انزياح الصورة الشعرية لدی نازك الملائكة

0

انزياح الصورة الشعرية لدی نازك الملائكة

1ـ دکتور محمد غفوری([1])

2ـ دکتور حسن رحمانی راد([2])

ملخص البحث

الانزياح أو العدول أو الانحراف هو خروج الكلام عن نسقه المثالي المألوف أو هو خروج عن المعيار لغرض يقصد إليه المتكلم. والانزياح من أهم الظواهر التي يمتاز بها الأسلوب الأدبي من غيره. لأنه عنصر يميز اللغة الأدبية ويمنحها خصوصيتها وتوهجها ويجعلها لغة خاصة تختلف عن اللغة العادية. إذن يُعدُّ الانزياح ظاهرة أسلوبية تخص اللغة الفنية ويمكن بواسطتها التعرف إلی طبيعة الأسلوب الأدبي فإنّه يُكسب النص قيمة جمالية وينبّه إلی أسرار بلاغية كثيرة. من هنا، تتكفل هذه المحاولة دراسة انزياح الصورة في أشعار نازك الملائكه إذ نتاول هذه الظاهرة في الاستعارة والكناية والمجاز. تتمَّ هذه الدراسة عبر منهج وصفي ـ تحليلي ويتجلی للقارئ في نهاية هذا المقال أنَّ الشاعرة تمكنت من استخدام الانزياح الدّلالي بشكل مطرّد للإبداع والتجميل في الصورة‌ الشعرية؛ نتيجة هذه الدراسة تدلّ علی أنّ العدول عن المعيار والنزوع إلی الانزياح الدّلالي لدی فدوی طوقان يبرز مقدرتها الخيالية في توظيف الطاقة التّعبيريّة الکامنة في اللغات العادية التي تحيد عندها عن منطقيتها في کثير من الأحيان وتدخل في اختراق السّياق المألوف.

الكلمات الدليلية: نازك الملائكة، الانزياح، الصورة، الشعر

Abestract

Anzyah or breach or deviation The same output as the Word of common practice or standard language to express the purpose is the same output as speech that the speaker wants. And Anzyah one of the most important effects that makes a distinctive literary style from other styles. This is because the distinction between literary language and standard language and has a special place gives it character. So Anzyah phenomenon peculiar stylistic and artistic language and because it can be achieved literary text structure For Anzyah the text adds aesthetic valu Thus, this analytical descriptive study attempts to examine the artistic images in the poems of Nazik al-Malaika’s Anzyah And this in metaphor, irony and examine ‘permitted’ The results of this study show that the poet has been able to Anzyah widely, in order to devise and structural innovation and beauty in their poetic images Bkargyrd.

Key words: Nazik al-Malaika, paranormal, art, poetry.

المقدمة

يعدُّ مصطلح الانزياح من المصطلحات الشائعة في الدراسة الأسلوبية المعاصرة، وهو تقنية فنية يستخدمها الشعراء للتعبير عن تجربتهم الشّعورية. وله إضافة إلی كونه عامل تميز للخطاب الشعري، دور جمالي يسهم في لفت انتباه القارئ، ومن ثمة التأثير فيه وإيصاله إلی الإمتاع واللذة وتوصيل الرسالة التي يريدها الخطاب ولايختص بعصر معين. وهي من القضايا اللغوية التي تتعلق بالمعنی وتندرج ضمن مبحث الأسلوبية ومن أهم الأركان التي قامت عليها الأسلوبية (نظري، علي ووليئي، 1392: 86).

والانزياح هو أحسن ترجمة للمصطلح الفرنسي Ecart، إذ إنَّ هذا الكلمة تعني في أصل لغتها “البعد” أيضا.حتّى أنّ بعض الباحثين والمترجمين من العرب ترجمها بذلك، ولكنّ كلمة البعد لاتقوي علي أن تحمل المفهوم الفنّي الذي يقوي الانزياح علي حمله (محمد ويس، 2005: 49).

«الانزياح هو استعمال المبدع للّغة مفردات وتراكيب وصورًا استعمالاً يخرج بها عمّا هو معتاد ومألوف إذ يؤدّي ما ينبغي له أن يتّصف به من تفرّد وإبداع وقوّة جذب وأسر»(المصدر نفسه: 7).

ونحن في هذه المحاولة بصدد معالجة هذه الظاهرة في ديوان الشاعرة العراقية نازك الملائكة. نازك الملائكة على أساس أنّها رائدة الشّعر الحر، تُحسبُ من الشّعراء الذين أقبلوا علی الإبداع والابتكار والتجديد في المضامين الشعرية وقوالبها. هذه الشّاعرة ثارت في أشعارها علی قواعد اللغة وأطرها وقيودها وانتهكت اللغة العادية بخروجها إلی دلالات إيحائية وغير مألوفة ساعيةً عبرها إلی خلق إبداعات وجماليات شعرية ينجذب إليها القارئ ويتلذذها.

فرضية البحث

قد تتبلور ظاهرة‌ الانزياح في شعر نازك الملائكة بشكل مطرَّد؛ وقد استطاعت الشاعرة توظيف اللغة غير المألوفة للإبداع الفني وتجميل الصورة الشعرية في شعرها.

أسئلة البحث

1ـ ما هي أهم الانزياحات الدلالية المستخدمة في شعر الشاعرة نازک الملائکة؟

2ـ كم  نجحت الشاعرة في توظيف ظاهرة الانزياح الدلالي في أشعارها؟

خلفية البحث

هناك أبحاث أُجرِيت ونُشرت في بعض الفصليات المحكمة وفي إطار أطروحات جامعية نذكر أهمّها:

«الانزياح من منظور الدّراسات الأسلوبيّه» (أحمد محمد ويس)، «الانزياح في محور التركيب والاستدلال» (البار عبدالقادر)، «ظاهرة الانزياح في سورة النّمل» (هدية جيلي)، «ظاهرة الانزياح في قصيدة إرادة الحياة لأبي القاسم الشّابي» (آمنة لوط ووداد لوط)، «نازك الملائكة وإبداعاتها الشّعرية؛ رؤی نقدية» (حسين شمس آبادي/ مهدي ممتحن)، «رؤية نازك الملائكة لقضايا الشّعر المعاصر» (محمد إحسان النص).

منهج الدراسة و دائرتها:

قد وقفت هذه الدراسة علی معالجة نماذج من الانزياح البياني بما فيها الاستعارة والتشبيه والكناية في شعر الشاعرة عبر منهج وصفي ـ تحليلي.

1ـ مفهوم الانزياح

الانزياح لغة:‌ جاء في اللسان «نزَح»: نزح الشيء ينزح نزحًا ونزوحا: بَعُدَ» (ابن منظور، 2005: 231) وقد جاء في «معجم اللغة العربية‌ المعاصرة» معانٍ متباينة حول «انزاح»، منها ما يشترك فيها مع “اللسان” لابن منظور، ومنها ما اختلف فيه فأضاف معنی آخر إذا اشتراکا في التعبير علی معنی “البعد” وعلی معنی “البئر الفارغة التي نفد ماؤها”، لكن اشتمل علی معنی إضافي وهو “الانتقال” فالانزياح هو انتقال من مكان إلی مكان وفي اللغة هو انتقال من معنی إلی معنی آخر. فالعرب القدامی استعملوا لفظ الانتقال بدلًا من لفظ الانزياح أكثر شيء في المجال اللغوي ولكن على الرّغم من ذلك فإنّنا لاننفي أيضًا استعمالهم مصطلح الانزياح ولكن ذلك كان نادرًا نوعا ما.

الانزياح اصطلاحًا: الانزياح هو «استعمال المبدع للغة مفردات وتراكيب وصورًا استعمالاً يخرج بها عمّا هو معتاد. ومألوف إذ يودي ما ينبغي له أن يتصف به من تفرّد وإبداع وقوة جذب وأسر». (محمد ويس، 2005: 49)

اهتمّت الدّراسات النّقدية والأدبيّة الحديثة بظاهرة “الانزياح” على أساس أنّه قضية أساسية في تشكيل جماليات النصوص الأدبية، وبوصفه – أيضًا- حدثاً لغوياً في تشكيل الكلام وصياغته. والانزياح هو خروج الكلام عن نسقه المثالي المألوف، أو هو خروج عن المعيار لغرض قصد إليه المتكلم أو جاء عفو الخاطر، لکنّه يخدم النّص بصورة أو بأخری وبدرجات متفاوتة.

نستطيع أن نقول: إنّ الانزياح هو «اختراق مثالية اللغة والتجرؤ عليها في الأداء الإبداعي، إذ يفضي هذا الاختراق إلی انتهاك الصياغة التي عليها النسق المألوف والمثالي، أو إلی العدول في مستوی اللغة الصوتيّ والدّلالي عمّا عليه هذا النسق». (رشيد الددة، 2009: 15)

يُعدُّ مصطلح الانزياح من المصطلحات الشّائعة في الدّراسة الأسلوبيّة المعاصرة. وربما جان كوهين أول من خصَّ هذا المصطلح بحديث مستفيض في مجال حديثه عن لغة الشعر كإحدی المحاولات النّظرية الجادة في حقل الدّراسات البلاغية والشّعرية. وقد استلهم جان كوهين المفهوم ليعنی به ظاهرة فردية خاصة بأحد الكتّاب أو بأحد المبدعين (بو خاتم 2004: 170). أما بوادر الانزياح كانت حاضرة في الفكر الغربي من قبل انبثاق الدراسات الأسلوبية؛ فلما جاءت هذه الدراسات زاد المفهوم رسوخًا وعمقًا.

هذا صحيح أن مصطلح الانزياح مصطلح أسلوبي، حديث النشأة لکن شيئًا من مفهوم هذا الانزياح قديم يرتد في أصوله إلی أرسطو وإلی ما تلا أرسطو من بلاغة ونقد. وأرسطو ماز بين لغة عادية ومألوفة أخری غير مألوفة ورأی أنّ اللغة التي تنحو إلی الإغراب وتتفادی العبارات الشائعة هي اللغة الأدبية (محمد ويس، 2005: 82).

أمّا في الأدب العربي أول من استخدم هذا المصطلح هو عبدالسلام المسدي في كتابه «الأسلوب والأسلوبية». ومصطلح الانزياح ترجمة للمصطلح الفرنسي Ecrat ومفهوم هذا المصطلح ليس بجديد في الأدب العربي، بل جاء في بعض الكتب النقدية والبلاغية القديمة ما يدل علی هذا المفهوم. وقد فطن النّقاد القدماء إلی هذه الظاهرة الأسلوبية وقال ابن جني: «إنّما يقع المجاز ويعدل إليه الحقيقة لمعان ثلاثة، وهي الاتساع والتوكيد والتشبيه. فإنَّ عدم هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة.» (ابن جني، 2: 443)

2ـ أقسام الإنزياح

هناك نوعان رئيسان من الانزياح:

1ـ الانزياح الاستبدالي            2ـ الانزياح التركيبي

الانزياح الاستبدالي أو البياني: وهو الانزياح الذي يقع في جوهر الكلمة من دون النظر إلی الموضوعية في الاستعارة، الكنايه، المجاز المرسل والتّشبيه، وهو يدرس ميزات التّباين الموجود بين المشبه والمشبه به الذي يودي إلی خرق المألوف ظهور المفاجأة ما يعطي النص قدرًا كبيرًا من الرّوعة والانجذاب فكلما ابتعد طرفا التشبية والتقيا في نقطة غريبة لايعهدها الذهن، كلما يظهر نصيب كبير من الانزياح ارتقاءً في مستوی النص الدلالي ويروح يعلو شيئًا فشيئًا علی درجة الصفر النصية. (محمد ويس، 2005: 120)

الانزياح التركيبي: حدد بعض النقاد مفهوم هذا النوع من الانزياح في كتبهم النقدية ومنهم الدكتور صلاح فضل: «الانحرافات التّركيبيّة تتصل بالسّلسلة السّياقية الخطية للإشارات اللغويّة، عندما تخرج علی قواعد النظم والتركيب مثل الاختلاف في ترتيب الكلمات» (فضل، 1998: 211). ومنهم محمد ويس في كتابه “الانزياح من منظور الدراسات الأسلوبية”؛ ويحدث هذا النوع من الانزياح في الربط بين الدّول بعضها ببعض في العبارة الواحدة أو في التّركيب والفقرة.

تجدر الإشارة إلى أنه في تقسيم آخر يقسم ابن ذريل الانزياح إلی:

  1. الانزياح السكوني: الّذي لصور البلاغة، ويتبدی كبعد عن التّعبير المشترك.
  2. الانزياح الحركی: والذي يتبدّی كانقطاع في الزمان؛ وقفزة إلی المبادهة.
  3. الانزياح السياقي: الذي للأسلوبيات، ويتبدی كشذوذ دلالي، استنادًا إلی تصادم السياقات. ناهيك أنَّ الأسلوب كفرادة شعريّة هو نفسه قطعًا في النّسيج اللغوي للشعر. (ابن ذريل 1989: 27)

وأمّا، الباحث الإنجليزی ليج([3]) فقد قسّم الانزياح إلی ثمانية أقسام: اللّغوي، والنّحوي، والصّوتي، والکتابي، والدّلالي، واللهجي، والأسلوبي، والزّمني». (ينظر: صفوي، 1390هـ.ش: 51_ 58)

3ـ نبذة عن الشاعرة نازك الملائكة

ولدت في الثالث والعشرين من شهر آب أغسطس في العاقولية‌ من بغداد القديمة بالعراق سنة 1923م (عبدالمنعم خاطر، 1990: 11) وسمّاها جدُّها نازك تيمناً بالثائرة السورية ضد الاحتلال الفرنسي نازك العابد. توفيت الشاعرة يوم الأربعاء في‌ العشرين من حزيران سنة 2007م ودُفنت بضواحي القاهرة بعد معاناة مع المرض والعزلة‌ ولها من العمر 83 عاماً.

عُرفت أسرتها باسم الملائكة لما تتبع به من هدوء ودِعة، عاشت بمنطقة شاعرية بين البساتين والأشجار والنخيل وعلی مقربة من نهر دجلة. وكانت أمها سلمی عبد الرزاق شاعرة تنتشر إسهاماتها الشعرية في الصحف المحلية العراقية، وأبوها صادق الملائكة له مؤلفات في دراسة‌ النحو، وله موسوعة في عشرين مجلدًا تحت عنوان “دائرة معارف الناس” وأرجوزة تضمُّ أكثر من “3000” بيتٍ يصف فيها رحلته إلی إيران (عبد المنعم خاطر، 1990: 15).

كما درست نازك الملائكة الابتدائية فالمتوسطة والثانوية والتحقت بدار المعلمين فرع اللغة‌  العربية وتخرجت منها بدرجة الليسانس في الآداب العام 1944م وتعلمت عزف العود فكانت تتمتع بأذن موسيقية كما تعلمت فنَّ الإلقاء ودرست تاريخ المسرح والأدب المسرحي. (المصدر نفسه، ص 12و13). كما درست اللغة اللاتينية والفرنسية ودرست نصوصًا لخطباء رومان وشعراء لاتينيين وحفظت لهم مجموعة‌ من القصائد وقرأت في النقد والفلسفة واختيرت لدراسة مادة النقد الأدبي في الجامعة برنستن بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم درست الأدب المقارن في جامعة وسكونسن بالولايات المتحدة الأمريكية (المصدر نفسه،ص14).

وقرأت في التراث العربي؛ فقرأت “البيان والتبيين” للجاحظ وقرأت “شذور الذهب” في النحو و”خزانة الأدب” للبغدادي وقرأت للمحدثين ولشعراء العصر الحديث كعلي محمود طه وعمر أبو ريشة وطه حسين وغيرهم (المصدر نفسه، ص15)

مؤلفاتها

بدأت بكتابة‌ الشّعر بالعاميّة في سن السابعة وفي سن العاشرة‌ كتبت قصيدة بالفصحی ولها عدد من الدواوين وهي:

1ـ ديوان عاشقة‌ الليل

2ـ ديوان شظايا ورماد

3ـ ديوان قرارة الموجة

4ـ ديوان شجرة‌ القمر

5ـ مطوَّلة مأساة الحياة

6ـ ديوان للصّلاة والثورة

7ـ ديوان يغير ألوانه الحبر

4ـ انزياح الصورة في شعر نازك الملائكة

إنَّ الصورة من أهم مکوّنات النّسق الشّعری الجميل، وهي رافد يمدّ التّجربة الشّعرية بطاقات تعبيرية قادرة علی شحن السياقات بمجموعة مدهشة من الأشکال التّصويرية. يقول الناقد الغربي، جان کوهين: «إنّ الشعر انزياح عن معيار هو قانون اللغة، فکلّ صورة تخرق قاعدة من قواعد اللغة أو مبدأ من مبادئها». (کوهين، 1986:‌ 31)

يستخدم الشاعر في أدائه الشعري طريقتين، الأولی هي التّعبير المباشر والثانية هي الصورة الشعرية أو التّعبير المتخيل. والتّعبير هو لغة الشّاعر التّلقائية؛ أمّا الصورة الشّعرية فهي التعبير المتخيل الذي لايصور المعطيات الحسيّة بشکل مجرد بل يتعداها إلی تصوير انفعالاته ومشاعره الداخلية، وقد يکون مصدر هذا الانفعال من داخل الإنسان ذاته أو من خلال تفاعله مع الناس. والصورة في الشّعر لاتُخلق لذاتها وإنما تنبع من التّجربة، وهي ليست مجرد شکل مختزن في الذاکرة أو نمط علاقات لغوية تقليدية، إنّما هي إحساس عميق يتجسّد في رموز ذات نسق خاص، وهي ضرورة شعريّة کونها أثر خلّفه الإحساس. (سنداوي، 1993: 36ـ 38).

وإذا نظرنا إلى المعاجم الأدبية في تعريف الصورة، فإنه لا يتجاوز(التشبيه، والاستعارة والمجاز والكناية، أو لغة التجسيد والتّشخيص) ويربطها بعض النّقاد بالبناء الفنيّ للقصيدة. وفي هذا المجال ندفع إلی دراسة انزياح الصورة في شعر الشاعرة متمثلة في:

الانزياح الاستعاري

الانزياح الكنائي

الانزياح المجازي

4ـ1ـ الانزياح الاستعاري

اهتم أهل الأدب والنّقد بالاستعارة اهتمامًا شديدًا فحظيت بالعناية والدراسة منذ أرسطو؛ إنّ الاستعارة في جوهرها خرق للغة العادية إذ أدت إلی تفتيق المعنی وتوسيعه؛ «الاستعارة عملية خلق جديدة في اللغة، ولغة داخل لغة، في ما تقيمه من علاقات جديدة بين الکلمات، وبها تحدث إذابة لعناصر الواقع لإعادة ترکيبها من جديد وهي في هذا التّرکيب الجديد کأنّها منحت تجانساً کانت تفتقده، وهي بذلك تبثّ حياة داخل الحياة التي تعرف أنماطها الرّتيبة، وبهذا تضيف وجودًا جديدًا، أي تزيد الوجود الذي نعرفه، هذا الوجود الذي تخلقه علاقات الکلمات بواسطة تشکيلات لغوية عن طريق تمثيل جديد له». (أبوالعدوس، 1997: 151).

تظهر إمکانيات الاستعارة في قدرتها علی تشخيص المعاني المجردة، فتريك الجماد حيًا ناطقًا، وتبث فيه الحياة، وتجعله يتحرك، ويتنفّس ويشعر …؛ «ولا شكّ في أن التّشخيص سمة من سمات الفنّانين الوجدانيين في کلّ العصور». (القاضي، 1982: 434)

«الاستعارة في الجملة أن يكون للفظ أصل في الوضع اللغوي، معروفًا تدلُّ علی الشواهد علی أنه اختصّ به حين وضع، ثم يستعمله الشّاعر أو غير الشّاعر في غير ذلك الأصل وينقله إليه نقلا غير لازم فيكون هناك كالعارية» (الجرجاني: 2009: 27). قد استمدت نازك الملائكة في خطابها الشعري الاستعارةَ لتجميل الصورة الشعرية وإيصال مقصودها إلی المتلقي:

أين من هذه الحياةِابتساما

  ت الأماني ونشوة الأفراح؟
(نازك الملائكة،1997: 1/70)

يتمثل انزياح هذا البيت من الشّعر في “ابتسامات الأماني”. فتخرج الشّاعرة عن الكلام العادي والمألوف بإسناد الابتسامَ للأماني. وفي الحقيقة تشبِّـه نازك الوصول إلی الأماني بإنسانٍ مبتسمٍ. كما أسلفنا القول نظرة الشاعرة إلی الدنيا هي نظرة متشائمة. هذا البيت من قصيدة “البحث عن السعادة”. تعتقد أنَّ البحث عن السعادة في الدنيا من دون جدوی. وفي هذا البيت تقول إنَّ بين هذه الحياة والأفراح والوصول إلی الأماني والآمال بونٌ شاسع جدا كما تقول في مطلع هذه القصيدة:

قد بحثنا عن السعادة لكن

رأينا رفـات قلوب

  ما عثرنا بكوخها المسحور
   (نازك الملائكة، 1997: 1/66)
حنَّطتها يد الذكريات
   (نازك الملائكة، 1997: 2/48)

تريد الشاعرة القول إنَّ الذكريات تحيي ذكری القلوب. فقد استخدمت صورةً غريبة وغير مألوفة لإعجاب المتلقي. في عالم الواقع، إذ إنّ التحنيط يحول دون زوال جسم الإنسان داخل القبر. وتری القلوبَ أجساماً يحول دون زوالها تحنيط الذكريات. فعبارة “يد الذكريات” تنزاح عن معناها الحقيقي إلی المعنی المجازي إذ إنَّ ليس للذكريات يدٌ تحنِّط بها رفات القلوب. لكنَّ الشاعرة قد تستعير يدًا للذكريات عبر الاستعارة المكنية.

لن تنوح الحياة إن مُتُّم أنـ
فهي تلك الخلوب تبسِم للأحـ

    تم فغنّوا ولا تنوحوا عليها
ـياء والسمُّ كامنٌ في يديها

(نازك الملائكة، 1997: 1/193)

أسندت الشاعرة صفات إنسانية للحياة من “نوح وبكاء وتبسم ويدين”  لِتُصوِّر مدی زيف وخداع هذه الملذات التي لاتعقبها إلا الحسرات. فالحياة في نظرها جميلة كامرأة حسنة المنظر دائمة‌ التبسم لكنها تضمر الشّر بداخلها، إذ إنّ شکلها الخارجي لا يعكس ما بداخلها، مثلها الحياة بكل ما فيها من جمال ومتع ومباهج فهي سطحية لكن من يتعمق في دواخلها لايجد إلا الشقاء والعذاب، تتربص بالبشر فمع الجمال يكمن الموت والهلاك. فتحث الإنسان علی أن ينعم بالحياة بمجرياتها وأحداثها المؤلمة. (محمد السبيعي، 1433هـ: 41)

ونقرأ في ديوانها:

ويثمر غصن الکون ووجه الدجی يتغيّر

ويمطر نجم

وفي شفتي يتفتق بيدر (نازك الملائکة، 1997: 113)

تشتمل بنية الصورة المحوريّة في هذا المقطع، علی صور متعدّدة: «ويثمر غصن الکون»، و«وجه الدّجی يتغيّر»، و«يمطر النّجم»، و«في شفتي يتفتق البيدر»، فهذه الصور کلّها تستند إلی مرجع معنوي تعمل الأوجه البلاغيّة علی لغة تسيجه بالغموض، وتتمثل هذه الأوجه فك الاستعارة الدّالة علی التّجسيد المتحقق من استعارة الغصن للکون، والوجه للدجی. فيتمثّل الانزياح عبر استعمال هذه الاستعارات.

في الواقع، «إنّ المجازات المعتمدة في التعبير هي التي تقوم بخرق نظام اللغة محدثة بذلك، تشويقاً في المعنی المعياري؛ وإذا کانت نازك لاتقول شيئاً آخر غير ما تريد، فإنّ الکلمات تقول في الاستعارات شيئاً آخر لاتدلّ عليه عادة، وربّما إنّ استعمال الاستعارة المرکّبة من شأنه أن يسهم في ذهنيّة الصورة وفي تجريديتها البعيدة، وهذا ما نلحظه في «يمطر نجم»، وفي «شفتي يتفتق بيدر»؛ فالاستعارة الأولی تتجلی في إسناد النّجم إلی المطر، وأمّا الثانيّة فتتجلّی في إسناد البيدر إلی التفتق ولکن أين؟ ليس في الأرض، وإنّما في الشفة، وهنا يکمن عنصر المفاجئة والدهشة في ذهن المتلقي، وتحتاج إلی عقل تجريدي کي يستوعبها». (جرادات،2013: 560)

وأری کَيفَ يَرقُصُ الألمُ الطّاهرُ

      في مُقلتيـك قبـلَ الرُّقـادِ

(نازك الملائكة، 1997:1/632)

رسمت الشاعرة صورة غريبة خرقت بها اللغة وقواعدها باستخدام الاستعارة المکنيّة في «يرقص الألم»؛ هذا الخرق أعطی العبارة أدبيتها أو شعريتها. بالعبارة الأخری، في هذا البيت، تتخلی اللغة عن دلالاتها الأصليّة لتتحول إلی لغة شعريّة تحفزّ ذهن القارئ وتثيره وقد أخرجت الشاعرة کلمة الألم من دائرتها المعنويّة إلی دائرة ماديّة وحسيّة وتشبيهها بشيء مادي وهذا الشيء يکون إمّا إنسانًا وإمّا حيوانًا و… نری في هذا التّشبيه من الدهشة والغرابة ما يُکسبه مسحة جماليّة. هذا التّشبيه يدلّ علی مقدرتها الإبداعيّة في خلق صورة جديدة.

وأيضًا نقرأ في قصيدة بعنوان «الماء والبارود»:

وقالت الرياح: إسماعيل

فردّدت البيت العتيق تحت حرّ الشمس إسماعيل

وأنحنت السماء قوساً أزرقاً يلثم إسماعيل. (نازك‌ الملائكة، 1997: 35)

فهي تشخّص الطبيعة، وتحوّلها ذواتاً إنسانيّة حيّة وناطقة، تحسّ بإحساسها، وتتفاعل معها، فإذا بالريح تنادي إسماعيل، فيجيبها البيت العتيق مردّداً معها النداء، فتستجيب السماء لهما، إذ تتحوّل أُمّاً حنونة تلثم إسماعيل، وتعانقه خوفاً عليه. فيتمثّل الانزياح في هذا المقطع الشعري في التشخيص.

ونقرأ في شعرها:

من دفء عينيك من ضوء الجبين السّعيد

أريقي عصير البنفسج فوق الضياء المديد

وصبي البريق فوق سرايا الغدير

ومن عطر هذا الضياء المذاب

أريقي علی صفات الضباب ربيعاً نضير. (نازك الملائكة،1997: 2/372)

«فالدفء ليس من لوازم العيون ولا من خصائصها، والسّعادة، من المعنويات، لکنّ الشاعرة وصفت بها الجبين المحسوس، وهذا ما سميّناه بالتّجريد، من المعروف أنّ «البريق» لايُسکب، ولايُصبّ کما تُصبّ السّوائل، وليس في الضياء عطر، وهنا تبدلت صفات الصورة الحسيّة وقد منحت الضوء وهو مدرك بصريّ صفته العطر، وهو مدرك شمي، وکذلك الربيع فهو لايُراق کما تُراق المدام ولکنّ الشاعرة جسّدته. إنّ هذه الصلات بين المضاف والمضاف إليه «دفء العيون»، والصفة والموصوف (الجبين السعيد»، وبين الفاعل والمفعول «أريقي علی صفحات الضباب ربيعاً نضير» ما هي إلّا علاقات بنائيّة ترکيبيّة جديدة أملتها الطبيعة البنائيّة الصورية الفنيّة الحديثة للنّص الشّعري الحديث الحر». (جرادات، 2013: 571) نستطيع أن نقول إنّ الشاعرة تتجاوز عن الوصف المباشر وتخرج إلی مجالات الإيحاء. ونری في هذا المقطع الشعري الصور الذّهنية المنتجة من الاستعارة المکنية؛ وکما نعلم أنّ المکنية تدخل في حقل الانزياح.

وأيضًا تشخّص نازك الملائکة الطّبيعة، وتحوّلها ذواتاً إنسانيّةً حيّة وناطقة، تحسّ بإحساسها، وتتفاعل معها:

عُدْ بنا يا قطار

فالظلام رهيب هنا والسّکون ثقيل

عد بنا فالمدی شاسع والطريق طويل

والليالي قصار / عد بنا فالرياح تنوح وراء الظلال

وعواء الذئاب وراء الجبال

کصراخ الأسی في قلوب البشر (نازك، 1997: 2/126)

في هذه الأبيات، «المبالغة في التّشبيه جاءت في سياق بيان قسوة الموت الذي يأتي علی الإنسان وهو في ربيع العمر، فکانت المبالغة في وصف إشراق هذه الخدود، المفعمة بالحياة لتظهر في المقابل قسوة الموت التي أطفأها نورها».  (صادق ديوب، 2007: 104)

ومن التّشبيهات الجديدة عندها «تشبيه الحزن بالغلام مرة، وبالزنبقة مرة أخری، وقد نستشرف بعض ملامح الجدة في استخدامها اللون، فهي تصف الأشياء الجميلة باللون الأبيض، والمزعجة باللون الأسود، وقد تستخدم الأصفر أو الرمادي، ولکنه يبقی ضمن الإطار نفسه». (انظر: المصدر نفسه، 106)

فالنص يرتکز علی الصورة الحسيّة التي تقوم علی التّشخيص؛ إذ تنادي الشاعرة القطار وهو جامد لايسمع ولايری، وتخبره بحالها، وما يحيط بها من ظلام، وسکون، ومدی يأسرها، ويسبّب لها الحزن واليأس (المدی شاسع والطريق طويل والليالي قصار»، والأسی والخوف «الرياح تنوح»، و«عواء الذئاب»، و«صراخ الأسی».

فالجمادات في هذه الصور الاستعاريّة التشخيصيّة تتحوّل إلی إنسان حيّ، يشارك الشاعرة مأساتها، وحزنها، وانفعالها؛ فإذا القطار يسمع لنداء قلبها، والرياح تنوح عليها، والأسی يصرخ کمداً لحالتها.

4ـ2ـ الانزياح الكنائي

تُعدّ الكناية أحد الأساليب البلاغية التي تقوم على عنصر الانزياح، وإن الصّورة الكنائيّة في أي عمل أدبيّ تقوم على الإيحاء؛ لأنّ هناك (أولاً المعنى أو الدّلالة المباشرة الحقيقية ثم يصل القارئ أو السّامع إلى معنى المعنى أيّ الدّلالة المتصلة وهي الأعمق والأبعد غوراً في ما يتصل بسياق التّجربة الشّعورية والموقف (الداية،1990: 141)، فقد عبّرت الشّاعرة بوساطة أسلوب الانزياح الكنائيّ عن كل ما يعتري كوامنها الدّاخلية في لعبها بالألفاظ وانزياحها من التّصريح إلى التّلميح، وهذا ما جمَّل نصوصه وأضفى عليها قيم دلاليّة أسلوبيّة سطت على فكر قارئها.

وخسيء الدّمع إنّ الخيام عنيدة

وأمانيّ العدو بليدة

والنّجوم بعيدة   (نازك الملائكة، 1986: 278)

في هذا المقطع الشّعري تنزاح العبارة “الخيام عنيدة” عن معناها الأصلي إذ إنَّ العناد صفة للإنسان ولكنَّ الشّاعرة تنسب العناد إلی الخيام وفي اللغة المعيارية لايُنسب العناد إلی الخيام. و هي إذ تجتاز هذه القوانين اللغوية بهذه النسبة؛ تكنِّي صمود الفدائيّين والمقاتلين الفلسطينيين أمام العدّو الصّهيوني بالخيام العنيدة. وأما النّجوم البعيدة التي تأتي بها الشّاعرة نهاية المقطع، فقد تكنيّ بها عن استحالة تحقيق النّصر علی الفدائيين من قبل المحتلين.

مرَّت أيامٌ منطفئات

لم نلتقِ حتی طيف سراب

وأنا وحدي، أقتات بوقع خطی الظلمات

خلف زجاج النافذة الفظة، خلف الباب (نازك الملائكة، 1997: 2/111)

تصف الشّاعرة الأيام بـ  “منطفئات” وفي الحقيقة الانطفاء ليس صفة للأيام في اللغة اليوميّة والعادية ، ولكنّها تكني بها عن قسوة تلك الأيام وانعدام البهجة فيها حتى في أحلامها التي ضنَّتْ ولو كانت خيالًا. فقد أصبح اللقاء هو الأمل الذي تعيش من أجله والانتظار صار سبيلها الوحيد الذي عبَّرت عنه أجمل تعبير في قولها: “أقتات بوقع خطی الظلمات” بما فيه من إيحاء خفي بصعوبة تحقق هذا اللقاء على الرغم من أنه أساس الحياة بالنسبة إليها. فالطّعام هو سبيل استمرار الحياة، والشاعرة تقتات لتبقی علی حياتها ولكن بم تقتات؟ بوقع خطی الظلمات والذي يوحي بوهن خيط الأمل. إنَّ الشاعرة لاتقتات بالخطی نفسها ولكن بوقعها، وحتی الخطی هي خطی واهية لأنها “خطی الظلمات”. (صادق ديوب، 2007: 107)

هكذا شاءت السنين فَرِفقاً
  بعيونٍ قد عضَّ فيها البكاء

(نازك الملائكة، 1997: 2/162)

يختص “العضّ” ببعض الحيوانات ولم نسمع أن البكاء يعضُّ شيئًا فكيف إذا كان المعضوض عيناً. يستغرب الإنسان من هذه النسبة فتجعله يبحث عن المعنی الحقيقي والمقصود من “عض البكاء”. فيری أنّ الشاعرة تقصد من وراء‌ هذه النسبة، العيون الدّائمة البكاء إذ إنَّه عندما يقع شيءٌ في العين تجري ماء العين فكيف الأمر إذا تُعضُّ  العيون؟ فمن الطبيعي أن ينسكب ماؤها بشكل مفرط. إذاً تكنِّي الشاعرة بِعضِّ البكاء، استمرار بكاء العيون عبر انزياح العبارة عن معناها العادية.

تُعيدُنا للوطنِ المسروق، تمحو العار

خيامُنا علی خطوطِ النّارِ

وزادُنا التقوی، وملح الأدمعِ الغِزار

http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=)27217 )

في هذه الأنشودة، «الوطن المسروق کناية عن فلسطين (القدس)؛ وکونه وطناً مقدّساً يستلزم الحماية، والمجاهدة حفاظاً عليه، وکونه مسروقاً تنمو المطالبة به مطالبة واعية مقتدرة، تحتجن المغالبة والمصاولة بالصّلاة والثورة؛ لأنّه مسروق بالقوّة المنظورة، وليس خلسة ليلية، يتجلبب فاعلُها بالظّلام والغفلة». (بشير احمد، 2007: 113)

وتقول في قصيدة «صلاح الأشباح»:

تململت الساعة الباردة

علی البرج، في الظلمة الخامدة

ومدَّت يداً من نحاس

 يداً کالأساطير بوذا يحرکها في احتراس

يد الرّجل المنتصب

علی ساعة البرج فی صمته السرمدي

يحدّق في وجمة المکتئب

وتقذف عيناه سيل الظّلام الدجي

علی القلعة الراقدة

علی الميتين، الذين عيونهم لاتموت

تظلُّ تحدق، ينطق فيها السکوت

صلاة، صلاة. (الملائکة، 1997: 2/389)

إنّ القصيدة دعوة إلی التّطهير من واقع ممتلئ بالآثام، والنّاس في هذا المشهد الدّرامي، يتجهون تحت وطأة محاسبة الضمير إلی «ساحة التّطهير» ويستمرّ المشهد بالخروج إلی حياة جديدة من سجن القلعة المظلمة.

«في هذا المقطع الشعری نری خروج الکلمات عن دلالاتها المعجميّة؛ فـ (السّاعة الباردة) تمثّل صورة ثقل الزّمن وتباطئه، و(الرجل المنتصب) يمثّل صورة الضمير أو عملية التطهير، و(بوذا الميتون الذين عيونهم لاتموت) صورة رمز الرّوحانية». (جرادات، 2013: 576)

4ـ3ـ الانزياح المجازي

  لأسلوب المجاز أهمية إذ يعبّر به الشّاعر عن أفكاره ورؤاه التي تترك أثرها في القارئ عندما يتقصى بنى النصّ للوصول إلى المعنى الحقيقي، وهنا تكمن بلاغة أسلوب المجاز، أما قيمته فتكمن في ولادة المعنى الثاني الذي يُفهم من اللفظ الأصلي، عندما يدخل على بنيته الانزياح.

لم أجدْ عند ذلك الشّاحب

  الصّامت إلا مرارة الأقداح

(نازك الملائكة، 1997: 1/99)

“المرارة” تناسب المأكولات والمشروبات أما إذا نُسبتْ إلی غير ذلك هناك خرق في قوانين اللغة ويبدو عليها الانزياح جليًا واضحًا. تصف نازك الملائكة “الأقداح” بـ “المرارة” بينما نعلم أنَّ هذا التّعبير غير مألوف لنا في قوانين اللغة العادية. أما إذا نظرنا إلی هذا التّعبير من منظور الخيال  نری أنَّ الشاعرة قد استخدمت إحدی الصّور البيانيّة وهي المجاز لتصوِّر لنا صورة خيالية. إذاً “قرارة الأقداح” مجاز مفرد علاقته المحلية. إذ إنَّ الشّاعرة تذكر الأقداح وتقصد ما يوجد من مشروبات مرّةٍ في الأقداح.

نحن تحت الليل العميق

ضيوفٌ    وقريبـا تدوسنـا قدمـاه
(المصدر نفسه، 1/ 212)

هل يمكن لليل أن يدوس شيئا بقدميه؟ أم تدوس الجنود والجيوش بأقدامها؟ فلماذا تقول الشاعرة أن الليل تدوس قدماه عن كثب؟ ما هي العلاقة بين الدَوْس والليل؟ ربَّما تقصد الشاعرة هجوم الجنود ليلاً فلهذا تسند هذا الهجوم إلی الليل. وهذا يدلُّ علی أنَّ الشّاعر استخدمت مجاز عقلي علاقتها الإسناد إلی الزمان ذلك أنّها أسندت الدّوس إلی الليل وفي الحقيقة الليل يُعدُّ زمانٌ يحدث فيه الدَّوس.

هناك انزياح جميل آخر في البيت وهو في كلمة ” قدماه “. إذ تشبِّه الشاعرة الليل بالإنسان أو الحيوان فتأتي بلوازمه وهو ” قدماه ” وهي هنا استعارة‌ مكنية أصلية‌ مرشِّحة.

سيلي بعيدًا عن القُری الجائعة

حيث الحفاة العراة (المصدر نفسه،2/158)

في هذا المقطع الشّعري تستخدم الشّاعرة المجاز لخلق تصوير جديد وتجميل الصّورة الشّعرية. تنسب الشاعرة صفة “الجائعة” إلی القُری في عالم الخيال بينما الجوع صفة للأحياء ولا غير. فـ “القری الجائعة” إسناد غير حقيقي بل إنَّها مجازٌ مفرد مرسل علاقته المحلية إذ إنَّ الشاعرة تذكر المحل وهو القری وتقصد ما يحلُّ في المحلِّ وهو أهل القری. فقد استطاعت نازك الملائكة رسمَ صورة مجازية خيالية عبر الانزياح من الحقيقة إلی المجاز. ويدل علی ذلك كلمتي “الحفاة” و”العراة” إذ إنَّ هاتين الصفتين للإنسان كما كان الجوع من صفاته.

جئتُ يا ربِّ تحت ليلي الطويل
ال ـمُرِّ أبكـي حُزني وحزنَ الوجـود
(المصدر نفسه،1/234)

يتعجّب الإنسان عند سمعه أنَّ الليل مُرٌّ ذلك أنه لم يتعود علی سماع ذلك في اللغة المألوفة. تدفع الشاعرة‌ بهذا الإسناد الابتعاد من اللغة العادية وخلق صورة خيالية عبر الصُور البيانية. تصف نازك ملائلكة الليل بالمرارة لأنه زمانٌ قد حدثت فيه أحداث مرَّةٌ. فـ “اليل المرُّ” مجاز عقلي علاقته الإسناد إلی الزمان وهو الليل.

ليس منهم إلا قبور حزينا   ت أقيمتْ علی ضفاف الحياة
(نازك،‌ 1997: 1/24)

هذا البيت من قصيدة ” مأساة الحياة ” وهو عنوان يدلُّ علی تشاؤمها المطلق وشعورها أنَّ الحياة كلُّها ألمٌ وإبهام وتعقيد وقد اتخذتْ نازك للقصيدة شعاراً يكشف عن فلسفتها فيها. وقد نسبتْ الشاعرة في هذا البيت صفة من صفات الإنسان وهي الحزن والهمّ إلی القبور إلّا أنّها في الواقع لم تكن القبور حزينة بل بإمكانها أن تسبِّب الحزن والهمّ للإنسان.

حدِّثوني عن أغنياتكم الجذ

  لی وعن بسمة القُری الشاعرية
(المصدر نفسه،1/98)

تأتي الشاعرة في هذا البيت بالانزياح الشّعري الرّائع في صورة فنيّة‌ تُثير الإعجاب والمتعة بالجمال. يؤدي المجاز دورًا بارزًا في خلق المعاني الخلابة والتّصوير الأدبيّ. إذ تُعطي الشاعرة صفة الابتسام والضحك إلی القری إلا أنَّه في الواقع القری لا تضحك ولا تبستم بل الذي يبتسم هو أهل القری. إذًا ” بسمة القُری ” مجاز عقلي علاقته المحلية ذلك أنَّ الشاعرة تأتي بالمكان وتقصد أهله.

الخاتمة

أسلوب الانزياح من الأساليب الحديثة التي بها ينزاح النّظم ويعدل من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي. إنَّ وظيفة هذه الظاهرة تتمثل في إثارة المتلقيّ ولفت انتباهه ودفعه للبحث عن الأسرار الكامنة وراء الانحراف عن المألوف. وأما نازك الملائكة فهي رائدة الشعر الحر، وتعدُّ من الشّعراء الذين ثاروا علی عمود الشّعر وتركوا السُنن التّقلدية الشّعرية وأبدعوا الشّعر الحر فانزاحت أشعارهم مما كان مألوفًا في الشّعر القديم من قوالب عروضية ومضامين شعرية و… . فقد برزت ظاهرة الانزياح في شعر الشّاعرة جلية واضحة إذ إنّها وظّفت الانحراف والعدول عن اللغة المألوفة لخلق مضامين وصور جديدة في شعرها. تطرقنا في هذا المقال إلى بعض من الانزياح في الصورة الشّعرية لدی نازك المائكة متمثلاً في الانزياح الاستعاري والكنائي والمجازي.

ونذكر بعض النتائج التي توصلتْ إليها في هذه الدّراسة:

  1. فقد اتکأت نازك في نصها الشّعري علی الوصف المباشر، والتّشبيه والبيان التقليدي في رسم صورها الفنيّة.
  2. استعانت الشاعرة في رسم صورها الفنيّة بالتشبيهات والاستعارات المتنوّعة؛ ونری أنّها شخّصت الطّبيعة ومنحتها بعض صفات الإنسان، وجعلتها ناطقة متحرّکة، وراحت تحاورها، وتبثّ إليها شکواها، وتسقط عليها مشاعرها، وجسّدت الأشياء المعنويّة، ومنحتها صفات الأشياء الماديّة؛ وذلك لتقريب الصّورة وتوضيحها في ذهن المتلقي، وهذا کثير في شعرها.
  3. تعطي الانزياحات الشّعرية لشعر الشاعرة، خاصة الاستعارات، بعدًا فنيًا بارزًا وهي تحاول في قدرتها الفنية أن تنقل تجربتها إلی المخاطب ببراعة ودقة وتربط بين الواقع والخيال في تصويرها. فقد كان للشاعرة قدرة فنية جلية في رسم الصورة الشّعرية والصور البلاغية التي تركت أثرها في نفس القارئ.
  4. يدور التّشخيص في شعرها حول المعاني الرئيسة لـ «الحياة والموت والسّعادة والحزن»، فتداولتها الشّاعرة في کثير من قصائدها؛ فمرّة تشکوها ومرّة تلجأ إليها فتشکو لها حالها. التّشخيص لدی الشّاعرة يصطبغ بألوان الحزن والحَيرة والقلق التي مهّدت للشّاعرة محاولة إجراء حوارات بينها وبين تلك المعاني.

المصادر

  1. ابن جني، أبو عثمان النحوي، لا تا، الخصائص، تحقيق محمد علي نجار. القاهرة: المكتبة العلمية
  2. ابن منظور الأندلسي، محمد بن مكرم، لسان العرب، القاهرة: دار المعارف
  3. ابوالعدوس، يوسف، 1997م، فاعلية الاستعارة في النص الشعري النظرية ‌نموذجا، النقد الأدبی في منعطف القرن، ج3، مداخل تحليل النص الأدبی، أعمال المؤتمر الأول للنقد الأدبي القاهرة.
  4. الجرجاني، عبد القاهر، 2009م، أسرار البلاغة، تحقيق محمد فاضلي، بيروت: المكتبة المعصرية
  5. الداية، فائز، 1990، جماليات الأسلوب؛ الصورة الفنية في الأدب العربي وتحليلها، دمشق: دار الفكر
  6. رشيد الددة، عباس، 2009م، الانزياح في الخطاب النقدي والبلاغي عند العرب، الطبعة الأولی. بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة.
  7. صادق ديوب، سامية، 2007م، رسالة ماجستير “الجوانب الإنسانية والظواهر الفنية في شعر نازك الملائكة”، سوريا، جامعة البعث
  8. صفوي، كورش، 1390ش، از زبان‌شناسی به ادبيات، الطبعة الثالثة، المجلد الأول، طهران: سوره مهر
  9. عبد المنعم خاطر، محمد، 1990، دراسة في شعر نازك‌ الملائكه، الهيئة المصرية للكتاب، الطبعة الأولی
  10. فضل، صلاح، 1998م، علم الأسلوب ومبادئه وإجراءاته، القاهرة: دار الشروق
  11. القاضی، ‌النعمان، 1982م، أبوفراس الحمداني الموقف والتشکيل الجمالي، القاهرة، دارالثقافة.
  12. محمد السبيعي، حصة سمحي، 1433هـ، أسلوب التشخيص في شعر نازك الملائكة، جامعة أم القری، كلية اللغة العربية
  13. محمد ويس، أحمد، 2005م، الانزياح من منظور الدراسات الأسلوبية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
  14. نازك الملائكة، 1986، الأعمال الشعرية الكاملة 1و2، بيروت: دار العودة
  15. نازك الملائكة، 1997، ديوان نازك الملائكة، المجلد الأول والثاني، دار العودة، بيروت
  16. نظري، علي ووليئي، يونس، ظاهرة الانزياح في شعر أدونيس، دراسات الأدب المعاصر، السنة الخامسة، ربيع 1392، العدد السابع عشر.
  17. نازك الملائكة، 1977، ديوان ” يغير ألوانه البحر “، منشورات وزارة الإعلام، بغداد
  18. جرادات، رائد وليد، 2013، بنية الصورۀ الفنية، في النص الشعري الحديث (الحر)؛ نازك الملائكة نموذجاً، مجلة جامعة، دمشق، المجلد29، العدد 3
  19. بشير احمد، شريف، (2007م)، بنية التفاؤل والنبوءة فی قصيدة نازک الملائکة (للصلاة والثورة) (عبور من المسکوت عنه إلی المعلن)، مجلة أبحاث کلية التربية الأساسية، المجلد4، العدد2
  20. القاضي،‌ النعمان، 1982م، أبوفراس الحمداني الموقف والتشکيل الجمالي، القاهرة، دار الثقافة،
  21. سنداوي، خالد، 1993م، الصورة الشعرية عند فدوی طوقان، دار المشرق للترجمة والطباعة والنشر

المواقع

http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=27217

 

 

[1] – أستاذ مساعد فی اللغة العربیة وآدابها ـ ایران، جامعة کوثر بجنورد

[2] – متخرج من قسم اللغة العربية وآدابها ـ ایران، جامعة فردوسي مشهد

 

[3] .Geoffrey leech

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.