ثلوجُ النار!

0

ثلوجُ النار!

د. عمر قزيحه*

25-2-2020م

ما يزالُ الزَّمانُ يا بيروتُ بِنَا يَسْرِي!

وحقيقةُ الوجدانِ تستيقظُ في وجدانِ الموت!

أكانَ لِدَمٍ تَفَجَّرَ في عَينِ الزَّمانِ أن يَبْرَأَ يَومَا؟

لا! ما لِجُرْحٍ أن يَعودَ إلى الحياةِ وقدِ امتلأَ دَمَا!

أَكانَ لِجَسَدٍ حطَّمَهُ انفجارُ الأيَّامِ أنْ يَستَعيدَ عشِقَهُ

لِمَنْ فَقَدَتْ عَقْلَها وتغفوَ عَيْنُهُ في حضنِ أمانِهَا؟

أيُّهَا العروسُ انْظُرْ تَرَ أبوابَ الحياةِ المتناثِرَةِ

حيثُ يَقِفُ السُّوالُ هنالِكَ جامِدَا!

أَكَانَ لَهُ أن ينطلقَ في فضاءِ الزَّمانِ؟ لا!

لكنَّمَا الأيَّامُ تَمْضِي والموتُ يقتربُ!

فَلِمَاذَا عن عروسِكَ[1] لا تسأل؟

أَتَبْكِي فتاةً تَرَكَتْ خَلْفَها بَيَاضَ فُسْتَانِهَا؟

أيَّتُهَا العروسُ الغائبةُ اتْرُكِي المَوتَ وأقْبِلِي!

خُذِي مَكَانَهُ ولَهُ قَدِّمِي لَمْسَة الحياةِ في حَلَا عَيْنَيْكِ

سَيَهَبُكِ رُوحَهُ طائعًا، لكنْ! تَحَلَّيْ بِالبَياضِ الطاهر!

قَدْ ذَهَبْتِ وخَلْفَكِ عُيونٌ تَبْكِي، وما أدراكِ ما بكاؤها؟

أنَّى لكِ وأنتِ في عالمِ السَّماواتِ أن تَفْهَمِي قلوبًا وأنينَها؟

أيُّهَا العروسُ لا تحزنْ، عروسُكَ هنا أمامَكْ!

لكنَّمَا فستانُهَا مِنْ كَفَنْ!

يا أمَّنَا الحنونُ لماذا لا تَبْكِيْن؟ تفجَّرَ دمُ قَلْبُكِ وتَسْكُتِيْن!

ابكي يا أمِّي ابكي ودموعًا من آلامِ الوجدانِ اسْكُبِي!

فَيْضًا من حنانِكِ على أشلاءِ بَنِيْكِ صُبِّي!

أمْسِكِي أياديَهُمُ وفي صدرِكِ خُذِيْهَا وضُبِّي![2]

قَدْ وافى الموتُ روحَكِ في قبورٍ باردةٍ ظَلْماءْ

تُرى أَتَبْدَأُ رحلةُ الحياةِ منْ رَحِمِ الأمواتْ؟!

تِلْكَ أبوابُ الموتِ فَتَحَتْ ذراعَيْهَا تحتضنُ أرواحَنَا

القادمةَ إليهِ من نوافِذِ دماءِ الحياةِ!

خذي يا بيروتُ من وعيي عينًا لِتَريْ بها وكذلك من قلبي!

وابكي فإنَّ في جوفِكِ الدامي أسرارًا لا تستطيعين البوح بها!

افتحي لنا قلبَكِ يا بيروتُ لِنَسْمَعَ صراخَ الجبلِ في لحظاتِ الاحتضارِ

أَفْسِحْ لنا المجالَ يا لبنانُ لِنُحاولَ أن نتجاهلَ صرخاتٍ بِالغضبِ تفورْ!

هؤلاءِ أراملُ وأولئك ثكالى، وأعماقُهُم تئنُّ صارخةً والزمانُ لا يفهمُ ذلك!

رقصَتِ المنايا، وانطلقَتْ بعد أن نحرَتِ الحياة!

وما بين بكاءِ الصُّخور الصَّلبةِ وبزوغِ نجومِ الشَّجَرِ الحمراءِ![3]

كانَ الزَّمانُ يَبتسمُ مَزهوًا بنفسِهِ، سعيدًا بِنَجاحِ خدعةِ الدَّمْ!

سأغنِّي يا بيروتُ من بَرْدِ الثُّلوجِ نيرانًا غَضَبَا!

سأغنِّيها جذوةً تَكوي وتينَ القلوبِ لَهَبَا!

حكايةً تَبوحُ بِبعضِ أنبائِهَا تُخْبِرُنَا عَجَبَا!

سَأَحْكِيْهَا يا بَيْروتُ دجًى وَقَبَا![4]

في خفايا الموتِ يا بَيرُوتُ تَنهضُ الحياةُ

مآذننا بَيَنَ جَنُوبٍ وشِمَالٍ تتحدَّى الطائفيَّة

وهنا صفاءُ قلوبٍ في كنيسةِ ودٍّ في جونية

كذلك في الأشرفيَّة!

سَأَشْدُو لِبَيرُوتَ أَلْحَانَ ثُلُوجِ النَّارِ!

أنفسًا تلاشى صَوتُها في جَنَاحِ حُكْمِ الأقْدَار!

قُلُوبًا وارَتِ الجِراحَ في خفايا حنايا المنايا…

وما يَزَالُ في الأنفسِ مزيدٌ في ظلالِ الأسرارِ!!

 

 

** دكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها، أستاذ لغة عربيّة، مؤلّف كتب في اللغة العربيّة.

[1] العروس: صفة للمذكَّر والمؤنَّث على حدٍّ سواء.

[2] ضُبِّي: اقْبِضِي بِكَفِّكِ. أمسكي بِقُوَّة.

[3] نجوم: جمع نجم. وهو كل ما نَبَتَ من الأرض.

[4] وقب: حلكة الظلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.