البلاغةُ بين اللَّفظِ والمعنى

0

البلاغةُ بين اللَّفظِ والمعنى

د. حامد حامد*

مقدمة

‏إِنَّ دراسةَ البلاغةِ بينَ اللَّفظِ والمعنى، يعني دراستَها “أَبستمولوجيًّا”؛ والمقصودُ بالدِّراسةِ الأبستمولوجيَّةِ هو تبيانُ العلاقةِ بين اللَّفظِ والمعنى لسبرِ أَغوارِ البلاغةِ العربيَّةِ وكشفِ أهمِّيتِها، وأثرِها البارزِ في قدسيَّةِ اللُّغةِ العربيَّةِ، خصوصًا في مجالاتِ الأَدب؛ وإِن كانَ هناكَ من يربِطُ الأبستمولوجيا بالمعرفةِ بصفةٍ عامَّةٍ، وآخرُ يربِطُها بالعلم. وعلى الرَّغمِ من أَنَّ اليونانيِّينَ منذُ أرسطو وأفلاطون قد ربطُوا الأبستمولوجيا بالتَّرادفِ الحاصلِ بينَ العلمِ والمعرفةِ وَفْقًا لرأي “فوكو”، لكنْ يَصِحُّ القولُ إِنَّ “الأَبستمي” تعني العقليَّةَ المعرفيَّةَ لعصرٍ ما([1]). وما يهمُّنا من المصطلحِ “الأَبستمولوجي” هو أنَّه ينطبقُ على البلاغةِ العربيَّةِ من خلالِ التَّرادفِ بينَ اللَّفظِ والمعنى. والثَّابتُ أَنَّ قضيَّةَ اللَّفظِ والمعنى، شغلَتِ الكثيرَ من النُّقَّادِ والبلاغيِّينَ العربِ القدامى والمحدثينَ نَظَرًا إِلى ما لهذه القضيَّةِ من أهمِّيَّةٍ قُصوى في تقديرِ العملِ الأَدبيِّ، وبيانِ منزلتِه. “فأيُّ خلطٍ في فهمِ طبيعةِ العلاقةِ بينَ اللَّفظِ والمعنى يؤدِّي حتمًا إِلى الخلطِ في الحكمِ على الآثارِ الأدبيَّة”([2]).

والبلاغةُ عندَ العربِ لا تَقومُ على التَّضادِّ بينَ اللَّفظِ والمعنى، بل نجدُ أَنَّ اللَّفظَ والمعنى هما وجهانِ لحقيقةٍ بلاغيَّةٍ واحدة باحتسابِ أَنَّ البلاغةَ موجودةٌ منذُ نشأةِ اللُّغةِ العربيَّةِ، تمامًا كما وجودِ اللَّفظِ والمعنى. وقد نزلَ القرآنُ الكريمُ على إِعجازٍ بلاغيٍّ لا نظيرَ له في اللُّغاتِ كلِّها؛ لأَنَّه يعتمدُ على جمالِ العَرْضِ، وتخيُّرِ اللَّفظِ، وإيقاعِ العبارةِ، فضلًا عن معانيهِ السَّاميةِ الَّتي تدعو إِلى الحقِّ والخيرِ، وتنهَى عن السُّوءِ، والشَّرِّ، والانحرافِ، والكفرِ، والخطأ.

وهكذا باتتِ اللُّغَةُ العربيَّةُ برأي اللُّغويِّينَ العربِ أَفصحَ اللُّغاتِ في الأَصلِ والمفهومِ والاصطلاح. وهذا ما أَعْلَنَهُ “الزَّمخشريُّ” الَّذي عدَّ اللُّغَةَ العربيَّةَ أفصَحَ اللُّغاتِ، وبلاغتَها أتمَّ البلاغاتِ”([3]). وهو ما أَكَّدَه “ابنُ خلدون” حينَما بيَّنَ أهمِّيَّةَ اللُّغةِ العربيَّةِ بالقول: “تفاوتَتْ طبقاتُ الكلامِ في اللِّسانِ العربيِّ بحسبِ تفاوتِ الدَّلالةِ على تلك الكيفيَّات … فكان الكلامُ العربيُّ لذلك أَوجزَ وأَقلَّ ألفاظًا وعبارةً من جميعِ الأَلسن. اِعتمدتِ البلاغةُ عندَ العربِ منذُ عصرِ الجاهليَّةِ على أَصلِها السِّحريِّ في الإِبانةِ والتَّوضيح؛ لأَنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ محكومةٌ بوجودِ المعاني المعبَّرِ عنها بالأَلفاظِ. فمعظمُ اللُّغاتِ اهتمَّت بالمعانِي على حسابِ الأَلفاظِ، أو اهتمَّت بالأَلفاظِ على حسابِ المعاني، بيدَ أَنَّ اللُّغةَ العربيَّةَ، وبسببِ فصاحتِها وبلاغتِها وأصالتِها وغناها، وعبقريَّةِ اللُّغويِّينَ، استطاعت أَن تصلَ إِلى حدِّ الإِعجازِ الَّذي نجدُه في القرآنِ الكريمِ والأَحاديثِ النبويَّة، وفي نَظْمِ الشِّعر، وكتابةِ النَّثرِ، وجميعِ فروعِ الأدبِ العربيِّ. وقد استفادتِ البلاغةُ العربيَّةُ من السَّعَةِ في الاشتقاقِ، والمخزونِ الكبيرِ من الأَسماءِ والأَفعالِ المترادفةِ في اللُّغةِ العرَبيَّة، وغيرِ الموجودةِ في اللُّغاتِ الأُخرى. وهذه السَّعَةُ قد تكونُ إِحدى أَساساتِ ظهورِ البلاغةِ للإِحاطةِ بِهذا الكنزِ الكبيرِ من الاشتقاقِ، والتَّرادفِ بأَساليبَ بلاغيَّةٍ متنوِّعة. وهي السَّببُ أيضًا في التَّركيزِ على دراسةِ اللَّفظِ والمعنى، وعلاقتِهما المباشرةِ بالبلاغة.

وعليه، فقد قَسَّمْتُ هذا البحْثَ على الشَّكل الآتي:

مقدِّمة

الفصل الأَوَّل: تعريفُ البلاغة

الفصل الثَّاني: مدرسةُ اللَّفظ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية – قسم اللغة العربية وآدابها- الفرع الخامس.

الفصل الثَّالث: مدرسةُ المعنى

خاتمة

الفصل الأَوَّل: تعريفُ البلاغة

‏لقد بدأَ فنُّ البلاغةِ معَ “أرسطو” عندما أَخَذَ يبحثُ في المجازِ باسم “الابتكار في الأسلوب”([4]). إذ كان يرى أَنَّ الكاتبَ أو الشَّاعرَ إِنَّما يلجأُ كلٌّ منهما إِلى المجازِ ليدلَّ على أَفكارٍ جديدة؛ لأَنَّ المجازَ بنظرِ أَرسطو يكسبُ الكلامَ وضوحًا، وسموًّا وجاذبيَّةً، لا يكسبُه إِيَّاها شيءٌ آخرُ”([5]). فوجوهُ البلاغةِ المختلفةُ هي من وسائلِ الإِيحاءِ بالحقيقةِ عن طريقِ الخيالِ، وهي موجودةٌ في كلِّ لغةٍ. تهدِفُ إِلى تدعيمِ الحجَّةِ، وتقويةِ المعنى. ولا تُستخدَمُ البلاغةُ إِلَّا لتوكيدِ المعنى، “أو حينَ اللُّجوءِ إِلى علاقةِ اللُّزوم العرفيِّ اللُّغويِّ في الكتابةِ، رغبةً في إثباتِ حقيقةٍ، أو إيحاءً بحجَّةٍ. ولا يقصدُ بهذه الوجوهِ – من حيثُ هي – إِثباتُ ما ليسَ بثابتٍ، وادِّعاءُ دعوى لا طريقَ إِلى تحصيلِها”([6]).

وقد نالتِ “البلاغةُ” عنايةَ نقَّادِ العربِ وخصوصًا في علمَي “البيان والبديع” بسببِ ما دارَ من جدلٍ حولَ أَدبِ المحدَثينَ منذُ مُسلم بن الوليد، وبشَّار، وأَبي نُوَاس. وقد حفلَ بها وتكفَّلَها “أبو تمَّام” حتَّى صارَ شعرُه مثَارَ الخصومةِ بينَ أَنصارِ القدماءِ والمحدَثين. ولم يكنِ “ابنُ المعتزِّ هو من بدأَ بعلاجِ بعضِ الوجوهِ البديعيَّة، بل سبقَه أستاذُه “ثعلب: أحمد بن يحي” الَّذي تَكلَّم على التَّشبيهِ والغلوِّ، والاستعارةِ، وحسنِ الخروج، والطِّباق…” ([7]). وإِنَّ كلَّ من تعرَّضَ لهذه الدِّراساتِ في وجوهِ البلاغةِ قد وضعَ نصبَ عينيه “جلاءَ الرَّوعةِ الفنِّيَّةِ عن طريقِ الموازنةِ بينَ المعاني، والتَّقسيم لوجوهِ الحسنِ في الفنونِ البلاغيَّةِ، والإِرشادِ إِلى مأتى الأَصالةِ، والغايةِ من البيانِ في الكشفِ عن المعنى وتمثيلِه”([8]). ويبدو أَنَّ المهتمِّينَ بشؤونِ البلاغةِ عندَ العربِ قد تَأَثَّروا بدراسةِ الصُّورِ الجزئيَّةِ المذكورةِ عندَ أَرسطو في كتابِ “الخطابة”.

والواقعُ أَنَّ منهجَ البلاغيِّينَ العربِ أو النُّقَّادِ كانَ مخالفًا في أساسِه لمنهجِ أَرسطو من ناحيةِ الصُّورِ الجزئيَّة عندَه الَّتي يُقصَدُ بها وسائل الايحاءِ الَّذي غايتُه الإقناعُ وجلاءُ الحقائقِ، وقد قصرَ أَرسطو كلامَه على الوجوهِ البلاغيَّةِ من حيثُ هي وسائلُ لهذه المعاني؛ بينما لجأَ البلاغيُّونَ والنُّقَّادُ العربُ إِلى شرحِ الوجوهِ البلاغيَّةِ بالاستقراءِ والتَّتَبُّعِ لكلامِ العربِ، وحصرِ ما أَجازوه، وجرَت به عادتُهم. وقد برَّرَ الباحثونَ العربُ الحقائقَ اللُّغويَّةَ على أَنَّها عامَّة. فالحقيقةُ والمجازُ لا تختلفُ فيها لغةٌ عن لغةٍ من حيثُ الوضعُ، والاعتباراتُ العامَّة؛ وهذه الاعتباراتُ إِنَّما تخضعُ لقوانينَ عقليَّةٍ تتحكَّمُ في اللُّغاتِ جميعِها على حدٍّ سواء. ومثالُ ذلك: أَنَّ الاستعارةَ يندرُ أن تجري في اللَّفظِ؛ لأَنَّه يستحيلُ استعارةُ عضوٍ من إنسانٍ أو حيوانٍ إِلى إنسانٍ آخرَ أو حيوانٍ آخرَ. بل يجبُ أَن تكونَ الاستعارةُ مفيدةً من بابِ التَّوسُّعِ اللُّغويِّ.

  • البلاغةُ لغةً

جاءَ في لسانِ العربِ ما يأتي: بَلَغَ الشَّيْءَ يَبْلُغُ بلوغًا وبَلَاغًا: إذا وصلَ وانتهى إِلى غايتِه. وبلغتُ المكانَ بلوغًا: وصلتُ إِليه، وكذلك شارفْتُ عليه”([9]). ومنه قولُه تعالى: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾([10]). وهنا نجدُ أَنَّ الدَّلالةَ اللُّغويَّةَ تتمحورُ حولَ الوصولِ، أَو مقاربةِ الوصولِ، والانتهاءِ إِلى الشَّيْءِ، والإِفضاءِ إليه.

كذلك فإِنَّ المعنى الاصطلاحيَّ يقاربُ المعنى اللُّغويَّ بحسبِ ما ذُكرَ في لسانِ العرب: البلاغةُ: الفصاحة. ورجلٌ بليغٌ وبَلْغٌ وبِلْغٌ: حسنُ الكلامِ فصيحُه يَبْلُغُ بعبارةِ لسانِه كُنْهَ ما في قلبِه، والجمعُ بلغاءُ وقد بَلُغَ بلاغَةً: أَي صارَ بليغًا. وهكذا نرى أَنَّ المعنى الإِضافيَّ (حسنُ الكلامِ) مرتبطٌ بالمعنى الحقيقيِّ وهو الوصولُ والانتهاء”([11])؛ لأَنَّ الكلامَ الحسنَ يوصلُ ما في قلبِ المتكلِّم إِلى المتلقي بعبارةِ لسانِه الواضحة.

  • البلاغةُ اصطلاحًا

لقد وردَت تعريفاتُ البلاغةِ بأَوجهٍ وأَساليبَ متعدِّدة؛ إِلَّا أَنَّها تدورُ حولَ مغزًى واحدٍ. وقد وردَ في معجمِ المصلطحاتِ العربيَّة ما يأتي: “البلاغةُ هي مطابقةُ الكلامِ الفصيحِ لمقتضى الحالِ، فلا بدَّ فيها من التَّفكير في المعاني الصَّادقةِ القيِّمَة القويَّة، المبتكرَةِ، المنسَّقةِ، حسنةِ التَّرتيب، معَ توخِّي الدِّقَّةِ في انتقاءِ الكلماتِ، والأَساليبِ بحسبِ مواطنِ الكلامِ، ومواقعِه وموضوعاتِه، وحالِ من يُكتَبُ لهم، أَو يُلقى إِليهم”([12]).

لقد جمعَ الجاحظُ تعريفاتِ القدامى للبلاغةِ من كتَّابٍ وشعراءَ. وهي جميعُها متقاربةٌ في الشَّكلِ والمضمونِ وخصوصًا أَنَّ شروطَها محصورةٌ ببعضِ المصطلحاتِ “الذَّوقُ، الفاعليَّةُ في القلوبِ، آسرةُ عقولِ المتلقِّين” وغيرِها من الشُّروط الفنِّيَّةِ الَّتي تميِّزُ البلاغةَ من غيرِها من الكلام. وجاءَ في كتابِ “البيان والتَّبيين” للجاحظ تعريفُ ابنِ المقفَّعِ للبلاغةِ إِذ يقول: “هي اسمٌ جامعٌ لمعانٍ تجري في وجوهٍ كثيرةٍ، فمنها ما يكونُ في السُّكوتِ أو الاستماعِ أو في الإِشارةِ، أو الاحتجاجِ، ومنها ما يكونُ جوابًا أو شعرًا أو سَجْعًا أو خُطَبًا، ومنها ما يكونَ رسائلَ. فعامَّةُ ما يكونُ من هذه الأَبواب فالوحيُ فيها، والإِشارةُ إِلى المعنى أَبلغُ، والإيجازُ هو البلاغة”([13]).

وسُئِلَ العتَّابيُّ المتوفَّى العام  220هـ ما البلاغةُ؟ فأجابَ: “كلُّ مَن أَفهمَكَ حاجتَه من غيرِ إِعادةٍ، ولا حُبْسَةٍ، ولا استعانةٍ فهو بليغ”([14]). وهنا حدَّدَ العَتَّابيُّ صفاتِ البليغ، كأنَّه يقيِّدُ الإِفهامَ بالكلامِ الجاري على أَنماطِ كلامِ الفصحاءِ من العرب. وقد تطوَّرَ مصطلحُ البلاغةِ معَ الزَّمنِ، على الرَّغمِ من الاحتفاظِ بفحوى المصطلح وكنهِه. كما في تعريفِ الرُّمَّانيِّ المتوفَّى العام 386هـ إِذ يقول: “البلاغةُ هي إِيصالُ المعنى إِلى القلبِ في أَحسنِ صورةٍ من اللَّفظ”([15]). وقد تنحصرُ البلاغةُ في الصُّورةِ الجميلةِ من اللَّفظ إِلى حدِّ الافتنان.

ثمَّ اتَّخذَ تعريفُ البلاغةِ نوعًا من التَّوسُّعِ لغويًّا، لتحديدِ الدَّلالةِ اللُّغويَّةِ لهذا المصطلحِ حينما صَرَّح أبو هلالٍ العسكريُّ المتوفَّى العام 395هـ بأنَّ البلاغةَ من صفةِ الكلام، لا من صفةِ المتكلِّم؛ لأنَّ تسميةَ المتكلِّم بأنَّه بليغٌ هو توسُّعٌ، والحقيقةُ أَنَّ كلامَه بليغٌ. وقد حدَّدَ “العسكريُّ” البلاغةَ بالقولِ: “سمِّيت البلاغةُ بلاغةً؛ لأَنَّها تنهي المعنى إِلى قلبِ السَّامعِ فيفهمُه”([16]).

ثمَّ أَوضحَ “العسكريُّ” أَنَّ الفصاحةَ والبلاغةَ ترجِعانِ إِلى معنى واحدٍ وإِن اختلفَ أصلاهما؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما إِنَّما هو الإبانةُ عن المعنى، والإظهارُ له. ثمَّ عرَّفَ البلاغةَ في الفصلِ الثَّاني من كتابِه “الصِّناعتين” بالقول: “البلاغةُ كلُّ ما تُبَلِّغُ به المعنى قلبَ السَّامعِ، فتمكِّنُه في نفسِه كتمكُّنِه في نفسِكَ معَ صورةٍ مقبولةٍ، ومعرضٍ حسن”([17]).

وقد أَفردَ “عبدُ القاهرِ الجرجانيُّ” المتوفَّى العام 471هـ في كتابِه “دلائل الإِعجاز” فصلًا عن مفهومِ البلاغةِ والفصاحةِ والبيانِ والبراعةِ بالقول: “لا معنى لهذه العباراتِ، وسائرِ ما يجري مجراها ممَّا يُفردُ فيه اللَّفظُ بالنَّعتِ والصِّفةِ، وينسبُ فيه الفضلُ والمزيَّةُ إِليه دونَ المعنى غيرُ وصفِ الكلامِ بحسنِ الدَّلالةِ، وتمامِها في ما لو كانت دلالة، ثمَّ تبرُّجها في صورةٍ هي أَبهى وأَزينُ، وأَحقُّ بأن تستوليَ على هوى النَّفسِ، وتنالَ الحظَّ الأَوفرَ من ميلِ القلوبِ… ولا جهةَ لاستعمالِ هذه الخصالِ سوى أن يُؤتى المعنى من الجهةِ الَّتي هي أَصحُّ لتأديتِه، ويُختارَ له اللَّفظُ الَّذي هو أَخصُّ به”([18]).

وهذا “ابنُ سنان الخفَاجيُّ” (المتوفَّى العام 466هـ) يذهبُ في كتابِه “سرُّ الفصاحة” إِلى أَنَّ القدامى لم يحدُّوا البلاغةَ (لم يعرِّفوها)؛ لأنَّهم اكتفوا برصدِ صفاتِها؛ ولكنَّه لم يفرِّقْ بينَ الفصاحةِ والبلاغة، ورأى أَنَّ الفصاحةَ مقصورةٌ على وصفِ الأَلفاظِ، وأَنَّ البلاغةَ لا تكونُ إِلَّا وصفًا للألفاظِ معَ المعاني؛ فلا يقالُ في كلمةٍ واحدةٍ لا تدُلُّ على معنًى يفضَّلُ عن مثلِها بليغة، وإِن قيلَ فيها فصيحة … ثمَّ ينتهي إِلى تعريفِ الفصاحةِ بالقول: “الفصاحةُ عبارةٌ عن حسنِ التَّأليفِ في الموضوعِ المختار”([19]). وهذا تعريفٌ قريبٌ جدًّا من البلاغةِ ويليقُ بها.

أَمَّا الخطيبُ القزوينيُّ (المتوفَّى العام 734هـ) فقد ذهبَ في مقدِّمةِ كتابِه “الإِيضاح”، إِلى أنَّه لم يجدْ في تعريفاتِ الفصاحةِ والبلاغةِ عندَ المتقدِّمين ما يقنعُه؛ إِلَّا أنَّه شرحَ الفصاحةَ، وعرَّفَ البلاغةَ في الكلام بأَنَّها: “مطابقةُ الكلامِ لمقتضى الحالِ معَ فصاحتِه”([20]). مؤيّدًا “الجرجانيَّ” بإطلاقِ الفصاحةِ والبلاغةِ على أوصافٍ راجعةٍ إِلى المعاني.

لقد نشأتِ “البلاغة” وهي تعني ما يقولُه الخطباءُ والمنشؤونَ من آثارٍ أدبيَّةٍ، ثمَّ تناولَ هذه الآثارَ بعضُ المهتمِّينَ والمتذوِّقينَ بنقدِهم وملاحظاتِهم؛ ومقاييسُ النَّقدِ هذه يستقيها أَربابُها من النَّظرِ إِلى أرفعِ الآثارِ الأدبيَّةِ”([21])؛ الأَمرُ الَّذي يَدُلُّ على أنَّ البلاغةَ نشأت، وتطوَّرت في مجالِ الأَدبِ أوَّلًا. وهذا ما بدا من خلالِ ما وصلَ إلينا من العصرِ الجاهليِّ حتَّى عصرِ الجاحظ. “أي قبلَ أَن يبدأَ الباحثونَ بتجسيدِ المقاييسِ الذَّوقيَّةِ والقيمِ الجماليَّةِ في المصطلحاتِ البلاغيَّة”([22]).

وإذا كانتِ البلاغةُ هي الإيجازَ من غيرِ عجزٍ، والإِطنابَ من غيرِ خَطل كما وردَ في كتاب “البيان والتَّبيين” للجاحظ، كذلك فقد وردَ من أَقوالِ الباحثينَ في علومِ “البلاغةِ ما يأتي: “لا يكونُ الكلامُ يستحقُّ اسمَ البلاغةِ حتَّى يسابقَ معناهُ لفظَه، ولفظُه معناه، فلا يكونُ لفظُه إِلى سمعِكَ أَسبقَ من معناه إِلى قلبِك”([23]). وهذا ما يؤدِّي بنا إِلى الإِضاءةِ المختصرةِ على وجودِ مظاهرَ بلاغيَّةٍ في عصورِ الأَدب العربيِّ كافةً منذُ العصرِ الجاهليِّ.

  • البلاغةُ في العصرِ الجاهليِّ

إِنَّ العودةَ إِلى أَدبِ العصرِ الجاهليِّ عندَ العربِ نثرًا وشعرًا، تدلُّ على تملُّكِ الشَّاعرِ الجَاهليِّ مكانةً مرموقةً في عالمِ الفصاحةِ والبلاغةِ؛ بَدْءًا من التزامِ الكُهَّانِ السَّجْعَ بغيَةَ التَّأثيرِ في سامعيهم من حيثُ جدِّيَّةُ أَقوالِهم. وقد وردَ في كتابِ “البيان والتَّبيين” أمثلةٌ عديدةٌ في قولِ السَّجْع؛ نذكرُ منها: “والأَرضُ والسَّماء، والعقاب والصَّقعاء، واقعة ببقعاء”([24]). وهذا السَّجْعُ يلقي الرَّوعَ في مَن يسمعُه، ويُشعِرُهُ بأَنَّه كلامُ حقٍّ لا لَبْسَ فيه. أَمَّا مظاهرُ وجودِ البلاغةِ في أَشعارِ العربِ في العصرِ الجاهليِّ، فتظهرُ في اهتمامِ الكثيرِ من الشُّعراءِ بتجويدِ قصائِدهم. وهذا ما نوّه به الجاحظُ حينما قال: إِنَّ من شعرائِهم من كانَ يدعُ القصيدةَ تمكثُ عنده حولًا كرِيتًا (كاملًا)، وزمنًا طويلًا يردِّدُ فيها نظرَه ويجيلُ فيها عقلَه، ويقلِّبُ فيها رأيَه اتهامًا لعقلِه… فيجعلُ عقلَه زمامًا على رأيه، ورأيَه عيارًا على شعرِه”([25])؛ فضلًا عن وصفِ القصائدِ بالمنقَّحاتِ، والمذهَّباتِ، وغيرِها من الأَوصافِ الَّتي تنمُّ عن الفصاحةِ والبلاغةِ في اختيارِها. ومن مظاهرِ الفصاحةِ والبلاغةِ أَيضًا انتقاءُ الأَلقَابِ للشُّعراءِ؛ مثل “النَّابغة، والمرقِّش، والمثقِّب، والمُهَلْهِل، والكيِّس…” ([26]). وهذه الأَلقَابُ تنمُّ عن ذوقٍ فنِّيٍّ رفيعٍ للأَدب. وقد تكونُ المناظراتُ بينَ شعراءِ العصرِ الجاهليِّ دليلًا ساطعًا على تمكُّنِهم من التَّمييزِ بينَ الأَساليبِ التَّعبيريَّةِ من حيثُ المعاني والأَلفاظُ معًا؛ إضافةً إِلى إِلمامِهم بمقاييسَ بلاغيَّةٍ طبَّقوها على أَشعارِهم. وكانوا يسوقون أحيانًا ملاحظاتٍ هي فعلًا أصلُ الملاحظاتِ البيانيَّةِ في البلاغةِ العربيَّة. وكانت قصائدُهم زاخرةً بالمجازِ، والاستعارةِ، والتَّشبيهِ “وأَلوانِ المقابلاتِ والجناساتِ، ممَّا يدلُّ على أَنَّهم اعتنوا اعتناءً واسعًا بِحُسْنِ الكلامِ، والتَّفنُّنِ في معارضِه البليغة”([27]).

  • البلاغةُ في العصرِ الإِسلاميِّ

أَدَّى ظهورُ الإِسلامِ إِلى ترسيخِ معالمِ البلاغةِ، ونموِّها بفضلِ المنهجِ القرآنيِّ الَّذي يقومُ على طرقِ الفصاحةِ والبلاغةِ، فضلًا عن أَحاديثِ الرَّسولِ الكريمِ المفعمةِ بالحججِ البيانيَّةِ والبلاغيَّة. فالقرآن نفسُه كان وما يزالُ حجَّةً بلاغيَّةً فاتنةً أَذهلَتِ الباحثينَ، والدَّارسينَ في الغربِ قبلَ الشَّرق؛ لما فيه من قدرةٍ على الإِفهامِ، وبلاغةٍ في التَّعبيرِ، وتنوُّعٍ في الأَساليبِ. ويُعَدُّ القرآنُ الكريمُ أهمَّ مصدرٍ من مصادرِ البلاغةِ لتنوُّعِ طرائقِ التَّعبير البلاغيَّةِ فيه، يليه الشِّعرُ العربيُّ. والواقعُ أَنَّ الرَّغبةَ عندَ الباحثينَ، والعلماءِ العربِ في تفهُّمِ القرآنِ، دفعَتهم إِلى البحثِ في بلاغتِه. “وقد أَدَّى هذا بدورِه إِلى ظهورِ العديدِ من الكتبِ الَّتي تبحثُ في معاني القرآنِ، ومُشكلِه، ومجازِه، ونظمِه، وإِعجازِه”([28]).

وأمَّا الرَّسولُ (ص) فكانَ حديثُه على كلِّ لسان، وكانت خطبُه ملءَ الصُّدورِ، والقلوب. وفيه يقولُ الجاحظ: “إِنَّه لم ينطِق إِلَّا من ميراثِ حكمة، ولم يتكلَّمْ إِلَّا بكلامٍ قد حُفَّ بالعِصمة. وهو الكلامُ الَّذي أَلقى اللَّـهُ عليه المحبَّة … وجمعَ له بينَ حسنِ الإِفهامِ، وقلَّةِ عددِ الكلامِ، معَ استغنائِه عن إِعادتِه، وقِلَّةِ حاجةِ السَّامعِ إِلى معاودتِه”([29]).

لقد أَدخلَ الإِسلامُ في الحياةِ العربيَّةِ من خلالِ الخطبِ في المناسباتِ، الغنى في الأَساليبِ اللُّغويَّةِ الَّتي تركَت أَثرًا كبيرًا في السَّامعين. وهذا ما أَغنى ميدانَ البلاغةِ بمقاييسَ فنِّيَّةٍ جديدة. وقد ظهرتِ الدَّعوةُ إِلى الإِيجازِ في العصرِ الإسلاميِّ؛ وكانَ الرَّسولُ في طليعَةِ الموجزينَ حيثُ وردَ عنه قولُه: “نضَّرَ اللَّـهُ وجهَ رجلٍ أَوجَزَ كلامَه، واقتصَرَ على حاجتِه… إِنَّ أَبغضَكم إِليَّ، وأَبعدَكم منِّي يومَ القيامةِ: الثَّرثارونَ، والمتشدِّقونَ، والمتفَيهِقونَ”([30]).

  • البلاغةُ في العصرِ الأُمويِّ

لقد بلغَ التَّحضُّرُ عندَ العَربِ درجةً في هذا العصرِ، بسببِ استقرارِهم في المدنِ والأَمصارِ، وبلوغِهم مستوًى عاليًا من الرُّقيِّ العقليِّ الَّذي عَظُمَ بظهورِ الجِدالِ بينَهم في الشُّؤونِ العقيديَّةِ، والسِّياسيَّةِ، والثَّقافيَّة، وغيرِها.

وكانَ الجدالُ يدورُ بينَ الخوارجِ، والشِّيعةِ، والزُّبيريِّين، والأُمويِّين عقائديًّا وسياسيًّا، وكانَ هناك أَيضًا المُرجئَةُ، والجبريَّةُ، والقدريَّةُ، والمعتزلةُ، وما ظهرَ عندَهم من بلاغةٍ، وأَدبٍ متقدِّم، وحديثٍ في ذلكَ الزَّمن. “وبنمو العقلِ العربيِّ نما الكلامُ، وكثُرتِ الملاحظاتُ المتَّصلةُ بحسنِ البيانِ في مجالَي الخطابةِ والشِّعر”([31]).

لقد ازدهرتِ الخطابةُ في هذا العصرِ “الَّذي كانَ يحتاجُ إِلى جهودِ الخطباءِ، وقدرتِهم البيانيَّةِ لتثبيتِ أركانِ الدَّولةِ الأُمويَّةِ. وقد تنوَّعَتِ الخُطَبُ بينَ السِّياسةِ، والوَعْظِ، والشُّؤونِ الاجتماعيَّة”([32]). وقد اشتهرَ من بينِ الخطباءِ السِّياسيِّين “زياد” و “الحجَّاج”. حيثُ يقولُ “الشَّعبيُّ” في “زياد”: “ما سمعتُ متكلِّمًا على منبرٍ قَطُّ تكلَّم فأَحسنَ، إِلَّا أَحببتُ أَنْ يسكتَ خوفًا من أَن يسيءَ، إِلَّا زيادًا فإنَّه كلَّما أكثرَ كانَ أجودَ كلامًا”([33]). والكلامُ الجيِّدُ أو التَّجويدُ في الكلامِ هنا يعني الفصاحةَ والبلاغة. وهكذا نجدُ أَنَّ ازدهارَ الخطابةِ في العصرِ الأمويِّ قد ساعدَ على توجيهِ الأَفكارِ والتَّعصُّبِ لما للخطابةِ من تأثيرٍ في مختلفِ مجالاتِ الحياة. “كما زادَ اهتمامُ المشتغلينَ بأمرِ الخطابةِ، فراحوا يبحثونَ عن أَفضلِ السُّبلِ، والأَساليبِ للتَّأثيرِ في السَّامعين”([34]).

ظهرتِ الأَسواقُ الأدبيَّةُ في مجالِ الشِّعرِ، كسوقِ “المِرْبَد” في البصرة “والكناسة” في الكوفةِ اللَّذين يَفِدُ إِليهما الشُّعراءُ لتقديمِ أَفضلِ ما صاغوه من أشعارِهم. وكثيرًا ما كانَ السَّامعونَ يبدونَ ملاحظاتِهم التَّعبيريَّةَ، والبيانيَّةَ، والبلاغيَّةَ على الشُّعراء. وهذا ما حصلَ معَ “ابن شُبْرُمَةَ” الَّذي لم يعجبْه قولُ “ذي الرُّمَّة”: [من الطَّويل]

إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّيْنَ لَمْ يَكَدْ                     رَسِيْسُ الهَوَى فِي حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ

فصاحَ “ابن شُبْرُمَةَ” قائلًا: أَراه قد برحَ؛ لأَنَّه لم يعجبْه “لم يَكَدْ”. فما كانَ من الشَّاعرِ إِلَّا أن عادَ وقال: [من الطَّويل]

إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّيْنَ لَمْ أَجِدْ                    رَسِيْسَ الهَوَى فِي حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ”([35])

وهذا ما يؤكِّدُ تفشِّي ظاهرةِ البلاغةِ بينَ المستمعينَ، والمتذوِّقينَ للشِّعرِ في العصرِ الأُمويِّ بعدَ أَن “ظهرَتِ الملاحظاتُ البيانيَّةُ في العصرينِ الجاهليِّ والإسلاميِّ، وتأصَّلَت قواعدُ البلاغةِ في العصرِ الأُمويِّ، وهي بحقٍّ تُعَدُّ الأُصولَ الأُولى لقواعدِهم”([36]).

  • البلاغةُ في العصرِ العبَّاسيِّ

كانَ القرنُ الثَّاني الهجريُّ قد شهدَ نشأةَ آراءٍ أصيلةٍ ومترجمةٍ حولَ البلاغةِ، ومتعلِّقاتِها، بعدَ أَن أَخذَ العلماءُ في بحثِ أُصولِ البلاغاتِ عندَ العربِ، وتدوينِ الآراءِ في معنى الفصاحةِ والبلاغة. وأوَّلُ ما أثَّرَ في هؤلاءِ الباحثينَ، والدَّارسينَ “وصيَّةُ بِشر بن المُعتمِر” “وهو من زعماءِ المعتزلةِ والمتوفَّى العام 210هـ”([37]).

ثمَّ بدأتِ الآراءُ والدِّراساتُ الموجزةُ حولَ البلاغةِ تظهرُ؛ ومنها: إِعجازُ القرآن “لأَبي عُبيدة” (ت: 207هـ)، والفصاحةُ للدِّينوريِّ (ت: 280هـ) و”صناعةُ الكلامِ” للجاحظ، والبلاغةُ وقواعدُ الشِّعر “للمبرِّد”، وقواعدُ الشِّعر “لثعلب”، وإِعجازُ القرآنِ في نظمِه وتأليفِه “للواسطيِّ” (ت: 306هـ)، والمفصَّلُ في البيانِ والفصاحةِ “للمزربانيِّ” (ت: 378هـ) وغيرُها. على أَنَّ أهمَّ الكتبِ والدِّراساتِ الَّتي تناولَت مسألةَ البلاغةِ بالبحث؛ هي: “كتابُ جمهرةِ أَشعارِ العربِ لأَبي زيدٍ القرشيِّ”.

وبعدَ ظهورِ الإِسلامِ برزَت طبقاتُ الكتَّابِ في تفسيرِ ما يوحي إِليه القرآنُ، ومن يكتبونَ الرَّسائلَ إِلى الملوكِ وغيرِهم من الخلفاءِ الرَّاشدينَ، وبعدَهم الخلفاءُ الأمويُّونَ والعبَّاسيُّون الَّذين اهتمُّوا بتدوينِ الرَّسائلِ إِلى الأُمراءِ، والولاةِ، والقادة. وكانَ هؤلاءِ يبذلونَ جهودًا لتجويدِ أساليبِهم في اختيارِ أَفضلِ الأَلفاظِ. وقد أَشارَ إليهم الجاحظُ، وأَشادَ بهم قائلًا: “أَمَّا أنا فلم أرَ قطُّ أَمثل طريقةٍ في البلاغةِ من الكتَّابِ، فإنَّهم التمسوا من الأَلفاظِ ما لم يكنْ متوعِّرًا وحشيًّا، ولا ساقطًا سوقيًّا”([38]). وهذا الكلامُ يحسمُ وجودَ البلاغةِ بقوَّةٍ في كتابةِ الرَّسائلِ، وأَساليبِ المخاطبةِ في العصرِ العبَّاسيِّ. وكانَ معظمُ هؤلاءِ الكتَّابِ من العربِ في صدرِ الإِسلام. إِلَّا أَنَّ غالبيَّتَهم أَصبحَت من غيرِ العربِ في العصرِ العبَّاسيِّ. وللدَّلالةِ على مستوى طرائِقِ التَّعبيرِ، والأَساليبِ الكتابيَّةِ، وبلاغتِها ما ذُكِرَ عن “يحي بن خالد البرمكيَّ” عندما أمرَ اثنينِ من كتَّابهِ أَن يكتبا في معنًى واحدٍ، فأَطالَ الأَوَّلُ، وأَوجزَ الثَّاني؛ فقالَ “للموجِزِ: ما أَرى موضعَ زيادةٍ، وقال للمطيلِ: ما أَرى موضعَ نقصان”([39]). لقد أثَّر الكتَّابُ بحكمِ صناعتِهم في ترسيخِ البلاغةِ وتميُّزِها؛ لأَنَّهم كانوا يميِّزون بينَ الأَساليبِ ويدلونَ بآرائِهم القيِّمةِ في قضايا البلاغةِ؛ ومنهم من ألَّف كتبًا في أَدبِ الكتابةِ والكتَّاب. ولا ننسى دورَ المتكلّمينَ أيضًا في تطوُّرِ البلاغةِ العربيَّةِ من المعتزلةِ، والمرجئةِ، والشِّيعةِ، والخوارجِ، حيثُ كانَ القرآنُ والسُّنَّةُ مرجعَي كلِّ المتكلِّمينَ في جدلِهم. وقد اشتهرَ زعماءُ هذه المذاهبِ بالخطابةِ، والفصاحةِ، والبلاغة من خلالِ انتقائِهم الألفاظَ والمعانيَ والاشتقاقَ اللُّغويَّ.

وممَّا ساهمَ في نشأةِ البلاغةِ وتطوُّرِها؛ ما يأتي:

  • الكتَّابُ (كتَّابُ الرَّسائل).
  • المتكلِّمون (أَصحابُ المذاهب).
  • وصيَّةُ بِشر بن المعتمر (الَّتي وضعَت أُصولَ قواعدِ الكتابة).
  • اللُّغويُّونَ، والنُّحاة، والرُّواة.
  • الشُّعراء.
  • التَّدوينُ في علومِ البلاغة.

ويُعدُّ الجاحظُ إِمامَ الكتَّابِ وشيخَ البيانِ وعَلَمًا من أَعلامِ الأَدبِ العربيِّ والنَّقد، وهو من أَئمَّةِ المعتزلة. وكانَ له اتصالاتٌ باليونانِ وثقافتِهم من خلالِ كُتُبِهِم المترجمة؛ ومن أهمِّ كُتُبِهِ “البيان والتَّبيين”. كما نذكر “كتاب الصِّناعتين” لأَبي هلالٍ العسكريِّ، “وأَسرارَ البلاغةِ” “لعبد القاهر الجرجانيِّ”، وأَهمُّ ما في هذا الكتابِ “نظريَّةُ النَّظم”؛ وقد سبقَه إِليها الجاحظُ المعتزليُّ الَّذي ألَّفَ كتابًا في نظمِ القرآن. وهكذا يكونُ العصرُ العبَّاسيُّ هو عصرُ البلاغةِ العربيَّةِ في أَوضحِ تجلِّياتِها البيانيَّةِ في النَّظمِ وفي اللَّفظِ والمعنى.

الفصلُ الثَّاني: مدرسةُ اللَّفظ

تُعَدُّ مسألةُ علمِ اللَّفظ والمعنى من مسائلِ علمِ الجمالِ الحديث، على الرَّغمِ من انشغالِ الأَقدمينَ فيها قبلَ العرب. وقد تحدَّثَ الأَقدمونَ عن المعاييرِ الجماليَّةِ الموضوعيَّةِ الَّتي تعدُّ من أُسسِ الحكمِ على العملِ الأدبيِّ من النَّاحيةِ الفنِّيَّة. وعليه، لم يغفلْ أَرسطو الإِشارةَ إِلى ما بينَ الأَلفاظِ ومعانيها في الجملِ من صِلة، ورأى أَنَّ جمالَ الأُسلوبِ في نظامِ الجملةِ، وفي توازي أَجزائِها”([40]).

ولقد عالجَ الكثيرونَ موضوعَ اللَّفظِ والمعنى من خلالِ تعريفِ الفصاحةِ والبلاغةِ، والنَّظم. “فالكلامُ الخالي من التَّعقيدِ اللَّفظيِّ ما سلمَ نظمُه من الخللِ، فلم يكنْ فيه ما يخالفُ الأَصلَ من تقديمٍ أو تأخيرٍ أو إِضمارٍ أو غيرِ ذلك، إِلَّا وقد قامَتْ عليه قرينةٌ ظاهرةٌ لفظيَّةٌ أو معنويَّة”([41]). لكن ثمَّةَ مَن نصرُوا اللَّفظَ، وآخرونَ نصرُوا المعنى.

وقد قالَ بعضُهم: “إِنَّ فصاحةَ المتكلِّم، هي مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بها على التَّعبيرِ عن المقصودِ بلفظٍ فصيح”، وبلاغةُ الكلامِ مطابقتُه لمقتضى الحالِ معَ فصاحتِه. “فالبلاغةُ صِفَةٌ راجعةٌ إِلى اللَّفظِ باعتبارِ إِفادتِه المعنى عندَ التَّركيبِ، وكثيرًا ما يُسمَّى ذلك فصاحةً أيضًا”([42]).

والبلاغيُّونَ الَّذينَ اهتمُّوا بحسنِ اللَّفظِ أَو نصروه لم يقفوا عندَ حدودِ اللَّفظِ وحدَه، من دونِ مراعاةٍ للمعنى الَّذي يدلُّ عليه اللَّفظُ، بل أَشادوا بقيمةِ المعنى أَيضًا “ورأَوا أَنَّ البلاغةَ في اللَّفظ المختارِ، والمعنى المنتخَبِ، ومتى اجتمعا فقد اجتمعَ الحسنُ من أطرافِه واكتملَ الكلامُ”([43]).

وكانَ الجاحظُ قد انحازَ إِلى اللَّفظِ في كتابِه “الحيوان” إِذ قال: “والمعاني مطروحةٌ في الطَّريقِ يعرفُها العجميُّ، والعربيُّ، والبدويُّ، والقرويُّ، وإنَّما الشَّأنُ في إقامةِ الوزنِ، وتخيُّرِ اللَّفظِ، وسهولةِ المخرجِ، وكثرةِ الماءِ وفي صِحَّةِ الطَّبعِ، وجَودَةِ السَّبك”([44]). وتعتمدُ مادَّةُ التَّعبيرِ الأَدبيِّ على الجملِ بما تشتمِلُ عليه من ألفاظٍ منظومةٍ أو منثورةٍ يُستعانُ بها على محاكاةِ الأَشياءِ والأَفعال.

لقد اهتمَّ القدماءُ “باللَّفظ”. وهذا ما اعتنى به “أرسطو” وشرحَه حينَ تحدَّثَ عن تنظيمِ أَجزاء القولِ في الخطابة. وحاولَ بعضُ نقَّادِ العربِ مجاراتَه في ذلك حينَ عالجوا أجناسَ الأدبِ العربيِّ شعرِه ونثرِه؛ ولكنَّ عنايتَهم ببيانِ وجوهِ الجمالِ في هذه الأَجناسِ كانت أقلَّ كثيرًا من عنايتِهم بنقدِ الجملةِ أو الأَبياتِ المفردةِ في القصيدة. وهذا فارقٌ جوهريٌّ بينَ النَّقدِ العربيِّ ونقدِ أرسطو؛ “لأَنَّ أَرسطو ذهبَ إِلى أَنَّ الحكمَ على أَجزاءِ الجنسِ الأدبيِّ لا يكتملُ إِلَّا بالنَّظرِ إِلى طبيعةِ الجنسِ الأدبيِّ والموقفِ بعامَّة. ولم يغفلِ الإشارةَ إِلى ما بينَ الأَلفاظِ ومعانيها في الجملِ من صِلة، ورأى جمالَ الأُسلوبِ في نظامِ الجملة”([45]).

ولم يقفْ أَرسطو طويلًا أَمامَ اللَّفظ والمعنى ليرجِّحَ أحدَهما على الآخر. أَمَّا النُّقَّادُ العربُ فقد عالجوا مسألةَ اللَّفظ والمعنى على أَساسِ المقابلةِ والمفاضلةِ بينَهما. فمنهم من نَظَرَ إِلى مقوِّماتِ العملِ الأدبيِّ فأَرجَعَها إِلى المعنى، وآخرون أرجعوها إِلى اللَّفظ، ومنهم من ساوى بينَ اللَّفظِ والمعنى، وأخيرًا ثمَّةَ من نظرَ إِلى الألفاظِ من جهةِ دلالتِها على معانيها في نظمِ الكلام. “والرَّأيُ الأَخيرُ أهمُّ الآراءِ وأكثرُها أَصالة”([46]).

إِنَّ انحيازَ الجاحظِ للَّفظ، أَلزَمَه انتقادَ أنصارِ المعنى؛ لأَنَّ الكلامَ عندَه يعتمدُ على التَّصويرِ والصِّياغة. وقد لاقاه “قُدامَة” في الفكرةِ نفسِها بقولِه: “إِنَّ المعاني مادَّةُ الشِّعرِ، والشِّعرُ فيها كالصُّورةِ، فلا ينبغي الحكمُ على الشِّعرِ بمادَّتِه، أَي بمعناه؛ وإِنَّما يحكمُ عليه بصورَتِه الَّتي تُمثِّلُ اللَّفظ”([47]). وقد وردَ عن “قدامة بن جعفر” في موضعٍ آخرَ انحيازُه إِلى اللَّفظِ حينَ قالَ: “وأحسنُ البلاغةِ التَّرصيعُ، والسَّجْعُ، واتِّساقُ البناءِ، واعتدالُ الوزنِ، واشتقاقُ لفظٍ من لفظ”([48]).

وكذلك تطرَّقَ ابنُ خلدون إِلى هذه الفكرةِ، “إِذ رأى نتيجةَ الاحتفالِ بالصِّياغةِ أَنَّ العبرةَ بالأَلفاظِ، وأنَّ المعانيَ تَبعٌ لها، وهي أَصْلٌ”([49]). ويقصدُ ابنُ خلدون أَنَّ الأَلفاظَ مقياسُ براعةِ الكاتبِ من دون المعاني، وأنَّ هذه الأَلفاظَ هي الَّتي تطلعُنا على المعاني، فهي الدّليل عليها، ومن دونِ الأَلفاظِ لا يُستَطَاعُ استجلاؤُها. وهو بذلك يردِّدُ رأيَ الجاحظِ ووجهةَ نظرِه في الأَلفاظِ وأَهمِّيَّتِها. ويرى أَنَّ المعانيَ متيسِّرةٌ عندَ كلِّ إِنسانٍ “وفي طوعِ كلِّ فكرٍ منها ما يشاءُ ويرضى، فلا تحتاجُ إِلى صناعةٍ، وتأليفُ الكلامِ للعبارةِ عنها هو المحتاجُ للصِّناعةِ … والأَلفاظُ كالقوالبِ للمعاني؛ فكما أَنَّ الأواني يُغْتَرَفُ بها الماءُ؛ ومنها آنيةُ الذَّهبِ، والفِضَّةِ، والزُّجاجِ، والخزفِ، والماءُ واحدٌ في نفسِه. وتختلفُ الجَودَةُ في الأواني المملوءةِ بالماءِ باختلاف جنسِها لا باختلافِ الماء، كذلكَ جودةُ اللُّغةِ وبلاغتُها في الاستعمالِ تختلفُ باختلافِ طبقاتِ الكلامِ في تأليفِه باعتبار تطبيقِه على المقاصِد، والمعاني واحدةٌ في نفسِها([50]).

وهكذا يحسُمُ ابنُ خلدون انحيازَه إِلى اللَّفظِ الَّذي يشبِّهُه بالأَواني، والمعاني الَّتي يشَبِّهُها بالماء. وقد عُني البلاغيُّون العربُ بحسنِ اللَّفظِ، وجَوْدَةِ السَّبك. “ورأوا في الافتنانِ بالحليةِ اللَّفظيَّةِ المجالَ الأكبرَ للتَّجديدِ، إيمانًا منهم بأَنَّ الأَوَّلينَ استغرقوا المعانيَ، أو أَتَوا على معظمِها، وإِنَّما يحصُلُ المحدَثون على بقايا تركت رغبةً عنها، واستهانةً بها، أو لبعدِ مطلبها. وهذا مجالُ الإبداعِ والإِغرابِ الَّذي ولعَ به أولئكَ المحدَثون”([51])، وتبعَهم النُّقَّادُ، ولكنَّ أكثرَ دعاةِ اللَّفظِ، وترجيحِه على المعنى، لم يُغفِلوا المعنى إِغفالًا. ونجدُ أَنَّ أَبَا هلالٍ العسكريَّ تأَثَّرَ إِلى حدٍّ كبيرٍ بالجاحظِ في انحيازِه إِلى اللَّفظِ أَو إِلى جهةِ تفضيلِ اللَّفظِ على المعنى، حيث وردَ في كتابه “كتاب الصِّناعتين” قولُه: “ومن الدَّليلِ على أَنَّ مدارَ البلاغةِ على تحسينِ اللَّفظِ، أَنَّ الخُطَبَ الرَّائعةَ، والأَشعارَ الرَّائعَةَ، ما عُملَت لإفهامِ المعاني فقط؛ لأَنَّ الرَّديء من الأَلفاظِ يقومُ مَقامَ الجيِّدةِ منها في الإِفهام؛ وإِنَّما يَدُلُّ حُسْنُ الكلامِ، وإِحكامُ صَنْعَتِه، ورَوْنَقُ أَلفاظِه، وجَوْدَةُ مطالعِه، وحُسْنُ مقاطعِه… على فضلِ قائلِه؛ وأَكثرُ هذه الأَوصافِ ترجِعُ إِلى الأَلفاظِ دونَ المعاني”([52]).

أَمَّا “الرُّمَّانيُّ” فأَدلى بدلوِه في مجالِ اهتمامِه باللَّفظ؛ فيقول: “إِنَّ المزيَّةَ لا تكمنُ في المعنى، ولكنْ في صورةِ اللَّفظِ، والبلاغةُ ليست في إِفهامِ المعنى؛ لأَنَّهُ قد يفهمُ المعنى متكلِّمانِ: أَحدُهما بليغٌ، والآخرُ عيٌّ”([53]). وهذا التَّبريرُ للرُّمَّانيِّ في أهمِّيَّةِ اللَّفظِ يؤكِّدُ أَنَّ اللَّفظَ هو الأَصلُ وهو الَّذي يمهِّد للمعاني المتعدِّدةِ للفظٍ واحدٍ، وفقَ ثقافةِ ومستوى المتلقِّي للأَلفاظ.

وقد شهدَ العصرُ الحديثُ على جهودِ الشُّعراءِ والنُّقَّادِ في إِعادةِ الاعتبارِ والمكانةِ “للَّفظة” كما كانت في عهودِ السَّابقينَ حيث جعلوا الشَّاعرَ ساحرًا بالأَلفاظ، يختارُ أفضَلها، وأشدَّها تألُّقًا وغرابةً. وبذلك نجدُ الشَّاعرَ العراقيَّ “عبد الوهاب البيَّاتي” يتحدَّثُ عن تجربتِه الشِّعريَّةِ فيقول: “إِنَّ بعضَ الكلماتِ لتكتسبُ في عيني أَحيانًا صفاتِ الكائنِ الحيِّ، فلا تكونُ كلماتٍ مفردة، إذ تضغطُ وتنوي فيها عوالمُ كبيرةٌ، ورؤًى وذكرياتٌ، حتَّى تصبحَ أَشبهَ بالقُمقمِ الَّذي حبسَ فيه العفريت. تظلُّ مثلُ هذه الكلماتِ تطاردُني وتفرضُ وجودَها عليَّ، كأنَّها جزءٌ من ذاتي، وليست عبئًا عليها. وهي أَحيانًا رموزٌ ومفاتيحُ لأَشياءَ نسيت، وماتَت، وترسَّبت في أَعماقِ الرُّوح، وفي أحيانٍ أُخرى، تصبحُ دلالاتٍ على أشياءَ غيرِ موجودةٍ في هذا العالمِ على الإِطلاق”([54]). والاهتمامُ بالأَلفاظِ، والانحيازُ إِليها من بابِ أَنَّ الأَلفاظَ مختلفةُ المعاني إِذا فرِّقَت، ومتَّفقتُها إِذا جُمعت، وأُلِّفَ منها كلام. وكلٌّ منَّا يفهمُ معنى لفظينِ مفردينِ؛ نحو (قعدَ وجلسَ)، ولكن يتغيَّرُ الفهمُ إِذا وُجِدَ اللَّفظُ المفردُ في مجموعِ الكلام. وهذا ما يدفعُنا إِلى البحثِ في نظريَّةِ النَّظم” عندَ “عبد القاهر الجرجانيِّ”.

نظريَّةُ النَّظمِ عندَ عبدِ القاهرِ الجرجانيِّ

لقد اهتمَّ عبدُ القاهر الجرجانيُّ بشرحِ دلالاتِ الأَلفاظِ، واختلافِها باختلافِ مواقعِها في الجُمل. وهو ما سُمِّيَ بالنَّظم”. و”قد قصدَ بالنَّظم ما يُطلقُ عليه الغربيُّون “علمَ التَّراكيب”، وهو عندَهم أَهمُّ أَجزاءِ النَّحو”([55]). بينما يعرِّفُه الجرجانيُّ بأَنَّه “وضعُ كلامِك الوَضعَ الَّذي يقتضيه علمُ النَّحو”([56]).

والنَّظمُ لا يظهرُ في الكلمةِ إِلَّا بحسبِ موقعِها في الجملةِ، وبهذا الموقعِ تتأثَّرُ الصُّورةُ الَّتي يهدفُ الأَديب إِلى رسمِها. “وكذلك الجملةُ لا يبينُ حُسْنُ نظمِها إِلَّا إِذا ائتلفَت بدورِها معَ جاراتِها وما تهدفُ إِليه هذه الجملةُ من معنى، ليتألَّفَ من مجموعِ الجملِ صورةٌ أَدبيَّةٌ كاملة”([57]). ومن دونِ هذا لا يكونُ الكلامُ جيِّدًا في نظمِه، أَي النَّظم الَّذي يريدُه الجرجانيُّ، وإِن حَسُنَت أَلفاظُه.

وقد عدَّ الجرجانيُّ أَنَّ النَّظمَ هو مدارُ الحسن، “متميّزٌ عن المعنى في ذاتِه مجرَّدًا، وعن اللَّفظِ في ذاتِه منفردًا؛ إِنَّما صياغةُ الكلامِ في جملٍ متآزرةٍ على جلاءِ الصُّورةِ المرادة”([58]). فالأَلفاظُ من حيثُ هي أَلفاظٌ لا يتصوَّرُ حسنُها إِلَّا في خلوِّها من الغرابةِ، والتَّنافرِ في النُّطق. أَمَّا الاستعاراتُ والمجازُ والمحسِّناتُ البديعيَّةُ فمَعَ جريانِها في الأَلفاظِ، لا يظهرُ حسنُها إِلَّا إِذا راعينا فيها وجوهَ الجمالِ في الصِّياغةِ والتَّصوير. وهكذا تصلُ إِلى تأليفِ الصُّورةِ الأدبيَّة في “معاني النَّظم”. وقد ترجعُ أهمِّيَّةُ الاستِعارةِ إِلى اللَّفظِ من حيثُ دلالتُه على المجازِ، دونَ نظمِ الكلام. وفي هذه الحالةِ لا قيمةَ لها إِلَّا في حسنِ موقعِها من الجملةِ في الصِّياغة. ولكنَّ النَّظمَ غالبًا ما يضيفُ إِلى جمالِها، إِذا كانت بالغةَ الإِحكام. “فالاستعارةُ في قولِه تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، جاريةٌ في لفظِ “اشتعل”، ويزيدُ في حسنِها نظمُ الجملةِ على هذا النَّحو، بإِسنادِ الفعلِ إِلى الرَّأسِ، وهو في الحقيقةِ للشَّيب”([59]). وهذا وجهٌ من وجوهِ حُسْنِ النَّظمِ في الكلام. وهنا زادَ النَّظمُ من حسنِ الاستعارةِ في “اشتعلَ الرَّأس شيبًا”؛ لأَنَّه يفيدُ – معَ لمعانِ الشَّيبِ في الرَّأس الَّذي هو أصلُ المعنى – الشُّمول”؛ وإِلَّا فلولا الشُّمولُ فإِنَّ النَّظمَ لا يُعْتَدُّ به كثيرًا. فلو قيلَ: اشتعلَ شيبُ الرَّأسِ، أو الشَّيبُ في الرَّأس، لانتفى الشُّمولُ، وبَهُتَ النَّظمُ، وأصبحتِ الجملةُ عاديَّةً جدًا. لقد ركَّز “الجرجانيُّ” على حسنِ النَّظمِ الَّذي يظهرُ من خلالِ تصويرِه للمعنى. فالصُّورةُ، من حيثُ هي، مدلولٌ عليها في النَّظم. كما يشترطُ لجمالِ الصُّورةِ الأَدبيَّةِ تآزرُ الجملِ المتآلفةِ على معنى، كي يتمَّ بها وضعُ الصُّورة، فيتحقَّقُ الحسنُ في النَّظم. كما يرى الجرجانيُّ “أَنَّ هناك محسناتٍ تجري في الأَلفاظِ، كالاستعارةِ، والتَّطبيقِ، وأقسامِ البديع، ولكن لا من حيثُ هي أَلفاظٌ – إِذ إِنَّ الأَلفاظَ من حيثُ هي أَلفاظٌ لا تخرجُ عن أن تكونَ أصواتًا لا توصفُ بالحسنِ أو القبحِ إِلَّا من جهة تلاؤمِها من الحروفِ وخفَّتِها على السَّمْعِ – بل من حيثُ هي محسِّناتٌ لفظيَّةٌ في الصِّياغةِ والسِّياق”([60]). ومن القصورِ الوقوفُ فيها عندَ مجرَّدِ اللَّفظ؛ لأَنَّ الكلامَ “قد يخلو من هذه المحسِّناتِ اللَّفظيَّةِ الَّتي تجري في الأَلفاظِ من حيثُ معانيها في الصِّياغةِ، ولكن يتوافرُ فيه معَ ذلك حُسْنُ النَّظم”([61]). فإِنَّ قصيرَ النَّظرِ هو الَّذي يقصرُ الحسنَ على اللَّفظِ دونَ النَّظم. وإِنَّ حُسنَ البيتِ الشِّعريِّ لِحُسْنِ النَّظمِ فيه.

وأخيرًا يمكنُ القولُ إِن صياغةَ النَّظمِ هي الَّتي تؤثِّر في الصُّورة الأَدبيَّةِ. وإِنَّما يُعْنَى باللَّفظِ في النَّظم لتأليفِ أجزاءِ هذه الصُّورةِ الَّتي لا تكتملُ إِلَّا بدقَّةِ الصُّنعِ في ذلك النَّظمِ، وباختيارِ الأَلفاظ، ووضعِها في مواضِعها الملائِمةِ في الجمل.

والجرجانيُّ لم يُضِفْ إِلى مفهومِ النَّظمِ الَّذي سبقَه إليه النُّحاة شيئًا جديدًا؛ بل جعلَ من هذا المفهومِ إطارًا عامًّا تدورُ حولَه البلاغةُ كلُّها بأبوابِها وفصولِها. فالبلاغةُ عندَه أَوَّلًا وأخيرًا هي النَّظمُ، سواءٌ أكانَ هذا النَّظمُ حافلًا بالمجازِ أَم لا. وذلك لا يكونُ سببًا في حسنِ الكلامِ أو قبحِه، إِنَّما مَرَدُّ الحسنِ أو القبحِ إِلى النَّظم، وتركيبِ الكلامِ وائتلافِ بعضِه معَ بعض. وهذا ما أَكَّدَه الجرجانيُّ بقولِه: “النَّظمُ في توخِّي معاني النَّحْو”([62]).

الفصل الثَّالث: مدرسةُ المعنى

عدَّ أَرسطو الكلماتِ رموزًا للمعاني، وهي متفاوتةٌ ما بينَ قبيحةٍ وجميلة. و”جمالُ الكلماتِ وقبحُها ينشأُ عن جرسِها أو معناها. وما الكلماتُ إِلَّا دلالاتٌ على المعنى. فمن الكلماتِ ما هي أصدقُ في وصفِ الشَّيء من كلماتٍ أُخرى، وألصقُ بالمعنى، أو أكثرُ تمثيلًا له أمامَ العيون”([63]).

وقالَ أَرسطو: “يمكنُ أن نعدَّ كلمةً أجملَ من الأُخرى، أو أقبحَ منها؛ إِذ إِنَّ الكلمتينِ تؤدِّيانِ معنى الجمالِ، أو معنى القُبحِ، ولكنَّهما لا تؤدِّيانِ مجرَّدَ معنى الجمالِ أَو القبح، حتَّى لو اقتصرَت على مجرَّدِ هذا المعنى؛ فإنَّ الكلمتينِ لا تؤدِّيانِه أبدًا بدرجةٍ واحدة. فكلماتُ المجازِ يجبُ أَن تكونَ جميلةً في الأُذنِ، وفي الفَهمِ، وفي العينِ، وكلِّ حاسَّةٍ من الحواسِّ الأُخرى”([64]).

وإِنَّ انقسامَ نُقَّادِ العربِ حولَ مسألةِ اللَّفظِ والمعنى، كانَ طبيعيًّا، ومنهم من نظرَ إِلى مقوِّماتِ العملِ الأَدبيِّ فأَرجعَه إِلى المعنى. ويبدو أَنَّ “أَبا عمر الشَّيبانيَّ”، في ما رواه الجاحظ. “كان لا يحفلُ إِلَّا بالمعنى. فمتى كان المعنى رائقًا حسنًا، ظلَّ كذلك في أيَّة عبارةٍ وضعَ فيها”([65]).

وقد اعتبر “الخطيبُ القزوينيُّ” أَنَّ البلاغةَ صنعةٌ راجعةٌ إِلى اللَّفظِ باعتبارِ إِفادتِه المعنى عندَ التَّركيب. وكثيرًا ما يسمَّى ذلك فصاحةً أيضًا. وهو مرادُ الشَّيخ عبد القاهر بما يكرِّرُه في “دلائل الإِعجاز” من أَنَّ الفصاحةَ صنعةٌ راجعةٌ إِلى المعنى دونَ اللَّفظِ، وأَنَّ الفصاحةَ والبلاغةَ وسائرَ ما يجري في طريقِهما أوصافٌ راجعةٌ إِلى المعاني، وإِلى ما يُدَلُّ عليه بالأَلفاظِ دونَ الأَلفاظِ نفسِها”([66]). وكلُّ ما يحترزُ به عن الخطأ هو علمُ المعاني. وكلُّ ما يحترزُ به عن التَّعقيدِ المعنويِّ هو علمُ البيان. من هنا كانتِ المبادرةُ إِلى وضعِ علمٍ خاصٍّ بالمعاني من ضمنِ علومِ البلاغةِ، انطلاقًا من مبدأ وجوهِ تحسينِ الكلامِ بعدَ رعايةِ تطبيقِه على مقتضى الحالِ عندَ كلِّ الباحثينَ، والنُّقَّادِ العرب. وأَكثرُ الَّذين تعصَّبوا للمعنى، هو “ابن جنِّي” في كتابِه “الخصائص” حيثُ قالَ: “إِنَّ العربَ كما تُعْنَى بأَلفاظِها، فَتُصقلُها، وتهذِّبُها، وتلاحظُ أَحكامَها، بالشِّعرِ تارَةً، وبالخُطَبِ أُخرى… فإِنَّ المعانيَ أَقوى عندَها، وأكرمُ عليها، وأَفخَمُ  قدرًا في نفوسِها… فإِذا رأَيتَ العربَ قد أَصلحوا أَلفاظَها وحسَّنوها فلا تَرَيَنَّ أَنَّ العنايةَ إِذ ذاك إِنَّما هي بالأَلفاظِ، بل هي عندَهم خدمةٌ منهم للمعاني، وتنويهٌ بها، وتشريفٌ منها”([67]). وهذه هي وجهةُ النَّظرِ الَّتي تقولُ: إِنَّ الأَلفاظَ تخدمُ المعاني الَّتي تحملُها. والمعاني أَكرمُ قدرًا، وأرفَعُ شأنًا، والشَّأنُ كلُّ الشَّأنِ للمعاني. كذلك فعل “الشَّريفُ الرَّضي” الَّذي انحازَ إِلى المعاني، بقولِه: “إِن الأَلفاظَ خدمٌ للمعاني؛ لأَنَّها تعملُ في تحسينِ معارضِها، وتنميقِ معاطفِها”([68]). وقد تناغمَ “المرزوقيُّ” معَ “الشَّريف الرَّضي” عندما “اعتبر الشِّعرَ عمليَّةَ إِفراغٍ للمعنى في وعائِه الجاهزِ لكي يتمَّ لهما التَّناسبُ والائتلافُ؛ ومتى توافقا، وتعانقا لمعَ نورُ البلاغةِ، وأَمطرَ روضُها، ونُشِرَ وشيُها، وتجلَّى البيانُ، وسطعَ البُرهان”([69]). وفي مجالٍ آخرَ ألمحَ “المرزوقيُّ” في دعوتِه إِلى ائتلافِ اللَّفظِ معَ المعنى، إِلَّا أنَّهُ انحازَ دائمًا إِلى جانبِ المعنى حيث قالَ: “الشِّعرُ مبنيٌّ على أوزانٍ مقرَّرةٍ، وحدودٍ مقسَّمةٍ، وقوافٍ يساقُ ما قبلَها إِليها مهيَّأة… لذا وجبَ أَن يكونَ الفضلُ والمزيَّةُ في أَكثرِ الأَحوالِ في المعنى”([70]).

لقد أنزلَ أنصارُ المعنى، هذا “المعنى” في المرتبةِ الأُولى بعدَ أن قدَّموه على الأَلفاظِ، من دونِ أن يغفلوا من شأنِها. بل اعتبروا الأَلفاظَ في الأَهمِّيَّةِ تلي منزلةَ المعنى. “والمدارُ عندَ هؤلاءِ على أن تكونَ استفادةُ المتأمِّلِ للكلامِ، والباحثِ عن مكنونِه من آثارِ عقلِه، من استفادتِه من آثارِ قولِه أَو مثلِه… فطلبوا المعاني المعجبَةَ من خواصِّ أماكنِها، وانتزعوها جزلةً، عذبةً، حكيمةً، طريفةً، زاهرةً، فاخرة”([71]). وهذه المعاني – وإِن كانَ الأوائلُ قد سبقُوا إِلى أَكثرِها – فما زال أَمامَ المحدَثينَ مجالٌ فسيحٌ للإبداعِ فيها؛ “لأَنَّ المحدَثين أكثرُ ابتداعًا للمعاني، وأَلطفُ مأخذًا، وأَدَقُّ نظرًا … وهم عظمُ الملكِ الإِسلاميِّ في زمانِهم، ورأَوا ما لم يرَه المتقدِّمونَ”([72]).

ومن هؤلاءِ “الآمدي”، إِذ يذكرُ من امتدَحوا أبا تمَّامٍ فقالوا: “إِن اهتمامَه بمعانيه كانَ أَكثرَ من اهتمامِه بتقويم أَلفاظِهِ، على كثرةِ غرامِه بالطِّباقِ، والتَّجنيسِ، والمماثلة، وإِنَّهُ، إِذا لاحَ له المعنى، أَخرجَه بأَيِّ لفظٍ استوى من ضعيفٍ أو قويٍّ… ويذكرُ أيضًا من فضائلِه أَنَّ معانيه لو تُرجمت إِلى لغةٍ أُخرى كالفارسيَّة، والهنديَّة، لما فقدَت قيمتَها”([73]). وقد علَّقَ الكثيرونَ على هذا الرَّأيِ من أصحابِ أَدبِ التَّصنيعِ الَّذين يتَّخذونَ الأَدبَ صناعةً، ولا يَرَوْنَ فيه إِلَّا وصفَ الأَلفاظِ، وجَوْدَةَ السَّبْكِ على حسابِ المعاني، فيجيء كلامُهم هيِّنًا خفيفَ الشَّأن. وهذا الكلامُ ينطبقُ أيضًا على الَّذينَ يهتمُّونَ باللَّفظ فقط. ويقول “ابن الأثير” في هذا المقام: “فقاتلَ اللَّـهُ القلمَ الَّذي يمشي في أَيدي الجهَّالِ الأَعمار”([74]).

لقد كان “الآمديُّ من أَشدِّ أَنصارِ المعنى، فالكلامُ بالنسبةِ إِليه هو المعنى، والمزيَّةُ – أَي الإبداع – من حيِّزِ المعاني. وكانَ من أَنصارِ عمودِ الشِّعر العربيِّ، قد نحا هذا النَّحْوَ، إِذ يقول: “إِنَّ أعدلَ كلامٍ سمعَه هو تسليمُ أصحابِ البحتريِّ “لأبي تمَّام” بالشَّيءِ الَّذي هو ضالَّةُ الشُّعراءِ، وطلبتُهم وهو لطيفُ المعاني”([75]). ويتضمَّنُ هذا الكلامُ إِعلاءً من شأنِ المعاني، بصرفِ النَّظرِ عن عناصرِ الإبداعِ الأُخرى الَّتي انطوى عليها شعرُ أبي تمَّام. إِلَّا أنَّه يؤكِّدُ اتجاهَه المعنويَّ في مكانٍ آخرَ، حيثُ يقولُ: “فَصِحَّةُ التَّأليفِ في الشِّعر، هي أقوى دعائمِه بعدَ صِحَّة المعنى”([76]).

مدرسةُ النَّظم: ائتلافُ اللَّفظِ والمعنى

لقد أَطلقَ “الجرجانيُّ” على ائتلافِ اللَّفظِ والمعنى، مصطلَح النَّظمِ حيث يقولُ: “النَّظم تآخي معاني النَّحْوِ في ما بينَ الكلمِ على حسبِ الأَغراضِ الَّتي يُصاغُ لها الكلامُ”([77]).

وكثيرونَ هم العلماءُ، والنُّقَّادُ الَّذين لم يميلوا إِلى الرأي القائلِ بترجيحِ اللَّفظِ وحدَه، أَو المعنى وحدَه، بل ذهبوا إِلى التَّسوية بينَهما. فاللَّفظُ والمعنى وحدةٌ لا تتجزَّأ، ولا يقومُ أحدُهما من دونِ الآخر. فالعملُ الأَدبيُّ كائنٌ حيٌّ، ولا يكونُ عملًا فنِّيًّا إِذا فَصَلْنَا المعنى عن اللَّفظ؛ لأَنَّ ذلك بمنزلةِ فصلِ الرُّوحِ عن الجسد. ومن أَقدمِ النُّصوص في ذلك صحيفةُ بِشر بن المعتمر المعتزليِّ (المتوفى العام 210هـ) والَّتي ينصحُ من خلالِها بتركِ التَّوعُّرِ، والتَّكلُّفِ إِذ يقول: “إِنَّ التَّوعُّرَ يسلمُك إِلى التَّعقيدِ، والتَّعقيدُ هو الَّذي يستهلكُ معانيك، ويشينُ أَلفاظَك. ومن أرادَ معنى كريمًا، فيلتمسْ له لفظًا كريمًا، فإنَّ حقَّ المعنى الشَّريفِ اللَّفظُ الشَّريفُ، ومن حقِّهما أَن نصونَهما عمَّا يفسدُهما ويهجِّنُهما”([78]).

وممَّن يسوِّي بينَ اللَّفظِ والمعنى “ابنُ قُتيبَة”، فخيرُ الشِّعر عندَه ما حَسُنَ لفظُه، وجادَ معناه؛ فإِذا قصرَ اللَّفظ عن المعنى، أو حلا اللَّفظُ، ولم يكن وراءَه طائلٌ، كان الكلامُ معيبًا”([79]). ثمَّ يعتبرُ “ابن قتيبة” أَنَّ علاقةَ اللَّفظِ بالمعنى كعلاقةِ الرُّوحِ بالجسدِ من خلالِ قولِه: “وللكلامِ جسدٌ وروحٌ، فجسدُه النُّطقُ (أي اللَّفظ) وروحُه معناه”([80]).

أَمَّا عبدُ القاهرِ الجرجانيُّ، فقد أَبدى انزعاجَه ممَّن قدَّروا اللَّفظَ وقدَّموه على المعنى. وكذلك مِمَّن أَمَروا بميزةِ المعاني على حسابِ الأَلفاظِ. بل المعوِّلُ عندَه هو على النَّظمِ والأُسلوبِ والصِّياغة. وكان يرى خطرًا من النَّاحيةِ النَّقديةِ على الَّذين انحازوا إِلى أيٍّ من اللَّفظِ أَو المعنى “كابنِ قتيبةَ، وابن طباطبا، وابن رشيق، والقيروانيِّ وغيرِهم، بحيث إِنَّ الانحيازَ للَّفظِ أَو للمعنى يؤدِّي إِلى قتلِ الفكر. وهو القائل: “لا يكون الكلامُ يستحقُّ اسمَ البلاغةِ حتَّى يسابقَ معناهُ لفظَه، ولفظُه معناه، ولا يكونُ لفظُه أَسْبَقَ إِلى سمعِكَ من معناهُ إِلى قلبِك”([81]). وقد أَبدى الجرجانيُّ رأيًا متقدِّمًا عندما قال: إِنَّ إِعجازَ القرآنِ لا يتصوَّرُ أن يكونَ في الأَلفاظِ منفردةً… فلا جمالَ إِذن في اللَّفظِ من حيثُ هو صوتٌ مسموعٌ، وحروفٌ تتوالى في النُّطقِ، وإِنَّما يكونُ ذلك لما بينَ معاني الأَلفاظ من الاتِّساقِ العجيب”([82]).

فالبلاغةُ ثنائيَّةُ التَّكوينِ وخصوصًا في مجالِ النَّظمِ؛ “لأَنَّها تقومُ على عنصرَي المعنى والمبنى؛ ومن تآلفِهما نحصلُ على أَساليبِ الأُدباءِ، وبهما يتمايزُ الشُّعراءُ، والنَّاقدُ الفَذُّ من عرفَ سرَّ التَّعبيرِ الفنِّيِّ الرَّفيع”([83]).

وإِنَّ نظريَّةَ النَّظمِ الَّتي وضعَها “الجرجانيُّ” “وضعت حدًّا للآراءِ النَّقديَّةِ الَّتي كانت تغالي في تأييدها لِلَّفْظِ تارَةً، وللمعنى تارةً أُخرى، فجعلَ النَّظمَ مقياسًا لجودَةِ الكلام”([84]). فإعجازُ القرآنِ ليسَ بلفظِه أو معانيه، إِنَّما بنظمِه. وقد أَسَّسَت نظريَّةُ النَّظم عندَ “الجرجانيِّ” “لذوقٍ نقديٍّ قوامُه الاعترافُ بالنَّصِّ، انطلاقًا من تركيزِه على طريقةِ التَّأليفِ، منكرًا الجمودَ والتَّقليدَ، وملتمسًا الابتكارَ والتَّجديد”([85]). نخلصُ إِلى القول: إِنَّ البلاغةَ ثنائيَّةُ التَّكوين، تقومُ على عنصري المعنى والمبنى، ومن ثَمَّ إِلى النَّظمِ القائمِ على التَّصويرِ والصِّياغةِ للدَّلالةِ على جلاءِ الصُّورةِ الأَدبيَّةِ بأبهى حللِها الفنِّيَّة.

الخاتمة

‏تظهرُ أهمِّيةُ دراسةِ البلاغةِ بينَ اللَّفظِ والمعنى من خلالِ الإِعجاز القرآنيِّ مصدرِ هذه البلاغة؛ لأَنَّ اللَّفظَ فيه مصفًّى من كلِّ كَدَرٍ وخَطَل، والمعنى هو بعضُ ومضاتِ الوحيِ الَّتي تجري في المسامِع مجرى الأَلوان في الطَّبيعة. حيث يموجُ النَّظمُ فيه كرونقِ الصَّفا لفظًا، وتركيبًا. فالبلاغةُ لها مدلولاتُها العديدةُ والمتنوِّعةُ عبرَ عصورِ الأدبِ منذُ أَرسطو وحتَّى يومِنا هذا؛ لأَنَّها تحملُ معانيَ البيانِ، والإيجازِ، والمجازِ؛ وفي ذلك يقولُ أَبو هلالٍ العسكريُّ في مقدِّمةِ كتابِه “كتابُ الصِّناعتين”: “قد علمنا أَنَّ الإِنسانَ إِذا أَغفلَ علمَ البلاغةِ، لم يقعْ علمُه باعجازِ القرآنِ من جهةِ ما خصَّه اللَّـهُ به من حسنِ التَّأليفِ، وبراعةِ التَّركيبِ، وما شحنَه به من الإيجازِ البديعِ، والاختصارِ اللَّطيف…” ([86]).

والبلاغةُ المتمثِّلَةُ بالنَّظمِ واللَّفظِ والمعنى تَهْدِفُ إِلى حُسنِ السَّبكِ، والوصولِ إِلى الصُّورَةِ الأَدبيَّةِ المثلى في الكلام، وفي الكتابةِ، كما تهدفُ إِلى الإِفصاحِ عن الفكرِ بأَساليبَ صحيحةٍ، فاتنةٍ، واضحةٍ وَفقًا لما ذكرَه “صُحارى العبديُّ” حين عرَّفَ البلاغةَ بقولِه: “البلاغةُ أَن تجيبَ فلا تُبطِئ، وتقولَ فلا تخطئ”([87]). كأَنَّ البلاغةَ تمنعُ القائلَ من التَّعثُّرِ، وتلزمُه بسرعةِ البديهةِ حتَّى تسمَّى بلاغةً ترتبطُ بالفصاحةِ أَيضًا.

والبلاغةُ في علاقتِها معَ اللَّفظ والمعنى تعتمدُ على وجوهِ الحسنِ في تأليفِ الكلامِ، على الرَّغمِ من أَنَّ بعضَهم فضَّلَ اللَّفظَ على المعنى، أَو المعنى على اللَّفظِ، أَو الائتلافَ بينَ اللَّفظِ والمعنى.

ففي هذا البحثِ المتواضعِ سلَّطتُ الضَّوءَ على أَهمِّيَّةِ اللَّفظِ، والمعنى، وبالتَّالي على أَهمِّيَّةِ البلاغةِ في لغتِنا العربيَّةِ، مرتكزًا على دورِ النُّقَّادِ في هذا المجال. كذلك فقد بَيَّنْتُ مواقفَ الدَّارسينَ الباحثينَ الَّذين تعمَّقوا في دراستِهم لإظهارِ البلاغةِ على حقيقتِها، ووضعوا مسارَها الصَّحيحَ منذ صحيفةِ “بشر بن المعتمر” وحتَّى يومِنا هذا، من خلالِ الأَبحاثِ والدِّراساتِ الَّتي تساعدُ على تحسينِ جمالِ الأُسلوبِ، وجمالِ النَّظمِ في النُّصوصِ الأَدبيَّةِ العربيَّةِ على أَنواعِها، في النَّثرِ كما في الشِّعر؛ حتَّى باتتِ النُّصوصُ العربيَّةُ مدارَ تنافسِ الكُتَّابِ في سَبْرِ أَغوارِ البلاغةِ، والتَّباهي بغزارتِها واعتمادِها.

فهذا البحثُ يساعدُ كلَّ الرَّاغبينَ في معرفةِ المداخلِ المؤدِّيَةِ إِلى دراسةِ البلاغةِ، وعلاقَتِها الحميمةِ باللَّفظِ والمعنى، وحسنِ النَّظم، والمعاييرِ الجماليَّةِ والفنِّيَّةِ في أيِّ عملٍ أَدبيٍّ.

فهرس المصادر والمراجع

  • المصادر العربيَّة
  • القرآن الكريم.
  • الآمدي، الموازنة بين أبي تمام والبحتري، القاهرة، لا. ط، 1956م.
  • ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار الجيل، لا.ط، 1988 م.
  • ابن سنان الخفاجيُّ، سرُّ الفصاحة، تحق: عبد المتعال الصَّعيدي، القاهرة، ط. صبيح، لا.ت.
  • أبو هلال العسكري، كتاب الصِّناعتين، تحق: علي البجاوي، ومحمد أبُو الفضل إِبراهيم، القاهرة، مط. عيسى البابي الحلبي، 1971م.
  • ابن رشيق القيرواني، العمدة، تحق: محمد محي الدين عبد الحميد، مصر، مك. التِّجاريَّة، ط3، 1963م.
  • ابن خلدون، المقدِّمة، ط. القاهرة (مط. البهية)، لا.ت.
  • ابن جنِّي، الخصائص، تحق: محمد علي النَّجار، بيروت، دار الهدى، مج1، ط2، لا.ت.
  • ابن الأثير، المثل السَّائر في أَدب الكاتب والشَّاعر، القاهرة، دار نهضة مصر، مج1، 1312هـ.
  • ابن قتيبة الدِّينوريُّ، الشِّعر والشُّعراء، تحق: مفيد قميحة، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1985م.
  • ابن طباطبا، عيار الشِّعر، تحق: طه الحاجري، ومحمد زغلول سلام، القاهرة، مك. التِّجاريَّة، لا.ط، 1956م.
  • ثعلب، أحمد بن يحي، قواعد الشِّعر، تحق: رمضان عبد التَّوَّاب، القاهرة، مك. الخانجي، لا.ط، 1948م.
  • الجاحظ، البيان والتَّبيين، تحق: عبد السَّلام هارون، القاهرة، مؤسَّسة الخانجي، ط3، لا.ت.
  • الخطيب القزوينيُّ، الإِيضاح في علومِ البلاغة، بيروت، دار الكتاب اللبناني، لا.ط، 1971م.
  • الرُّمَّانيُّ، النُّكَتُ في إِعجاز القرآن، تحق: محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام، مصر، دار المعارف، لا.ط، لا.ت.
  • الزَّمخشريُّ، محمود بن عمر، أساس البلاغة، تحق: عبد الرَّحيم محمود، بيروت، دار المعرفة، لا.ط، 1982م.
  • الشَّريف الرَّضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن، تحق: محمَّد عبد الغني حسن، القاهرة، لا.ط، لا.ت.
  • عبد القاهر الجرجانيُّ، أسرار البلاغة، القاهرة، ط. محمد رشيد رضا، لا.ط، 1939م.
  • عبد القاهر الجرجانيُّ، دلائل الإِعجاز، شرح السَّيد محمد رشيد رضا، بيروت، دار المعرفة، 1978م.
  • الجرجانيُّ، علي بن عبد العزيز، الوساطة بين المتنبِّي وخصومه، تحق: محمَّد أبو الفضل إبراهيم، وعلي البجَّاوي، القاهرة، مط. عيسى البابي الحلبي، لا.ط، 1945م.
  • قدامة بن جعفر، جواهر الألفاظ، تحق: محمد عبد الحميد، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1985م.
  • المرزوقي، شرح ديوان الحماسة، القاهرة، مط. لجنة التَّأليف للنَّشر والتَّرجمة، ط1، 1371هـ.
  • المراجع العربيَّة:
  • شوقي ضيف، البلاغة تطور وتاريخ، مصر، دار المعارف، لا.ط، لا.ت.
  • علي سلوم، بلاغة العرب، بيروت، دار المواسم للطِّباعة والنَّشر والتَّوزيع، ط2، 2004م.
  • عبد العزيز عتيق، في تاريخ البلاغة العربيَّة، بيروت، دار النَّهضة العربية، لا.ط، لا.ت.
  • عبد العزيز عتيق، تاريخ النَّقد الأدبي عند العرب، بيروت، دار النَّهضة العربيَّة، ط2، 1972م.
  • جودت فخر الدِّين، شكل القصيدة العربيَّة في النَّقد العربي، بيروت، دار المنهل، ودار الحرف العربي، ط2، 1992م.
  • محمد صايل حمدان، قضايا النَّقد الحديث، الأردن، دار الأمل للنشر، ط1، 1991م.
  • محمد غنيمي هلال، النَّقد الأدبي الحديث، بيروت، دار العودة، لا.ط، 1987م.
  • محمد أحمد قاسم، ومحي الدِّين ديب، علوم البلاغة، طرابلس، لبنان، المؤسسة الحديثة للكتاب، ط1، 2008م.
  • محمد علي سلطاني، مع البلاغة العربيَّة في تاريخها، دمشق، دار المأمون للتراث، لا.ط، لا.ت.
  • مجدي وهبي، وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربيَّة في اللُّغة والأدب، بيروت، مك. لبنان، لا.ط، 1979م.
  • الدَّوريات:

عبد الوهاب البيَّاتي، تجربتي الشِّعريَّة، مجلَّة الاداب، عدد 3، السنة 14.

  • الكتب المترجمة:

أرسطو طاليس، فنُّ الشِّعر، تر: عبد الرَّحمن بدوي، القاهرة، مك. النَّهضة المصريَّة، لا.ط، 1953م.

  • المصادر والمراجع الأجنبيَّة:
  • Wahl : Qu’est – ce que le structuralisme ? Chapitre Philosophie et structure. Paris – 1973.

([1])      F. Wahl : Qu’est – ce que le structuralisme ? Chapitre Philosophie et structure. Paris – 1973,Page 131.

([2])      محمد صايل حمدان، قضايا النَّقد الحديث، الأردن، دار الأمل للنشر، ط1، 1991م، ص 16.

([3])      الزَّمخشريُّ، محمود بن عمر، أَساس البلاغة، تحق: عبد الرَّحيم محمود، بيروت، دار المعرفة، لا.ط، 1982م، مادة: (لغو).

([4])      محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، بيروت، دار العودة، لا.ط، 1987م، ص 226.

([5])      أرسطو طاليس، فنُّ الشِّعر، تر: عبد الرَّحمن بدوي، القاهرة، مك. النَّهضة المصريَّة، لا.ط، 1953، ص 217.

([6])      عبد القاهر الجرجانيُّ، أسرار البلاغة، القاهرة، طبعة محمَّد رشيد رضا، 1939، ص 238 – 239.

([7])      ثعلب، أحمد بن يحي، قواعدُ الشِّعر، تحق: رمضان عبد التَّوَّاب، القاهرة، مك. الخانجي، 1948م، ص 25.

([8])      محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 227.

([9])      ابن منظور، محمَّد بن مكرَم، لسان العرب، بيروت، دار الجيل، لا.ط، 1988 م، مادة: (بلغ).

([10])    القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 234.

([11])    محمد أحمد قاسم، ومحي الدِّين ديب، علوم البلاغة، طرابلس، لبنان، المؤسَّسة الحديثة للكتاب، ط1، 2008، ص 8.

([12])    مجدي وهبي، وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربيَّة في اللُّغة والأدب، بيروت، مك. لبنان، 1979، لا.ط، ص 45.

([13])    الجاحظ، عمرو بن بحر، البيان والتَّبيين، تحق: عبد السَّلام هارون، القاهرة، مؤسَّسة الخانجي، ط3، لا.ت، ص 1 /115 – 116.

([14])    م.ن، ص 1/113.

([15])    الرُّمَّانيُّ، علي بن عيسى، النُّكَتُ في إعجازِ القرآن، تحق: محمد خلف الله أحمد، ومحمد زغلول سلام، مصر، دار المعارف، لا.ط، لا.ت، ص 75.

([16])    أبو هلال العسكريُّ، الحسن بن عبد اللَّه، كتاب الصِّناعتين، تحق: علي البجّاوي، ومحمد أَبو الفضل إِبراهيم، القاهرة، مط. عيسى البابي الحلبي، 1971 م، ص 12.

([17])    م.ن، ص 12.

([18])    عبد القاهر الجرجانيُّ، دلائل الإِعجاز، شرح السيد محمد رشيد رضا، بيروت، دار المعرفة، 1978م، ص 35.

([19])    ابن سنان الخفاجيُّ، محمَّد بن عبد اللَّه، سرُّ الفصاحة، تحق: عبد المتعال الصَّعيدي، القاهرة، ط. صبيح، لا.ت، ص 85.

([20])    الخطيب القزوينيُّ، الإِيضاح في علوم البلاغة، بيروت، دار الكتاب اللبناني، لا.ط، 1971 م، ص 72.

([21])    علي سلوم، بلاغة العرب، بيروت، دار المواسم للطِّباعة والنَّشر والتَّوزيع، ط2، 2004 م، ص 11.

([22])    محمد علي سلطاني، مع البلاغة العربيَّة في تاريخها، دمشق، دار المأمون للتراث، لا.ط، لا.ت، ص 16.

([23])    الجاحظ، البيان والتَّبيين، م.س، 1/97.

([24])    م.ن، 1/29.

([25])    م.ن، 1/222.

([26])    ابنُ رشيق القيروانيُّ، العمدة، تحق: محمد محي الدِّين عبد الحميد، مصر، مك. التِّجارية، ط3، 1963 م، ص 1/133.

([27])    شوقي ضيف، البلاغة تطوُّر وتاريخ، مصر، دار المعارف، لا.ط، لا.ت، ص 13.

([28])    عبد العزيز عتيق، في تاريخ البلاغة العربيَّة، بيروت، دار النَّهضة العربية، لا.ط، لا.ت، ص 13.

([29])    الجاحظ، البيان والتَّبيين، م.س، ص 2/221.

([30])    م.ن، ص 2/223.

([31])    شوقي ضيف، البلاغة تطوُّر وتاريخ، م.س، ص 15.

([32])    علي سلوم، بلاغة العرب، م.س، ص 22.

([33])    الجاحظ، البيان والتَّبيين، م.س، ص 2/65.

([34])    محمد علي سلطاني، مع البلاغة العربيَّة في تاريخها، م.س، ص 37.

([35])    الجاحظ، البيان والتَّبيين، م.س، ص 1/294 و 2/218.

([36])    شوقي ضيف، البلاغة تطوُّر وتاريخ، م.س، ص 19.

([37])    علي سلوم، بلاغة العرب، م.س، ص 25.

([38])    الجاحظ، البيان والتَّبيين، م.س، ص 137.

([39])    أبو هلال العسكريُّ، كتاب الصِّناعتين، م.س، ص 209.

([40])    محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 241.

([41])    الخطيب القزوينيُّ، الإِيضاح في علوم البلاغة م.س، ص 5.

([42])    م.ن، ص 7.

([43])    محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 72.

([44])    الجاحظ، كتاب الحيوان، تحق: عبد السلام هارون، بيروت، دار الجيل، لا.ط، 1996م، مج3، ص 131.

([45])    أرسطو، الخطابة، الكتاب الثاني، 1380ب، ص 2 – 3.

([46])    محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 243.

([47])    قدامة بن جعفر، جواهر الألفاظ، تحق: محمد عبد الحميد، بيروت، دار الكتب العلميَّة، ط1، 1985 م، ص 18.

([48])    م.ن، ص 3.

([49])    ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدِّمة، ط. القاهرة (مط. البهيَّة)، لا.ت، ص 528.

([50])    م.ن، ص 590.

([51])    الجرجانيُّ، علي بن عبد العزيز، الوساطة بين المتنبِّي وخصومه، تحق: محمَّد أبو الفضل إبراهيم، وعلي البجَّاوي، القاهرة، لا.ط، 1945م، ص 14.

([52])    أبو هلال العسكري، كتاب الصِّناعتين، م.س، ص 56.

([53])    الرُّمَّانيُّ، النُّكَتُ في إعجاز القرآن، م.س، ص 69.

([54])    عبد الوهاب البيَّاتي، تجربتي الشِّعريَّة، مجلة الاداب، عدد 3، السنة 14، ص 198.

([55])    محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 263.

([56])    عبد القاهر الجرجانيُّ، دلائل الإِعجاز، م.س، ص 201.

([57])    محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 264.

([58])    عبد القاهر الجرجانيُّ، دلائل الإِعجاز، م.س، ص 64.

([59])    عبد القاهر الجرجانيُّ، أسرار البلاغة، م.س، ص 316.

([60])    عبد القاهر الجرجانيُّ، دلائل الإِعجاز، م.س، ص 78.

([61])    محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 268.

([62])    عبد القاهر الجرجانيُّ، دلائل الإِعجاز، م.س، ص 173.

([63])    محمد غنيمي هلال، النَّقد الأَدبي الحديث، م.س، ص 242.

([64])    أرسطو، كتاب الخطابة، الكتاب الثالث، الفصل الثالث، 1405ب، ص 15.

([65])    الجاحظ، كتاب الحيوان، مج 3، م.س، ص 131.

([66])    الخطيب القزوينيُّ، الإِيضاح في علوم البلاغة، م.س، ص 8.

([67])    ابن جنِّي، الخصائص، تحق: محمد علي النَّجار، بيروت، دار الهدى، مج1، ط2، لا.ت، ص 217.

([68])    الشَّريف الرَّضي، تلخيص البيان في مجازات القرآن، تحق: محمَّد عبد الغني حسن، القاهرة، لا.ط، لا.ت، ص 244.

([69])    المرزوقيُّ، شرح ديوان الحماسة، القاهرة، مط. لجنة التَّأليف والنَّشر والتَّرجمة، ط1، 1371هـ، ص 8.

([70])    م.ن، ص 18.

([71])    م.ن، ص 23.

([72])    ابن الأثير، ضياء الدِّين، المثل السَّائر في أدب الكاتب والشَّاعر، القاهرة، دار نهضة مصر، 1312هـ،  مج1، ص 112.

([73])    الآمدي، الموازنة بين أبي تمَّام والبحتري، القاهرة، لا.ط، 1956م، ص 389 – 390.

([74])    ابن الأثير، المثل السَّائر في أدب الكاتب والشَّاعر، م.س، ص 221.

([75])    عبد العزيز عتيق، تاريخ النَّقد الأَدبي عند العرب، بيروت، دار النَّهضة العربيَّة، ط2، 1972م، ص 12.

([76])    الآمدي، الموازنة بين أبي تمَّام والبحتري، تحق: محمد عبد الحميد، بيروت، مك. العلمية، لا.ط، 1944م، ص 383.

([77])    عبد القاهر الجرجانيُّ، أسرار البلاغة، م.س، ص 321.

([78])    الجاحظ، البيان والتَّبيين، م.س، مج1، ص 134.

([79])    ابن قتيبَة الدِّينوريُّ، الشِّعر والشُّعراء، تحق: مفيد قميحة، بيروت، دار الكتب العلميَّة، ط2، 1985م، ص 3.

([80])    م.ن، ص 21.

([81])    عبد القاهر الجرجانيُّ، دلائل الإِعجاز، م.س، ص 182.

([82])    م.ن، ص 52.

([83])    ابن طباطبا، محمد بن أحمد، عيار الشِّعر، تحق: طه الحاجري، ومحمَّد زغلول سلام، القاهرة، مك. التِّجاريَّة، لا. ت، 1956م، ص 11.

([84])    علي سلوم، بلاغة العرب، م.س، ص 59.

([85])    جودت فخر الدِّين، شكل القصيدة العربيَّة في النَّقد العربي، بيروت، دار المنهل، ودار الحرف العربي، ط2، 1992م، ص 48.

([86])    أبو هلال العسكريُّ، كتاب الصِّناعتين، م. س، ص 9.

([87])    الجاحظ، البيان والتَّبيين، م.س، ص 1/96.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.