العبور إلى النّور “أتمشّى في وجهي” ومقتطفات شعريّة حديثة، أنموذجًا

0

العبور إلى النّور “أتمشّى في وجهي” ومقتطفات شعريّة حديثة، أنموذجًا

ريتّا يوسف حدّاد)[1](

مقدّمة وإشكاليّة

تطرح هذه الدّراسة إشكاليّة عبور الإنسان – حيًّا – إلى النّور، إشكاليّة الرّوح المقيّدة بمادّيّات الدّنيا، والسّاعية إلى ثقب كوّة في ظلمة الإنسان الدّاخليّة الدّامسة، لتعبر منها إلى النّور المشتهى. وأنموذجنا “أتمشّى في وجهي”)[2](، ندعمه بمقتطفات شعريّة لأعلام محدثين، يتقاطعون بأفكارهم مع “روبير البيطار”)[3](. وإن قيل عن الإنسان إنّه لا يستطيع أن يحرّر نفسه بنفسه، بل هو بحاجة إلى قوّة خارجيّة، فلا يتحرّر من الغربة إلّا بعد تحرّره من هذا الوجود، وبذلك يتجاوز الإنسان اغترابه،)[4]( فنشير إلى أنّ عبور الشّاعر إلى النّور إراديّ، وغير مرتبط بالموت، الّذي يعبر الإنسان من خلاله إلى الحياة الثّانية الخالدة. إنّه عبور روحيّ، في داخله، يرفعه عن القشور، ويحلّق به إلى العالم الشّفيف العذب، فيسعى المرء حينئذٍ إلى البحث في عمق ذاته، عن ذاته المحجوبة بالغموض، والضّباب، والطّين. يكبّل الجسدُ الإنسانَ، ويشدّه إلى عالم الأرض السّفليّ الفاني، وتسمو روحه إلى الفوق، إلى النّور، وتبحث عن فضاء المطلق لتنعتق إلى اللامحدود، وينشأ عن هذا الصّراع ألم النّزاع وأسى المنفى ووجع الغربة ودموع السّفر. ويهيم الإنسان باحثًا عن ضالّته، ولا يلبث أن يدرك أنّ الهدف المنشود ليس بعيدًا من كيانه، إنّه أناه، ولكنّ رحلة البحث عن الذّات، ليست بالأمر اليسير، فقد تكون متاهاتها أكثر عسرًا وأشدّ وعورةً من متاهات الدّنيا.

وقد يتقاطع شعراء الغرب مع شعراء العرب لتعبّر القصيدة الشّعريّة الحديثة “عن موقف الحضارة الشّرقيّة والغربيّة ككلّ وعن أزمتها المعاصرة،”)[5]( “ومن المستحيل أن نتجاهل أهمّيّة العالم الخارجيّ بالنّسبة إلى القصيدة”)[6]( الّتي تعالج أزمة إنسانيّة عامّة، تنطبق على الإنسان الهائم على وجهه، في كلّ مكان، كما عبّر “خليل حاوي”)[7](، في قصيدته: “البحّار الدرويش”)[8](عن الخواء والضّياع والغربة في الشّرق والغرب معًا، وإن تعدّدت الأسباب. هكذا الشّعر الحديث، ومنه قصيدة “أتمشّى في وجهي”، تتناول كلماته قضيّة إنسانيّة تتجاوز الحدود الضيّقة لتنفتح على العالم المُعاني في أصقاع كثيرة من هذه الدّنيا. فـ “الكلمة لم تعد مجرّد لفظٍ صوتيٍّ له دلالة أو معنى، وإنّما صارت الكلمات تجسيمًا حيًّا للوجود.”)[9](

وينفتح المقام هنا على أهمّيّة الكلمة في “الإنجيل” المقدّس، حيث تسمو إلى المستوى الإلهيّ وترقى إلى الكمال. وكان المؤلّف قد أشار إلى تأثّره العميق بعهديه القديم والحديث)[10](.

“في البدء كان الكلمة

والكلمة كان لدى الله

والكلمة هو الله.”[11]

والكلمة “بوسعها أن تنبض في كلّ فرد، كلّما رغب في الإصغاء، في صمت ذاته. الكلمة سرّ الله، هي في الأغلب، همسة أكثر منها صيحة. إنّها تنمّي وتساعد على الكبر، تضيء الإنسان في أعماق ذاته، وتجعلنا كائنًا من نور”)[12](.

تحليل

ونصل إلى قصيدة “أتمشّى في وجهي”؛ حيث يطالعنا في البداية فعل “أتمشّى” الّذي يحمل معاني السّير ببطء وهدوء وترويح عن النّفس، ثمّ يحيد فكرنا عن هذه المعاني في متابعة القراءة “في وجهي”، فبإسناد الشّاعر فعل “أتمشّى” الّذي يكون عادةً على الأرض، للوجه، يخرج عمّا هو مألوف، ويفتح طاقات دلاليّة جديدة وأبعادًا غير متوقّعة، وكأنّ الشّاعر بطوافه هذا يبحث عن شيء ما، عن غائب، أو ربّما عن ضائع تائه، وهذا البحث مستمرّ في الحاضر، وقد يتواصل مع المستقبل.

أمّا الوجه فيرمز، بالنّسبة إلى الآخرين، إلى “الوضوح، لأنّ انفعالات النّفس وخفاياها تظهر في سيماء الوجه. فهو رمز السّرّ ونافذة غير المرئيّ: “من سيمائهم تعرفونهم”)[13](. أمّا بالنّسبة إلى الإنسان ذاته، فـ”لا يرى أحدٌ منّا وجهه مباشرةً، بل يراه في مرآة، أو صفحةٍ عاكسة. فوجه المرء بهذا المعنى ليس له، بل لغيره، ووجهه هو القسم الحيّ الأكثر إحساسًا لأنّه مركز الحواسّ الّذي يعرضه أمام غيره. فهو إذًا “الأنا” العارية الّتي توحي، وتوضح، وتنبئ وتقول”)[14](. ويؤكّد ضميرا المتكلّم في ” أتمشّى” و”وجهي” أنّ الشّاعر يبحث في ذاته عن ذاته، فهل ضلّ الشّاعر طريقه في الأرض/ الوجه؟ ولِمَ هذا الضّياع؟ وما الّذي يحاول الاهتداء إليه؟ أهو العالم الخارجيّ، أو عالمه الدّاخليّ؟ أهو الواقع المفروض، أو الحقيقة المبتغاة؟ وهل هذا التّمشّي الافتراضيّ سيمرّ بما في الوجه من حواسّ تؤمّنها العين، والأنف، والفم، والأذن، أم أنّه لا يحتاج إلى حواسّ البصر، والشّمّ، والسّمع، والتّذوّق للوصول إلى النّور، ضالّته المنشودة؟ حيث يقطن العبور إلى الفجر في “رحلةٍ من المعتم الكثيف إلى المضاء الشّفيف”)[15]). وقد يعتري المعرفة، الّتي ينشدها الشّاعر، التّشوّه، لأنّه ينكفئ عن الخارج، وينفتح على الدّاخل المتدفّق خواء، ليصير الوسيلة والهدف معًا. وتتّضح رحلة البحث عن النّفس في النّفس، لتؤكّد أزمة الوجود والبحث عن الهُويّة، في تلك الذّات البشريّة، فذاك التّائه بتمشّيه في ذاته يغدو الفاعل والمفعول، والضّائع والمدرك، ولكن حاسّة البصر الوحيدة الّتي تساعده في بحثه هذا، ولكنّها ترتطم بالظّلمة المغدقة الثّقيلة، الّتي ترخي بثقلها على رحلة الشّاعر في بحثه عن ذاته “فلا أرى إلا غابات”، ويوحي المقام بأنّ البحث في الغابات الكثيفة المعتمة بحث عن المجهول، فهل اتّسعت الهُوّة بين الشّاعر وذاته إلى حدّ فقدان الهُويّة؟ يرى “نزار قبّاني”)[16]( أنّ العالم تحوّل إلى غابة، وهي أضحت بدورها، رمزًا للمجهول والخطر والضّياع والشّرّ والأشرار:

“لا أحدٌ

يعرف ما يحدث في الغابة من عجائبٍ

لا أحدٌ يجرؤ أن يقولْ

فالليلُ فيها ضائعٌ

والذّئبُ فيها جائعٌ.”)[17](

وبالعودة إلى قصيدتنا، نشير إلى أنّ للغابة منحيَين رمزيَّين؛ أحدهما إيجابيّ والآخر سلبيّ. والشّاعر ذو النّفس التّائهة، يريد “مكانًا هادئًا مطمئنًا، وطبيعةً وسلامًا وخيرًا وعطاء”)[18]( أمّا السّياق فينفتح على “الغابة الكثيفة، المجهولة، المظلمة كالمتاهة الّتي يختفي فيها كلّ شيء، وتمثّل أيضًا المستقبل الغامض والمخاطر والمخاوف، وهي رمز الخطر والضّياع والخواء”)[19](.

وإن كان تشابك الأغصان الكثيف مدعاة اختناق، فقد شارك الشّاعر العراقيّ “بدر شاكر السّيّاب”)[20](، شاعرنا هذا الإحساس، وتحوّلت عنده الأغصان الغليظة الخانقة، إلى دروب المدينة – الحبال الطينيّة – الملتفّة حوله:

“وتلتفّ حولي دروب المدينه:

حبالًا من الطّين يمضغن قلبي”)[21](

عانى “بدر شاكر السّيّاب” أيضًا، في قصيدة “جيكور والمدينة”، الاختناقَ والمدنيّة الزّائفة، وخسر ذاته بين العودة إلى القرية المحبوبة المندثرة، والبقاء في مدينة الكذب والوهم والدّمار. ويرمز الاختناق إلى هدر الحياة الإنسانيّة “والموت الرّوحيّ.”)[22]( وتتلخّص قضيّة ذات الإنسان المنهك بشعورٍ “مثيرٍ للذّعر بانعدام القيمة، بهدر الإنسانيّة، بإحساسٍ بالاختناق نظرًا إلى استحالة التّعبير عن الذّات وتوكيدها من خلال صرخة احتجاج أو نداء.”)[23](

ويستوحي السّيّاب “مضغ القلب”، من أسطورة إله النّور بروميته)[24]( (بروميثيوس)، الّذي عوقب لتقديمه النّار والنّور إلى البشريّة لينقذها من الظّلمة، وكان عِقابه نسرًا ينهش كبده كلّ يوم، وتتجدّد في اليوم التّالي، ويكرّر فعلته من جديد. وهذا الاختناق نفسه يتجدّد مع كثيرين، ومنهم شاعرنا الّذي يخنقه الرّياء المتكرّر في الأوقات كلّها. وبانفتاح الحديث عن النّار، نشير إلى أنّها تحمل في حناياها المعاني المتناقضة كالخير والشّرّ؛ إنّها تتلألأ في الجنّة وتتأجّج في الجحيم، إنّها الهدوء والجلبة. إنّها لذّةٌ للطّفل الّذي يجلس قربها برويّة وتعقّلٍ، وهي عقابٌ لكلّ شقيٍّ أبى إلّا أن يقترب من شعلاتها، إنّها آلهة طيّبة رؤوفة وشرّيرة مرعبة،)[25] (إنّها تحرق الشّوائب، فتنقّي الكِيان أو تدمّره. وفي خضمّ المدى المنفتح على المجهول، وبتقاطع مع الدّروب والصّراخ، يستسلم الشّاعر للدّرب الّذي يعبره “يعبرني دربٌ وصراخ”، مع ما يوحي هذا الفعل من المعاناة المنبثقة عن مشقّة السّفر، والعبور من مكان غريب إلى مكان منشود، ولكن هل هذا العبور آمن ومريح؟ بالعكس تمامًا إنّه مؤلم وموجع بدليل ما يشوبه من “صراخ”، ولكنّ الشّاعر باستسلامه الواعي يقبل بالضّياع، ويرضى أن يكون مسيّرًا وغير فاعل، في هذا الانسياق اللاإراديّ، علّه يكلّل جهوده في نهاية المطاف بالوصول إلى ضالّته. فالعبور، من الظّلم والظّلمة إلى الحقّ والنّور، يستحقّ المعاناة المقترنة بأمل الوصول إلى الوطن البديل، إلى نور الحياة الّتي يشتهيها، إلى الخصوبة والسّلام والفردوس المفقود والسّعادة المرجوّة. ونلحظ أنّ الصّراخ يلازم العابر، القادم بالولادة، إلى العالم الأرضيّ المحدود بزمان ومكان، ويرافق أيضًا، العابر المغادر إلى الأبديّة اللامحدودة، فالصّراخ كالأقمطة، والأكفان سمة مشتركة للعبور، وإن كان مرحليًّا أو أبديًّا؛  “ونذكر هنا الأيقونة الشّرقيّة الّتي تربط بين أكفان القبر وأقمطة المزود، وكأنّ القبر بأكفانه كان نبعًا للحياة الّتي دخلته بدخول يسوع إليه، وكأنّ المزود بأقمطته، يحمل كالقبر، معنى الحياة الّتي أدخلها يسوع إليه عند دخوله إلى هذا العالم.”)[26] (وكم عبّر الشّعراء المحدثون عن هذه الفكرة. يصف “عبد الوهاب البيّاتيّ”)[27] (ذاته: “منتظرًا فجر خلاصي ساعة الإعدام”)[28](. ويغرق الشّاعر في حزن أناه، ويتجذّر فيه الألم “ألم وصراخ”، ويفيض الدّمع “شجرات الدّمع”. إلّا أنّ هذا الوجع ينقشع عن ولادة جديدة صاخبة بالرّيح الّتي تكسر شجر الحزن الكثيف، وتثقب تشابكها الغليظ، “فإذا هبّت رياح التّغيير تبدّلت قواعد الأمور”)[29](. وقد ترمز الرّياح العابرة للأمكنة، والهواء السّاخط إلى الغضب غير المشروط، بلا سبب، أو حجّة، أو موضوع. وتستطيع العاصفة أن تقلب غابةً، أو بحرًا رأسًا على عقب.)[30]( وبعد العتم والغيوم الضّبابيّة، وبعد عناء السّفر والغربة عن النّفس: “أوقعني منّي، العابر، أمضي، أحلام، نتفة أيّام، أحملني، ما زلت أفتّش، غرّبني، أبحث عن آتٍ، جئنا، الذكرى، “يطلّ نيسان” الشّاعر ليلوّن الرّسم بالزّهو وتنقشع الرّؤية، إنّه “نيسان” الزّهر والأمل والحبّ، “نيسان” الولادة من رحم الموت. “وقد اتّحد الإنسان والطّبيعة في شخصيّة إله الخصب الميت المنبعث، حتّى ليستحيل التّفريق في الطّقوس الّتي تدور حوله، بين ما يتّصل منها بتغيّر في الإنسان، أو تحوّل في الطّبيعة”)[31](. ويتّفق “البيطار” مع الشّعراء المحدثين الّذين عبّروا عن الفكرة عينها بأساليب عدّة:

“وردة روحك

فازرعها على راحتك الأرض

ووزّع جسمك الحارقَ في جسم الوطن

هذه التّربة رحمٌ

لا كفن”)[32](.

ويقول “محمود درويش”)[33](:

“وفي شهر آذار نمتدّ في الأرض

في شهر آذار تنتشر الأرض فينا”)[34](

ويتقاطع هؤلاء الشّعراء مع “الإنجيل” المقدّس: “الحقّ الحقّ أقول لكم: إنّ حبّة الحنطة الّتي تقع في الأرض إن لم تمت تبق وحدها. وإذا ماتت أخرجت ثمرًا كثيرًا”)[35](. وبما أنّ “موت الإله وقيامته يعجّلان في انتصار قوى الخير على قوى الهلاك،”)[36]( وبعد موات الرّوح، وغرقها في الضّياع، وبعد أن كان الشّاعر معلّقًا بين الأرض والهواء، لا قرار ولا ثبات، ارتطم بالحبّ الّذي أنقذه من منفى الغاب/ الوطن، إلى الاتّصال بالضّياء، واللقيا بالرّوح بعد التّيه في تشابك ظلال الأنا/ الذات، وتجلّى الأمل بتحقيق التّغيير المرام. وبعد أن كانت تلوّحه الحياة في الفضاء، لا يشعر بكيانه وبما حوله، سقط إلى أرض فيها ثبات: “إنّ خيال التّراب يسمح بإعداد سيكولوجيا الثّقل، وفقًا لجدليّة الصّعود والهبوط المعبّرَين عن ثنائيّة حركة الطّاعة وحركة التّمرّد.”)[37]( والسّقوط عادةً، يحمل أبعادًا سلبيّة، أمّا هنا فمحمّل بالدّلالات الإيجابيّة لشاعرٍ يبحث عن مكان مستقرٍّ يطأه ليشعر بذاته، فينطلق في بداية المشوار، في بداية العمر الحقيقيّ، في أوّل الرّبيع/ نيسان، بما يحمل من اخضرار وبعث للحياة وتفتّح الزّهور واستمراريّتها، بعد اليباس والموت وانقطاع الأنفاس والتّلاشي في الفضاء الفسيح، فانبثق من الغصينات)[38]( الّتي أفسحت مجالاً لعبور النّور والأمل بالتّغيير. وينفتح الخطاب هنا على الطّبيعة الّتي ترمز إلى الأمّ الهواميّة، “وقد رمز إليها بالإلهة الكبيرة ذات القدرة الكلّيّة، وأظهر تحليل الأحلام، والخرافات، والأساطير، وكلّ أشكال الفنّ أنّ الأمّ الهواميّة تسود في لا وعينا جميعًا”)[39](. وقد تكون هذه الأنثى أيضًا الأرض/ البلاد وقد تكون مرتع الحبّ والخصب، والحرّيّة والضّوء؛ “إنّ الطّبيعة بما فيها من أرض خصبة وثمار دافقة رمز أنثويّ.”)[40]( فللأنثى استمراريّة وبقاء، وللأرض قضيّة وتراب يحوي وينبت، يحوي الموت وينبت الحياة، فتقود الحرّيّة الشّاعر إلى عمق التّراب، ليعود ويزهر وينفتح على النّور من جديد، ما يؤكّد الشّبه الكبير، و”العلاقة الوثيقة بين حياة الإنسان وحياة الطّبيعة”)[41](. وبعد نيسان، وفي مسيرة الأمل نرى الشّاعر “يرتجل الله”[42]، فلعلّ الإيمان يقوده إلى نفسه، ويمسك به في دهليز العمر والظّلام والإخفاق، إلى العبور نحو الحقيقة المطلقة، حقيقة الذّات البشريّة التّائهة في عرض المجهول، والمحاربة للفساد المتجذّر في أعماقها، وفي أبعاد الدّولة وفي اتّجاهات عديدة، آملةً تكليل جهودها بالتغرّب عن الظّلمة والاستيطان في أحضان النّور؛ “أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظّلمة، بل يكون له نور الحياة”)[43](.

وننفتح هنا على العلاقة بين الدّين والدّولة، فلكي تكون في وضعٍ سليم يجب أن تتنافى مع منطق الإخضاع والخضوع، “والثّقافة السّياسيّة جزء من ثقافة المجتمع. وثقافة المجتمع تعبير بالتّصوّر، والرّمز، والمسلك عن صراعاته ومصالحه ونزعاته ومقاصده العليا ونوع ارتقائه الرّوحيّ والعقليّ. فكلّما اتّسع نطاق انتشار النّور العقليّ في هاتين الثّقافتين، ازداد اقتناع الرّأي العامّ بأنّ حاجة الدّولة إلى الدّين ليست حاجةً كِيانيّة، وبأنّ الحدود الّتي تبدو فيها ضرورة للدّين في الدّولة هي حدود ثقافيّة نسبيّة متغيّرة.”)[44]( والشّاعر، برفضه وتمرّده، ينبذ ما فرض عليه ويحقّق ما يبتغيه. وتصبح السّقطات القديمة مدعاة ابتسام، ويتساوى النّجاح والفشل في شخصيّة واثقة ومثابرة ومتمسّكة في الوقت نفسه بالحلم، و”ترفض الكتابة الإبداعيّة سلطة المجتمع، وتذود في هذا الرّفض عن سلطتها الخاصّة.”)[45]( ونشير إلى أنّ المسافة، في الأزمنة المستبدّة، تطول بين المجتمع والكتابة، إلّا انّ الشّاعر قد أدرك أنّ “تثوير الكتابة الحقيقيّ ينزع إلى تثوير القراءة، إذ إنّ الثّورة تتمّ في ساحة الصّراع الواسعة الّتي تحتضن الكاتب والقارئ، وتعيد تثقيفهما بشكل مستمرّ”)[46](. وبعد أن ملأ الرّفض ذات الشّاعر، والحبّ قلبه ونبضه، وبعد أن فاضت الذّات والقلب والنّبض بما فيها، ينتقل الشّاعر المبدع بأفكاره، إلى الخروج إلى مستوى الصّوت المدوّي ليهزّ الموت والسّكوت والجفاف ، ويعرّي الوجود إلّا من الحقيقة، لتتكلّل رحلة بحثه باللقاء مع ذاته، والعبور إلى روحه، بعد أن باعد بينهما الهجر والمنفى، فيسائلها عمّن سيكون؟ وقد تكون هذه المخاطبة المؤنّثة الذّات أو القصيدة، أو القضيّة، وقد تكون الحبيبة الّتي تخصب الحياة بعد يباس، وتحوّل العمر إلى أعمار، ويحلو السّهر لأجل عينيها. وما إن أحسّ الشّاعر بنوع من الاستقرار، وقبل أن يحطّ رحاله ويلقى الطّمأنينة، ينتصب شبح “الغربة” أمام عينيه، ويعود شبح الغابات ليؤرّقه من جديد وليغرقه في سواد المجهول. وكأنّ الحبيبة الّتي أشعرته بالعبور من الجفاف إلى العاطفة، ومن الوحدة إلى الأنس، ومن التّشتّت إلى الاستقرار، فأهداها “الأمس واليوم والمطلق كاسات”، قد أوقعته في الخيبة من جديد، وكأنّ العبور إلى النّور، والبحث عن الذّات، وعن الأنا السّحيقة، في عمق النّفس البشريّة بات مستحيلًا في عالم استبداد الغربة. ونسلّط الضّوء قويًّا هنا على كلمة الغربة، ونضعها تحت العدسة المكبّرة، لأنّها كلمة محوريّة في دراستنا. ولعلّ أوّل غربة هي غربة آدم)[47]( وحوّاء)[48]( من الجنّة، و”استوحى كتبة التّوراة من الشّجرة الميثولوجيّة والتّاريخيّة أفكارًا ليتكلّموا على شجرة الخير والشّرّ الّتي زُرعت في وسط جنّة آدم وحوّاء”)[49](، والّتي كانت السّبب في نفيهما. ومن بعدهما غربة “قابيل”)[50]( قاتِلِ أخيه “هابيل”)[51](، الّذي هام على وجهه يرافقه الشّقاء، ولم يتمكّن من البعد عن جَلد ضميره، وعن ذاته المؤنِّبة، بهروبه إلى أصقاع الأرض، من مشارقها إلى مغاربها، ما يؤكّد طرحنا؛ إنّ الاستقرار والغربة كامنان في الذّات الإنسانيّة لا في الأمكنة الخارجيّة.  وقد أكّد “فيكتور هيغو)[52]( هذا بعرضه الواقعتين بأسلوب شاعريّ في قصيدتي:

«Le sacre de la femme» et «La conscience»([53](. إذ يشير إلى حياة التّشرّد والضّياع والعذاب الّتي رافقت “قابيل”، فظلّ هائمًا على وجهه طوال حياته، أمّا “آدم وحوّاء”، فبعد معصيتهما، قد رافقهما الألم والهمّ والحزن والقلق، وشحبت “حوّاء”، ولم تشعر باستقرار في حياتها، وكانت التّقلّبات رفيقة كلّ جزء من جسدها.[54]وإن ظهرت آثار التّعب على “حوّاء” أكثر من “آدم”، فلأنّ “المرأة أكثر ضَعفًا من الرّجل، فينعكس القلق على حوّاء أكثر منه على آدم”)[55](. وما شحوب وجهي “حوّاء” و”قابيل” إلّا ترجمة لحياتهما القاسية الخالية من الغبطة والنّور. وبالعودة إلى القصيدة، لو لم تنل المصالح الخاصّة، والأنانية، والطّمع، وعدم الاكتفاء وكلّ ما هو سيّئ وبشع من طباع البشر، لما فقدوا، في لحظات الصّفاء مع أنفسهم، معالم السّلام، والهدوء، والسّكينة، والارتقاء، والأضواء. وبالعودة إلى الشّاعر الّذي، بانكفائه إلى ذاته، وبلجوئه إلى قلبه، ليبصر الحقيقة، انفتح على آفاق أكثر رحابة وأعمق أثرًا، أوصلته إلى إدراك الفوقيّات، والرّوحيّات في محاولة لكشف ذلك العالم، وما يحاوله ليس بالسّهل اليسير، بل هو محفوف بالوجع المدوّي. أين السّلام الذّاتيّ الّذي ينشده؟ وأين الوضوح في الرّؤية؟ وأين أناه؟ ما سبب هذا التّشرّد المؤلم، الّذي يسود بغبشه وضبابيّته عالم هذا الكائن المنفيّ في أرض التّيه. أين الحياة الجميلة، والهانئة، والمملوءة برنّات الضّحكات، والعذوبة القلبيّة، والدّفء العاطفيّ، والسّعادة الرّوحيّة؟ إنّ خروجه من أرضه شبيه بفعل الولادة القاسي الذي لا بدّ منه لاكتمال مقوّمات الحياة المستقلّة عن الرّحم الأموميّ. إنّه المواجهة الحقيقيّة الضّروريّة والمؤلمة، عسى الرّؤية تتوضّح، والضّباب ينقشع، والعمر ينطلق في مسيرة واضحة شفّافة كعري الحقيقة الخالية من الغموض القاتم، وتشابك أغصان الغابات الخانق، فتسطع الشّمس بنورها ودفئها، وتفيء الرّوح الهائمة إلى الحنان بعد الجفاف، وتتنشّق هواء الحرّيّة النّظيف وتتلذّذ بالانعتاق.

وبعد أن استرجع الأمل بالعثور على الفردوس الضّائع، وانطلق مدوّيًا كالرّعد المنبثق من نفسه، المتفتّحة على الحقّ، المنذرة بفضح المتلاعبين بمصائر الشّعوب والأوطان، الّتي حوّلوها إلى غابات تسود فيها شرائعها الخاصّة ليسوسوا الخليقة بدخان الحقد والتّدمير، اصطدم حلمه الجميل بوطن محروق بلعنة الطّائفيّة، وعادت لتحتلّ الغابات مساحات الرّؤية: “لا أبصر إلّا غابات.” ونضيء هنا على تكرار عبارة: “لا أبصر إلّا غاباتٍ” – أربعَ عشْرةَ مرّةً – لتلوّن اللوحة الشّعريّة باللون القاتم، والتّكرار “لون في شعرنا المعاصر، ولا ترتفع نماذج هذا اللون إلى مرتبة الإحالة والجمال، إلّا على يد شاعر موهوب، يدرك أنّ المعوّل في مثله، لا على التّكرار نفسه، وإنّما على بعد الكلمة المكرّرة”)[56](. وتتحوّل المعشوقة الّتي تبلّ جفاف الرّوح إلى أنثًى مبلّلة بالدّموع، “يا ذات الغسق الباكي”، فالحبّ الصّادق الكفيل بإزاحة المستحيلات، وتجميل القبائح، بات عاجزًا أمام وحوش الغابات. وشدّته الغربة أكثر فأكثر، وأحاله المنفى إلى البعيد اللامنظور، وانتصر العصف على السّكينة، وانطفأ الضّوء وشعاع الشّمس أمام نزف الرّوح وعتمة الغابات. فما تراه عيناه من وطن مخضّب بالجشع والمادّيّات والكراهية، والاقتتال باسم الدّين الضّرير، وسيادة شرائع وحوش الغاب وغرائزها والعنف، يعمي البصر والبصيرة، ولا يترك منفذًا منفتحًا على القلوب المسالمة، والأرواح الصّافية، والنّوايا الشفّافة والعقول الحكيمة. يقول “نزار قبّاني”:

“هل أوّل الوطن البكاء؟

هل آخر الوطن البكاء؟”)[57](

“قرّرت يا وطني اغتيالك بالسفر”)[58](.

وبالحديث عن السّفر؛ “السّفر انتقال من معلوم الى مجهول، إلى مكانٍ مرتجى وحالةٍ أفضل بحثًا عن الفرح والسّعادة، والإنسان في سفرٍ دائمٍ بين الواقع والخيال، بين المعلوم والمجهول، بين العاطفة والعقل. والسّفر ليس مجرّد انتقال، بل هو سعيٌ لاكتشاف أفق جديد، وتغيير في الظّروف، وفيه الحزن والنوستالجيا، وهرب من واقعٍ مؤلمٍ وصعب. ومن منطلق دينيّ يرمز السّفر إلى الحياة. فهي من هذا القبيل سفر بين الولادة والموت، وجسر عبور بين المعاناة الأرضيّة – الّتي تبدأ بالألم وصرخة الولادة – والسّعادة الأبديّة”)[59](. وألم الشّاعر، الّذي يحاول التّغيير، كثيرٌ في الشّعر العربيّ، منذ القدم حتّى اليوم، “فيحاول الهروب من الواقع، وتخطّي الحدود المألوفة، ولكنّه يدور في حلقةٍ مفرغة، لأنّه يواجه انفعالات الجماعة، وقيمها، وعاداتها، وطرائق تفكيرها”)[60](، وقد يكون السّبب في ذلك، رهافة حسّ الشّاعر، وشعوره الشّفّاف ببعد الإنسان عن روحه وذاته، وانكبابه على المادّة والتّطوّر المزيّف. لأنّ غاية الإنسان السّعادة والسّلام والعيش الهنيء، إلّا انّه قد ضلّ الطّريق، وضاع في متاهات الأرضيّات الفانية. ويحمل “البيطار” إرثًا فكريًّا وشعريًّا، ويتناصّ مع شعراء الغربة، والبعد عن الذّات، وهما سمتان لشعراء العصر الحاليّ، ويستحضر ذهننا هنا المعاناة الّتي تؤلم الشّاعر في كلّ زمان ومكان. فـ “خليل حاوي” رأى الحضارة الإنسانيّة تحثّ الخطى سريعةً نحو الموت المحتّم والدّمار:

“بعد أن عانى دُوارَ البحر،

والضّوء المداجيَ عبرَ عتْماتِ الطّريق،

ومدى المجهولِ ينشقّ على المجهول،

عن موتٍ محيقْ

ينشُرُ الأكفانَ زُرْقًا للغريق”)[61](.

والانسلاخ عن الذّات والكِيان بات حتميًّا، لأنّهما ينتميان إلى محيط موبوء، يعجز الشّاعر فيه عن الانفلات والتّحليق بعيدًا إلى حيث ينتمي، إنّه ينبذ هذه الذّات الرّاضخة والمحجورة في قمقم، وينفخ فيه لتنطلق ذاتٌ ثانية عملاقة بحجم آماله وتطلّعاته فترضيه وتكفي طموحاته. لأنّ الذّات الحاليّة القابعة ليست من شيم المبدعين الّذين يتراجعون إلى الوراء، حين ينتصب الحاضر أمامهم غابات. وإن استعان الشّاعر بصليب يسوع المخلّص، فهدفه الخلاص الذّاتيّ، وإنقاذ الوطن المصلوب الّذي تكرّرت انهياراته تحت وطأة الأثقال المرهقة، كتكرار وقوع “المسيح” تحت صليبه المحمّل بآثام البشريّة. وإن حمل، عوضًا عن صليب العار، ولوثات البشر، “رفضَه وإخفاقَه وسقطاتِه” فلأنّ القيامة تلوح له من بعيد؛ و”إن لم يكن في حياتنا صليب فستظلّ قبورنا مغلقة، وإن لم نكلَّل بالشّوك، فلن تحيط بجباهنا هالة من النّور”)[62](. الارتفاع على الصّليب محمّلٌ بأسمى معاني الآلام، المبذولة فداءً عن الأحبّة. وقد استوحاه شعراء كثيرون، ومن بينهم “محمود درويش” الّذي يقول: “نزلت عن الصّليب، لأنّني أخشى العلوّ ولا أبشّر بالقيامة”)[63](. وفي الرّبط بين شجر الغابة والصّليب يقول “درويش”:

“من أيّ غابٍ جئتِني

يا كلّ صلبان الغضب؟”)[64](

ودافِعُه الأحزان والمنفى والتّشرّد.

ويمتدّ جَلدُ المنفى الدّاخليّ على امتداد جسد الشّاعر: “ألقاني أخرج منّي، ألقاني أسأل عنّي”، و”المنفى بحدّ ذاته، هو ألم لا يستطيع فهمه سوى أولئك الّذين عانوه”)[65](. وفي الجمع بين المنفى وشجر الغاب والصّليب، يقول “عزّ الدّين المناصرة”:

“المنفى خشب ومسامير

المنفى شجر مقطوع”)[66](.

قد توحي أغصان الأشجار في هذا المقام أبعادًا روحيّةً، إذ “يرمز الغصن إلى الذّراع وإلى ما يتفرّع من الأسرة والجماعة”)[67](، ولعلّه يشبه ذراعي المسيح المفتوحتين على الصّليب ليضمّ الجماعة إلى قلبه. كان الموت على الصّليب “يعني موت العار، وهو يقرن العذاب الجسديّ بالمذلّة، لذا عدّ إحدى أكثر العقوبات اللاإنسانيّة الّتي أبدعها العالم القديم. كان المحكوم عليه يعلّق، أو يسمّر على عمود تتوسّطه خشبة في العرض، ويترك للموت البطيء. وكان المحكوم يتألّم من الاختناق، وتحرق الشّمس رأسه ويتقلّص كلّ جسمه بسبب وضعيّته، فتلتهب جراحه مسبّبةً عذابات لا تطاق. فينتظر الموت كنجاة، ولكنّ الموت يبطئ في القدوم”)[68](. وقد ذاق “يسوع” هذا الموت بإرادته، و”يسوع” نفسه كان يساعد مُربّيه، القدّيس “يوسف” النّجار، في صنع مستلزمات الحياة من خشب أشجار الغابات، ولعلّه قد ساعده أيضًا في صناعة الصّلبان الّتي كانت مطلوبة في ذلك العهد. وما لفظ “يسوع” أنفاسه الأخيرة على الصّليب، إلّا ليخفّف وطأته على الإنسانيّة. ولا يخفى أنّ الصّليب طريق الحياة الأبديّة، وطريق العبور من الموت إلى الحياة، ومن الظّلمة إلى النّور. “وفي رواية يوحنّا للآلام، يبدو “يسوع” وكأنّه يتقدّم لملاقاة آلامه بعظمة وعزّة. إنّه يصعد على الصّليب منتصرًا لافظًا الرّوح، وبهذه الرّوح نفسها، يبدو أنّ كتاب الرّؤيا قد رأى من خلال الخشبة المخلّصة، “خشبة الحياة”، ومن خلال “شجرة الصليب” “شجرة الحياة”)[69](. وفي ربط بين الإنسان والشّجرة، يقول “عزّ الدّين المناصرة”: “غضب الأشجار لا يوصف في كتب البلاغة”)[70](. كثيرًا ما شُبّهت الشّجرة بالإنسان، ورأى كثيرون أنّها تشاركه مشاعره فتفرح لفرحه وتغضب لغضبه، “فالشّجرة حيّة، متأمّلة،  منجذبة الى الله.”)[71]( وتُعدّ رئة الأرض، وقد ردَّدَت ذكرَها حضاراتٌ عديدةٌ، “وإليها كانت تنسب فضائل إنسانيّة، كالفضائل والقيم والضّعف والخشوع والتّقوى وغيرها. لأنّها تشبه الإنسان في حياته منذ مولده إلى مماته، وتشبهه في تكوينه”)[72](. يتماهى الشّاعر المغترب عن ذاته، مع صورة المسيح المغترب، ما يدلّ على التّباعد بين هُويّته، وما ينبغي أن تكون عليه تلك الهُويّة، هذه غربة ذاتيّة قلقة تدلّ على شغفه بمعرفة الحقيقة.

اغترب المسيح عن ذاته الإلهيّة، بمسيرة معاكسة لما يحصل مع بني البشر، فهم يخلعون الجسد ليتأهّلوا للعبور إلى دنيا الرّوح والحقّ والخلود، أمّا المسيح فعبر من الحياة الخالدة، بارتدائه الجسد الفاني، إلى وادي الدّموع؛ و”تجسّد في الإنسان وارتدى جسد الإنسان”)[73]( . ولعلّ “لعازر” الّذي خبر الموت، لثلاثة أيّام، وأعاده المسيح إلى الحياة)[74](، كما ذكر الإنجيل، قد كشف هذه المسيرة المزدوجة. فهل غادر أحد بني البشر هذه الفانية وعاد إليها؟ إلّا أنّ “جبران خليل جبران”)[75]( قد حاول أن يستشرف مستقبل “لعازر” في مسرحيّته “لعازر وحبيبته،”)[76]( وأن يفترض، باستشرافه هذا، مشاعر من خبر حياة الخالدة ثم عاد إلى الفانية، فرآه مأخوذًا بعالم الرّوح، ومشدودًا إليه، وساكنًا ومسكونًا فيه، بكيانه كاملًا، وإن أقامه الله من بين الأموات رأفة بأحبّائه، غير أنه قد تمرّد على هذه العودة، وثار على المسيح،  وعدّ “لعازر” أنّ المسيح قد فضّل فرح شقيقتيه الزّائل على سعادته الأبديّة. وعتبه على “المعلّم” منبثق من إدراكه أنّ من رأى دنيا الحقّ العلويّة لن يستطيع التّكيّف مع دنيا الباطل السّفليّة، وإحياء الجسد عقيم بالنّسبة إلى من انفلتت روحه من قيود الجسد، وتعرّف إلى ذاته الأخرى، الحيّة، والخالدة، والرّوحية، والماورائية، واللامحدودة؛ إنّه لقاء النّفس الجسديّة البشريّة بالرّوح الإلهيّة الخالدة، فكيف سيعود؟

ونسأل: هل تشبه حبيبةُ “لعازر”، ذاتُه الثّانية والخالدة، المجازيّةُ الكِيان، والبتوليّة المدى، والأزليّةُ الوجود، ومعشوقةُ كلّ إنسان)[77](، حبيبةَ الشَّاعر، غيرَ الموجودة في المدى المنظور، والعلويّةَ والعاريةَ من الجسد والفائضةَ بالرّوح.

وحين ضاق صدر الشّاعر بالخيبات الأفقيّة المتتالية، رفع عينيه إلى السّماء، وبتحويل النّظر عموديًّا إلى العلياء، بدأ القلب يغوص في الأعماق أكثر وأكثر، فحين يهمس الإنسان في أذن الأرض يصغي إليه ربّ السّماء، و”السّماء رمز عالميّ للقدرة والوحي والارتقاء الرّوحيّ”)[78](. ولعلّه لن يحتاج  النّظر إلى الأعلى ليراها، فبمجرّد أن يغمض عينيه وينقطع عن هذه الدّنيا، يشعر بها في داخله، فالسّماء، أو الجنّة، أو الفردوس، أو الملكوت حيث السّعادة الأبديّة، ليست “مكانًا بعينه في هذا الفضاء اللامتناهي. وإلّا لما أطلق “المسيح” قوله المقتضب، الصّريح، الحاسم، المأثور: “ملكوت الله في قلوبكم”)[79]()[80](.

وكثيرًا ما يشعر الإنسان أنّه سجين على الأرض، على الرّغم من وسعها، أو محاصر بواقع وقدر وحدود وظروف، فيلتمس خلاصًا من السّماء، ويلجأ إليها بنظره وفكره وقلبه ومخيّلته، ففيها “شعورٌ بالوجود الّذي لا يعرف الحدود، حدود المكان وحدود الزّمان”)[81](. وإن ثار “المسيح”، وهدّم الهيكل على رؤوس التّجّار، فليبني مكانه هيكل الذّات البشريّة، وتمرّد الشّاعر، ورفض الواقع الموسوم بالحزن والأنانيّة والغربة والمنفى، فليبني وطنًا بديلًا تخضرّ فيه الأماني وتزهر الأحلام، وتحيا فيه النّفس التّوّاقة إلى الضّوء والسّموّ والصّدق والإبداع . إنّها جدليّة الهدم لأجل البناء، والانغراس في الأسفل من أجل الارتفاع إلى الأعلى.

خاتمة

يسعى الشّاعر، ككلّ إنسانٍ مرهف، إلى نبذ الظّلال السّوداء، وإلى البحث، جاهدًا، عن النّور الّذي انطفأ في قلبه وروحه، وجعله أعمى البصيرة، وغرّته مظاهر الدّنيا فابتعد من ذاته. ويحاول أن يخرق العوائق ليردم النّقص الّذي يسيطر عليه ويؤرّقه، فيكشف أنّ العبور إلى فضاء الذّات، طريقه شائكة ودامية، ولعلّ، من خلاله، يستطيع أن يكشف سرّ المعاناة الإنسانيّة ولغز العالم. ومعاناة الغربة الرّوحيّةِ “من أقسى أنواع الغربة على الإطلاق، حيث يعيش الإنسان في دوّامة الصّراع بين الوجود والعدم. ويشعر بالغربة وهو في دياره، وفوق تربة وطنه، وبين أهله وأحبّته، وفي نهاية المطاف يعيش حال الاغتراب عن كلّ ما يحيط به”)[82](. ويرمز الشّاعر في قصيدته إلى معاناة الإنسان الممزّق والتّائه والمضطرب والمتقلّب والغريب عن ذاته، فلو لم تلحقه اللوثة، ولو احتفظ بنقاء قلبه، وبراءة طفولته، وسلام روحه الطّاهرة الصّافية، كما كانت في بَدء زيارتها إلى هذا العالم، ولو لم تبهره المظاهر الخادعة، ولو لم ينغمس في ملذّاتها الزّائلة والمؤقّتة، ولو لم يمعن في السّفر والغربة، لما كانت رحلة العودة شاقّة ومؤلمة إلى هذا الحدّ. و”حوّاء”، لو لم ترتكب المعصية وتتغرّب عن جنّتها الأولى، لما احتاجت رحلة العودة إليها تلك المشقّات، وذلك العذاب. و”قابيل” لو لم يرتكب الفحشاء، ويبعد عن ضميره، لما كان هذا الأخير قد لاحقه في حلّه وترحاله، ولما تبعثر أجزاء، تنشرها الرّياح في كلّ حدب وصوب. وبعد الدّراسة والتّحليل، توصّلنا إلى أنّ الغربة في داخلنا، والنّور، في داخلنا أيضًا، والحواجز بينهما. أما آن الأوان ليمدّ البشر الجسور في داخلهم ليعبروا من النّفاق إلى الصّدق، ومن الانفراط إلى العقد، ومن الغرائز إلى القيم، ومن المحدود الى اللامحدود، ومن المدرك إلى اللامدرك، ومن الدّنيا إلى الذّات، ومن القبح إلى الجمال، ومن الحقد إلى الحبّ، ومن أنوات العالم السّطحيّة إلى الأنا السّحيقة، ومن القناع المزيّف إلى الوجه الحقيقيّ؟

وهل سينبذ الإنسان، يومًا، الغابات وشرائعها، ويدمّر حاضرها، ويثور على واقعها، في سبيل إحكام الوطن، مدماك المستقبل، الواضح الرّؤية، ومحطّ الأمل والرّجاء والحياة والعبور إلى النّور؟ فـ”ما دام لكم النّور آمنوا بالنّور لتصيروا أبناء النّور”)[83](.

المصادر

المصدر الدّينيّ

– الإنجيل المقدّس بعهدَيْه.

المدوّنة

– البيطار: روبير، “هكذا كان… وبعد…!”، دار الفكر اللبنانيّ، بيروت، لا ط.، 2015، المدوّنة: قصيدة: “أتمشّى في وجهي”، ص 8 – 14.

الدّواوين الشّعريّة

– البيّاتيّ: عبد الوهاب، “الدّيوان”، ج2، دار العودة، بيروت، ط4، 1990.

– حاوي: خليل، “ديوان خليل حاوي”، دار العودة، بيروت، لا ط.، 2001.

– درويش: محمود، “الديوان”، ج1، دار الحرّيّة للطّباعة والنّشر، بغداد، ط2، 2000.

– قبّاني: نزار، “الأعمال السّياسيّة الكاملة”، ج3، منشورات نزار قبّاني، بيروت، ط4، 1986.

– قبّاني: نزار، “الأعمال الشّعريّة الكاملة”، ج5، منشورات نزار قبّاني، بيروت، ط1، 1986.

– القاسم: سميح، “شعر”، ج3، دار الجيل ودار الهدى، ط1، 1992.

– المناصرة عزّ الدّين، “الأعمال الشّعريّة”، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط1، 1994.

المراجع

المراجع العربيّة

– إسماعيل: عزّ الدّين، “الشّعر العربيّ المعاصر، قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة”، دار العودة، بيروت، ط1.

– أيّوب: نبيل، “النقد النّصّيّ-نظريّات ومقاربات”، دار المكتبة الأهليّة، ط1، 2004.

– بُلّاطة: عيسى، “بدر شاكر السّيّاب – حياته وشعره”، دار النّهار للنّشر، ط3، 1981.

– الجابر: صبيح، “ظاهرة الغربة والحنين في الشّعر العربيّ”، دار عدنان، بغداد، ط1، 2013.

– حجازي: مصطفى، “التّخلّف الاجتماعيّ – سيكولوجيا الإنسان المقهور”، المركز الثّقافيّ العربيّ، الدّار البيضاء-المغرب وبيروت-لبنان، د. ط.، د. ت.

– حدّاد: ريتّا، “الاستشهاد في الشّعر الفلسطينيّ”، أطروحة أعدّت لنيل شهادة الدّكتوراه اللبنانيّة، إشراف ديزيره سقّال، الجامعة اللبنانيّة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، 2008.

– خلف: صلاح، “فلسطينيّ بلا هويّة”، شركة كاظمة للتّرجمة والنّشر والتّوزيع، لا ط.، لا ت.

– زيادة: معن، “الموسوعة الفلسفيّة العربيّة”، ج1، الإنماء العربيّ، بيروت، لا ط.، 1986.

– سقّال: ديزيره، “حركة الحداثة، طروحاتها وإنجازاتها”، منشورات ميريم، بيروت، ط1، 1991.

– عوض: ريتّا، “أسطورة الموت والانبعاث في الشّعر العربيّ الحديث”، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت، ط1، 1974.

– فريحة: أنيس، “دراسات في التاريخ”، منشورات جرّوس برس، لبنان، ط1، 1991.

– مجموعة مؤلّفين، “المنجد في اللغة والأعلام”، دار المشرق، بيروت، ط32، 1992.

– مصلح: أديب، “يسوع في إنجيله”، تأمّلات في نصوص الإنجيل، منشورات المكتبة البوليسيّة، ط1، لا ت.

– معلوف: منير، “معجم الرّموز”، المطبعة البوليسيّة، لبنان، لا ط.، 2009.

– الملائكة: نازك، “قضايا الشّعر المعاصر”، دار العلم للملايين، بيروت، ط5، 1978.

– نجم: خريستو، “في النّقد الأدبيّ والتّحليل النّفسيّ”، دار الجيل ومكتبة السّائح، ط1، 1991.

– نعيمه: ميخائيل، “من وحي المسيح”، مؤسّسة نوفل، بيروت، ط2، 1987.

المراجع المعرّبة

– باشلار: غاستون، “جماليّات المكان”، تر. غالب هلسا، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، ط4، 1996.

– جبران: خليل جبران، “لعازر وحبيبته”، “المؤلّفات الإنكليزيّة الكاملة معرّبة”، تعريب: نديم نعيمه، مؤسّسة نوفل، بيروت، لا ط.، 2015.

– فريزر: جيمس، “أدونيس أو تمّوز”، تر. جبرا ابراهيم جبرا، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط2، 1979.

– مجموعة مؤلّفين، “معجم اللاهوت الكتابيّ”، أشرف على لجنة التّعريب: المطران أنطونيوس نجيب، دار المشرق، بيروت، ط5، 2004.

– من: ألكسندر، “يسوع معلّم النّاصرة”، تعريب: مكاريوس جبّور، تعاونيّة النّور الأرثوذكسيّة للنّشر والتّوزيع، لا ط.، 2003.

المجلّتان

– درّاج: فيصل، “سياسة الكتابة وكتابة السّياسة”، مجلّة الكرمل، العدد السّادس، 1986.

– نصّار: ناصيف، “في العلاقة بين سلطة الدّولة وسلطة الدّين”، مجلّة الفكر العربيّ المعاصر، العدد 24، شباط 1983.

المراجع الأجنبيّة

– Gaston Bachelard, «La psychanalyse du feu», Editions Gallimard, 1949.

– Gaston Bachelard, «L’air et les songes»,5eme réimpression, Librairie Jose Corti, Paris, 1943.

– Victor Hugo, «La légende des siècles», Editions Garnier frères, Paris, 1964.

– Soeren Kierkegaard, «Le concept de l’angoisse» traduit du danois par Knud Ferflov, éditions Gallimard, France, 1935.

– Jean Starobinski, «la relation critique», «L’œil vivant 2», Editions Gallimard, Paris, 1970.

[1] – محاضرة ومشرفة في كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة – الجامعة اللبنانيّة.

[2] – روبير البيطار، “هكذا كان… وبعد…!”، لا ط.، دار الفكر اللبنانيّ، بيروت، 2015، ص 55 – 60.

[3] – روبير البيطار، من مواليد كسروان، لبنان. له ديوان “هكذا كان… وبعد!” وآخر قيد الطّبع. يمتاز شعره بالنّزعة الرّمزيّة والصّورة المتعدّدة الأبعاد. فاز بجائزة الشّعر في الجامعة اللبنانيّة عام 1997، بحضور الشّاعر “سعيد عقل”. أحد مؤسّسي جمعيّة “تجاوز” الثّقافيّة. حائز على دكتوراه دولة من الجامعة اللبنانيّة. نائب رئيس فرع جبل لبنان في نقابة المعلّمين.  له مؤلّفات مدرسيّة عديدة، وقصص في أدب الأطفال، ومشاركات في وضع مناهج للدّول العربيّة.

[4] – معن زيادة، “الموسوعة الفلسفيّة العربيّة”، ج1، الإنماء العربيّ، بيروت، لا ط.، 1986، ص 79.

[5] – ديزيره سقّال، “حركة الحداثة، طروحاتها وإنجازاتها”، منشورات ميريم، بيروت، ط1، 1991، ص 51.

[6] – – Jean Starobinski, «la relation critique», L’œil vivant 2», p.19.

[7] – خليل حاوي (1925 – 1982): شاعر وناقد لبنانيّ. علّم في الجامعة الأميركيّة ببيروت. عاش في عزلةٍ صوفيّة وجوديّة ومات منتحرًا. من شعره: الناي والرّيح، نهر الرّماد، بيادر الجوع. وله مقالات نقد هامّة. /مجموعة مؤلّفين، “المنجد في اللغة والأعلام”، ص 212.

[8] – خليل حاوي، “ديوان خليل حاوي”، دار العودة، بيروت، لا ط.، 2001، ص 39.

[9] – عزّ الدّين إسماعيل، “الشّعر العربيّ المعاصر، قضاياه وظواهره الفنّيّة والمعنويّة”، دار العودة، بيروت، ط1، ص 180.

[10] – من اتّصال هاتفيّ بالمؤلّف، بتاريخ 10/ 21/ 2020.

[11] – يوحنّا 1/ 1.

[12] – أديب مصلح، “يسوع في إنجيله”، ص 30.

[13] – منير معلوف، “معجم الرّموز”، المطبعة البوليسيّة، لبنان ، لا ط.، 2009، ص 326.

[14] – م. ن.، ص 326-327.

[15] – نبيل أيّوب، “النّقد النّصّيّ”، ص 293.

[16] – نزار قبّاني (1923 – 1998): شاعر سوريّ من روّاد الشّعر الحديث ومن أبرز شعراء الغزل المعاصرين. عمل في السّلك الدّبلوماسيّ. من مجموعات شعره: أحلى قصائدي، وأشعار خارجة على القانون والأعمال الشعريّة الكاملة./ مجموعة مؤلّفين، “المنجد في اللغة والأعلام”، ص 432.

[17] – نزار قبّاني، “الأعمال الشّعريّة الكاملة”، ج5، ص 255.

[18] – منير معلوف، “معجم الرّموز”، ص 226.

[19] – م. ن.، ص 226-227.

[20] – بدر شاكر السّيّاب: (1926 – 1964): شاعرٌ عراقيّ من روّاد الشّعر الحرّ. امتاز بحساسيّة عميقة ونزع إلى الشّكوى والألم. من دواوينه: أنشودة المطر وشناشيل ابنة الحلبيّ./ مجموعة مؤلّفين، “المنجد في اللغة والأعلام”، ص 318.

[21] – عيسى بُلّاطة، “بدر شاكر السّيّاب – حياته وشعره”، دار النّهار للنّشر، ط3، 1981، ص 102.

[22] – م. ن.، ص 101.

[23] – مصطفى حجازي، “التّخلّف الاجتماعيّ”، ص 196.

[24] – بروميته (بروميثيوس) Promethee: إله النّار في الميثولوجيا اليونانيّة. مؤسّس الحضارة الإنسانيّة. اختطف النّار المقدّسة من السّماء ونقلها إلى البشر فعاقبه زفس وقيّده على جبل القوقاس حيث كان ينهش كبده المتجدّدة باستمرار عقاب كاسر./ مجموعة مؤلّفين، “المنجد في اللغة والأعلام”، ص 125.

[25] – Gaston Bachelard, “La psychanalyse du feu», p. 23 – 24 – 25.

[26] – ريتّا حدّاد، “الاستشهاد في الشّعر الفلسطينيّ”، أطروحة أعدّت لنيل شهادة الدّكتوراه اللبنانيّة، إشراف ديزيره سقّال، الجامعة اللبنانيّة، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، 2008، ص 241.

[27] – عبد الوهاب البيّاتيّ: شاعر عراقيّ مجدّد من روّاد الشّعر الحديث. ولد في بغداد. تنقّل بين البلاد العربيّة وقام بنشاط ثقافيّ واسع في خدمة وطنه. من شعره: قمر شيراز وديوان عبد الوهاب البيّاتي ومجموعة أعمال عبد الوهاب البيّاتيّ./ مجموعة مؤلّفين، “المنجد في اللغة والأعلام”، ص155.

[28] – عبد الوهاب البيّاتيّ، “الدّيوان، ج2، دار العودة، بيروت، ط4، 1990، ص 16.

[29] – منير معلوف، “معجم الرّموز”، ص 322.

[30] – Gaston Bachelard, «L’air et les songes», p. 256.

[31] – ريتّا عوض، “أسطورة الموت والانبعاث في الشّعر العربيّ الحديث”، ص 41 – 42.

[32] – سميح القاسم، “شعر”، ج3، دار الجيل ودار الهدى، ط1، 1992، ص 312.

[33] – محمود درويش: شاعر فلسطينيّ. ترك الأرض المحتلّة وعاش في بيروت. له مجموعات من الشّعر الحرّ الثّائر عبّر فيها عن حنينه إلى وطنه المغتصب./ مجموعة مؤلّفينن، “المنجد في اللغة والأعلام”، صص 243.

[34] – محمود درويش، “ديوان محمود درويش”، ص 316.

[35] – يوحنّا: 12/24.

[36] – أنيس فريحة، “دراسات في التاريخ”، ص 27.

[37] – نبيل ايوب، “النّقد النّصّيّ”، ص 277.

[38] – الغصن الأخضر يحمل الثّمار ويوحي بالنّضارة والشّباب والخصوبة والرّبيع، أمّا الغصن اليابس فيشير إلى الموت والاضمحلال والعدم.

[39] – خريستو نجم، “في النّقد الأدبيّ والتّحليل النّفسيّ”، ص 8.

[40] – م. ن.، ص 139.

[41] – جيمس فريزر، “أدونيس أو تمّوز”، ص 15.

[42] – يقول “محمود درويش” إنّ “الحروب تعلّمنا أن نرى صورة الله في كلّ شيء.”/ “ديوان محمود درويش”، ص 349.

[43] – يو8: 12.

[44] – ناصيف نصّار، “في العلاقة بين سلطة الدّولة وسلطة الدّين”، مجلّة الفكر العربيّ المعاصر، العدد 24، شباط 1983، ص 36.

[45] – فيصل دراج، “سياسة الكتابة وكتابة السّياسة”، مجلّة الكرمل، ص 16.

[46] – م.ن.، ص 34.

[47] – سفر التّكوين 3/ 17 – 19.

[48] – آدم أب الإنسان وحوّاء أمّه. والاثنان يكوّنان الثّنائيّ البشريّ الأوّل. وفي قصّة الخلق أنّ الحيّة الّتي تمثّل الشّيطان أغوت حوّاء، فأكلت من الشّجرة المحرّمة وأطعمت منها آدم، وكانت الخطيئة الأصليّة، وشعر الزّوجان أنّهما عاريان.

[49] – منير معلوف، “معجم الرموز”، ص 166 – 167.

[50] – سفر التّكوين 4/ 8.

[51] – يمثّل هابيل الضّحيّة الأولى بين البشر، ويمثّل قابيل أخوه الحسدَ والغدرَ والجريمة الأولى: في التّوراة “قابيل قام على هابيل أخيه وقتله.” فقابيل رمز كلّ قاتل على مرّ العصور، وكلّ مجرم وظالم، وكلّ من انقلب على الجماعة.

[52] – فيكتور هيغوHugo  (1802 – 1885): شاعر وكاتب فرنسيّ، من أعلام الحركة الرّومنطيقيّة. امتازت مؤلّفاته بقوّة المخيّلة، وتنوّع الألفاظ، وغنى الوصف. من مؤلّفاته الشّعريّة: الشّرقيّات، أوراق الخريف، أغاني الغسق، ملحمة الأجيال، والنّثريّة: سيّدة باريس، البؤساء، هرناني./ مجموعة مؤلّفين، “المنجد في اللغة والأعلام”، ص 602.

[53] – Victor Hugo, “La légende des siècles”, Editions Garnier frères, Paris, 1964, p 26 – 27.

[54] – Ibid. p 25.

[55] – Soeren Kierkegaard, “Le concept de l’angoisse», p. 94 – 95.

«La femme est plus faible que l’homme. L’expression de leur différence, c’est que l’angoisse est plus réfléchie chez Eve que chez Adam.»

[56] – نازك الملائكة، قضايا الشّعر المعاصر”، دار العلم للملايين، بيروت ط5، 1978، ص 293.

[57] – نزار قبّاني، “الأعمال الشّعريّة الكاملة”، ج5، ص 520.

[58] – نزار قبّاني، “الأعمال السّياسيّة الكاملة”، ج3، ص 238.

[59] – منير معلوف، “معجم الرموز”، ص 145 – 146.

[60] – م. ن.، ص 145.

[61] – خليل حاوي، “ديوان خليل حاوي”، ص 39.

[62] – أديب مصلح، “يسوع في حياته”، ج2، ص 865.

[63] – محمود درويش، “الدّيوان”، ج1، دار الحرّيّة للطّباعة والنّشر، بغداد، ط2، 2000، ص 744.

[64] – محمود درويش، “الديوان”، ص 7.

[65] – صلاح خلف، “فلسطينيّ بلا هُويّة”، شركة كاظمة للتّرجمة والنّشر والتّوزيع، لا ط.، لا ت.، ص 72.

[66] – عزّ الدّين المناصرة، “الأعمال الشعريّة الكاملة”، ص 345.

[67] – منير معلوف، “معجم الرموز”، ص 228 – 229.

[68] – ألكسندر من، “يسوع معلّم النّاصرة”، ص 283 – 284.

[69] – مجموعة مؤلّفين، “معجم اللاهوت الكتابيّ”، ص 484.

[70] – عز الدّين المناصرة، “الأعمال الشّعريّة”، ص 407.

[71] – غاستون باشلار، “جماليّات المكان”، ص 213.

[72] – منير معلوف، “معجم الرموز”، ص 166 – 167.

[73] – أديب مصلح، “يسوع في إنجيله”، ص 30.

[74] – يو 12: 1.

[75] – جبران خليل جبران (1883 – 1931): أديب لبنانيّ كبير. شاعرٌ. مفكّرٌ. مجدّد. ولد في بشرّي وتوفّي في نيويورك. من أركان النّهضة الأدبيّة في المهجر. رئيس الرّابطة القلميّة في نيويورك. برع في فنّ التّصوير. له مؤلّفات في العربيّة والإنكليزيّة. من كتبه: الأرواح المتمرّدة، الأجنحة المتكسّرة، النّبيّ، يسوع ابن الإنسان، العواصف./ مجموعة مؤلّفين، “المنجد في اللغة والأعلام”، ص 197.

[76] – جبران خليل جبران، “لعازر وحبيبته”، “المؤلّفات الإنكليزيّة الكاملة معرّبة”، تعريب: نديم نعيمه، مؤسّسة نوفل، بيروت، لا ط.، 2015.

[77] – جبران خليل جبران، “لعازر وحبيبته”، من صفحات متفرّقة.

[78] – منير معلوف، “معجم الرّموز”، ص 151.

[79] – لو 17: 21

[80] – ميخائيل نعيمه، “من وحي المسيح”، ص 62.

[81] – م. ن.، ص 61.

[82] – صبيح الجابر، “ظاهرة الغربة والحنين في الشّعر العربيّ”، دار عدنان، بغداد، ط1، 2013، ص 17.

[83] – يو: 12: 36.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.