِه: “الأَرواح المتمرِّدة، والأَجنحة المتكسِّرة، والعواصف” (2). (الأَعلام للزِّركلي: مج2، ص 110-111).

([36]) روز غريب: تمهيد في النقد الحديث، م.س، ص 213.

([37]) محمد عناني: النقد التحليلي، القاهرة، الأنجلو المصرية: لا.ط، 1965، ص 23- 63 .

([38]) عبدالله الغذامي: تشريح النَّص، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1987، ص 105.

([39]) محمد زكي العشماوي: قضايا النَّقد الأَدبي بين القديم والحديث، بيروت، دار النهضة العربية، لا.ط1979، ص 108.

([40]) أحمد محمد الصغير، الصورة الشعرية الدرامية في قصيدة الحداثة العربية، بحث منشور في مجلة جيل الدراسية الأدبيَّة، الفكرية ، طرابلس، لبنان، العدد الرابع، كانون أول، 2014، ص 43.

([41]) باسم العيثان من قصيدة “ذكراك”.

([42]) نزار قباني ، من قصيدة ” هي قصيدة مسافرة”.

([43]) علي البطل، الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري، دار الأندلس للطباعة والنشر، لبنان، ط2، 1981، ص 30 .

([44]) طلال زينل سعيد، النَّص الشعري الحديث (التشكيل، الفضاء، الرؤية)، عمَّان، دار غيداء للنشر والتوزيع، ط1، 2015، ص 55.

([45]) عزُّ الدِّين إِسماعيل، الشِّعر العربيُّ المعاصر (قضاياه وظواهره الفنِّيَّة والمعنوية)، القاهرة، دار الفكر العربي، ط3، 1978، ص 129.

([46]) يوسف الخال، من قصيدة الدُّعاء.

([47]) عزُّ الدِّين إِسماعيل، التَّفسير النَّفسي للأَدب، القاهرة، مك. غريب، ط4، 1990، ص 62 .

([48]) يوسف الخال، من قصيدة العودة.

([49]) يوسف الخال، من قصيدة الدُّعاء.

([50])   م.ن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.