الأبعاد اللسانيّة في شعر الصّقلاوي

0

الأبعاد اللسانيّة في شعر الصّقلاوي

دة: فاطمة بولحوش([1])

مقدمة

سأتعامل مع نصوص الشّاعر العمانيّ سعيد الصّقلاوي، انطلاقًا من رؤية لسانيّة لإبراز أبعادها المضمرة، لذلك الأمل” واحد من دواوينه المائزة في طابعه الكلاسيكيّ الجديد، وسأركز في هذه الدّراسة على دراسة ثلاثة أبعاد نواتيّة متمثلة في أبعاد جماليّة فنيّة لسانيّة، وأبعاد تداوليّة، وأبعاد ثقافيّة.

  1. البعد الجماليّ الفنيّ

يُعدُّ تشكيل البعد الفنيّ الجماليّ الرؤية اللسانيّة، التي تعزز الكتابة الشّعريّة ومستوياتها الجماليّة الشّعوريّة والشّكليّة، ويزيد التّفاعل والتآزر بين الشّعور والشّكل الجماليّ الذّوق الشّعريّ وسحره الجماليّ. وتعتمد الأبعاد الجماليّة والفنيّة المثمرة على رؤية ووعي وإحساس مثير للمنتَج الفنيّ، وتدرك النّصوص الشّعريّة الصّقلاويّة عالمها انطلاقًا من الخيال والمجاز، وإنتاج أشكال الصّورة الشّعريّة وتجسيدها في الجملة، وعلى ضوئها سأقتضي بمقياس الجمال القائم على عمليّة التّفاعل بين التّشكيل، والصّورة، والجملة في نظام يتسم بالاتساق، والسّبك، والانسجام لتحقيق جماليّة الخطاب الشّعريّ، وقصد إفراز التّجربة الإنسانيّة بأبعادها الجماليّة اللسانيّة انطلاقًا من الطّاقة الجماليّة لفضاء النّصوص الشّعريّة. وتشكل البنيّة التّركيبيّة، والبنية الصّوتيّة الدّلالة في صورها الجماليّة المتعدّدة الصّادرة من موقف الذّات الشّاعر الموجودة في قلب الظواهر الاجتماعيّة، والثقافيّة راسمة إطارًا للأبعاد الدّلاليّة الجماليّة من خلال استعمال الألفاظ استعمالًا خلاقًا يندرج ضمن الرؤيا التي تُعدُّ المحرك الأساس لنقل الأدب من حدود الرؤية البصريّة، إلى فضاء غير محدود، يتمثل بالرؤيا التي تحرك اللغة، والصورة، والإيقاع في سياق تعبيريّ يتجاوز منطق التّعبير السائد لينفتح على سياق مجازي، تنزاحُ فيه المفردات عن معناها المعجميّ البسيط ، لترتقي إلى معانٍ رمزيّة، تحرض القارئ على إقامة حوار ثقافيّ، فكريٍّ مع النّص من أجل إدراك طبيعة هذه الرؤيا، ومن ثمَّ السّعيُ إلى حلّ شفرة الرّموز، والتّوصّل إلى لذّة النّص في إشكاليّة المعنى الأدبيّ”([2]). ومن ثَمَّة تتجلى الجماليّة التي لها في فضاء الرؤيا مكانة استراتيجيّة في المسوّغات اللغويّة والبلاغيّة كما هو وارد في النّص الآتي:

لا تلمني… يا صديقي، خلّ لومي والعتاب

كل شيء راح لم يبق سوى جرح العذاب

الهوى راح وولى واختفى خلف حجاب

وشموسي في غروب وأتى بعد السّحاب([3])

يتمظهر البعد الجماليّ اللسانيّ في شعر الصّقلاوي في العتبات النّصيّة التي تساهم في بلورة أهداف بلاغيّة متضمّنة أبعادًا جماليّة، وفنّيّة دلاليّة نظرًا إلى اتّساقها بسياق النّص الشّعريّ قصد إتمام نسيج النّص الدّال بغية إشباع الذّات بجماليّة الثّقافة المساهمة في تشكيله، لذلك تثير صنعة العتبات النّصيّة في الدّيوان الشّعريّ انتباه المتلقّي، وتدخل في صياغة النّصوص الشّعريّة في الدّيوان، نظرًا إلى ارتباطها بالتّنافس حول الجوائز، ويتّضح ذلك في النّصوص الشّعريّة مثل قصيدة “قسم” التي ذيل عنوانها بالعبارة الآتية (فازت هذه القصيدة بالجائزة الأولى في المهرجان الثّقافيّ السّنويّ الخامس الذي نظمته وزارة التربيّة سنة 1972)، وتبرز هذه العتبة أن القصيدة تبلورت في وضعيّة خاصة وأسلوب مميز مرتبط بفضاء التنافسيّة لأنّها تحتوي على أنساق معرفيّة فنيّة في خصوصيتها وتفردها تؤهلها لخوض هذه المسابقة، التي فتحت في وجه الشّعراء، وهذه العتبة توحي أنّ القصيدة ذات أفق واسع وعميق، وللإشارة أنّ هذه العتبات الموجودة تحت بعض القصائد في الدّيوان تُعدُّ مفاتيح أساسيّة توحي بأنّ كل قصيدة شعريّة لها رمزيّة جماليّة فنيّة تدخل في تنافسيّة مع النّصوص الشّعريّة الأخرى لشّعراء آخرين، وفي علاقات سياقيّة تاريخيّة اجتماعيّة نفسيّة، لإبراز المفاتن الإغرائيّة والجذّابة انطلاقًا من الانزياح التّركيبيّ الذي له أبعاد دلاليّة جماليّة مستوحاة من الاستعارة والمجاز لإحداث اللذة الشّعريّة الماكثة خلف تشكّلاتها الصّياغية، التي ساهمت في إنتاج شكل القصيدة الكائن الجديد.

وظّفْتُ إلى جانب الأيقونة اللسانيّة بعض عناوين قصائد الدّيوان، أيقونات غير لسانيّة لها أبعاد جماليّة دلاليّة تتجلى في بنية عنوان الدّيوان الذي يُعد المفتاح النواتيّ، نشأت دلالته في فضاء تشكيليّ اندمجت فيه الكلمة برسم التّشكيليّ، توحي الدّلالة المنبثقة من تفاعل الأيقونة اللسانيّة بالأيقونة التّشكيليّة البصريّة بالمستوى التّركيبيّ والمستوى الموسيقيّ الإيقاعيّ، ويستنبط ذلك من خلال مفردة ترانيم، ومن صورة الكمان، وصورة العصفور الفاتح منقاريه يدلّ على الشّدو والغناء، ويُفضي هذا التّقابل أنّ الدّيوان ينبع من إيقاعات تحتل مكانة مركزيّة في الرؤيا الشّعريّة المتعددة الأبعاد والرّوافد، وتتفاعل، وتتواشج فيه العواطف والانفعالات، والأفكار، ويكتمل التّبلور الجماليّ، والفنّيّ في سياقه الزّمنيّ الذي يجسّد الأضداد والمتناقضات المتشكّلة من عناوين قصائد الدّيوان، لأنّ كلّ عنوان تؤطره تجربة تتموج بين الوصف البصريّ، والعمق الدّلاليّ الوجوديّ النابع من التّوتر والصّراع. ويوحي التّفاعل بين الأيقونتين اللسانيّة وغير اللسانيّة أنّ الشّعر طابعه الموسيقي والإيقاع بالأساس يتضمن دلالات تجسد أحلام نفسيّة كما هو وارد في العناوين الآتية: (أهواك لا تلمني، الدّموع الحائرة، صوت الحرّيّة) فكلّ هذه العناوين ذات طابع وجدانيّ قائمة على التّداعي مستعملة التكثيف والاختزال اللغويّ المنسجم مع دلالات الأيقونة البصريّة، تجسد ذات الشّاعر التي ارتقت إلى الشّدو والموسيقى من داخل القصيدة العموديّة المهيمنة داخل الدّيوان لتثبيت هُويّتها أمام قصيدة النثر، ويخضع البعد الدّلاليّ لعنوان الدّيوان إلى مكون الشّيئيّ لأنّه ينطوي على أحداث تحتاج إلى المرجعيّة والسّياق، وفي هذه الحالة يتجلّى دالًا نظًرا إلى استعماله الإيحاء والإغراء والإثارة، علاوة على أنّ العناوين الواردة في الدّيوان لها ارتباط وثيق بالإهداء الذي يقوم على عملية الانتقال من ذات الشّاعر إلى ذات الآخر، فأضحت الصّياغة الإبداعيّة وسيط بين الذّات والآخر للتّعبير على الحنان والاشتياق، ولقد تصدر الدّيوان:

إليك يا نبع الحنان الدّافق..

ويا عطاء بلا حدود..

إليك يا أمّي..

أهدي هذه الترنيمة..

يبوح الإهداء بلغة عاطفيّة تشتمل على مكونات التّواصل الاستراتيجيّة الكامنة في مرسل والرسالة والمرسل إليه، وتعبّر عن حنانه لأمه، وهذا الإهداء أحدث علاقات مع الدّيوان عبر مجموعة من الآليات كالإحالة والسّياق والإيحاء والتّرميز، ويرسم الإهداء ثنائيّة الخفاء والتّجليّ، إذ يعلن الشّاعر عن حنانه لأمّه، وفي الوقت نفسه يُخفي لوعته واحتراقاته من عتاب أمّه الذي أعلنه في قصيدته إليك يا أمي، بذلك تشكّل العتبة الإهداء لحظة الارتماء في فيض حنان الأمومة، وتظهر العلاقة التّفاعليّة بين الإهداء والقصيدة من خلال عتبة الاستهلال التي بدأ بها القصيدة:

قد حرت ما أهديك والدتي أنا لم أجد في السّوق ما يهدي

أما الحروف فإنّهـــــــــا لهب من شوقي المجنون إذ يبدي([4])

مهد الإهداء للشّاعر استهلال خطابه بصور وجدانيّة رقيقة قائمة على ترانيم جذب السّماع والاصغاء، لأنّ البيت الشّعري الأول يمتد ملفوظه إلى الأبيات الأخرى للقصيدة، وفي الوقت ذات امتُص الإهداء، فأضحى تناصًا، لأنّ الاستهلال يُعدُّ اللبنة الاستراتيجيّة في تشكيل هندسة القصيدة لتحقيق الأبعاد الجماليّة الآليّة التّشكيليّة، التي تتفاعل فيها الدّلالة بمقصديّة ومرامي الشّاعر، وبالرؤية الجماليّة لتصوير “خصائص الجمال الكامنة في الفكرة على دقة ولطافة، كما تتحول من ذهن الشّاعر الذي يلونها بعمل نفسه فيها ويتناولها من ناحية أسرارها”([5]). ارتكزت العلاقة بين الاستهلال والإهداء على الاستجابة الذّاتيّة للغة، والاستجابة الذّاتيّة للسّياق الشّعور العام، والاستجابة للفضاء الشّعريّ، وذلك بموجب استعمال قانون التّخييل.

ويتجلى البعد الجماليّ الدّلاليّ في ديوان الشّاعر الصّقلاوي في الانزياح الذي يسعى إلى: إحداث التّجانس الصّوتي وتقويته، ويتجلى ذلك في قول الشاعر:

صليني.. صليني.. سنائي وعيني صليني ورقي لقلبي الحزين

كفاك عقوقًا، كفاني بكـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء فرفقًا حياتي بدمعي السّخين

كرهت وجودي، كرهت أناســــــــــــــــي         أنا من جفاك لحبي طعين([6])

ويقوم الانزياح اللغويّ بإحداث الانسجام بين الدّلالة ومعاني النّحو وآلياته، بواسطة التّرقيم والنّظم الوزنيّ، ويتجلى ذلك في أنموذج الآتي:

إلى متى أنا وأنت يا أخي، للريح لعبتان؟

تقاذف الموج بنا في كل صوب دونما ربّان

من مشرق، لمغرب، وكل واحد له عينان

لكن نور الصّبح لا نبصره، لأننا عميان([7])

استعمال صفات غير معهودة في التّركيب اللغويّ العادي، كقول الشّاعر:

من حولي الليل ظلال سوداء

تتكدس في صدري الأشياء

تتغلغل في أغوار الأعماق

الذكرى توقد أشواقي

نار عطشى

إحراق يلهب احراقي

والريح تبعثر أوراقي([8])

ويتجلى البعد الجماليّ الدّلاليّ في الدّيوان الشّعري في تجسيد شبكة من “العلاقات التي تنمو بين مكونات أوليّة في السّياق، الذي تنشأ فيه هذه العلاقات، وفي حركة المواشجة مع مكونات أوليّة أخرى لهما السّمة الأساسيّة ذاتها إلى فاعليّة خلق الشّعريّة ومؤشر على وجودها”([9]) يتأتى من خلال الخصائص والوظائف العادية للأنساق اللغويّة، والانزياح بالكلمات عن معانها المعجميّة الثابتة، كقول الشاعر:

ناديتكم، والحزن لظى             وتعالت من روحي الصرخات

أنواء البؤس تمـــــــــــــــــــزقنا           تنهال علينا بالكـــــــــــــــــــــــــــــــــــربات

والليل الأسود يخنقنـــــــــــا          فيحجـــــــــــــــــــــــــــــــر آلاف العبرات([10])

يتبين البعد الجماليّ الدّلاليّ في الدّيوان الشعري من خلال استعمال المتناقضات، وتشابه المتجاوزات المفترضة القائمة على المفاجأة لخلق الدّهشة عبر تكسير المتداول القائم على التقليد، والبحث عن التّجديد والتّحديث عبر مستويات الرّمز والتّوقع الدّلاليّ للانخراط في نقد الأوضاع المجتمعيّة والسياسة، والاعتداء على الأراضيّ العربيّة وانتهاكها، مع الرّغبة في تفكيك البنى وإعادة تشكيلها في رؤيا تتضمن التغيير بنظرة وجدانية ثورية، كقول الشاعر:

في اليوم الواحد يجرفنا

سيل طاغ، والثلج مئات

والرّيح ضروس، مخلبها

منشوب، تقتلع الخيمات

أنا باسم الكرمل ممتهن

والقدس الشّاحبة النظرات

باسم الأقصى وكنيستها

الكبرى وملايين الدمعات

والإنسان الملغي بها

زمنًا، والضائع في الفلوات([11])

استطاع الدّيوان الشّعري إخفاء أبعاده الجماليّة والفنيّة في العلائق النّصيّة المتمثلة في التّناص الذي ارتبط بالحضور الفعليّ لنص ما في نص آخر بواسطة آليات التّفاعل الكامنة في التّلميح، والامتصاص، والاستدعاء، والاستشهاد، وتلاقح الأفكار عبر المحاورة والاستلهام كقول الشّاعر:

أزهار الحب بقريتنا

شنقتها نوب الجرارات

ورؤوس الصحب مكدسة

كالقش تعج بها الطرقات([12])

لم يفصح في هذا المقطع عن المصدر الذي استلهم مادته، بل أخفاها تحت القناع مستدعيًا معجم بعض الشّعراء، أو بعض الكلمات أخذها من أقوال مأثورة، تحتوي على مواقف دلالّية قُلِبت لتواكب رؤية القصيدة الشّعريّة، مثل جملة أزهار الحبّ التي استرفدها من عنوان ديوان أزهار الشّر لبودلير وحوّرها من الشّرّ إلى الحبّ، وعملية التّحوير نفسها قام بها في ما يخص بكلمة الرؤوس التي استمدها من قولة مـأثورة ليوسف الحجاج الثّقفيّ الذي قال: “إنّي رأيت رؤوسًا يانعة قد حان قطافها”، وعلى هذا الأساس، تعدُّ قصائد الدّيوان الشّعريّة إنتاجيّة تقوم على عملية الهدم والبناء لصناعة الدّلالة التي بدورها أحدثت فضاء جديدًا قصد تخييب أفق انتظار المتلقّي.

أخفت العلائق النّصيّة المستعملة في الدّيوان الشّعريّ أبعاده الجماليّة، وحولتها إلى إنتاج دلالة جديدة ومعنى جديد قائم على النّقد والسخريّة، والتّضمين يؤكد على المعنى الوارد في القصائد عن طريق المماثلة والمعارضة والتّفسير، والانفتاح على آليات الخطاب السّرديّ، والفن التّشكيليّ. يتمظهر البعد الجماليّ في الدّيوان الشّعريّ في استعمال لغة شعريّة ثورويّة في شكل هندسيّ عموديّ، مبرزة المتصور اللغويّ المعتمد على تفجيرها وتوهج الصورة الشّعريّة، وتوازن النغم الموسيقيّ، وتحويل الكلمات إلى هيكل يطفح بالرّوح وبالحياة، وتساهم البنية التّركيبيّة في استنباط الأبعاد الجماليّة للدّيوان الشّعريّ، والكشف عن شاعريّة وشعريّة القصائد، وتأثيراتها الإبداعيّة وأساليبها الشّعريّة. ويتجلّى هذا المستوى في قدرة الشّاعر الإبداعيّة، وبراعته في صياغة الهندسة والتأليف، بحيث لا يعود إبداع القصيدة إلى الكلمات فقط، بل إلى نظم، وتنظيم الكلمات، وترتيبها، واستغلال خصائصها الصّوتيّة، وتتشكل في بنى متجانسة تحمل في أنساقها المشاعر؛ وهنا تتحقق جماليات الأنظمة من خلال التماسك بين التكوين الإبداعيّ والشّعور الخاص، أي بين الوسائل الفنّيّة والرؤيّة الدّاخليّة الواردة في الأنساق، والأساليب النّحويّة المناسبة المتفاعلة مع الإيحاءات الفكريّة والنغمات الإيقاعيّة، فبقدر ما يتمركز على الجانب التّقنيّ والمعياريّ للكلمات؛ فقصائد الدّيوان أغنى وأعمق جمالًا من حيث وسائل التّركيب والصّياغات، لأنّها “كلام منظوم بائـن عن المنثـور الذي يستعمله النّاس في مخاطباتهم، بما خص به من النّظم الذي إنّ عدله عن جهته مقته الأسماع، وفسـد على الذّوق، ونظمـه محدود معـلوم، فمن صحّ طبعـه وذوقه لم يحتـج إلى الاستعانـة على نظـم الشّعـر بالعَروض التي هي ميزاته”([13])، لذلك ارتبطت قصائد الدّيوان الشّعريّ بالشكـل الخـارجيّ للشّعـر في صلته بالكلمات حسب سياق اختيارهـا الـذوق وتشكلاتها الإيقاعيـّة، التي تثير الأسمـاع لكونها “قـول موزون مقفّى يـدلّ على معنى”([14]). ومن هذا المنطلق تشيـر القصائد الشّعريّة إلى التناسب الصوتيّ، واحترام حركـة الرّويّ التي تتكرر في جميع أبيات القصيدة. مع وجود التناسب بين القضايا، والمواقف، والرؤى، وبين الدّلالات والمعاني عبر إيقاع الجملة المبنيّة على “الاستعـارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفـقـة في الوزن والرويّ، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبلـه وبعـده، الجاري على أساليب العـرب المخصوصة”([15])، ويتمظهر ذلك في جماليّة إيقاع الجملة والمقطع كما هو وارد في القصيدة الآتية:

ونائحة بقرب الدّار تمشي

وتلطم خدها أبكت فؤادي

يواكب خطوها طفل كئيب

له ثوب.. تلطخ.. بالسواد([16])

تتميز الجملة الشّعريّة بجماليّة إبداعيّة خاصة بها – في النّص الشّعريّ الإبداع، والطريقة التي بُنِيت بها مهمة في تحفيز الأسلوب الشّعريّ من وجهة نظر جماليّة. ويكشف التّركيب اللغويّ عن عبقرية القصائد، ويظهر تفردها وتميزها، إذ إنّ لكل قصيدة طريقتها في بنية التّركيب والصّياغة والأنساق الأسلوبيّة التي تميزها عن الكمّ الهائل من القصائد التي أبدعها مئات الشّعراء، ومن خلال النّظم تأشيرة السّفر لبناء إيقاع الجملة البليغة المتضمنة خيوط الرؤيا ذات أبعاد فنيّة وجماليّة، غايتها تحقيق التّذوق الفنيّ، والشّاهد في ذلك القول الشعري الآتي:

بكل اندفاع كتبت إليك

وقلبي من الشوق رهن لديك

لقد كنت حلمًا يداعب فكري

تجسم معنى على شفتيك

رأيتك دنيا تفيض جمالاً

وسحرًا تفجر في وجنتيك([17]).

صاغت القصائد الشّعريّة جملها بفنية إبداعيّة، بليغة المعنى، عميقة الرؤيا، متماسكة المعمار، متلاحمة السّبك قوية المعنى، تكمن شاعريتها في إيقاعها وموسيقتها، فقد نوعت في تركيبها صياغة الجمل من فعلية إلى اسميّة إلى ظرفيّة لتحقيق اللذة الشّعريّة عبر آليات بلاغة الصورة لإحداث الانزياح في التّركيب بواسطة الاستعارة الجذابة لإظهار وظيفتها داخل الرؤية الشّعريّة، ولإدراك وقعها الجماليّ في تشكيل الجمل برؤى حداثيّة مصوغة في المعمار التقليديّ العموديّ، معتمدة على مجموعة من الآليات تتمثل في التوازي الذي يُعد من أعمق أسس الفاعليّة الفكريّة في الشّعر؛ فهو شكل من أشكال التنظيم النّحويّ؛ ويتمثّل في تقديم البنية اللغويّة للجمل الشّعريّة إلى عناصر متشابهة في الطول والنّغمة. يتوزع النّص بكلّيّته إلى عناصر وأجزاء ترتبط في ما بينها من خلال التّناسب بين المقاطع الشّعريّة التي تتضمن جملاً متوازية؛ وههنا تحقق التماثلات النّحويّة اتّساق التّوازي في الشّعر، ومن ثَمَّ توجه حركة الإيقاع في النص الشّعريّ([18]) والشاهد في ذلك القول الشعري:

إنّ لي في معصميك، لمسات ساخنات

فانظريها كل يوم تذكريني يا فتاتي

إنها عنوان حبّي وهي نبع الذّكريات([19])

ويتبين في هذا النّموذج وغيره، أنّ هناك انسجامًا وتماسكًا وترابطًا تطابقيًّا في تشكيل الجمل داخل التّركيب من حيث الإيقاع، والصوت، والدّلالة، والتّناغم بين الأفكار والحالات العاطفيّة لتحقيق القيمة الجماليّة للرؤيا الشّعريّة داخل الرّوابط، والأنساق، والعلاقات، وإلى جانب التّوازي وُظِّفتْ آليات التّقديم والتّأخير التي تسعى إلى “تأدية حاجة صوتيّة وبلاغيّة في آن معًا، وتعبّر هذه الحاجة عن انفعالات الشّاعر الوجدانيّة، وما يصحبها من دلالات متناغمة مع السّياق الشّعريّ، وما كان لتلك الحالة أن تُلبَّى لو أن الشّاعر لم يستعن بظاهرة التّقديم والتّأخير؛ واكتفى بالترتيب النّحوي العرفيّ. ويستلزم التقديم تأخيرًا بالضّرورة؛ فحين يقوم الشّاعر بتقديم ما حقّه التّأخير يكون قد أحدث تغييرًا في الموقع يحتاج المتلقّي معه إلى استكناه أسباب التّقديم ودلالاته، لأنّ المقدم يحتل مكانًا مرموقًا، فهو أول ما تقع عليه العين، وأول ما تتأثر به؛ ولأنّه في غير مكانه الّذي تعوّدنا أن نراه فيه، يحمل المقدم شحنة دلاليّة هائلة. وفي الوقت نفسه لا يمكن النّظر إلى ظاهرة التّقديم والتّأخير على أنّها مجرد فصل كلمتين متحدتين نحويًّا عن طريق تقديم كلمة وتأخير الأخرى، أو أنّها تغيّر في النّظام النّحويّ النّمطيّ في لغة الشّعر، بل نتحدث هنا بمنطق الجمال لا الصواب، وعد الكلام صوابًا لا يمنحه الجمال أو الشّاعريّة”([20]). وعلى هذا الأساس، فإنّ للتقديم والتّأخير دور استراتيجيّ في إعطاء قيمة فنيّة وجماليّة مضافة في البنيّة التّركيبيّة وتفاعله مع آليات الإيقاع الكامنة في الوزن والقافية، لأنّ “طرق ترتيب المفردات ورصّ الجمل وتواشجها تعد من المصادر المهمّة الدّالة على إيقاع اللغة الشّعريّة؛ إذ يتجول الشّاعر بين مفرداته فيقدم كلمة ويؤخر أخرى ضمن نسق جماليّ خاص يفرض على الشّاعر نوعًا من الاختيار القهريّ لتركيب ما يتلاءم مع صميم الموقف الوجداني الذي يعيشه.”([21]) والشّاهد في ذلك الأبيات الآتية:

من حولي الليل ظلال سوداء

تتكدس في صدري الأشياء

تتغلغل في أغوار الأعماق

الذكرى توقد أشواقي

نار عطشى

إحراق يلهب احراقي

والريح تبعثر أوراقي([22])

استعملت في القصائد الشّعريّة في الدّيوان عملية التمويج والتلوين في استعمال الخبر والإنشاء أثناء تشكيل الجمل، وعمدت القصائد استعمال الإنشاء للتقرير في بعض القضايا كما هو وارد في البيت الأول من قصيدة الفدائيّ التي تميل إلى تقرير طبيعة، وخصوصيّة، وخصال الفدائيّ، ومحاجّة الأعداء به، لكونه يتناسب مع سياق الصّراع العربيّ الإسرائيليّ، إذ على ضوئه تتشكّل الجملة الإنشائيّة، إذ افتتح بمدح تقريريّ يفتخر المتكلم في القصيدة بالفدائيّ، مشيرًا باسم الإشارة إلى كونه حرّ وأبيّ وابن شعب العرب، ومن ثمة انتقل إلى الإخبار واستعمال الخبر في البيت الموالي من المتكلم يخبر عن وضعه العائليّ، ثم مزج في البيت الثالث قيمًا بين التقريريّة والإخباريّة، إذ يخبر المتكلم أنّ الفدائيّ أقسم أن يعود إلى الحقول على الرّغم من وجود المغتصب، ويتّضح أنّ هذا التّلوين القائم بين الخبر والإنشاء، إنّما مقصود إقرار بحضور الفدائيّ للرّدّ على المغتصب على الرّغم من تيهه وتشريده، فصيغة الخبر مستعملة في إقرار عودة الفدائيّ إلى الحقول بعد التشرد والتيه، وهذا ليس اقتصار الفدائيّ على التّخلّي، وإنّما قسم مخبر عنه للتبليغ عن العودة، وهذا التلوين يفيد التأكيد على العودة التي تتضمن إرجاع القدس. واستخدام فعل قسم في سياق الخبر يدل على وجود الصّعوبة والاعتداء وشدّة المواجهة، ولعل التّعبير بالقسم في خبر البيت الشّعري يعزّز من التأكيد على العودة التي ليست بسهلة، لأنّ الفدائيّ وجد نفسه في التّيه والتّشرد، وقد استخدمت القصيدة بعض الجمل الخبريّة لأغراض بلاغيّة تتمثل في تهديد العدو، فقد كان سياق القصيدة يصف شدّة الفدائيّ وقوّته، وما يتحلّى به من خصال وشهامة. ولعلّ ما زاد من شدّة التّمسك بالعودة إلى الحقول حرص الشّاعر على انتقاء الألفاظ التي تؤكّد العودة ونذكر منها: لا بد أن تعود، رغم السّحب، فهي تفيد استمراريّة في التأكيد على العودة، وفي هذا دلالة على التّحدّي والمواجهة الصّادرة عن الفدائيّ الذي يرفض الاعتداء وجبروت العدوّ. وفي قصائد أخرى، استُعمل الإنشاء على أنّه الكلام الذي يتوقف تحقق مدلوله على النطق به، وهو لا يصح أن يقابل بالتّصديق أو التّكذيب، وصيغه متعدّدة نذكر منها ما هو وارد في الدّيوان الشّعريّ؛ النّهي، والأمر، والتّمنّي، والاستفهام، والنّداء. فهذه الصّيغ تحمل معنى التأكيد على الهُويّة العربيّة، وعلى العودة، وعلى إثبات الحضور، والوجود، وفي مواجهة العدوّ، والتّيه، والتّشرد اللذين ولّدا الاغتراب، والضيق، والقلق، والشّاهد في ذلك الأبيات الآتية:

وكم ضاق صدري بهذي الحياة

فليتك.. يا فتنتي تشعرين

ألا ليت شعري، فهل من لقاء

تقرّ عين صب ضنين

فتسعد نفسي بحلو التلاقي

وتذهب عني رياح الظنون([23]).

ولقد وردت الجمل الإنشائيّة في الدّيوان الشّعريّ على نظم أنيق، وتركيب بديع، وانسجمت مواقعها في بيانها التي جاءت فيه، وتناغمت الدّلالات مع الأبعاد الفنيّة، والجماليّة في الأنساق، فتبلور البعد التداوليّ، والثّقافيّ، والمعرفيّ، والتّواصليّ.

2 البعد اللسانيّ التّداوليّ

إنّ الاقتراب من القصيدة الشّعريّة على أساس مفهوم الشّكليّة له عيوب، يمكن أن تمنع حدوث ذلك عند تحليل الجوانب الحقيقية لكوامنه وتأويلها، فإنّ القصيدة الشّعريّة، حتى لو كانت لغة تتجاوزها، كما هو الحال أثناء عمليّة التّحليل. فنأخذ بالحسبان الأطراف غير المعلنة لغويًّا في السّياقات المحيطة بالقصيدة؛ التي تظلّ مغلقة في وجه المتلقّي، إذا لم يكن لديه معطيات ومعلومات كافية حول مكونات سياقها أثناء التعامل معها، نظرًا إلى وجود بعض المسائل اللغويّة التي تتطلب بيانات سياقيّة أثناء التّفسير، وقد يتجاوز هذا المؤشر دراسة الوضعيّة اللغويّة إلى الدّراسات اللغويّة التي تدرس اللغة في مجال الاستخدام الحقيقيّ، الذي هو جوهر البحث التداوليّ القائم على فعل الكلام والسّياق.

1.2 الفعل الكلاميّ

إذا كان الاستخدام اللغويّ في واقعه مبنيًّا على الموقف اللغويّ، فمقاصد المتخاطب، لا تُتَمثّل من خلال الوضع اللغويّ المجرد فقط، ولا يمكن الوصول إليه إلا من خلال فهم اللغة في سياق الاستخدام المتجدّد، كما هو الحال للدّيوان الشّعريّ الذي ربط بين الفعل واللغة التي هي “المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لسانيّ، فلا بدّ من أن تصير مَلَكَةً مقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان”([24]). ويتمظهر ذلك في الأفعال الكلاميّة المجسدة في ثنائيّة الخبر والإنشاء التي تقابلها عند الغرب ثنائيّة الوصف والإنجاز القائمة على وصف الوقائع والأحداث، وإنجازها عبر الأفعال الناتجة عن القول لحسبانهما مؤشّران مرتبطان بأفعال إخباريّة، وأخرى أدائيّة إنجازيّه إنشائيّة. وفي هذا الإطار، يمكن استنباطها من الدّيوان الشّعريّ على الشكل الآتي:

أ- الأفعال الإخباريّة

تتجسد في الدّيوان الشّعريّ أفعالًا كلاميّة تخبر عن الوقائع والأحداث في الفضاء العربيّ المتعلقة بالمتكلم في القصائد الشّعريّة المتضمنة الإثباتيّة والتّقريريّة وتصنيفها إلى كونها صادقة متطابقة مع الواقع، وإما كاذبة لا تتوافق مع الواقع، والشّاهد في ذلك الأبيات الآتية:

ونائحة بقرب الدّار تمشي

وتلطم خدها أبكت فؤادي

يواكب خطوها طفل كئيب

له ثوب.. تلطخ.. بالسّواد([25])

ب- الأفعال الأدائيّة الإنجازيّة الإنشائيّة

تتمظهر الأفعال الأدائيّة الإنجازيّة في الدّيوان الشّعريّ في الاستفهام والتّعجب والأمر، وأنّها أفعال لا تصف الواقع، وإنّما تحاول تغييره من حالة إلى حالة ويُحتكم عليها بمعيار التّوفيق والإخفاق، والشّاهد في ذلك الأبيات الآتية:

يصيح بها بربك أين ولى

أبي؟ والحزن في عينيه باد

وأين الزّهر في وطني المفدى

تضوع بالشذى في كل واد([26])

كما أن الأفعال الأدائية تتمظهر في:

  • فعل القول الذي يتحقق في جمل مفيدة تتشكل في بناء دلاليّ نحويّ قائم على المستويات اللسانيّة المتمثلة في المستوى الصوتيّ، والمستوى التّركيبيّ، والمستوى الدّلاليّ، وتعدُّ أفعالًا، والشاهد في ذلك الأبيات الآتية:

ناديت ضمائركم أبدا

في البيدا تنتحر الصيحات

ولكم شرفت مجالسكم

وطرقت محافلكم سنوات([27])

  • الفعل المتضمن في القول وهو يتحقق بقول المتكلم في القصيدة شيئًا ما، ويؤكد وجوده بفعل القوة كالأمر والوعد وتأكيد الفعل والسؤال إلى غير ذلك، والشّاهد الأبيات الآتية:

إن لم نكن سيلاً وبركانًا ونغدو كالرعود

أو لم نكن بحرًا فنغرق كلّ جبّار عنيد

أو سافيات من لهيب النار تودي بالجحود

لا شك أنّا زائلون مع الرّياح من الوجود

فلنمتط الأهوال كي نحيا بأعلام الخلود([28])

  • الفعل التّأثيريّ يتحقق نتيجة لفعل يقوم به المتكلم في القصيدة الشّعريّة ويترتب عنه آثار في المشاعر والفكر وتتجلى في الإقناع والتّوجيه والهداية واللوم والأمل… والشّاهد في ذلك الأبيات الآتية:

بوركت يا أمل الغد الميمون والعزم الأكيد

يا باعثا نور اليقين وهاديا روح الشّريد([29])

ويتبين من خلال ما سبق، أنّ الفعل الكلاميّ في الدّيوان الشّعريّ مرتبط بالعرف الثّقافيّ والاجتماعيّ واللغويّ، ويتسم بسمات تتمثل في كونه فعل دال وإنجازيّ ينجز الأفعال الاجتماعيّة والثّقافيّة بالكلمات التي تترك أفعالًا في الواقع، وهي تتصف بالإقراريّة، والإثبات والتّعبير والالتزام. والممارسة، وتعهد بفعل فعل والتّكليف المتكلّم في القصيدة بإنجازه، وإحداث سلوك يكون ناتجًا عن ردود أفعال مصدرها أحداث، واستخدام الإيضاح والبيان، كما ارتبط الفعل الكلاميّ بالحجاج.

2.2 الحجاج

وظفت القصائد الشّعريّة في أفعال الكلام الحجاج الذي يرتكز على المتلفظ في بنية اللغة، للتأثير على المستمع في أفق انتظاره، وسلوكه لإفهامه قصد إقناعه، وهو “متعدد الأصوات لحلّ مشكلة تحليل بعض الأقوال التي لا نعرف بالضّبط لمن ننسب فيها الكلام، هل إلى متكلم واحد أم إلى أكثر من متكلم”([30]) وللحجاج آليات استعملت في القصائد الشّعريّة وتتمثل في:

الحجاج البلاغيّ: يتأسس على عناصر أساسيّة في المعاني البلاغيّة، التي تصبح أدوات إقناعيّة مثل الاستدلال، والدّليل، والحجّة، والشّاهد لإشباع مشاعر المتلقّي وأفكاره قصد موافقته على القضيّة، كما هو وارد في قصيدة بقايا، إذ كان للحجاج البلاغيّ فيها دور استراتيجيّ في استمالة المتلقّي وجذبه لتأييد القصيدة وتوافقه الضمنيّ والشّاهد في ذلك أنّها فازت بكأس الشّعر على أندية الكويت الصيفيّة سنة 1971، وتضمّنت البعد الاستدلاليّ والبعد الإمتاعيّ.

الحجاج اللغويّ: يعتمد على أفعال اللغة المتداولة، وعلى الحوار، وعلى بعض الأدوات والصيغ والتّعابير الحجاجيّة المستعملة في السّياق.

الحجاج الفلسفي: يستند إلى الأنا والآخر مع الاعتماد على العقليّة، والسجاليّة، والجدليّة، والتحليليّة، والنّقد، وإثارة علاقة الحجاج الفلسفيّ بالحقيقة واللغة والمنطق والبلاغة.

الحجاج الرّمزيّ: للرّمز قوة تأثيريّة في القصائد الشّعريّة ذات بعد ذهني لإقرارها علاقة بين الرّامز والمرموز:

أضحت ديار العرب دامية الخطى رهن القيود

عصفت بها ريح المنون كأنها بقيا جريد([31])

وردت هذه الآليات الحجاجيّة في القصائد الشّعريّة، واستعملت الروابط الحجاجيّة لتضفي عليها أبعادًا جماليّة وفنيّة، ويمكن حصر الرّوابط التي أُدرجت في الحجج مثل (حتى لأن، مع ذلك) وأخرى تنطوي في النتائج مثل (لهذا)، وروابط تدرج حججًا قويّة مثل لكن، بل، وأيضًا تُوَظّف في التّعارض، ومن الآليات الحجاجيّة التي وُظِفت في القصائد الشّعريّة الارتكاز على الواقع الخارجيّ الذي يتضمن الإحالات الزّمنيّة، كما نجد أنّ الهيكل الرّسميّ للجمل الفعليّة ذات الصلة بالعالم الخارجيّ والتّفاعل معه، من خلال استخدامها لمحددات الزّمنيّة التي تربط زمن الكلام بزمن خاص خارجيّ مثل: (يا عرب تلكم دارنا)، (لقد كنت حلما يداعب فكري) (فلا تسأليني على ما كتبت) (لن أقتل عصفورًا أبدًا)، وفي ذات السياق استُعملت المؤشرات الزّمنيّة مثل (فجر، الأيام، الليل، الأزمان، الزمن، الصبح…) كما استُعملت تاريخ صدور القصيدة، إضافة إلى إدراج تاريخ فوز القصيدة بالجائزة، والإخبار بتاريخ القصيدة يساهم في تحديد سياقها العام وإطارها الأبستميّ والأيديولوجيّ وثقافتها التي تبلورت فيها.

3.2 التّفاعل والسّياق

اعتمدتُ أثناء عملية تشكيل القصائد الشّعريّة على التفاعل لحسبانه سلسلة من الوقائع والأحداث يكون فيها الأشخاص فاعلون، لأنّ كلّ قصيدة شعريّة خاضعة للعلاقة القائمة بين الشّاعر والشّاعر الضمنيّ والمتلقّي داخل صيرورة اجتماعيّة تتمحور حول التفاعل مع استعمال اللغة وصياغتها بوساطة قدرة التّواصل التي تواكب الوضع اللغويّ من حيث تركيبه النّحويّ، وتندمج معه إذ “لا تنحصر قدرة مستعملي اللغة الطبيعيّة في معرفة القواعد الصّرفيّة، والتّركيبيّة، والصّوتيّة، والدّلاليّة، بل تتعداها إلى معرفة القواعد التّداوليّة، القواعد التي تمكن مستعمل اللغة الطبيعيّة من إنتاج وفهم عبارات لغوية سليمة في مواقف تواصليّة معينة قصد تحقيق أغراض معينة”([32])، وذلك بوساطة السّياق الذي يحدد الرّصيد الثّقافيّ، والمعرفيّ لمعاني القصائد الشّعريّة، وخضوع آلياتها التّكوينيّة له لكونه يمنح لأنساقها دلالات ومعانٍ، فسياقها مرتبط بتاريخ واقع الأمّة العربيّة في صراعها مع اليهود المغتصبين القدس، فكل القصائد أُنجِزت بعد هزيمة 1967 تعطي صورة دراميّة للواقع العربيّ محاولة استنهاض وعي العرب، مع توجيه خطاب التّهديد والوعيد للعدوّ، إذ استعمل كل الأبعاد التّاريخيّة، والدّينيّة، والثّقافيّة في خطاب مباشر إيقاعي يعيه المتلقّي ويجذبه. استعملت القصائد الشّعريّة مجموعة من العناصر اللغويّة والتّواصليّة لجعل رسالة خطابها هادفة، إذ ارتكزت على الفكرة التي بلورها الشّاعر، وتكلم بها المتكلم في القصائد (الشّاعر الضّمنيّ) وأرسلها للمتلقّي ليؤوّلها، ويفكّك شفراتها وعلاماتها المتضمنة المعانيّ والدّلالات في بنية لغويّة شعريّة متضمّنة الانفعالات والتّخييل، في إيقاع عروضي وزني مستمد من التّراث الذي يبرهن على استمراريّة الهُويّة العربيّة، ومن يحرّر الإنسان العربيّ من قمع المغتصب، لذلك يلاحظ مضمون رسالة خطاب القصائد الوعيد، ورصد الواقع المتردّي، وإبراز المواقف والمعاناة بجميع أشكالها، ورد على عتاب الأقربين للمتكلم قي القصائد، وإنّ هذه العناصر بُلوِرت في علامات لفظيّة.

4.2 العلامات اللفظيّة

تُعدُّ القصائد الشّعريّة إحدى مظاهر التّعبير عن الخصوصيّة المميزيّة، ولا يمكن فهمها من دون تحديد رسالة خطابها، لكونها تحمل ألوانًا من الموضوعات والمواقف على العلامات التي كانت ملفوظات مركزيّة، ومفتاحيّة في الخطاب أو مضمرات في أنساق القصائد أو شفرات زمانيّة ومكانيّة، أو تأملات مع السّياق الذي يحتوي عليه، وهذه المحدّدات اللفظيّة، والغرض التداوليّ هو عندما يستخدم المنشئ التناظر بشكل جيّد، وبالتالي من الممكن فهم إمكانات رسالة خطاب القصائد الشّعريّة، ومعرفة أهداف الشاعر، ومدى تأثيره على المتلقّي:

حبك يا فاتنتي السمرا

دنيا ورديه

همسات روحية

وسماء ساحرة.. حالمة

قزحية

ومعاني قدسية

وطيوف راقصة الأنغام

نديه([33])

تقوم العلامات اللفظيّة على أدوات في صياغتها لإحداث أبعاد جماليّة. وتتمثل في:

– الألفاظ المفتاحيّة التي لها الجاذبيّة وقوة النعومة في استقطاب المتلقّي مثل لفظة أهواك التي تتصدر أبيات القصيدة الموسومة بها، وتكرّرت خمس مرات في القصيدة حتى أضحت استهلالًا لإثارة الانتباه على أساس أنّ دلالتها مرتبطة بالعاطفة: وإرادتها وميلها وتعلقها، وتدل هذه اللفظة على التّمايل النّفسانيّ للمعشوقة، وتفرعت عنها دلالات متتالية تعددت أوصافها لتعميق الرؤيا عن طريق التّداعيات، لأنّ تكرارها المطّرد يؤكّد على مكانتها عند المتكلم في القصيدة.

العلامات الشّخصيّة: تشير العلامات الشّخصيّة الحاضرة في القصائد الشّعريّة الضمير المتكلم والضمير الغائب، إلى وقائع حيّة تنبض بالصّراع، فالضمير أنا يجمع بين الذات المتكلمة في القصائد الشّعريّة والعربيّ الذي يعيش خرابًا ودمارًا، ويتضح ذلك في القصيدة الآتية:

كلّ من مرّ على الأجساد دهرًا… ثم طابا

وتغنى في ابتهاج، لم يجد إلا خرابًا

وأنا أصطحب العمر شقاء.. وعذابًا

مسّ أحشائي الضنى والقلب قد أمسى مصابًا([34])

استدعى توظيف الضمير المتكلم في تقابله مع الضمير المخاطب والضمير الغائب أو استُحضِر في تصوره، كما استُعمل في عملية إدغام ضمائر الغائب، والمخاطب للتعبير عن الوحدة والتّكثل والتّضامن بين الضمائر المنتميّة إلى المجال والثقافة واللغة نفسها، وإنّ هذه الضمائر لها علاقة بالعلامات الزّمانيّة والمكانيّة للكشف عن معاني القصائد الشّعريّة.

– العلامات الزّمانيّة: يتحدد الزّمان بالسّياق الذي تُستعمل فيه علامات الزّمان وهو نوع من الخيط المشترك الذي ينشط الأحداث في نظر المتكلم في القصائد الشّعريّة الذي يعيش الحياة والأشياء المتأثرة في وجه الحاضر، وهو مظهر خادع ووهميّ، إذ أصبح الزّمن في القصائد ظاهرة ذات دلالاتٍ رمزيّة، أو كونيّة، أو مختلفة، لأنّ الزّمن التقليدي لم يعد مرتبطًا بالماضي والحاضر والمستقبل، بل أصبح يمتد إلى التّوسع النّفسيّ والعقليّ على مستوى الذّات، ويتضمن الذّاكرة التّاريخيّة وامتدادات المستقبل في ظلّ الصّراع العربيّ اليهوديّ، ويوحد بين القصائد خيط زمنيّ تزامني يتحدد في العقد السابع من القرن العشرين الممتد على طول خمس سنوات شُكِّلت فيها، وداخل هذه الحِقبة وُظِّف الزمن الكونيّ الذي يتجسد في الفجر، اليوم، الليل، الصبح، ويدلّ على الإصرار والتهديد والتأكيد، وأيضًا وُظِّف الزّمن الدّائري المتمثل في الذكريات والعودة المرتقبة والصّراع القائم بين العرب واليهود، وكما استُعمِل الزّمن المرتبط بنفسيّة المتكلم في القصائد الدّال على العتاب والمعاناة والوعيد. إنّ هذه الأزمنة لها اتصال تفاعليّ مع الزّمن النّحويّ المصاغ في صيغة الماضي الدّال على الماضيّ الذي يشير إلى التّحدي، والمقاومة، والوعيد، والحزن، والذكريات، والتي لها صلة بالرؤيا والمواقف، كما استُعملت صيغة المضارع الدّالة على الماضي وتتمثل في التصاق الفعل المضارع بلم وبأن وبكان وأخواتها، وأيضًا استُعمِلت صيغة الدّالة على المستقبل التي ترتبط بقصديّة المتكلم في القصائد الشّعريّة، وبالدّعاء وبالشّرط، كما استخدمت صيغة المضارع الدالة على الحال التي لها ارتباط بالمشاعر والمعاناة، واعتمدت كل هذه الصيغ على آليات التّداعي والاسترجاع والتذكر والتنبؤ التي اختزلت الأحداث والوقائع التي وقعت في الفضاء.

– العلامات المكانيّة: يمكن تحديد العلامات المكانيّة في القصائد الشّعريّة انطلاقًا من رصدها في أسماء الإشارة المرتبطة بالأرض والحقول والمدينة التي لها ارتباط بالعاطفة والمشاعر، وفي ظروف المكان وحروف الجر التي أخذت معنى الظرفيّة المكانيّة، وكما ذُكرت جغرافيّة الأماكن التي لها ارتباط برؤيا قصائد الدّيوان التي تتأسس على المحاورة القائمة على المعرفة والثقافة والتواصل.

  1. البعد اللسانيّ المعرفيّ والثّقافيّ

تستند الأبعاد اللسّانيات المعرفيّة والثقافيّة إلى المحاورة التي ترتبط باتساع المدى والنظرة الغائية للوصول إلى المقاصد عبر التفاعل بين اللسانيات والمعرفة والثقافة لإحداث رؤيا لفعل التّواصل، فالثقافة تعد مخزونًا ماديًا ولا ماديًا يتكون من المعتقدات والعادات والتقاليد والأعراف والقيم المستقاة من المجتمعات، تشتمل الحضارة التي تمثل الجانب الفكري والإبداعيّ المتضمن الشّعر المصوغ باللغة، التي تعد موضوع اللسانيات، وعبرها يحدث التواصل بين الشّاعر والمتلقّين فيشترك في معرفة لغة القصائد الشّعريّة، وما تتضمنه من دلالات ومعانٍ ثقافيّة ومعرفيّة تتصل بالإطار الفلسفيّ والسّياق التّاريخيّ الذي تبلورت فيه، وربطها بالإدراك والتحدث عن الأيقوني والطرازيّ في الكلام العاديّ واليومي لحسبانه كلام مسترسل فيه أطياف من ألوان التعابير تتحول إلى قول شعريّ. تتضمن القصائد الشّعريّة الكلام العاديّ واليومي لتكسير المتداول وتخييب أفق انتظار القارئ، ومصوغة عبر الهندسة الذّهنيّة الإبداعيّة القائمة على اللغة والإدراك والتّنسيق الحركيّ وتخطيط الأغراض والأهداف، كما قامت القصائد الشّعريّة في تشكيلها ربط الفكر بالتخييل واللغة فيها لترجمة علاقة المتكلم بها، وتفاعله بمجاله وسياقه فيها للتعبير عن تجربته، ويتجلى ذلك في الأبيات الآتية:

خلّ التأوه للعبيد

واثأر لحقك في الوجود

واهتف بها حرية

عربية رغم الجحود([35])

تُعدّ علاقة المتكلم في القصيدة الشّعريّة بمجاله أداة لفهم ماهيّة المعرفة الذّهنيّة للشّاعر من خلال اللغة لكشف الظواهر المعرفية انطلاقًا من المستويات اللسانيّة، لاستخراج ما هو استعاريّ منها، أو منها ما هو مرتبط بالدّلالة المعجميّة أو التّركيز على دلالة الخطاب في القصيدة، الذي تبلور خطابها في هندسة ذهنيّة رصدت العلاقات الرّابطة بين التّصور في الخطاب والواقع، والعلاقات الفاعلة في التخييل لتشكيل المعنى أثناء استعمال الدّوال الأخرى بالاعتماد على أدوات لصياغة الحقول المعرفيّة، وتتبلور القصيدة الشّعريّة في الكون الماديّ ثم يتفاعل الشّاعر من خلالها عبر آليات وعناصر فنيّة تشكيليّة لسانيّة وانفعاليّة وتأثيريّة موظفًا مجموعة من الأساليب والعلامات والتناص:

لا تحزني أماه وابتسمي

لا تصبحي “لتماضر” ندا

ما أنت إلا منهل عذب

منك ارتويت العز والمجدا([36])

تتألف القصيدة من نسيج استعاري([37]) ويتألف من أوتارها بين العقلية المتجانسة التي تنجذب وتنهار أثناء إنشاء الكلام، إنّها مثل طبقات المواد القديمة والجديدة التي ترسخت في الوعي والفكر، وكان لها تأثير ملموس، أو غير محسوس يصعب على صانع الخطاب الانتباه إليه لأنّه يأتي أحيانًا من أصداء بعيدة تستقر في الذّاكرة، وتبقى موشومةً حتى تُستدعى في عملية تكوين وبناء مكونات القصيدة بواسطة اللغة، التي تشكل النّسق التّصوريّ الذي يستعمله الشّاعر في الهندسة الذّهنيّة لفضاء القصيدة. تتشكل القصيدة من الحقول المعرفيّة الثقافيّة المتعلقة بالقيم والمعتقدات والهوية، ويتجسد في اللغة التي تستعمل للتّعبير عن رؤية الوجود وإثبات الذّات داخل الصّراع العربيّ اليهوديّ في أنساق خطاب القصيدة؛ وما ترتب عنه من الظواهر والوقائع والتّجارب والأحاديث اليومية([38]) التي على ضوئها سينتج المعنى المعجميّ والبلاغيّ على السواء، ويمكن مزجهما بواسطة التمثيل الدّلاليّ، وتتتبع سيرورة تشكيل المعنى في الهندسة الذّهنيّة انطلاقًا من اللغة التي تعد انتظامًا يستعملها الشّاعر لإغراء المتلقّي قصد بلورة فضاء معرفيّ ثقافيّ يتأسس على أفكار ومشاعر، وتنبني على تراكيب ووحدات نحوية، واستعارات، والمشابهات وترابطات سياقيّة تتضمن الأنساق المعرفيّة والثقافيّة الناتجة عن التفكير الواعي. تنصب القصائد الشّعريّة الصقلاويّة على التفكير، وترتبط بالنّسق التّصوريّ المعرفيّ الثقافيّ لكينونة الإنسان العربيّ، حيث تجلّت قصيدة تصويريّة إنسانيّة ذات أبعاد جماليّة لسانيّة:

أهواه رغم الهجر أهواه

بين الحشا في القلب سكناه

الحب نهر، في دمي دفق

فهو الذي في القلب أجراه([39])

تبين أنّ البعد اللسانيّ المعرفيّ في القصائد الشّعريّة له تأثير على التشكيل والمعنى، ليجعلها مغريّة وجذّابة، ويعطي رؤيا الشّاعر، ويقوم بالاستمالة وتغيير أفق انتظار المتلقّي عبر استعمال مجموعة من الآليات من ضمنها الاستعارة، كقول الشاعر:

ناجيته والليل مكتئب

والقلب قد ذابت حناياه

استحضرت المناجاة كآبة الزمن الكامن في الليل، الذي يوحي بالظلام والسّواد وهما علامتي الكآبة، وبالتالي ما يربط بينهما الاستعارة الوضعيّة المناجاة والكآبة، والشّطر الثانيّ يستحضر معرفة جوانيّة أنّه إذا كان هناك عشق فالقلب يذوب حنيانا، يستحضر هنا مجال العاطفة الجوانيّة، وبالتالي يستحضر الاستعارة الوضعيّة المعرفيّة العشقيّة.

يتأسس البعد اللسانيّ المعرفيّ على أنساق المعرفة، والاستعارة التّصويرية، والاستعارة المفهوميّة([40])، والمزج التّصوريّ الثقافيّ، وتعالقه بالأيديولوجيا، وفي ذات الوقت يؤثر في التّواصل القائم على الأركان (المرسل – الرسالة – المرسل إليه – المرجع – القناة) التي تتبلور منها الوظائف المهيمنة التي يمكن رصدها في القصائد الشّعريّة، والمتمثلة في:

– الوظيفة الانفعاليّة: التي تعبّر عن موقف المتكلم في القصائد الشّعريّة تجاه القضايا المثيرة وأهمها الصّراع العربيّ اليهوديّ، واغتصاب الأراضيّ العربية، وهو ينزع على تقديم انطباع عن انفعالاته، وعواطفه، والشاهد في ذلك الأبيات الآتية:

يا لائمي في حبه عبثا

أتلوم من بالحب محياه

من قال إني كنت ناسيه

وأنا الولوع.. فكيف أنساه([41])

– وظيفة التأثير: اعتمدت في القصائد الشّعريّة على اللغة أساسًا مستعملة الأسلوب الإنشائيّ سيّما الأمر والنداء، والشاهد في ذلك الأبيات الآتية:

يا بحر كم في رملك الفضي

لوحات حب قدر سمناه([42])

– الوظيفة الجماليّة: تتمحور حول صياغة آليات موضوع رسائل القصائد الشّعريّة على مستوى التوازي الصوتي من حيث الإيقاع، وعلى المستوى الدّلاليّ استعمال الاستعارة، والانزياح، وأدوات التخييل بصفة عامة، ويؤكد هذا أنّ القصائد الشّعريّة تمتلك الكفاية اللغويّة والمعرفيّة والإدراكيّة والثقافيّة، ومهارة إبداعيّة اكتسبتها من خلال التفاعل بين التواصل والتّداوليّة لإبراز أبعادهما المعرفيّة والثقافيّة.

– المكون المرجعيّ: يرتكز على معرفة التّجارب الإنسانيّة والعلاقات القائمة بينها.

– المكون الثقافيّ: يتأسس على معرفة مكونات الثقافية وتفاعلها مع الأنساق الاجتماعية. نستنتج أن القصائد الشّعريّة لها بعدين يكمنان في بعد معرفي لأنها تقوم بتشكيل المعرفة وإعادة صياغتها وإيصالها، والبعد الثّاني يتمثل في ربط أواصر العلاقات الإنسانيّة لحسبانها سيرورة اجتماعيّة تتضمن السلوكيات الإنسانيّة.

خلاصة

حرصت اللسانيات على إبراز علاقتها مع القصائد الشّعريّة من حيث الأبعاد الجماليّة والفنيّة والتّداوليّة والمعرفيّة والثقافيّة والتّوايّة، إذ عنيت بالآليات والأدوات التي شكلتها، أثرت اللسانيات في تشكيل القصائد الشّعريّة وبنائها، وفي تحليلها بواسطة جهاز منهجي ومفاهيميّ قصد ربط الجسور بين اللغة الإبداعيّة واللغة الواصفة، واستثمار المستويين التأثيريّ والتّحليليّ لاستشراف الأبعاد المعرفيّة والثقافيّة والتّواصليّة والتّداوليّة لتحديد جماليّة القصائد الشّعريّة وفنيّتها، تمزج القصائد قيد التحليل بين الإبداع والتعبير لإنتاج التعدد والتنوع، والإفصاح عن الواقع المعرفيّ اللغويّ، وإحداث الاستعارة والرموز المعرفيّة التي تتجسد في بناء القصائد الشّعريّة، وحددت هُويّتها وخصوصيّتها، وأسهمت في إعادة تشكيل الواقع وإخراجه من الدّلالة الحقيقيّة إلى الدّلالة المجازيّة([43]) والدّلالة الاستعاريّة.

تتجاوز اللغة وظيفتها كأداة للتواصل الاجتماعيّ والتّعبير البيولوجيّ في القصائد الشّعريّة، وتُوضع ككِيان محدد الكينونة والوجود، لأنّ الطاقة البشريّة تتغير مع تغير وظيفة اللغة، ويتبلور عنها تنوع الأشكال اللغويّة في موضوعات وقضايا ورؤى القصائد مع مراعاة أبعاد اللغة. تتعدّد مواضيع الرسائل في القصائد الشّعريّة قيد التحليل، وتتنوّع أبعاد الدلالة بين الدّال والمدلول للتأثر في فكر المتلقّي، حيث لا توجد كلمة بريئة أو محايدة.

المصادر والمراجع

  • عطية سليمان أحمد: الاستعارة القرآنية في ضوء النظرية العرفنية: النموذج الشبكي، البنية، المكتبة الأكاديمية الحديثة للكتاب الجامعي، مصر، 2013.
  • عبد الجبار بن غريبة: مدخل إلى النحو العرفني، مسكيلياني للنشر، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، تونس، الطبعة1، 2015.
  • محمد الصالح البوعمراني: السيميائية العرفنية “الاستعاري والثقافي”، مركز النشر الجامعي، تونس، 2015.
  • الأزهر الزناد، نظريات لسانيّة عرفنية، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون، دار محمد علي للنشر.
  • سعيد الصقلاوي، ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الاعلام والثقافة مسقط سلطنة عمان، الطبعة 1 ،1975.
  • ابن رشد،فصل المقال، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1978.
  • ابن خلدون عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون (تاريخ ابن خلدون)، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان.
  • المتوكل أحمد: الوظيفية بين الكلية والنمطية، دار الأمان، الرباط – المغرب- الطبعة 1، 2003.
  • ليوحه علي حسين، الحجاج ، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد ، 20 40 أكتوبر – ديسمبر 2011.
  • محمد بن أحمد ابن طباطبا، عيار الشعر، تحقيق: عباس عبد الستار، دار الكتب العلمية، الطبعة1، بيروت، 1982.
  • قـدامة بن جعفـر، نـقـد الشعـر، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت.
  • كمال أبو ديب: في الشّعريّة، مؤسسة الأبحاث العربية بيروت، الطبعة الأولى، بيروت، 1987.

 

-[1] الكلية المتعددة التخصصات الناظور جامعة محمد الأول.

[2]– محمد صابر عبيد، فضاء الكون الشّعري من التّشكيل إلى التدليل، مستويات التجربة الشّعريّة عند محمد مردان، دار نينوى، سورية، دمشق، 2010، ص19-20.

[3]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1، 1975، ص37.

4– سعيد الصقلاوي: ترانيم الأمل، ص91.

[5]– مصطفى صادق الرّافعي: وحي القلم، دار ابن كثير، دمشق، 2007، الجزء 3، ص 992.

[6]– سعيد الصّقلاوي: ترنيمة الأمل، ص51.

[7]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، ص109.

[8]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، ص115.

[9] – كمال أبو ديب: في الشّعريّة، مؤسسة الأبحاث العربية بيروت، الطبعة 1، 1987، ص 14.

[10]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، ص129.

[11]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، ص130.

[12]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، ص132.

[13]– محمد بن أحمد ابن طباطبا، عيار الشّعر، تحقيق: عباس عبد الستار، دار الكتب العلمية، الطبعة 1، بيروت، 1982، ص29.

[14]– قـدامة بن جعفـر، نـقـد الشعـر، تحقيق: محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 64.

[15]– عبد الرحمن بن خلدون، مقدمـة ابن خلدون، دار الفن للطباعة والنشر، الطبعة 1، بيروت، 2004، ص573.

[16]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص77.

[17]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص103.

[18]– ترمانيني خلود، الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، 2004، ص97.

[19]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص139.

 [20]- ترمانيني خلود، الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، 2004، ص100.

[21] – ترمانيني خلود، الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، 2004، ص103.

[22]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص115.

[23]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص52.

[24]– ابن خلدون عبد الرحمن، مقدمة بن خلدون (تاريخ ابن خلدون)، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان، الجزء الأول، ص546.

[25]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص77.

[26]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص77.

[27]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص131.

[28]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص 98-99.

[29]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص96.

[30]– اليوحه علي حسين، الحجاج، مجلة عالم الفكر، الكويت ، المجلد، 20 40 أكتوبر – ديسمبر، 2011، ص 85 و86.

[31]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة 1،1975، ص96.

[32]– المتوكل أحمد: الوظيفية بين الكلية والنمطية، دار الأمان، الرباط – المغرب – الطبعة1، 2003، ص19.

[33]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة1، 1975، ص125.

[34]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة1، 1975، ص65.

[35]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة الأولى،1975، ص95.

[36]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة الأولى،1975، ص92.

[37]– الأزهر الزناد، نظريات لسانيّة عرفنية، منشورات الختالف، الدارالعربية للعلوم ناشرون، دار محمد علي للنشر، ص142.

[38]– الأزهر الزناد، نظريات لسانيّة عرفنية، منشورات الختالف، الدارالعربية للعلوم ناشرون، دار محمد علي للنشر، ص142.

[39]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة  1،1975، ص71.

[40]– عطية سليمان أحمد: الاستعارة القرآنية في ضوء النظرية العرفنية: النموذج الشبكي، البنية، المكتبة الأكاديميّة الحديثة للكتاب الجامعي، مصر، 2013، ص147.

[41]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة الأولى،1975، ص71.

[42]– سعيد الصقلاوي: ترنيمة الأمل، منشورات وزارة الإعلام والثقافة مسقط، سلطنة عمان، الطبعة الأولى،1975، ص72.

[43]– ابن رشد، فصل المقال، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1978، ص22

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.