السّيرة الذّاتيّة من سرد ذكريات إلى نهج حياة: “دا” أنموذجًا

0

 

السّيرة الذّاتيّة من سرد ذكريات إلى نهج حياة: “دا” أنموذجاً

                                                                            د. غادة علّوه*

توطئة: 

ذُكرت تعريفات كثيرة للسّيرة الذاتيّة، في الدراسات النّقديّة الأدبيّة العربيّة والأجنبيّة؛ فورد أنّها عمل أدبيّ يقوم صاحبه بتأليفه، عارضاً سيرة حياته في إطار عصره، من دون أن يلزم نفسه بمنهج المؤرّخ، وهذا العمل يتوافر فيه روعة التعبير الأدبيّ، وجودة الصياغة الفنّيّة والتناسق بين أطرافه، في رابطة فنّيّة محكمة[1]. كما عدّت السيرة الذاتية أكثر الأجناس الأدبيّة التصاقاً بذات الإنسان، لاعتمادها على ما ينتقيه الإنسان من مذكّراته الخاصة، وعلى صوغها بأسلوبه الخاصّ؛ لأنّ “المذكّرات تستطيع أن تستوعب الأحداث الخاصة، التي يهتمّ بها كاتب السّيرة الذاتيّة، كما إنّها تهتمّ برصد الأحداث التّاريخيّة وتسجيلها”[2].

و”دا”[3] هو عنوان سّيرة ذاتيّة، أعدّتها الكاتبة الإيرانيّة أعظم حسيني بعد أن دوّنت مذكّرات الراوية زهراء حسيني أثناء جلسات حواريّة. وقد استخدمت ضمير المتكلّم الذي يحيل إلى الشخصيّة السّاردة (زهراء) في السيرة، معتمدة على الآليات السّرديّة، في تصوير الأحداث التاريخيّة لحرب دامت ثماني سنوات بين الجيش البعثي العراقي والجيش الإيراني، في مناطق إيرانيّة عديدة، منها خرمشهر[4]. كما اهتمّت الكاتبة بتوصيف المشاعر، وذكرت الأهداف من كتابة السّيرة الذاتيّة[5]، ما أمكن إدراج (دا) ضمن صنف “رواية السيرة الذاتيّة”[6].

إنّ سرد الأحداث التاريخيّة في السيرة (دا)، عبّر عن نوع ارتباط الراوية بالمكان؛ لأنّ المكان هو الكيان الاجتماعي الذي يحتوي خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه، ولذا شأنه شأن أيّ نتاج اجتماعي آخر، يحمل جزءاً من أخلاقيّة وأفكار ووعي ساكنيه، وباستطاعة الأديب أن يوظّفه لتجسيد الأفكار والرموز والحقائق المجرّدة، وتقريبها بالتالي إلى الواقع[7]. وهو”عنصر أساسيّ للعمل الروائي، يتخذ أشكالاً ويحمل دلالات مختلفة”[8]، ويكشف عن مسارات الأديب التي يحتذيها في العمل الروائيّ، فدراسته تساعد في اكتشاف خبايا النّصّ الدلاليّة والوظيفيّة.

والسّيرة الذاتيّة (دا) التي عرضت فيها الراوية ذكريات وقائع صعبة عاشتها في وطنها، وضعتنا أمام السؤال الرئيس: ما مدى فاعليّة الذكريات في تحقيق الغاية من السّيرة؟ وتفرّعت منه أسئلة عديدة، أهمّها: ما الدلالات التي يوحيها العنوان (دا)، وما علاقته بفضاء السّيرة السّرديّ؟ ما دور المقدّمة التي مهّدت بها الراوية قبل سرد الأحداث؟ ما الأبعاد الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي عكستها علاقة الراوية بالمكان؟

اخترتُ المنهج البنيويّ السّيميائيّ لمعالجة الموضوع؛ لأنّه يعتمد على استنطاق النّصّ، ويساعد في اكتشاف دلالات الإطار الذي يحيط بالنّصّ، وما يتضمّنه الفضاء الروائيّ من حقول دلاليّة. فللمنهج السّيميائيّ “آليات تخضع النصّ السرديّ لدراسىة تهدف إلى مساءلة النص في ذاته ولذاته، من خلال بنيته الشّكليّة”[9]، كما “إنّ استلهام مبدأ التقاطب ومحاولة استخصابه، ستكون لهما فائدة كبيرة في الوقوف بنا على المبادئ البنيويّة التي تنظّم اقتصاد المكان، وفتح مجال البحث عن الحقول الدلاليّة التي يتحرّك الفضاء الروائيّ في نطاقها”[10]؛ لذلك وجدتُ أنّ “من الضرورة ارتباط السّيميائيّة السرديّة بالمنهج البنيويّ، كونه يُعنى بالعلاقات بين الأجزاء”[11].

وقد انطلقتُ من العنوان؛ لأنّ العنوان “يوازي إلى حدّ بعيد، النّصّ الذي يسمّيه، لهذا فإنّ أيّ قراءة استكشافيّة لأيّ فضاء، لا بدّ أن تنطلق من العنوان”[12]. واعتمدتُ على المقدّمة، كمدخل أساسيّ لاستقراء النّصّ الروائي؛ لأنّها مهّدت لسرد الأحداث تأطيراً وتبياناً للفضاء الذي ستُنجز فيه، وشكّلت استهلالاً مهمّاً للقارئ الذي “لا بدّ أن يُعطى بعض المعلومات التي تفسّر له سير القصّ”[13]. كما اعتمدتُ على مبدأ التّقاطب المكانيّ، من أجل اكتشاف الدلالات التي ينتجها؛ لأنّ “القراءة الكفيلة بالكشف عن دلالة الفضاء الرّوائيّ، ستنبني على إقامة مجموعة من التقاطبات المكانيّة”[14]. وبذلك يمكنني اعتماد ثلاثة محاور:

 

 

المحور الأول: العنوان

يُعدّ العنوان أوّل رمز يلتقي به القارئ، ويشدّ انتباهه لما سيأتي؛ لذلك تكمن أهميّة التركيز عليه وتحليله[15]. فهو”يمظهر نيّة المؤلّف، ويعلن قصديّة النصّ”[16]، ما يعني أنّ العنوان يتعالق مع النص دلاليّاً، ويرشد المتلقّي إلى متنه.

والعنوان (دا) باللغة الكرديّة، يعني: أمّي[17]، هو العلامة التي أعطت النصّ هوية نسويّة، وأثار تساؤلات عديدة حول أبعاده في النصّ. فالعنوان يُعدّ مصاحبة نصّيّة تكمن علاقتها بانفتاحها على العديد من المناحي، من خلال الأسئلة التي تطرحها[18]، واستخدام الراوية العنوان باللغة الكرديّة، بيّن ارتباطها بأصولها الكرديّة التي تعود إلى قرية زرّين آباد دهلران، وهي المنطقة التي هاجر منها والداها إلى البصرة [19]. واللفظة (دا)، أي (أمّي)، إشارة توجّه القارئ إلى البحث عن سرّ هذه الخصوصيّة في نّصّ سرديّ، عرضت الراوية فيه ذكرياتها المتعلّقة بالأحداث التي مرّت على أرض مدينتها خرمشهر، فذكرت كيفية تعاملها مع الأحداث وانعكاساتها عليها وعلى أمّها، ما أظهر أنّ تعالق اللفظين (أمي ووطني) هو سرّ العلاقة بين العنوان والنّصّ السرديّ.

والعنوان (دا) هو الاسم المحبّب الذي كان أفراد العائلة ينادون أمّها به، منذ حداثتها في البصرة، على الرغم من إتقانهم التكلّم باللغة العربيّة، وعلى الرغم من اعتيادها على آداب وتقاليد العيش العربيّة في البصرة، حيث ولدت الراوية مع أخوتها[20]. وهذا ما كشفه السرد في الفصل الأخير، حين بيّنت الراوية اهتمام الأهل بالأمّ (دا)، مذ كانت صغيرة، بسبب فقدها والدتها. كما قدّم آخر الفصل مختصراً عن تجربة (دا) الحياتيّة؛ أي معاناتها من صدمات معنويّة، ومن صعوبة الحياة في المخيّم في ظلّ الوضع الصّحّيّ المتردّي وشحّ الماء والطعام، ومن مصاريف العيش وتربية الأولاد، ما ساهم في إنهاكها وإضعافها. وفي آخر فصل بيّنت الراوية أنّ دا هي ذكرى حياتهم، أي ذكرى شجرة ما زالت تمنحهم ظلّها وثمرها وخضرتها النضرة[21].

هذا الاختتام للسيرة دلّ على مكانة دا المميّزة بين أهلها، وما تمثّله من ذات نسويّة مضحّية، أظهرتها حركتها الحياتيّة التي انعكست على حياة ابنتها زهراء، فمنحتها ثباتاً في وجه الصّعاب. وتجلّى ذلك في علاقة شخصيّة الراوية بواقعها، التي شكّلت ثنائية الذات المتألمة والذات المتحدّية، من أجل التأقلم والعيش في المجتمع. وهكذا تبلور المعنى العميق الخفيّ للعنوان؛ فبرزت دلالات معاني الأم، عنوان حياتهم، فهي الحبّ والعطاء والتحدّي وحضن الأمان الذي يتعالق مع المكان الرحميّ خرمشهر. كما اختزل العنوان عالم الوعي بحقيقة التضحية، الذي أرادت الراوية خلقه بسردها مذكراتها؛ لأنّ ” الإنسان مكان للوعي، يختزل عبر الوعي الأمكنة كلّها، ابتداء من الأمكنة الصغرى، والأمكنة الكبرى المألوفة، وانتهاء بالمكان المطلق”[22].

المحور الثاني: المقدّمة

المقدّمة هي الاستهلال الأكثر تداولاً واستعمالاً في العمل الأدبيّ[23]، فهو السدى البنائيّ والتاريخيّ المتولّد من العمل الفنّيّ كلّه، والخاضع لمنطق العمل كلّه، والبداية المولّدة والحاضنة لما سيحدث في النّصّ. ونحن ندرسه بوصفه محصّلة لكلّ عناصر العمل، وداخلاً معها في علاقة بنائيّة جدليّة، وفي الوقت نفسه ندرسه بوصفه حاملاّ لسماته النوعيّة الخاصّة بتركيبه الداخليّ، ثمّ تتمّ إحالة الخلاصة إلى المجتمع وخصائص المرحلة وخصائص النوع، من أجل تبيان مدى ارتباط نتائج الإحالات بالكليّة الإنسانيّة أو الفكريّة[24]. وللاستهلال متعلّقات عديدة، لا تتمّ معرفته إلّا بها، وهي: مبدع النّصّ، واختيار الموضوع وهدفه، ونسيج البناء، والرسالة المتضمّنة في النصّ، والقارئ[25].

وهذا ما نلاحظه في السيرة (دا)، حيث شكّلت المقدّمة[26] تعريفاً بالراوية، وتلخيصاً للخطاب السرديّ، وعرضاً لنوع السّرد وهدفه. فقد جاء فيها:

  1. تعريف الراوية المتأثّرة بشخصيات نسائيّة، مذ كانت في السنة الرابعة عشرة تقريباً، بعد أن قرأت كتاب (النساء البطلات)، وأبرز تلك الشخصيّات: جميلة بو باشا[27]، عرّفتها بالفتاة الجزائريّة المسلمة والثائرة التي دخلت في معركة غير متكافئة مع محتلّي بلادها الفرنسيين، وتحمّلت ألوان التعذيب لها في السجن، من أجل الدفاع عن شرف وحرية شعبها وناسها.
  2. تقديم مختصر عن الوقائع والأحداث التي شكّلت مادة البناء السّرديّ: هجوم المحتلّين العراقيّين البعثيّين على وطنها خرمشهر، وما حصل من دمار وإراقة دماء، ما دفعها إلى تحدّي الأحداث المؤلمة التي عاشتها، فواجهتها بما قدّمته من مساعدات ميدانيّة، وأصيبت بشظية استقرّت بالقرب من نخاعها الشوكي. وعلى الرغم ممّا أصابها، قويت على الصمود؛ لأنّها تعلّمت أن لا هناء ولا حياة في الذّلّ، والعيش معه عين الفناء والعدم، ما جعلنا أمام ثنائية الذات النسويّة المتألمة من أيّام الدم والنار، والذات النسوية المدافعة عن مظلوميّة وطنها. إنّها الذات التي نقلت الحدث من التألّم إلى التحدي.
  3. تبيان نوع العمل السّرديّ الذي تضمّن مذكرات الراوية؛ فشملت وقائع أيام الحرب ومشاعرها التي رافقتها. وعرضت كيفيّة التدوين من قبل السيّدة أعظم حسيني التي عيّنها مكتب أدب وفنّ ومقاومة في حوزة هنري[28]. كما تمّت الإشارة إلى أنّ الهدف من العمل الأدبي هو الدفاع عن مظلوميّتهم في الحرب، وعن الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن ماء وتراب ونظام وطنهم، بعد اتهامهم أنّهم طلّاب حرب.
  4. تقديم رسالة تقدير لأمّهات الشهداء، خصوصاً أمّها؛ فتمّ اختيار العنوان (دا)، وربط اندفاع الشباب إلى ساحات الحرب، بدعم الأمهات العظيمات، في سبيل الحرية والأمان اللذين ينعم بهما أبناء وطنها. وفي ذلك أيضاً، توجيه رسالة إلى شعب وطنها، من أجل تقدير التضحيات التي بُذلت في تلك الحرب للحصول على النصر والاستقرار.

وهكذا رسمت المقدّمة معالم الطريق إلى العالم الروائيّ للسيرة؛ فبيّنت أنّ الغاية من السيرة ترشد الراوي إلى ما يجب أن يختاره من مذكّراته.

المحور الثالث: التّقاطب المكانيّ

      التقاطب المكانيّ “هو مفهوم  استراتيجيّ، تتكئ عليه المكانيّة لإنجاز هدفها، يمتلك قدرة إجرائية عالية على التوليد والتفريغ، وتنبثق أهمّيّته لكون المكان الثقافيّ عموماً والرّوائيّ خصوصاً ينتظم وفق تقاطبات رئيسيّة وثانويّة، الأمر الذي يمكّن القارئ من استكناه كيفيّة اشتغال المكوّن المكانيّ في النصّ الروائيّ، ومعرفة طبيعة الصراعات بين القوى التي تتحكّم بالمكان”[29].

ومبدأ التقاطبات المكانية اقترحه يوري لوتمان لمقاربة الفضاء الروائيّ، فبيّن أنّ التقاطبات المكانيّة تأتي في شكل ثنائيات ضدّيّة تجمع بين قوى أو عناصر متعارضة، بحيث تعبّر عن العلاقات والتوتّرات التي تحدث عند اتصال الراوي أو الشخصيّات بأماكن الأحداث[30]، فمن خلالها نستطيع الكشف عن العلاقات البنيوية العميقة التي توجّه النّصّ، وترسم مساره[31].

ونظراً لتعدّد التقاطبات في الفضاء الروائيّ، اقتصرتُ في الدراسة، على تقاطب الأماكن المغلقة والأماكن المفتوحة، لاستنباط ما حملته هذه الأماكن من دلالات؛ لأنّ “الأماكن مهما صغرت أو كبرت، ومهما اتسعت أو ضاقت، ومهما قلّت أو كثرت، تظلّ في الرواية الجيّدة، مجموعة من المفاتيح الكبيرة والصغيرة التي تساعد على فكّ جوّ كبير من مغاليق النّصّ” [32]. وهكذا يمكن الانطلاق من التقاطب الحاصل بين الأماكن المغلقة والأماكن المفتوحة، لمعالجة سلسلة من التقاطبات الفرعيّة تندرج داخل الطرف الواحد من الثنائية المعتمدة (المغلق/المفتوح).

والأماكن المغلقة هي الأماكن التي تمثّل الخصوصيّة والعزلة والضّيق، بينما الأماكن المفتوحة تمثّل الشّموليّة والتحرّر والاتساع، ما يدلّ على أنّ الانفتاح يتحدّد من خلال حركة الشخصيّة المحوريّة زهراء وتفاعلها مع العالم حولها، فالإنسان هو الذي يربط بين الأماكن، انطلاقاً من طبيعته وظروفه.

 

أولاً _الأماكن المغلقة

تشمل البيوت المتعدّدة التي سكنتها الراوية مع عائلتها، والسجن الذي أعلن عن هجرتهم من البصرة إلى خرمشهر. وقد دلّت هذه الأماكن على حالة الانتقال التي عاشتها.

1.البيت:

 أ. بيت العائلة في البصرة: يمثّل مرحلة طفولتها في العراق؛ فهو المكان الذي بدأت به الراوية سردها، البيت العائليّ المغلق على سرّ غياب الوالد، بسبب نشاطه السياسيّ[33]. وهو البيت الذي ينتمي إلى حيّ الفقراء، والممتلئ بالحبّ، فعلى الرغم من تمنّي الراوية زيارة حيّ العشار المقابل لهم، والذي يشعرها بالسعادة لما فيه من بريق مصابيح وما يبهر العيون من أطعمة، إلّا أنّ رجوع والدها إلى البيت يبدّل الأجواء، فيكتسي البيت حلّة أخرى، حين يحضنهم ويقبّلهم، ويشاكسهم ويتصابى معهم، فيغمرهم عطفه ومحبّته [34]. إنّه الانغلاق على الفقر، الذي تتفرّع منه ثنائيّة حيّ الفقراء/حيّ الميسورين، في فضاء من الحبّ والحنان والسعادة.

وهو بيت الهجرة وبيت الولادة؛ لأنّه موجود في حيّ الرّباط الذي يسكنه المهاجرون؛ فقد هاجر والدا الراوية قبل زواجهما إلى البصرة، قادمين من قرية زرّين آباد دهلران الكرديّة. وفي البصرة أبصرت النور مع أربعة من أخوتها، واستخدمت اللغة العربيّة مع العرب الذين يسكنون معهم، واللغة الكرديّة بينهم ومع المهاجرين الأكراد أمثالهم [35]، ما يعني المحافظة على الأصول الكردية، والتأقلم مع الواقع. فتجلّت لنا ثنائية اللغة العربية/اللغة الكرديّة، التي تدلّ على الانسجام بين الأصل الكردي والواقع العربيّ في البصرة، وعدم الشعور بغربة المكان؛ فالبصرة هي موضع انتماء الولادة بالنسبة لها، والبيت في البصرة موضع الحبّ والدفء وذكريات الطفولة الحميمة، ما دلّ على سبب شدّة تمسّكها بالمكان.

وهو بيت الحنين الذي ختمت الراوية السّيرة بزيارته، حين قصدت البصرة، مكان الإقامة الأوّل، للبحث عن بيت الطفولة، أي بيت العائلة وبيت الجدّ (بابا) في الأزقّة والشوارع. إنّها الرغبة بالعودة إلى الماضي، حيث أجواء الحبّ وسط العائلة، فعادت أمامها صورة المكان، ساحة بيت الجدّ، حين كانت هي وأخوها علي والآخرون يتنافسون للنوم بجانب جدّتها، كي يسمعوا قصصها وإنشادها باللغة الكرديّة:

أيّها القمر الجميل

أيّها القمر الجميل

هل رأيتَ جدّي في الطريق

يحمل بندقيّته على كتفه

ويذهب إلى غابة الأسود..[36]

إنّه المكان الرحمي الذي تحتفظ به في ذاكرتها، على الرغم من انتقاله من مكان مغلق على الأسرار، إلى مكان مفتوح على الحنين والذكريات، تبحث عنه بين الأزقّة والشوارع. إنّه المكان المرتبط بالماضي، حيث الحبّ العائليّ، والأنس بالقصص. المكان المرتبط باللغة الكردية في أرض البصرة العربية، وبالنور الجميل وسط ظلمات الليل، والسلاح وسط غابة البطولات. فتجلّت فيه ثنائيتان: الإقامة/الانتقال والنور/الظلام.

هو بيت الألفة والحلم، الذي تحدّث غاستون باشلار عن جمالياته، بيت الولادة المأهول، الذي تتوزّع فيه قيم الألفة، ويُشحن بقيم الحلم التي تبقى بعد زوال البيت، وتنتقل شعريّاً من روح إلى أخرى[37].

 

ب.بيت العائلة في خرمشهر: يمثّل مرحلة الإقامة في خرمشهر بعد هجرتهم من البصرة؛ وهو مكان انتقاليّ، قبل امتلاك بيت خاص. يستوقفنا ما يؤدّيه من دلالات المراوحة بين طرفي التّقاطب (الإقامة/الانتقال). فقد وصفت الراوية البيت الأول الذي أقاموا فيه ثلاث سنوات تقريباً في حيّ شاه آباد، بدأت من الباب الرئيس إلى الغرفتين، صعوداً إلى السطح الذي وجدت فيه ملاذاً للنوم، هرباً من الحرّ ولسعات البعوض[38]. فاعتمدت وصفاً سرديّاً ذاتيّاً، يُظهر اعتيادها على الحياة الجديدة تدريجيّاً في خرمشهر، وربطت السعادة فيه بوجود الأقارب[39]. إنّ سعادة الراوية في البيت قائمة على التواصل مع العائلة، ما دلّ على انغلاق البيت على غربة الهجرة، في فضاء من الأنس بالأقارب.

ومع تغيير البيت، وصفت الراوية البيت الجديد أيضاً، وما لاقوه فيه من الصّعاب بسبب الانزعاج والأذيّة من صاحب البيت، معتمدة وصفاً ذاتيّاً قائماً على وقع المكان في نفوسهم؛ فإنّ الانزعاج قابله أنس بجار حسن الخُلق، كلّما عاد من سفره إلى بيته أمتعهم بعزفه الموسيقيّ على آلة سه تار، حيث كانوا يستمعون إليه تحت نافذة غرفته بشوق كبير مستمتعين[40]. وهذا ما وضعنا أمام ثنائية الانزعاج/ الارتياح المتفرّعة من الانغلاق على الصّعاب . واستخدمت الراوية الصور السردية التي أظهرت العلاقة بين الزمان والمكان في وصف تخطّيها المرحلة التي عاشوها في ذلك البيت: ” في عالم الطفولة، لم تحلّ مشكلات الحياة وصعوباتها دون مشاغباتنا، فحفلت حياتنا بمغامراتها الخاصة، وكانت الأيام تمضي ونحن مشغولون بشيطنتنا”[41]، ما قدّم لنا ثنائية المشكلات/المشاغبة الدالّة على الارتياح في بيت الطفولة.

وتكرّر تغيير البيت عدّة مرّات، فتكرّرت أيضا ثنائيات الإقامة/الانتقال مع ثبات الإرادة والتحمّل ” كان لكلّ بيت محاسنه وعيوبه، ولم يكن باليد حيلة، إذ ينبغي التحمّل والصبر”[42]، فبرزت ثنائية الانزعاج/التحدّي مع كلّ انتقال.

واقترن وصف البيت بمشاعر الحبّ، على الرغم من بساطة المكان في ثنائية فقر المكان/غنى الحبّ؛ ففي البيت الواقع في شارع مينا، وصفت الراوية الغرف التي توزّعت فيها العائلات، وقرنت الوصف بالسرد عن الحياة في ذلك المكان، ما أكّد اقتران التصوير السّرديّ بالتصوير الوصفيّ:”في الصيف كانت كلّ أسرة تفرش بساطاً أمام باب غرفتها، وتتناول العشاء عليه. واللطيف في الأمر أنّ العوائل كانوا يضيفون بعضهم بعضاً، ويتبادلون ما أعدّوه من الأطباق. فكان الجميع يتذوّق طعام بقيّة الجيران، وعشنا معاً بمحبة وألفة كبيرتين”[43]، ما أكّد قيام الفضاء البيتي على الألفة والمحبة، على الرغم من الانتقال المتكرّر.

وتلاحقت الصور الوصفية للبيوت التي انتقلوا إليها، فممّا تناولته في وصف الغرفة التي سكنوها في بيت المهندس بهروزي، الذي جاء على طراز الفيلات: وصف المنصّة وما تحتويه من أغراض في نهاية الممرّ إلى الغرفة، ووصف أثاث الغرفة البسيط، وهو وصف موضوعيّ تكرّر في وصف غيره من البيوت التي سكنوها. وصف دلّ على بساطة الأثاث والعيش، إلّا أنّ ما أضافته هو وصف الصور التي قاموا بتثبيتها على الجدار: صورة آية الله بروجردي وآية الله الحكيم وصور الذين يكنّ لهم أبوها محبة واحتراماً، مبيّنة أنّ من عاداتهم تعليقها على جدار كلّ بيت ينتقلون إليه، فهي أكثر الأشياء قداسة، وقد تعلّموا احترامها من أبيها[44]، ما دلّ على رؤية دينيّة لدى الراوية، من خلال تبيان المكانة المقدّسة للقرآن الكريم والعلماء المذكورين.

وقد ظهر أيضاً انغلاق البيت على الأمنيات؛ فقد روت ما يدور بينها وبين أخيها علي، حين كانوا ينامون على سطح البيت، ويتحدّثون عن انشغال تفكير أبيهم بامتلاك بيت خاص بهم، للراحة من سوء خلق بعض المؤجّرين، فكانوا يشيرون إلى النجوم، ويختارون منها الأكثر إشعاعاً ونوراً. وكان أخوها علي يتمنّى أن تلمع قلوب الناس مثل هذه النجوم، ويتمنّى أن يكونوا كالجسد الواحد، وأن يفكّر الأغنياء بالفقراء، ما دلّ على التواصل بين البيت والسماء، والانتقال من التفكير الخاص إلى التفكير العام، فتجلّت ثنائيات: البيت/ السماء والفقراء/الأغنياء والخاص/العام والظلام/النور.

ومع الانتقال من بيت إلى بيت، عبّرت الراوية عمّا رافقهم في رحلة التنقّل من انزعاج، حتى انتهى بهم المطاف إلى بيتهم الخاص، فتحدّثت عمّا ذاقوه من راحة وهناء فيه؛ الهناء الذي لم يعرفوه في السنوات الماضية[45]، فتجلّت ثنائيات: الخاص/العام والهناء/العذاب والارتياح/الانزعاج.

لكنّ ذلك الارتياح لم يستمرّ طويلاً، فالسماء التي كانوا يرون فيها النجوم، وتنقلهم إلى أحلامهم، صاروا يرون في ظلمتها رصاص الجنود العراقيين، ثمّ رصاص قوّات الحرس التي حاولت في البداية عدم الرّدّ كي تفوّت عليهم فرصة الاعتداء، إلى أن تمّ اقتحام المياه الإقليميّة من قبل الجيش العراقي، ووصول القوارب العسكريّة إلى اليابسة، فبدأ الردّ، وانطلقت المواجهة[46]. فنقلتنا إلى ثنائية النجوم/الرصاص، ثمّ إلى ثنائية الاعتداء/المواجهة.

والبيت هو ملاذ الشوق؛ فقد صار بعد رحيل أبيها، مقصداً لإطفاء شيء من النار في داخلها. قصدته مع أختها ليلى بعد شهادة أبيها، فاسترجعت صوت إنشاد والدها للطمية بالكردية وهو يعمل في الحديقة، وقبّلت مواضع يديه على عدّة عمله، فأحسّت بحرارتهما. كما تذكّرت سفرة العيد وفرحه، وقبّلت صورته المعلّقة مع صور أخرى على جدران غرفة الاستقبال، وقبّلت أشرطة التسجيل القرآنية وخطب العلّامة المرحوم الكافي، وتذكّرت كلماته عن ضرورة نصر وطنهم والوقوف في وجه الظالم. وتذّكرت ما رافقهم من صعاب مع بناء البيت، وما ذكره لها بعد انتقالهم إلى البيت، حول كثرة معاناته للوصول إلى ما هو عليه، وضرورة السعي إلى ما نريد، ومساعدة الآخرين بكلّ ما لدينا من قوّة، متوكّلين على الله. كما تذكّرت ما بيّنته له عن تحدّيهم صعوبات الحياة، بفضل ما في بيتهم من ودّ وألفة، وبفضل المتاعب التي رافقت حياتهم، فأصبحوا أقوياء[47]. تجلّت ثنائية الألم/التحدي بفضل تأثّرها بأبيها وبجوّ الحبّ الذي يسود في البيت.

ومع تتابع مواجهات الصّعاب التي مرّت بها إثر القصف الذي تعرّضت له مدينتها، كانت تلجأ إلى البيت علّها تجد فيه راحة أو بلسماً لنوبة الحزن التي تصيبها في مقبرة جنّت آباد، مع تصاعد عدد الشهداء، ورؤيتها الدماء والجثث أمامها، وملازمة حزنها على أبيها. في ذلك البيت تشعر بوجودها، على الرغم من مشهد الغبار المكدّس ويباس الورود[48]. إنّه موضع الراحة النفسيّة التي تحاول أن تستعيدها من خلال أنسها بالمكان، ففيه تجلّت ثنائية العناء/الراحة.

ويصبح البيت مزاراً؛ فقد زارته أيضاً مع زوجها حبيب، مذ عرفت بتحرير خرمشهر، وكانت المفاجأة بتغير معالم المنطقة التي يوجد فيها البيت، بسبب تضرّرها الكبير، فشعرت بغربة المكان. البيت تهدّم قسم كبير منه، لكنّه جدّد ذكرى أبيها وأخيها[49]. إنه الانتقال من الألفة التي عهدتها فيه إلى الغربة بسبب الخراب الذي حلّ عليه، فتجلّت ثنائيّتان: الخراب/العمران والغربة/الألفة.

وزارته كذلك مع أمّها، فوصفت حالة البيت المسروق والمبعثر والمنهوب، وصورة أبيها التي بقيت على الجدار مع صورة جماعية أخرى، وتحدّثت عن تأثّرها الشديد بالمشهد، وعن افتقادها أهميّة الأشياء واستعدادها للموت[50]. إنّه بيت الذكرى الذي تجلّت فيه ثنائية الإقامة/الانتقال؛ إقامة الذكريات على الرغم من انتقاله إلى حالة من الضياع بين السرقة والتبعثر والنهب. وتجلّت كذلك ثنائية الافتقاد/التحدي؛ فهي التي افتقدت أهميّة الأشياء، وتحدّت بالموت الألم الذي شعرت به أمام الخراب.

ج. بيت العائلة في سربندر: يمثّل مرحلة الإقامة في مخيّم المهجّرين، بعد تفاقم الوضع في خرمشهر، وانتقال أمها وأخوتها للسكن في غرفة في مخيم جماعي للمهجّرين في سربندر، ثمّ انتقال الراوية للعيش معهم، بعد إصابتها في جبهة القتال؛ فوصفت ضيق الغرفة ومحتوياتها البسيطة، وركّزت على الشرفة الصغيرة التي شكّلت المنفذ الوحيد لدخول النور إلى الغرفة[51]. هكذا انتقلت الراحة التي كانت تشعر بها في البيت سابقاً، إلى ظلمة وضيق، بسبب شعورها بالتشرّد والمظلوميّة؛ فقد أصبح البيت خارج مدينتها خرمشهر زنزانة تفتقر إلى النور، لا راحة فيه ولا ألفة. وهذا انتقال من النور والراحة والألفة داخل خرمشهر، إلى الظلمة والضيق والتشرّد خارجها. ففي مدينتها البيت الحقيقي الذي حصلوا عليه بعد عذاب ومرارة، وخارجها كلّ بيت هو زنزانة، مشيرة بذلك إلى البعد السياسيّ الذي يكمن وراء هذا التشرّد القسريّ. فتجلّت هنا ثنائيّات: الراحة/الانزعاج والنور/الظلمة والبيت/الزنزانة.

د.بيت العائلة في طهران: يمثّل مرحلة الانتقال الجديدة بعد تهجّرهم من خرمشهر؛ فمن المخيّم في سربندر انتقلت مع أمّها وأخوتها إلى طهران، للسكن في غرفة في مبنى تابع لمؤسسة الشهيد، وصفته بالضيق والاتساخ، وأبدت انزعاجها من المجيء إلى طهران[52]. فبقيت ثنائية الانزعاج/الارتياح مهيمنة، وعاشت الانغلاق على الحزن في مكان الإقامة الجديد، كما عبّرت عنه “هذا مكان إقامتنا”[53].

ه.بيت الزوجيّة: يمثّل بيت الزوجيّة مرحلة حياتها الشخصيّة؛ فزوجها حبيب لم يكن باستطاعته تأمين بيت خاصّ من ناحية، وكان مشغولاً بالجبهة من ناحية أخرى. لم يكن يزعجها ذلك الوضع؛ فهي التي اشترطت عليه عند زواجها، أن يأخذها معه، وألّا يعترض على ذهابها، كونها امرأة لا دخل لها[54]، ما دلّ على البعد الاجتماعي لرؤيتها، حيث لا فرق لديها بين الرجل والمرأة بالنسبة للقتال في الجبهة، فتجلّت ثنائية المرأة/الرجل التي تعكس إصرارها على المشاركة في القتال.

ومع الانتقال إلى البيت الخاص في أحمد آباد، البيت المتواضع بأثاثه، عاشت الانغلاق على الغربة، بسبب ابتعادها عن أهلها، فأعادها إلى أحزانها وأشجانها بسبب ما أحياه فيها من ذكريات المقاومة والعائلة في خرمشهر، واشتياقها إلى أمها. لكنّها عاشت فيه الفرح حين يأتي زوجها، على الرغم من الخوف من فقدانه حين ذهابه، ومواساة نفسها دائماً بوجوب الاستعداد لأيّ طارئ[55]، ما جعلنا أمام ثنائيتين: الألم/الفرح والخوف/التحدي.

ومثّل هذا البيت الانغلاق على الخوف والانزعاج، حين تحدّثت عمّا يسبّبه وجود الفئران من خوف، بسبب قرب البيت من ساقية تسكنها الفئران، وعند ذكرها ما شهده المكان من أذى وانزعاج من (المنافقين وأفراد الطابور الخامس)، ومن شحّ المياه[56]، فتجلّت فيه ثنائيّة الانزعاج/التحدي.

ومع انهيار قسم من البيت نتيجة سقوط قذيفة عليه، انتقلت للسكن في بيت جديد في بريم آبادان، من بيوت موظّفي الإذاعة والتلفاز المبنيّة على الطراز الانكليزي، أحضروا إليه أغراضهم، ووضعوا على النوافذ التي تكسّر زجاجها بسبب الحرب، النايلون والبطانيات. ومن معاناتها في ذلك البيت كثرة السّحالي فيه، وضعف المياه، وانسداد حفرة تصريف المياه في المطبخ، وعدم صلاحية الغاز، وعدم وجود برّاد، وإزعاج (المنافقين)، إضافة إلى معاناتها من آلام الظهر بسبب الأعمال المنزليّة[57]. فتجلّت فيه ثنائيات: الخوف/التحدي والانزعاج/التحدي، والألم/الحبّ.

بعد تحرير خرمشهر، وانتقال القصف إلى آبادان، وعدوانيّة (المنافقين) على البيوت، اتخذت المستودع مكان نوم لها أثناء غياب زوجها، وهو غرفة صغيرة مفروشة بالموكيت، فازدادت معاناتها مع طقس آبادان الحار، وتعطّل مكيّف البيت، وارتدائها الحجاب للمحافظة على سترها إذا استشهدت من جراء القصف. لكنّ مجيء أختها ليلى إليها، كان يخلّصها من وحدتها ومخاوفها وحزنها[58]. فتجلّت ثنائيّة المعاناة/التحدي، حيث الانغلاق على الحزن والخوف، وتحدّي المعاناة بالصّبر. كما تجلّت ثنائية الألم/الحب؛ ففعلى الرغم ممّا تشعر به من ألم الوحدة والخوف، سرعان ما يزول بوجود أختها معها، ما دلّ على أهميّة الحبّ الذي يمنحها قدرة على تحدّي الصّعاب.

ومع انتقالها إلى بيت آخر من البيوت التابعة للإذاعة والتلفاز، بقيت مشكلة (المنافقين)، وظهرت مشكلة وجود الفئران التي كانت تخيفها أكثر من صوت المدافع[59]، فبرزت كذلك ثنائية الخوف/التحدّي.

ومع غياب زوجها لعدّة شهور، من أجل متابعة العمليات العسكريّة في مناطق مختلفة ، سكنت مع أهلها في الطابق السابع من مبنى كوشك في طهران، في غرفة صغيرة مفصولة. فعانت في الصيف من الحرّ الشديد، وفي الشتاء من البرد، والخوف من انكسار الزجاج وإصابة ولديها، حين تأتي الطائرات الحربية العراقية لقصف طهران. إضافة إلى بكاء أمها الذي كان يوجع قلبها، ويُلهب داخلها كالجمر، فتحضنها محاولة تهدئتها[60]. وهنا تجلّت ثنائيتان: الانزعاج/التحدي والألم/الحبّ؛ فهي تتحدّى الانزعاج من البيت بالصبر، وتحاول التخفيف عن أمّها.

وصار البيت الجديد مصدر إزعاج لصحّتها؛ فقد كان الصعود والنزول على السلالم داخل المبنى، يشكّل خطراً عليها بسبب الشظيّة الموجودة في العمود الفقري، فانتقلت إلى الطابق الرابع، لكنّ البيت صار موحشاً ومتعباً، بعد انتقال أمّها من المبنى [61]. فعاشت فيه الانغلاق على الألم والوحشة، بسبب تعرّضها لضغوطات جسديّة وروحيّة كبيرة، ما أثار استغراب زوجها من قدرتها على التحمّل، فكان جوابها له: كانت مسؤوليّتي في ذلك الزمان أن أتحمّل. وهذا ما دفع زوجها إلى تغيير البيت، وسكنوا في بيت قرب ميدان فردوسي[62] . وفي ذلك تجلّت ثنائية الألم/الحبّ؛ التألّم من الواقع، والصبر عليه حبّاً بالمسؤولية التي أشعرتها بوجوب القيام بها تجاه عائلتها في غياب زوجها المجاهد، ما دلّ على رؤيتها الأيديولوجية المرتبطة بضرورة الجهاد، دفاعاً عن الوطن.

2.السجن:

السجن في خانقين، داخل مبنى مؤلّف من طوابق عديدة، ذهبت إليه مع أمّها وأخيها علي لزيارة والدها الذي سُجن فيه عدة شهور، لم تكن حينها تجاوزت الخامسة من العمر. يقع السجن في آخر صالة مظلمة، خلف نافذة مرتفعة ذات قضبان معدنية، حيث رفعتها أمها لتشاهد أباها وهو يخرج بصعوبة من قفص جلس فيه القرفصاء، داخل غرفة شبه مظلمة. لقد شعرت بخوف شديد، أخافها مظهره النحيل، لكنّها رأت فيه صلابته وعزّته اللتين عهدتهما فيه، فبكت وتمنّت مغادرة المكان، على الرغم من أنّها شعرت بالسعادة لرؤية والدها، فاللقاء روى بعضاً من شوقها إليه، وأثّر فيها. لكنّ سماعها من أمّها سبب سجن أبيها المتعلّق بحبّ (الإمام علي بن أبي طالب)، دفعها إلى تمنّي الذهاب إلى السجن لكسر القضبان وإخراج أبيها والعودة به، كما صارت مشاهد السجن والزنازين والمساجين تتراءى لها كلّما رأت نافذة أو قضباناً، فالسجن للأشرار، وأبوها ليس منهم[63].

السجن مكان مغلق على السرّيّة والظلمة، لكنّه دافع إلى تفكير ثوريّ، حيث الرغبة بالعودة لكسر قضبان السجن. وهنا تجلّت ثنائية الخوف/التحدي؛ الخوف من السجن، وتحدّي الحزن بتحرير أبيها، ما دلّ على ذاتها الثائرة على ظلم أبيها، وعلى رؤية دينيّة للراوية مرتبطة بحبّ علي بن أبي طالب.

 

ثانياً_الأماكن المفتوحة

   تشمل الأماكن التي شهدت انفتاح الراوية على المساعدة، مع اندلاع الحرب على مدينتها خرمشهر، وهي في السابعة عشرة من عمرها[64].

  1. مستشفى مصدّق:

مستشفى مصدّق الذي وصفته أوّل يوم من الحرب؛ حشود الناس المتجمهرة خارج بوّابته، أصوات البكاء والنحيب والعويل، وأرض ممتدّة من المدخل الرئيس إلى داخل الغرف امتلأت بالدماء وبآثار الأقدام الملطّخة بها، تفوح منها رائحة الدم الممزوجة برائحة التراب والبارود. والممرّضات يركضن من مكان إلى مكان، وهنّ يجررن عربات التمريض، وقد تلطّخت ثيابهن بالدماء. أما الأطباء فكانوا منهمكين بمعالجة الجرحى الذين ملأوا الغرف والممرات، وعلا أنين بعضهم وصراخهم. وسط هذه المشهدية الدامية، شعرت بالفزع والاستياء من نفسها لعدم استطاعتها المساعدة، بسبب عدم خضوعها لدورة تدريبية[65]. وهنا تجلّت ثنائية الخوف/التحدّي؛ الخوف من مشاهد الدماء والألم، والندم على جهلها المساعدة التمريضية، ما شكّل المكان دافعاً لها إلى الانفتاح على عالم التمريض الذي انخرطت فيه مع بداية الحرب.

  1. المقبرة (جنت آباد):

   المكان الذي لم يكن يشعرها بالخوف، على الرغم من زيارتها لها عدة مرات، وعلى الرغم مما كانوا يحدّثونها عن وحشتها، لكن مع رؤية أرضها مرصوصة بأجساد الشهداء المكفّنة بشراشف بيضاء، وامتزاج ماء ذوبان الثلج الموضوع فوقها بالدماء النازفة منها، وسيلانها على الأرض، وسماعها الصراخ وأصوات الندب والنعي، ومشاهد اللطم على الرؤوس والوجوه حزناً وتفجّعاً، ومع أشعة الشمس الحارقة ورائحة الدم والبارود والتراب المنبعثة في المكان، عجزت عن الوقوف، ضعفت قواها، وجلست على الأرض. صارت المشاهد أمامها أشبه بيوم العاشر من محرّم. لكن مع جلوسها على الأرض، استجمعت قواها مؤنبة نفسها على ضعفها[66]. هذا المشهد جعلنا أمام ثنائية الضعف/التحدي؛ ضعف المشاعر أمام المشاهد الدموية المؤلمة، وتحدّي الضعف بجمع قواها، مقارنة بين المشهد أمامها وما تحمله من مشاهد كربلاء، ما منحها عزيمة، وجعلنا أمام ثنائية الانهيار/النهوض، وانفتاح المكان على حبّ المساعدة، ما دلّ على ما تحمله من عقيدة دينية تمدّها بالعزيمة والثبات.

والمقبرة هي المكان الذي أوصاها فيه أبوها بأمّها وأخوتها، فارتبط بدفء حضنه وحنان صوته [67]. والمقبرة مكان وصيّته حين حضّهم على عدم اليأس، ولو كان عددهم قليلاً أمام المهاجمين العراقيين؛ لأنّ لديهم الإيمان واليقين[68]. هذا ما كان يخفّف نيران قلبها الملتهب، ويدفعها إلى عدم السكون والضعف، وإلى متابعة العمل والمساعدة، ما دلّ على القوّة التي تستمدّها من عقيدتها، وعلى علاقتها القويّة بأبيها، ما دفعها إلى تحدّي الصعاب بحبّ. فتجلّت هنا ثنائية الألم/الحبّ التي تلازمها؛ فهي المتعلّقة بمقبرة جنت آباد بعد دفن أبيها فيها، أكثر من السابق[69]. والمقبرة مكان بثّ مشاعرها لأبيها الذي رحل؛ فهي تقصد قبره لتبثّ له أشواقها، وتقبّل الحجر الذي كُتب عليه اسمه، وتودّ لو يحضنها ويلاطفها[70]، ما جعل المكان منفتحاً على مواقف التحدي التي تشدّ عزيمتها.

ومن مظاهر الرعب في المقبرة:

   أ.اللّيل: كانت المقبرة كبيرة، لا باب لها ولا مدخل، يقع على امتداد مبنى المغسل طريق معبّد مشجّر من الجهتين، وعند هبوب نسائم الهواء، تتحرّك أوراق الأشجار، فتزيد على المكان جواً من الرعب والوحشة، فاضطرت ذات ليلة، إلى صنع عصا تدافع بها في مسيرها بين أجساد الشهداء. واللافت ما حدث معها خلال مشيها، إذ شعرت بانزلاق قدمها في لزوجة ورطوبة، وما لبث أن اقشعرّ بدنها حين علمت أنّ رجلها انزلقت في إحدى الجثث التي خرجت منها الأمعاء، فشعرت بارتجاف بدنها، وببرودة، وبتسارع دقات قلبها، فما استطاعت النوم، وصارت تطلب من الله تعجيل الصبج ومجيء الناس، كي تنشغل وتنسى عذاب الضمير ممّا حدث معها[71]. تجلّت هنا ثنائية الخوف/الضعف التي تتلازم مع ثنائية الظلام/ الصبح؛ الخوف من الظلام، والضعف أمام العذاب النفسي الذي سبّبه لها منظر الجثث، وتعثّرها بها، وانتظار الصبح لتخليصها من الرعب الذي عاشته.

كانت المشاهد تجعلها ترتجف وتتوسل إلى الله أن يمنحها القدرة على الصمود، كي تتغلّب على الصراع الذي عاشته [72]، فتجلّت ثنائية الألم/ التحدي بمناجاتها الله.

ومما زاد إرهاقها في المقبرة عدم استطاعتها النوم، أو الانتفاض من النوم مذعورة، بسبب الضجيج والعويل في المقبرة، أو عدم القدرة على التنفس بسبب حرارة جو الغرفة[73]، ما يدلّ على حالة التعب التي عانتها، وعدم استسلامها، فتجلّت ثنائية التعب/الصمود.

لقد عانت الراوية من ظلام المقبرة، أثناء حراسة جثث الشهيدات ليلاً، خصوصاً عند هجوم قطيع الكلاب، حين راعها منظر أنيابها الحادّة، واللعاب الذي يقطر من أفواهها، لكنّها دافعت هي وصديقتها برمي الحجارة عليها وتفريقها[74]. فتجلّت هنا ثنائية الخوف/ التحدي.

ب.المغسل: غرفة مغسل الموتى من النساء أثارت الخوف في نفسها؛ فالغرفة لا تتجاوز مساحتها الاثني عشر متراً، جدرانها وأرضيّتها إسمنتية، زاد لونها الإسمنتيّ من وحشتها، إضاءتها ضعيفة مصدرها نافذة خشبية خضراء اللون، ومصباح ضعيف وحيد. كلّ ما شاهدته بدا بلا روح، يوحي بالبرودة والكآبة، ومشهد أجساد الشهيدات المسجّيات على الأرض ألهب مشاعرها، وأضعف قواها، فانتابتها حالة من الغثيان[75]. إنّه المكان المنفتح على المشاعر الملتهبة تألّماً على مشهد الشهيدات، تجلّت فيه ثنائيّة اللهيب/البرودة؛ فعلى الرغم من برودة المكان المرتبطة بالموت، كان المغسل يلهب مشاعرها حزناً وألماً.

والمغسل أشبه بمسلخ، مع مشهد الجثث والدماء أمامها، فقلبها كاد يتوقّف عن الخفقان لهول ما رأته، لكنّها حاولت عدم إظهار الخوف والاضطراب، وأظهرت لإحدى العاملات التي سألتها عن سبب مجيئها، رغبتها بالمساعدة، على الرغم من الصراع الذي عانته في نفسها، بين الندم على مجيئها وارتياحها بالمساعدة[76]. فتجلّت ثنائيتان، هما: الندم/ التحدّي والانزعاج/ الارتياح.

   اعتادت على المغسل مع الوقت، لكنها لم تتوقف عن ذرف الدموع على الرغم من محاولتهاعدم التحديق بالجثث كثيرا[77]، ما دلّ على حالة تحدي ضعفها أمام مشاهد الدماء والموت، ما يؤكّد الحضور الدائم لثنائية الضعف/ التحدي مع مشاهد الخوف والألم.

 ج.القبر: كانت المرة الأولى التي ترى فيها عمق القبر، وضيقه الشديد وظلمته، وعند رجوعها إلى البيت عصراً شعرت بالسوداوية وبانقباض القلب، بعد الخوف الذي صاحبها صباحاً[78]. ومع الأيام ضاجت من هول المشاهد، صارت تتمنى لو تغلق عينيها ولا تفكّر بأيّ شيء، تحبّ ألّا يكلّمها أحد كي تغوص في أفكارها وتخيّلاتها[79]. نلاحظ الهروب من عالم دمويّ مخيف، والانفتاح على عالم أفكارها وتخيّلاتها، كي ينشلها من واقعها المرير، فتجلّت ثنائيّة الإقامة/ الانتقال؛ الإقامة في المقبرة التي تدلّ على صمودها وعدم هروبها من هول ما تراه من مشاهد دمويّة، والانتقال بأفكارها إلى ما يشدّ عزيمتها وثباتها، كي تتحدّى الخوف والضعف.

إنّ حالة الضعف التي كانت تمرّ بها سرعان ما تنقلب إلى قوّة؛ فصارت تحمل المعول لتحفر قبراً، بعدما تبيّن أن لا قبور كافية للشهداء، ورؤيتها الرجل الذي جلس ليرتاح من حفر قبر. وحين منعها مبيّناً لها أنّها لا تستطيع حفر قبر، عاندته بإصرار، وأكملت وهي تردّ عليه بغضب: هل تظنون أيّها الرجال، أنّنا معشر النساء عديمات القدرة والحيلة؟ على الرغم ممّا سبّبه لها الحفر من تعب وأذى لراحة يدها[80]. تجلّت هنا ثنائيتان: الضعف/القوة  والمنع/ التحدي؛ فمنعها من الحفر أعطاها قوّة تحدّت بها أقاويل الرجال حول ضعف المرأة.

وأصبح القبر ملاذاً لها من قصف الطائرات؛ فقد قفزت إليه أثناء دفن شهيدة مع صديقتها، وبعد هدوء أصوات القصف، استلقت لتجرّب كيفيّة النوم فيه، فداهمتها وحشة رهيبة غريبة، وتذكّرت أعمالها في حياتها، وخاطبت الله تعالى كي يغفر لها[81]، فتحوّل القبر إلى مكان مناجاة، وصرنا أمام ثنائية الوحشة/المناجاة التي رافقت ثنائية الحياة/ الموت.

والقبر هو آخر مكان رأت فيه وجه أبيها، حين طلبت أن تضع أباها بنفسها فيه، فشعرت أنّ روحها خرجت من جسدها، وأحسّت بضعف شديد حلّ بها[82]. تجلّت هنا ثنائية الضعف/التحدي؛ الضعف أمام فراق أبيها، وتحدّي الموقف بالمشاركة في دفن أبيها.

  د.الساقية: الساقية في المقبرة، هي المكان الذي تبادلت فيه الأحاديث حول الحرب، مع أختها ليلى، أثناء مناوبة الحراسة الليليّة في المقبرة، فبيّنت لها ضرورة الثبات كي تؤتي المقاومة أكلها. وقد أظهرت لها تمنياتها بالشهادة بعد والدها، وطلبت منها الدعاء لها، وتحمّل المسؤولية بعدها[83]. هنا نلاحظ تلازم الساقية العنصر الطبيعي الموحي بالحياة في المقبرة، مع الانفتاح على حديث الذات عن قناعتها بضرورة الثبات والمشاركة في الحرب، وعن تمنّيها الشهادة. فتجلّت ثنائية الهجوم/ المقاومة؛ لأنّ المقاومة هي انفتاح على القناعة التي تمنح الثبات والقوّة أمام المهاجمين في الحرب.

  1. المسجد الجامع:

المسجد هو مركز قيادة وملجأ: محيطه امتلأ بشتّى الفئات من الشرطة والجيش والمقاتلين والقوات البحرية والمتطوّعين والقوات الشعبية وقوات التعبئة، وفي باحته مجموعة لإعداد حشوة قذائف المولوتوف، وداخله ملاذ الهاربين من القصف[84]. تجلّت ثنائية الالتجاء/ الهجوم؛ فالمسجد منفتح على الناس الملتجئين إليه هرباً من القصف، ومنفتح على قيادة جبهات مواجهة الجيش العراقي المهاجم.

والمسجد مركز مساعدة؛ فهو المنفتح على توزيع الغذاء والمعونات على المحتاجين، وإسعاف الجرحى في الجانب الأيمن من داخله[85]، ومساعدة الذين يعانون من مشاكل نفسية بسبب الخوف الذي سبّبه صوت الانفجارات. وهو المكان الذي دفع الراوية إلى التفكير الدائم بإصابة أبيها، ودفعها إلى تمني الذهاب إلى الخطوط الأماميّة من أجل إسعاف الجرحى[86]. وهو المكان الذي بدأت تتعلّم فيه الإسعافات الأولية، بعد أن طلبت ذلك من السيّد نجّار مسؤول المستوصف فيه[87]. تجلّت هنا ثنائيّة الألم/التحدّي؛ فهي المتألّمة على ما تراه من عذاب الناس، وعلى فراق أبيها، والمتحدّية الظروف بالمشاركة في مساعدة الناس.

والمسجد هو مكان وداع أبيها بعد استشهاده، يوم رأته مسجّى فيه؛ فعلى الرغم من أنّ داخل المسجد لا ضوء فيه كما في الخارج، شعرت أنّ المكان قد تكلّل بهالة من نور أضاءت ما حولها. فأصابها الضعف، ولم تعد تقوى على الحركة أو الوقوف، ثمّ أحسّت كأنّ ظلمة دامسة خيّمت حولها، وبأنّها تختنق وهي تغرق في دوّامة بحر. لكن ما لبثت أن طلبت منه المسامحة على ما بدر من ضعف في موقفها أمام جثته، فهو الذي أحسن عملاً باختيار الدفاع عن الوطن، ووعدته بتحمّل المسؤولية التي وضعها على عاتقها، ولامت نفسها على ما شعرت به من غربة وتشرّد أمام رحيله، مستمدّة القوة من العقيلة زينب بنت علي بن أبي طالب[88]. فتجلّت ثنائيّات: الظلمة/النور والضعف/ القوّة والألم/ التحدّي؛ فهي تستمدّ القوة من مواقف زينب بنت علي بن أبي طالب، من أجل تخطي الصّعاب، ما دلّ على البعد الدينيّ في تعاملها مع المواقف.

4.الشوارع:

وصفت التبدّل الذي طرأ على الشوارع مع اندلاع الحرب؛ فوصفت ما أصاب مستديرة دروازة وما حولها، من تغيّر بعد الجمال الذي كانت تنعم به من قبل، فلا أثر للازدحام، والغبار الأسود الثقيل الظلّ قد حطّ على أوراق الأشجار والأزهار[89]. تجلّت ثنائية الازدحام/الخواء التي عبّرت عن التغيّر الذي حصل في المكان، حيث الانتقال من بهجة الجمال إلى ثقل الغبار الأسود.

والشوارع مكان للرعب، بسبب تعرّضها للقصف العشوائيّ؛ ففي طريقها إلى ماهشهر، المدينة المجاورة لخرمشهر، من أجل دفن مجموعة من الشهداء، وصفت الذعر الذي سيطر على الناس وهم يركضون في كلّ اتجاه باحثين عن مأوى يحتمون به من الغارات الجويّة، ووصفت حالة الخوف التي سيطرت عليها وهي ترتعش خوفاً من استهداف جثث الشهداء. لقد كانت المرة الأولى التي تذهب فيها إلى ماهشهر، فوجدتها أرضاً يابسة عطشى، أشعّة الشمس أكثر حدّة، والمدينة ما زالت تحتفظ بشكلها القديم، والناس يسيرون في الطرقات آتين من مختلف الاتجاهات، أسعدها استقبال الجماهير للشهداء ومشاركتهم التشييع. وبعد صراع مع نفسها حول تعريف الناس بالشهداء، وقفت على طرف الشاحنة، وبيّنت لهم أنّ الشهداء هم شبّان خرمشهر المظلومون، قتلوا دفاعاً عن عرضهم وشرفهم، من أجل دينهم ووطنهم، وهم مثل شهداء كربلاء، لم يدفنوا منذ ثلاثة أيام في العراء. كما بيّنت مظلومية الناس في خرمشهر، حيث لا ماء ولا كهرباء ولا أمان، والخونة يمنعون وصول الأسلحة والتجهيزات إلى خرمشهر، وعلى الناس العمل بمسؤولية، ونقل مظلومية الأهالي إلى المسؤولين، فصدام سوف يأتي ليحتلّ ماهشهر أيضاً، لذلك يجب الدفاع عن وطنهم بالقوة التي يملكونها[90]. لقد حوّلت الشارع إلى منبر منفتح على إقناع الناس بالمقاومة، وبيّنت منه مظلومية أهالي خرمشهر، وربطت مشهد الشهداء برؤيتها الدينية، فتجلّت ثنائية الدفاع/المظلوميّة .

كما وصفت الشارع حين كانت ذاهبة إلى المسجد الجامع، وشاهدت ما تعرضت له المنطقة من قصف، وعاشت لحظات بين الخوف والعزة:” كان الشارع الممتدّ من مستديرة أرديبهشت إلى شارع الفخر الرازي، يتعرّض لوابل من قذائف الهاون التي تتساقط بشدّة على الأرض، ولا تبعد الواحدة عن الأخرى أكثر من عشرة أمتار. كان دويّ الانفجارات يهزّ قلبي فيرعبني، كما إنّ حدّتها أوجدت في نفسي شعوراً مختلفاً، فصوتها ينبئ بالموت، وتراءت لي صور الدم الأحمر القاني، والتضرّج بالدماء، والتلوّي من الألم. صار ذلك النوع من الموت، الموت بعزّة، جميلاً بالنسبة إليّ، لذلك أحببتُ أصوات القذائف”[91]. نلاحظ تلازم ثنائية الألم/ الحبّ مع ثنائية العزّة/الموت؛ فعلى الرغم من الألم مع مشاهد الخوف والأصوات التي تنذر بالموت، فقد انقلب المشهد إلى حبّ الموت، وصار الموت جميلاً بانفتاحه على العزة في مواجهة مسبّبي الخوف.

وانتقلت الشوارع من أماكن خوف، إلى أماكن مساعدة؛ فكانت تخرج لتبحث عن الجرحى أو عن جثث شهداء، ومنها الجثة التي جمعتها لحارس على سطح طاحونة قمح، في أحد شوارع مدينة خورمشهر، فوصفت مشهد الرجل الممدّد أمام ناظريها، وقد تشظى دماغه، وانتشرت حوله بقايا جلد رأسه، وشعره المخضّب بالدماء، والملطّخ بأشلاء الدماغ. فقد شعرت بالندم لصعودها السلّم، وفكّرت بالعودة لفظاعة المشهد، لكنّها لم تشأ أن تظهر ضعفها أمام من معها من الرجال، فتابعت وهي تُقسم على السيدة زينب بأمّها كي تمنحها القوة والمثابرة[92]. مشهد تجلّت فيه ثنائية الضعف/ التحدي متلازمة مع ثنائية النساء/الرجال؛ فعلى الرغم من ضعفها أمام مشهد الجثة المتشظية المختلطة بالدماء، تابعت جمع الأشلاء، رافضة إظهار الضعف أمام الرجال، مؤكّدة قدرة النساء على تحمّل هذه المواقف الصعبة في جبهات الحرب، مستمدّة من عقيدتها الدينيّة ما يمدّها قوّة وثباتاً.

ووصفت الخراب في الشوارع والاستنفار: شوارع مليئة بالمتاريس والدشم وجنود وأغصان أشجار محترقة جرّاء القصف وفتيات يشاركن في الحراسة داخل المتاريس..[93]، ما دلّ على مظاهر الحرب التي شهدتها المنطقة. ووصفت تساقط الناس كتساقط أوراق الخريف على الأرض التي ثلمتها القذائف على مساحة كبيرة، ومنهم جثة صديقتها التي بدت كأنّ النور ينبعث من وجهها، وظهرت على ملامحها علامات الارتياح وانفراج الأسارير، فلا أثر للألم والغمّ[94]، ما نقلنا إلى الانفتاح على الراحة بعد الموت، وعلى مشاركة النساء في الحراسة. وهنا تجلّت ثنائيّة الارتياح/الانزعاج؛ فعلى الرغم من انزعاجها من مشاهد الخراب والموت، فقد وجدت الموت راحة من هول المشاهد التي رأتها.

كما وصفت الشوارع الخالية من الناس، كيف تملأها الأحجار وبقايا الركام المتساقط من البيوت المدمّرة، وكذلك باحات البيوت، وفيها جيف وأشلاء الطيور أو الهررة، وإطارات صور مكسّرة، وعباءات نساء بين الركام، وأثاث وأدوات تنبئ عن فقر أهالي المنطقة[95]. تجلّت هنا ثنائية الازدحام/الخواء؛ فالشوارع المزدحمة بالناس تحوّلت إلى شوارع خالية منهم، لتصير مزدحمة بمظاهر الخراب وبما يدلّ على فقر الأهالي.

5.جبهة القتال (خطوط المواجهة):

جبهة القتال هو المكان الذي قرّرت الذهاب إليه منذ عصر اليوم الذي دُفن فيه والدها[96]، ما دلّ على تحديها ألم فراق والدها بحبّ ما أحبّه من جهاد على الجبهات الأماميّة. إنّها ثنائية الألم/ الحبّ.

والمكان منفتح على ذاتها التي تتمنّى الذهاب إلى الخطوط الأمامية، وخصوصاً أنّ الصورة عن تلك المنطقة كانت مبهمة لديها، فاستغلت فرصة الالتحاق مع الأخوة الذاهبين لتوزيع الطعام هناك، بعد أن أقنعتهم بإصرارها على إيصال الطعام إلى المجاهدين بنفسها، وانطلقت معهم بالشاحنة. وكلّما تقدموا بالمسير، وشاهدت الشوارع المقفرة من الناس، وآثار الحرب على البيوت والجدران والأشجار، مع قوة النيران وأصوات الانفجارات التي تزداد حدّة، صار جسدها يرتعش من حدة أصوات الانفجارات وإطلاق النار والصراخ، وانتابها بعض الخوف. وحين لامها البعض على المجيء إلى خطّ المواجهة، بسبب خوفهم على الأخوات من الوقوع في الأسر، أجابتهم أنّ لون دماء الأخوات ليس أجمل، وأنّ أرواحهنّ ليست أغلى، وردّدت ما قاله أبوها لها أن لا فرق بين الرجل والمرأة في هذا الوقت، وانقلب خوفها إلى رغبة بالصعود إلى السطوح، وخوض تجربة الحرب وجهاً لوجه. وبعد توزيع الطعام، لم تجد ذريعة للبقاء هناك، لكنّها رجعت وكلّها ثقة أنّها ستجد طريقاً مناسباً للذهاب إلى خطّ المواجهة مجدّداً[97]. تجلّت ثنائية الخوف/التحدي؛ الخوف من حدّة أصوات الانفجارات، وتحدّي الخوف ومن لام مجيء امرأة إلى خطّ المواجهة. وظهرت ثنائية المنع/الإصرار؛ فقناعتها بالذهاب إلى الجبهة زادتها إصراراً على خوض الحرب مع الرجال، ومواجهة الأعداء، على الرغم من اعتراض البعض خوفاً عليها من وقوعها في الأسر بيد الأعداء.

وجبهة القتال هو مكان إسعاف الجرحى، فقد أحضرت إليهم الكثير من المعدّات والأدوية. وهو مكان رفعها معنويات الجنود، حسب ما عبّر لها أحدهم، أنّ وجود المرأة في جبهات القتال يثير نخوة وحميّة الرجل، فيصمد ويندفع ويقاوم العدو أكثر فأكثر، ما أشعرها بالارتياح[98]. وهنا تجلّت ثنائية الارتياح/الانزعاج؛ فارتياحها لكلام الجنديّ عن أهمّيّة وجودها، أراح قلبها المتشوّق لجبهات القتال، والمنزعج من اعتراض البعض على مجيئها.

وجبهة القتال هي مكان المشاركة في المواجهات العسكريّة، عند (سنتاب) أحد أبواب المرفأ، حيث أصيبت بشظية في ظهرها داخل الدشمة، وبشظية أخرى في ساعدها أثناء خروجها، فرجعت على نقّالة إلى المستشفى، بعد أن رفضت الرجوع على الرغم من إصابتها[99]، ما دلَ على ثباتها في الجبهة. تجلّت هنا ثنائيّة الانزعاج/الارتياح؛ فهي على الرغم من إصابتها، انزعجت من رجوعها، فمكان الجبهة هو مصدر ارتياح لها، لانفتاحه على ذكرى أبيها وأخيها، وعلى تحقيق رغبتها بالشهادة دفاعاً عن أرض وطنها.

استنتاج:

قدّمت لنا السيرة الذاتيّة (دا) شخصيّة امرأة شديدة التأثّر بالواقع الذي عاشته، حاولت إثبات ذاتها النسويّة القويّة في خضمّ الأحداث الأليمة؛ فخرجت من الأماكن المغلقة على الضعف إلى الأماكن المفتوحة على القوّة. إنّها الابنة والأخت والزوجة، التي تحدّت الصّعاب، فأظهرت صورة عن التفوّق الذاتيّ على مفاهيم صنّفت المرأة في خانة الضعفاء.

وعكست (دا) وقائع حقبة الحرب على خرمشهر، فحقّقت قيمة تاريخيّة توثيقيّة. كما أظهرت تصويراً لعالم الراوية الخاصّ، ما بيّن لنا علاقتها الحميمة بوطنها، ظهرت دلالاتها وأبعادها في: عنوان السيرة، وغاية السيرة التي صرّحت عنها في المقدّمة، والحالات الشعوريّة التي كشف عنها التقاطب المكانيّ.

لقد بيّنت (دا) صورة عن التلاحم القويّ بين الراوية وأمّها ووطنهما، ما أكّد أنّ تسمية السّيرة ب(دا) علامة دالّة على التشابه بين الأمّ والوطن في الاحتضان. كما أظهرت لنا تفاعل الراوية مع قضايا مجتمعها، ما دلّ على ما تحمله من رؤى دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة، صرّحت عنها في المقدّمة، واستنبطنا انعكاساتها في الخطاب السرديّ.

فمن الناحية الاجتماعية، ركّزت على تأثير التربية الأسريّة في بناء الشخصيّة المؤمنة والقويّة لأبنائها، وعلى ما تمنحه العائلة من حبّ يتخطّى به الإنسان الصّعاب، ويُشعره بدفء المكان على الرغم من بساطته وما خيّم عليه من رعب. كما بيّنت قدرة المرأة على المشاركة في جبهات الحرب ضدّ المعتدين على أرض وطنها، ما دلّ على ما ذكرته في المقدمة حول تأثّرها بشخصيّات كتاب (النساء البطلات)؛ والفتاة الجزائريّة الثائرة جميلة بو باشا واحدة منهنّ، وقد جذبتها كثيراً.

ومن الناحية الدينيّة، ظهر تأثّر مواقف الراوية بعقيدتها الدينيّة، عند ذكرها: المكانة المقدّسة للقرآن الكريم، وحبّ علي بن أبي طالب، ومواقف زينب بنت علي بن أبي طالب، ومشاهد كربلاء، وأسماء بعض علماء الدين.

أمّا من الناحية السياسيّة، فقد أكّدت مواقفها الولاء لقادة الثورة في إيران، وضرورة الدفاع عن الوطن. كما بيّنت مظلوميّة الشعب، بسبب القتل والتشريد من قبل الجيش البعثي العراقي المعتدي عليهم.

وقد كشف التقاطب المكاني (الانغلاق/الانفتاح) عن ثنائيّات عبّرت عن العلاقات والتوتّرات التي حدثت عند اتصال الراوية بالأماكن؛ فالأماكن المغلقة الممتلئة بالألفة والحبّ، مثّلت الانغلاق على السّرّ والغربة والحزن والخوف والانزعاج والألم، ومنحت الراوية قوّة وثباتاً وقناعة، ونقلتها إلى حالة من الصبر والتحدّي في مواجهة الألم. أمّا الأماكن المفتوحة الممتلئة بالموت والرّعب، مثّلت الانفتاح على مساعدة الناس والمشاركة في جبهات القتال، وشكّلت تجسيداً لمواضع انتقال الراوية إلى حالات التحدي والعزّة.

إنّ حالة الانتقال من الانغلاق إلى الانفتاح، أبرزت جدليّة الأنا النسويّة والمجتمع، حيث انفتاح الراوية على مشاركة ميادين الحياة كالرجل، بالخروج من الانغلاق الذي يقمع المرأة، ويجعلها حبيسة أفكار وعادات تقصيها عن ميادين مواجهة العدوّ. لذلك عاشت الراوية حالة انتقال دائمة من الانغلاق على الحزن والخوف إلى الانفتاح على وسائل التحدّي بالثبات، فحوّلت الألم إلى حبّ في مواجهة تحدّيات الحياة.

وهكذا يمكننا القول: إنّ السّيرة الذاتيّة عمل أدبيّ يسرد ذكريات، من أجل تقديم تجربة تصلح لأن تستفيد منها الأجيال المتعاقبة، وتكون لها نهج حياة. والسيرة الذاتيّة (دا) هي سرد وقائع تاريخيّة أحدثت تغييراً في شخصية الراوية، فصارت نهج حياة اعتمدت على الحبّ والقناعة والصبر في طريق تحدّي الصّعاب. وقد استمدّت الكاتبة الأحداث الواقعيّة من ذكريات زهراء حسيني، واستقت من الفنّ الروائي ما يخدم الصوغ الأدبيّ السرديّ، ما أضفى على وصف الأماكن لوناً شعوريّاً ورمزيّاً يخدم غاية السّيرة، من دون تغيير زمان الأحداث التاريخيّة، وأسماء الأماكن والشخصيّات.

لقد ساعدتني القراءة البنيويّة السّيميائيّة، على كشف ما توصّلتُ إليه من أبعاد ودلالات في دراستي. لكنّ الباحث يظلّ قاصراً عن تحقيق دراسة كاملة، فالقراءات تتعدّد لولوج الفضاء الروائي وكشف كنهه، وأخصّ الكشف عن العلاقة بين الواقعي والمتخيّل في السيرة التي تأخذ شكلاً روائيّاً؛ لأنّ كاتب السّيرة لا بدّ أن يأخذ من منبعين: الحقيقة التاريخيّة والفنّ الروائيّ، كي يثير في نفس المتلقّي العاطفة والوعي.

د. غادة علوه

 قائمة المصادر والمراجع

أولا_ المصادر:

  حسيني (أعظم)، دا (1-2)، ذكريات زهراء حسيني، ترجمة مركز المعارف، ط2، دار المعارف الإسلاميّة الثقافيّة، بيروت، 2019.

ثانيا_ المراجع العربيّة:

  1. بحراوي (حسن)، بنية الشكل الروائيّ: الفضاء_ الزمن_الشخصية، ط1، المركز الثقافي العربيّ، بيروت والدار البيضاء، 1990.
  2. بلعابد (عبد الحقّ)، عتبات جيرار جينيت: من النصّ إلى المناصّ، تقديم سعيد يقطين، ط1، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2008.
  3. بنكراد (سعيد)، مدخل إلى السيميائية السردية، ط2، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2003.
  4. حبيلة (الشريف)، بنية الخطاب الروائيّ، دراسات في روايات نجيب الكيلاني، ط2، عالم الكتب الحديثة، عمان، 2010.
  5. الحجمري (عبد الفتّاح)، عتبات النّصّ: البنية والدلالة، ط1، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، 1996.
  6. رحيم (عبد القادر)، علم العنونة، ط1، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2010.
  7. شاكر (تهاني عبد الفتّاح)، السيرة الذاتيّة في الأدب العربيّ، فدوى طوقان وجبرا إبراهيم جبرا وإحسان عبّاس نموذجاً، ط1، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، 2002.
  8. صالح (صلاح)، قضايا المكان الروائيّ في الأدب المعاصر، ط1، دار شرقيّات، القاهرة، 1997.
  9. قاسم (سيزا)، بناء الرواية، دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1985.
  10. قطوس (بسام)، سيمياء العنوان، ط1، وزارة الثقافة، إربد-الأردن، 2002.
  11. محمّد (د.شعبان عبد الحكيم)، السيرة الذاتية في الأدب العربيّ الحديث (رؤية نقديّة)، ط1، مؤسسة الورّاق للنشر والتوزيع وعماد الدين للنشر والتوزيع، 2015.

 

  1.   النابلسي (شاكر)، جماليات المكان في الرواية العربية، ط1، المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1994.

13 . نسر (د.علي)، الرؤية إلى العالم في الرواية العربيّة: قراءة في روايات جبرا إبراهيم جبرا وحيدر حيدر (دراسة نقديّة)، ط1، دار المؤلّف، بيروت، 2019.

14 .  النصير(د.ياسين)، الاستهلال فنّ البدايات في النّصّ الأدبيّ، لا ط.، دار نينوى، دمشق، 2009.

ثالثا_ المراجع المترجمة:

  1. باشلار (غاستون)، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، ط 6، مجد _ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2006.
  2. لوجون (فيليب)، السّيرة الذاتيّة: الميثاق والتاريخ الأدبيّ، ترجمة وتقديم عمر حلي، ط1، المركز الثقافي العربيّ، 1994.

 

رابعا_ المراجع الأجنبيّة:

Lotman (Youri),La structure du texte artistique, traduit du russe par Anne Fournier et autres, Gallimard, Paris, 1973.

خامسا_المجلّات:

لوكام (د. سليمة)، شعريّة النّصّ عند جيرار جينيت من الأطراس إلى العتبات، مجلّة التواصل، العدد 23 جانفي، المركز الجامعي-سوق أهراس، 2009.

سادسا_المواقع الالكترونية:    

  1. جميلة-بوباشا، ويكيبيديا، الموسوعة الحرّة، تاريخ الاطلاع 7 نيسان 2021، الرابط:  https://ar.wikipedia.org/wiki/

 

  1. حسين (خالد حسين)، المكانيّة وتفكيك النّصّ الأدبيّ (مدخل نظريّ)، تاريخ النشر 4 تموز 2011، تاريخ الاطلاع 7 نيسان 2021 ، الرابط: https://www.startimes.com/?t=28514468

 

  1. دا، ويكيبيديا، الموسوعة الحرّة، تاريخ الاطلاع 28 نيسان 2021، الرابط: داhttps://ar.wikipedia.org/wiki/

 

  1. معركة المحمرة، ويكيبيديا ،الموسوعة الحرّة، تاريخ الاطلاع 5 نيسان 2021، الرابط:  https://ar.wikipedia.org/wiki/

 

 

 

 

 

 

 

*أستاذة مساعدة في الجامعة الإسلاميّة، في لبنان.

[1] محمّد (د.شعبان عبد الحكيم)، السيرة الذاتية في الأدب العربيّ الحديث (رؤية نقديّة)، ط1، مؤسسة الورّاق للنشر والتوزيع وعماد الدين للنشر والتوزيع، عمّان، 2015، ص 15.

[2] شاكر (تهاني عبد الفتّاح)، السيرة الذاتية في الأدب العربي، فدوى طوقان وجبرا إبراهيم جبرا وإحسان عباس نموذجاً، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2002، ص 20.

[3] حسيني (أعظم)، دا (1-2)، ذكريات زهراء حسيني، ترجمة (من الفارسية) مركز المعارف للترجمة، ط2، دار المعارف الإسلاميّة الثقافيّة، 2019. تمّ نشر هذا الكتاب أوّل مرة، من قبل دار نشر سوره مهر باللغة الفارسية عام 2008، وكان أكثر الكتب مبيعاً في معرض طهران الدولي للكتاب عام 2009، وحاز على جائزة جلال آل أحمد الأدبيّة عام 2014. وقد تمّت ترجمته من الفارسيّة إلى الإنكليزية والأردية والتركية والإسبانيّة. انظر: دا، ويكيبيديا، الموسوعة الحرّة، تاريخ الاطلاع 28 نيسان 2021، الرابط:  داhttps://ar.wikipedia.org/wiki/ .

[4]  “خرمشهر” أو “المحمّرة”هي مدينة إيرانيّة، تقع على الضفة الشرقيّة لشطّ العرب في محافظة خوزستان في جنوب غرب إيران. تعرّضت سنة 1980 للاحتلال من قبل الجيش البعثي العراقي، ما أدّى إلى دمار كبير فيها، بلغ 95%، وقد أطلق عليها الإيرانيون اسم “خونينشهر” بمعنى “مدينة الدم”.  انظر: معركة المحمرة، ويكيبيديا ،الموسوعة الحرّة، تاريخ الاطلاع 5 نيسان 2021 ، الرابط:

معركة المحمرة  https://ar.wikipedia.org/wiki/

[5]حسيني ، دا، ج1، ص 11-17 (المقدمة).

[6] لوجون (فيليب)، السيرة الذاتيّة: الميثاق والتاريخ الأدبيّ، ترجمة وتقديم عمر حلي، ط1، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1994، ص 37.

[7] قاسم (سيزا)، بناء الرواية: دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1985، ص 100 -101.

[8] حبيلة (الشريف)، بنية الخطاب الروائي، دراسات في روايات نجيب الكيلاني، ط2، عالم الكتب الحديثة، عمان، 2010، ص95.

[9] بنكراد (سعيد)، مدخل إلى السيميائية السردية، ط2، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2003، ص 10.

[10]  بحراوي (حسن)، بنية الشكل الروائي، :الفضاء- الزمن- الشخصيّة، ط1، المركز الثقافي العربيّ، بيروت والدار البيضاء، 1990، ص 40.

[11]  نسر (د.علي)، الرؤية إلى العالم في الرواية العربيّة: قراءة في روايات جبرا إبراهيم جبرا وحيدر حيدر (دراسة نقديّة)، ط1، دار المؤلّف، بيروت، 2019، ص 14.

[12]  رحيم (عبد القادر)، علم العنونة، ط1، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2010، ص 47.

[13]  قاسم (سيزا)، المرجع السابق، ص 39.

[14]  بحراوي (حسن)، المرجع السابق، ص 33.

[15]  قطوس (بسّام)، سيمياء العنوان، ط1، وزارة الثقافة، إربد-الأردن، 2002، ص 53.

[16]  الحجمري (عبد الفتاح)، عتبات النص : البنية والدلالة، ط1، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، 1996، ص 18.

[17]  حسيني، دا، ص 17 (المقدمة).

[18] لوكام (د.سليمة)، شعرية النصّ عند جيرار جينيت من الأطراس إلى العتبات، مجلة التواصل، العدد 23 جانفي، المركز الجامعي-سوق أهراس، 2009، ص35.

[19] قرية في محافظة إيلام الإيرانيّة :حسيني ، المصدر السابق، ص22 .

[20] المصدر نفسه،ص23.

[21] المصدر نفسه، ج2، ص 503.

[22]  صالح (صلاح)، قضايا المكان الروائيّ في الأدب المعاصر، ط1، دار شرقيّات، القاهرة، 1997، ص12.

[23] بلعابد (عبد الحق)، عتبات جيرار جينيت، من النّصّ إلى المناص، تقديم سعيد يقطين، ط1، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2008، ص 112.

[24]  النصير (د.ياسين)، الاستهلال فنّ البدايات في النّصّ الأدبيّ، لا ط.، دار نينوى، دمشق، 2009، ص 17-18.

[25] النصير، المصدر نفسه، ص 20.

[26] حسيني ، دا، ج1، ص 11-17.

  [27] جميلة بو باشا (ولدت في 9 شباط 1938 في بوغولين). انظر: ويكيبيديا، الموسوعة الحرّة ، تاريخ الاطلاع 7 نيسان 2021، الرابط:

جميلة-بوباشا https://ar.wikipedia.org/wiki/

[28]  حوزة هنري: مجموعة مؤسسات تعمل في حقل الكتابة والتأليف والنشر والإنتاج السينمائي (المقدمة ص 12).

[29]  حسين (خالد حسين)، المكانيّة وتفكيك النّصّ الأدبيّ (مدخل نظريّ)، تاريخ النشر 4 تموز 2011، تاريخ الاطلاع 7 نيسان 2021 ، الرابط: https://www.startimes.com/?t=28514468

[30] Lotman (Youri),La structure du texte artistique, traduit du russe par Anne Fournier  et autres, Gallimard, Paris, 1973, p 311.

[31] بحراوي (حسن)، بنية الشكل الروئيّ، ص 38.

[32] النابلسي (شاكر)، جماليات المكان في الرواية العربية، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1994، ص 276.

[33]  حسيني، دا، ج1، ص 21.

[34] المصدر نفسه، ج1، ص22- 23 – 24.

[35]  المصدر نفسه، ج1،ص 22- 23.

[36] حسيني، دا، ج2، ص 504.

[37]  باشلار (غاستون)، جماليّات المكان، ترجمة غالب هلسا، ط6، مجد (المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع)، بيروت، 2006، ص 43 و45.

[38] حسيني، المصدر السابق، ج1، ص50.

[39] المصدر نفسه، ج1، ص50 و51.

[40]حسيني، دا، ج1، ص55-56. سه تار هي آلة وترية تشبه الطنبور، تضمّ ثلاثة أوتار.

[41]المصدر نفسه، ج1، ص56.

[42]المصدر نفسه، ج1، ص59.

[43] المصدر نفسه، ج1، ص 59.

[44]  المصدر نفسه، ج1،ص 63.

[45] حسيني، دا،ج1، ص76.

[46]المصدر نفسه،ج1، ص92.

[47] المصدر نفسه، ج1، من ص 331 إلى ص 338.

[48] حسيني، دا، ج2، ص157 و158.

[49]المصدر نفسه، ج2، ص428.

[50]المصدر نفسه، ج2، ص434.

[51] المصدر نفسه، ج2 ص262 و263.

[52]  المصدر نفسه،ج2،ص 368 و369.

[53] المصدر نفسه،ج2 ص377.

[54]  حسيني، دا،ج2، ص400.

[55]المصدر نفسه، ج2، ص404 و405 و406.

[56]حسيني، نفسه، ج2، ص 406 و407 و410.

[57]المصدر نفسه، ج2، ص 418 و419 و420.

[58] المصدر نفسه،ج2، ص436 و437.

[59] حسيني، دا، ج2، ص 458 و459.

[60] المصدر نفسه،ج2، ص 464 إلى 470.

[61]  المصدر نفسه،ج2، ص 487 و488

[62] المصدر نفسه،ج2، ص 502 و503.

[63]  حسيني، دا،ج1، ص 32 و33 و34.

[64]  المصدر نفسه، ج1، ص 102.

[65] المصدر نفسه،ج1، ص 97 و98 و99.

[66] حسيني، دا،ج1، ص 104 و105 و106.

[67] المصدر نفسه،ج1، صمن ص 212 إلى ص  215.

[68] المصدر نفسه،ج1، ص 296.

[69] المصدر نفسه،ج1، ص 303.

[70] المصدر نفسه،ج1ن ص 329 وص 330.

[71] المصدر نفسه،ج1،من  ص 184 إلى ص 186.

[72]  حسيني، دا،ج1، ص 175 و176.

[73]المصدر نفسه، ج1، ص 181.

[74]المصدر نفسه، ج1، ص 179.

[75]المصدر نفسه، ج1، ص 106 و107.

[76] المصدر نفسه، ج1، ص 107 _115.

[77]المصدر نفسه، ج1، ص119.

[78] المصدر نفسه،ج1، ص  127 و129.

[79] حسيني، دا، ج1، ص 156.

[80]المصدر نفسه، ج1، ص 158.

[81] المصدر نفسه،ج1، ص 171 و172..

[82]  المصدر نفسه،ج1، من ص 289 غلى ص 292.

[83]المصدر نفسه، ج1، من ص 372 إلى ص 374.

[84] حسيني، دا، ج1، من ص 164 إلى 169.

[85] المصدر نفسه،ج1، ص 203 و206 و208.

[86]المصدر نفسه، ج1، من ص 305 إلى ص 310.

[87] المصدر نفسه،ج1، ص 318.

[88]  المصدر نفسه،ج1، من ص 278 إلى ص 285.

[89] المصدر نفسه،ج1، ص 167 و168.

[90]حسيني،دا، ج1، من ص 248 إلى ص 263.

[91] المصدر نفسه،ج1، ص 314.

[92]  حسيني، دا،ج1، ص 379 و380 و381.

[93]المصدر نفسه، ج1، ص384.

[94]  المصدر نفسه، ج1، ص 388.

[95]المصدر نفسه، ج1، ص 434.

[96]المصدر نفسه، ج1، ص 302.

[97]  حسيني،دا،ج1، من ص 320 إلى ص 326.

[98]  المصدر نفسه،ج1، ص 466 – 467.

[99]  المصدر نفسه،ج 2، ص 183 – 196.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.