تقييم منهج مادة الاقتصاد ونظرة في معوّقات تطبيق المحتوى

0

تقييم منهج مادة الاقتصاد ونظرة في معوّقات تطبيق المحتوى

(بحث ضمن مادة مناهج التّعليم في لبنان)

فؤاد إبراهيم – عبدالله الموسوي([1])

مستخلص البحث

تستهدف هذه الدّراسة تقييم منهج مادة الاقتصاد للمرحلة الثّانويّة من التّعليم العام ما قبل الجامعيّ في لبنان، وذلك بالاعتماد على العناصر الأساسيّة المعتمدة لتقييم المناهج كالمدى، أو بتتبع المحتوى، والملائمة، والتوافق. وقد أظهرت الدّراسة أن تطبيق محتوى المادة لا يتناسب مع الوقت المخصص له، وأنّ هناك مجموعة من المفردات، والمستندات يصعب على التّلميذ فهمها واستيعابها، كما يتضمن المحتوى الكثير من الموضوعات المتنوّعة التي يقدّر عددها بحوالي 86 موضوعًا ما يشكل عائقًا أمام قدرة التّلميذ على اكتسابها خلال السنوات الثّلاثة (بمعدل 28 موضوعًا كل سنة). كما تبيّن الدّراسة أنّ الأهداف العامة للمادة تمثلت بنسبة متدنيّة في الأهداف الخاصة، إذ بلغت نسبة التوافق بينهما حوالي 20.6%. وأنّ الأهداف العامة للمرحلة الثّانويّة تمثلت بنسبة متدنية جدًا 5.4% في الأهداف الخاصة للمادة. وأظهرت الدراسة أيضًا أنّ هناك زوائد في منهج المادة، وتكرار للموضوعات كدرس البِطالة وميزان المدفوعات، في المقابل هناك نواقص عديدة كالمنفعة لدى المستهلكين، وسوق الأوراق المالية. بالإضافة إلى أنّ الدّراسة قد استعرضت مجموعة من الإيجابيات كتناسب المحتوى مع الفئات العمرية وقدرات التلاميذ.

مقدمة

انطلق العمل في المناهج الحاليّة لدى الهيئات التّعليميّة (المدارس والثانويات) العام 1998 وتضمنت تلك المناهج مواد جديدة كمادة الاقتصاد. يأتي ذلك في سياق ما تشكله موضوعات المادة من أهميّة بالغة في حياة الفرد، ومحيطه الذي يعيش فيه. فالمناهج السابقة كانت تركز على إكساب المتعلم معرفة للظواهر، والعوامل الطبيعية، والحيوية دونما الاهتمام بالحياة الاقتصاديّة، والاجتماعية على الرّغم من أهميتها. انطلاقًا من ذلك ركز منهج مادة الاقتصاد على تناول موضوعات كفيلة بتوسعة الوعيّ العلميّ لدى المتعلم تجاه القضايا الحياتيّة والمعيشيّة والمشاكل التي تواجه مجتمعه سواء على صعيد الأسرة أو الوطن، وذلك بهدف تكوين مواطن صالح قادر على المشاركة في عملية تنمية وطنية حقيقية تقود إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي. على أنّ ذلك لايعني أنّ منهج المادة من وجهة نظرنا بلغ مرتبة الكمال وأنّه خالٍ من الشّوائب، أو المغالطات، أو أنّه ألمَّ بكل ما يحتاجه المتعلم في مجتمعه الاقتصاديّ، أو تناول جميع الجوانب الاقتصاديّة، فالتّطور السّريع الذي تشهده المجتمعات في سائر الميادين خصوصًا في مجال تكنولوجيا العمل، وتقنيات وسائل الإنتاج السّلعيّ والخدماتيّ ساهم في خلق مفاهيم اقتصادية، ومفردات علميّة عصريّة يفتقر إليها الكتاب المدرسيّ نظرًا لغياب عمليّة التّطوير، والتّحسين المستمر لمنهاج مادة الاقتصاد. وهنا تجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ الموضوعات الاقتصاديّة لا تزال تَشْغَل حيّزًا ضيقًا جدًا لدى المتعلمين في المرحلة الأساسيّة فهي أدرجت بشكل عَرَضيّ في بعض المواد لا سيما مادة الجغرافيا، ولم تُعطَ العناية اللازمة، والقدر الوافي الذي يُسهم في تعزيز الحسّ الإدراكيّ تجاه النّشاطات الاقتصاديّة المتعدّدة كالإنتاج، والاستهلاك، والعمليّات المصرفيّة إلخ. والحال أنّ المتعلم يبدأ بدراسة مادة الاقتصاد في المرحلة الثّانويّة، وخلال السّنوات الثلاث من هذه المرحلة يكتسب مفاهيم وقضايا اقتصادية تتناسب ومستوى نموه الذّهنيّ بما يسهم في ترسيخ الوعيّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ لديه في هذه المرحلة العمريّة. وحرصًا منا على تقديم معلومة متماسكة من حيث هيكلية المبحث ومحتواه فقد قمنا بتجزئته إلى أربعة فصول: نعرض في الفصل الأول وبشكل موجز لمحتوى مادة الاقتصاد خلال المرحلة الثّانويّة ومعوّقات تطبيقه، ونُبيّن في الفصل الثاني خلاصة المنطلقات الفلسفيّة التي ساهمت في إدراج مادة الاقتصاد ضمن برامج التّعليم في المرحلة الثّانويّة وصولاً إلى الأهداف المرجوه. ونطرح في الفصل الثالث تقييمًا للمنهج متبعًا أصول التقييم وقواعده. أما في الفصل الرّابع فنقترح توصيات. أخيرًا نأمل أن يشكّل هذا المبحث رؤية واقعية لمنهج مادة الاقتصاد، وأن يسهم في تطويره باتجاه تخفيف الأخطاء، وتلافي التّعقيدات، وتبسيط المفردات، وتنويعها لمواكبة الحداثة، والابتعاد قدر الإمكان عن الحشو، والتّكرار مع الحفاظ على معطيات غنيّة تشكل مسارًا صحيحًا في الوصول إلى الهدف.

الفصل الأول: المحتوى ومعوّقات تطبيقه

أولاً: محتوى المادة خلال السّنوات الدّراسيّة الثلاثة

ركزت مادة الاقتصاد في كتاب السنة الأولى الثّانويّة على محاور وفصول تقود المتعلم تدريجيًّا إلى فهم علم الاقتصاد وربطه بحاجات المجتمع، والموارد، والأرزاق المتاحه له كما يطّلع على مشكلة ندرة الموارد، ويتناول العمليات الاقتصاديّة الأساسيّة ودورها في الحد من مشكلة النّدرة. ثم ينتقل إلى دراسة عناصر الإنتاج الضّروريّة لخلق الأرزاق من سلع وخدمات، فيتعرّف إلى تلك العناصر الأساسيّة ودور المنشأة الاقتصاديّة كوحدة أساسيّة في البناء الاقتصاديّ للمجتمع فيقيّم نشاطها، وأنواع إنتاجها، ووظائفها وأحجامها، وإلى جانب ذلك يتناول المتعلم دراسة الدّخل بوصفه عنصرًا أساسيًّا في علم الاقتصاد سواء من ناحية مصدره وكيفيّة توزيعه واستخدامه.

أما محتوى كتاب السّنة الثّانية فيتضمن توسعة للمفاهيم الاقتصاديّة من عملية بناء هذه المفاهيم وتشكّلها إلى استيعاب العلاقات الاقتصاديّة، وتشابكها فيدرس المتعلم الأطراف الفاعلة اقتصاديًّا، ويتناول العلميات التي تجريها هذه الأطراف، ويتعلم كيفية قياسها، ولما كانت هذه العمليات مترابطة على شكل تدفّقات سلع وخدمات يقابلها تدفّقات نقديّة، كان لا بدّ من أن يكتسب المتعلم معرفة تجاه النّقد فيتعلم ماهيته، وظائفه، أشكاله، وعملية إصداره كما يدرس دور المصارف وأنواعها ونشاطاتها. وينتقل تدريجيًّا لدراسة عوامل السّوق وشروط المنافسة الحرة والعلاقات الاقتصاديّة بين البلد، وبقيّة العالم فيتعرف إلى ميزان المدفوعات، كما يتعرف إلى موازنة الدّولة وموازنة البلديّة وميزانيّة المنشأة. بعد أن يلمَّ المتعلم بمحتوى مادة الاقتصاد في السنتين الأولى والثانية الثانويتين فيصبح قادرًا على فهم مجريات واقعه الاقتصاديّ مستوعبًا المفردات المتعلقة في هذا المجال سواء تلك التي تتناولها وسائل الإعلام، أو التي تعرضها الصحف والمجلات، أو التي تطرح خلال النقاشات أو المحاضرات وغيرها. وهذا يبرر إلزاميّة هذه المادة في السنتين الأولى والثانية من المرحلة الثّانويّة، غير أنّ دراستها تقتصر في السّنة الثالثة من هذه المرحلة على المتعلمين الذين يختارون فرع الاقتصاد والاجتماع. يشتمل محتوى كتاب الاقتصاد في السّنة الثالثة فرع الاقتصاد والاجتماع على موضوعات معمّقة، تدفع بالمتعلم من مُكتسب للمعرفة إلى مُدركها، فتنمي لديه القدرة على تحديد الظواهر الاقتصاديّة ومشاكلها، وعلى توفير السبل العلميّة لتقويمها. فيطرح الكتاب فصولاً تناقش مفهوم النّمو الاقتصاديّ والتنمية بجوانبها المتعلقة بالحياة إن على الصّعيد الاقتصاديّ، أو الاجتماعي، أو الماليّ، أو التّربويّ إلخ، فتمكن المتعلم من التعرف إلى البلدان المتطورة والنّامية والمتخلّفة. كما يحيط المتعلم بالأنظمة الاقتصاديّة المعاصرة، والدّورة الاقتصاديّة، والسياسات الاقتصاديّة لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلدان النامية والمتخلّفة، وينتقل إلى دراسة أكلاف المنشأة، والنّشاطات الاقتصاديّة كالاستهلاك، والإنتاج، والاستثمار، ويلمّ بالجدوى الاقتصاديّة للمشاريع لتحديد الأنسب منها، ويتعرف أخيرًا إلى دور الإدارة ووظائفها.

لكن قبل إجراء تقييم منهج مادة الاقتصاد لا بدّ من التوقف عند بعض المعوّقات التي لا تزال تحول دون تطبيق المحتوى بالشكل المطلوب الذي ينمّي مدارك المتعلم، وذهنه لاستيعاب مجريات الأحداث الاقتصاديّة وقضايا الوطن.

ثانيًا: معوّقات تطبيق محتوى المادة

إن محتوى المادة يوفر قاعدة من المفاهيم، والمبادئ الأساسيّة الاقتصاديّة تغني معرفة المتعلم وترشد سلوكه، وتشكل مرجعًا للمعلم تساعده على استيضاح الأبعاد والأنشطة الاقتصاديّة. غير أنّ جملة معوّقات تشكل مانعًا للسير بمحتوى المادة باتجاه الأهداف سواء في ما يتعلق بفهم المتعلم للمحتوى، أو عدم التّمكن من تنفيذ المحتوى، أو الأنشطة المتعلقة به. تتوزع المعوّقات على ثلاث مجموعات تتناول كل مجموعة إطارًا مانعًا معيّنًا كما يلي:

  • معوّقات بيئيّة
  • تفتقر المدرسة إلى الأساليب التّعليميّة التّكنولوجيّة التي تساعد على استعرض المستندات بشكل واضح وسليم، تمكّن المتعلم من الاستكشاف والتّحليل لمضمون هذه المستندات.
  • عدم توفر وسائل نقل خاصة بالمدرسة للقيام بالزّيارات الميدانيّة إلى المؤسسات الاقتصاديّة ليتلمّس المتعلم بالشّواهد الحسيّة مجريات العمليات الاقتصاديّة المتعدّدة. وتأمين وسائل نقل من خارج المدرسة مكلفة للمتعلم وللمدرسة على حدٍ سواء.
  • غياب الإنترنت عن المدرسة يعيق عمليّة جمع المعطيات الاقتصاديّة اللازمة للقيام بالأنشطة الصّفّيّة من قِبَل المتعلم، ما يحدّ من قدرته على التّعلم الذّاتيّ.
  • معوّقات في الفهم واللغة
  • صعوبة بعض المفردات والتّعريفات الاقتصاديّة في الكتاب المدرسيّ للسنتين الأولى والثانيّة من المرحلة الثّانويّة كتلك المتعلقة بالمحاسبة الوطنية، على الرّغم من سهولتها في السنة الثالثة من المرحلة نفسها.
  • الاختلاف في بعض تعاريف المفاهيم الاقتصاديّة المطروحة في محتوى المادة فعلى سبيل المثال عرفت البِطالة البنيويّة في الأول ثانوي بصورة مغايرة تمامًا عن تعريفها في الثالث ثانويّ.
  • تعقيد بعض المستندات الاقتصاديّة لا سيما الرسوم البيانيّة، والجداول الإحصائيّة في السّنة الأولى ثانويّ ما يجعلها غير قابلة للاستيعاب من قبل المتعلم.
  • غياب الأسئلة، والمستندات الناشطة في الكتاب المدرسيّ، ليتمكّن المتعلم من تطبيق فهمه المعرفيّ بعد الانتهاء من شرح الدّروس.
  • معوّقات تنظيمية
  • اكتظاظ الصفوف بالمتعلمين، إذ يتجاوز البعض منها 30 متعلّمًا ما يصعب القيام ببعض طرائق التّدريس كعمل المجموعات وغيرها التي يتطلبها منهج المادة.
  • عدم تناسب الوقت اللازم مع محتوى المادة فغالبًا ما تستدعي دروس المادة وقتًا أطول من المخصص لها.
  • تخصيص حصة واحدة أسبوعيًّا في السّنة الثانيّة ثانويّة لفرع الإنسانيّات لا تكفيّ للمتعلمين لاكتساب المعرفة التي تؤهلهم للتّرفع إلى السنة الثالثة فرع الاقتصاد والاجتماع حيث مادتي الاقتصاد والاجتماع تشكّلان العمود الفقريّ لهذا الفرع.

بعد هذا الاستعراض المقتضب في توصيف محتوى مادة الاقتصاد والحيثيات التي رافقت طرحها كمادة تعليميّة، والمعوّقات في تطبيق المحتوى أصبح بالإمكان مناقشة المنهج، وتقييمه موضوعيًّا تقييمًا أوّليًّا ونقده ضمن الإطار التّربويّ الإصلاحيّ المتضمن المقترحات، والتّوصيات لسدّ الثغرات، والرّقيّ بمنهج المادة نحو الأفضل.

الفصل الثاني: المنطلقات الفلسفيّة والأهداف

أولاً: خلاصة المنطلقات الفلسفيّة

نظرًا إلى الإنجازات العلميّة التي تحققت، وما رافقها من تراكم للمعرفة لدى المجتمعات، أخذت ميادين الحياة بالتّوسع، والتّنوع برزت خلالها علاقات اقتصاديّة متشابكة، ومعقدة كسمة لهذا التّنوع فتعمّقت علاقة الفرد بالسّوق، وعلاقة الفرد بالجماعة، وأصبحت المبادلات الاقتصاديّة بين المجتمعات ضرورة لا غنى عنها لا من أجل تلبية للحاجات، أو توفيرًا لسبل العيش، بل بدافع تنوّع الخِيارات التي تتيحها هذه المبادلات كغاية لبلوغ الرفاه الاجتماعيّ، والرّقيّ الحضاريّ الذي تصبو إليه هذه المجتمعات. ومن ناحية أخرى أدخل التّطور االتكنولوجيّ السّريع والمتواصل على بنية سوق العمل، وعلى علاقات الإنتاج تغيرات جذريّة، وألغى التّمييز التّقليدي بين العمل اليدويّ، والعمل العقلي، وبين الإنتاج والإدارة، وبين الصناعة، والتجارة، والخدمات(1). وأصبح فهم العلوم الاقتصاديّة ضرورة لترشيد تصرفات الفرد في ميادين الإنتاج والاستهلاك والتّوزيع وغيرها وشرطًا أساسيًّا لمزاولة عدد من المهن المتعدّدة. واستجابة لهذا التغير أُدخلت مواد جديدة في برامج التّعليم في المرحلة الثّانويّة تساعد على التعرف إلى المبادئ والأسس التي تركز عليها الحياة الاقتصاديّة(2)، وتنمي مدارك التّلميذ، وتوسع معارفه لتشمل الظواهر والأحداث الناشئة من مجريات العلاقات بين أفراد المجتمع. وتحقيقًا لهذه الغاية جاءت الأهداف التّعليميّة لمادة الاقتصاد لرسم معالم البنية التّربويّة المتجددة من خلال خلق رؤية واضحة لدى المتعلم، وربطها بمستقبله المهنيّ والعلميّ من جهة، وبحاجات التنمية، ومتطلبات النهوض لمجتمعه من جهة ثانية.

ثانيًا: الأهداف العامة لتدريس مادة الاقتصاد في المرحلة الثّانويّة(3)

ترمي هذه الأهداف إلى تمكين التّلميذ من:

  • الإلمام المتعمّق بالخصائص الاقتصاديّة للفئات الاجتماعيّة المتعدّدة.
  • إدراك المعارف الاقتصاديّة، وتداخلها، وأهمية امتلاكها من أجل مقاربة متعددة الأبعاد للظواهر والقضايا الحياتيّة والمهنيّة.
  • الاطلاع على مشكلات مجتمعه الاجتماعيّة والاقتصاديّة، والتعرف إلى قضايا وطنه والاعتياد على منهجيّة تشخيصها ومعالجتها بموضوعيّة.
  • التعرف إلى البعد العلميّ للمعارف الاقتصاديّة، كما إلى الأبعاد الاقتصاديّة للمعارف العلميّة الصرفة.
  • اعتماد السلوك الاقتصاديّ المعقلن في تعامله الاقتصاديّ، والتحليل الموضوعيّ لدى اطلاعه على المجريات والأحداث الاقتصاديّة.
  • تطوير معرفته وتنمية حسه بأهمية الاستثمار والإنتاج الوطنيّ عن طريق تعميق الثقافة الاجتماعيّة والاقتصاديّة.
  • التفاعل مع غيره من الأفراد والجماعات، بما يمكنه من الاندماج الاجتماعيّ، والمشاركة في النشاطات التنمويّة في محيطة، وتعويده على استعمال المنهجيّة العلميّة في التعاطي بالشأنين الاقتصاديّ والاجتماعيّ.
  • التعرف إلى الاختصاصات الإنسانيّة في بعدها الاقتصاديّ.

ثالثًا: الأهداف الخاصة لتدريس مادة الاقتصاد في المرحلة الثّانويّة(3)

يهدف تدريس مادة الاقتصاد في المرحلة الثّانويّة إلى تزويد التّلميذ بالمعارف الآتية:

  • على مستوى المعارف
    • اكتساب بعض المفاهيم الاقتصاديّة الأساسيّة، ومنها: النشاط الاقتصاديّ، الإنتاج، الدّخل، توزيع الدّخل، دور الدّولة الاقتصاديّ، النظم الاقتصاديّة، المحاسبة الوطنيّة والنقد.
    • تعرف التحولات الاقتصاديّة في لبنان، والبلدان النّامية، وفي بعض البلدان الصناعيّة.
    • تعرُّف السياسات الاقتصاديّة الظرفيّة والبنيويّة.
    • الاطّلاع على أشكال التّداخل بين المتغيرات الاقتصاديّة والاجتماعّية في التحليل الاقتصاديّ – الاجتماعيّ.
    • الاطّلاع على مبادئ التّحليل الاقتصاديّ الكمّيّ والنّوعيّ.
    • تّعرف بعض مفاهيم الإدارة ومصطلحاتها وأسسها.
    • الإلمام بمسألة إنتاج السّلع والخدمات وأنواع السّلع، وعناصر الإنتاج وإدارة عملياته.
    • تعرف الدّخل القوميّ وإعادة توزيعه.
    • الاطّلاع على مبادئ التّسويق والإدارة الماليّة.
  • على مستوى الاتّجاهات، والمواقف، والقيم التي يحقّقها تدريس مادّة الاقتصاد
    • تمكين التّلميذ من اكتساب المفاهيم الدقيقة، والعملانيّة، وامتلاكها في المجالات الاقتصاديّة سعيًا إلى فهم أوّليّ للأنشطة الاقتصاديّة.
    • تمييز تداخل المتغيرات الاقتصاديّة في تشكيل الظواهر، وتألف المقاربة المتعددة الاختصاصات، لتأكيد تكامل سائر العلوم الاجتماعيّة.
    • تحرير التّلميذ، عبر الاكتساب الذّاتيّ، من قيود البرامج المقرّرة، والتلقين الآليّ للمواد الاجتماعيّة بغية تحقيق استقلاليته في التّعلم، وتكوين أفكاره وحيازة مهارات شخصيّة في الميادين الاقتصاديّة.
    • تأمين تواصل التّعليم الثانويّ والتّعليم الجامعيّ في فروع الاختصاصات الآتية: علم الاقتصاد، علم إدارة الأعمال، الدّراسات المصرفيّة، دراسات السّوق والإحصاء التّطبيقيّ.
  • على مستوى المهارات والقدرات والتقنيات التي يؤمن اكتسابها تدريس مادة الاقتصاد
    • استعمال المفاهيم الأساسيّة المكتسبة في إطار علوم الاقتصاد لتلمّس المعطيات الاقتصاديّة المتداولة في وسائل الاتّصال المتعدّدة، ومقاربة الواقع الاقتصادي السائد.
    • توظيف هذه المعطيات، وبلورتها ذهنيًّا لإدراك آليّة الأنشطة الاقتصاديّة.
    • تدريب التّلميذ على الاكتساب الذّاتيّ من خلال القيام بأعمال تطبيقيّة، وتجميع المعطيات الحقليّة والمعطيات الببليوغرافيّة الاقتصاديّة، بهدف تعزيز قدراته ومهاراته الشّخصيّة بإمكانيّة التعلُّم.
    • تزويد الطالب بأساليب المعالجة العلميّة للمواضيع الاقتصاديّة، وإعداده لاستخدام العمليات الذّهنيّة في هذه الحقول، لينتقل من التذكر والفهم إلى التّطبيق، ومن التحليل إلى إعادة التّركيب، ووعيّ ما يتطلبه ذلك من امتلاك المهارات والتّقنيات المتنوعة.

رابعًا: الأهداف العامة للمنهج في المرحلة الثّانويّة(3)

يوثق التّعليم الثّانويّ، بالتكامل مع التّعليم التقنيّ، الروابط بين المدرسة، والحياة بحيث إنّ التّلميذ يستكمل خلاله اكتساب المعارف، والمهارات التي تؤهل المتعلم لحسن اختيار مجال تخصصه العالي، أو لدخول سوق العمل مزوّدًا بالمفاهيــــم المناسبة، وبالمعلومات النّظريـّــــة والتّطبيقيـــــّة في مجـالات الثّقافة والعلوم والتكنولوجيا، كما يهدف هذا التّعليم أيضًا إلى جعل المتعلم قادرًا على:

  • فهم جوهر الأديان ودورها في تكامل شخصية الفرد روحيًّا وأخلاقيًّا وإنسانيًّا.
  • إدراك أهمّيّة القيم والمبادىء الأخلاقيّة والإنسانيّة، وممارستها واحترام الغير، وترسيخ أسس العيش المشترك.
  • إدراك معنى الحقوق والواجبات والأنظمة وممارستها بمسؤولية، والتّعبير عن الرّأي ضمن حدود القانون.
  • الالتزام بلبنان وطنًا للحريّة والدّيمقراطيّة والعدالة وترسيخ الولاء له والاعتزاز به.
  • تفهم موقع لبنان الحضاريّ، وإدراك أهمّيّة التّزوّد بالثقافة الوطنيّة المنطلقة من التّراث اللبنانيّ العربيّ والإنسانيّ.
  • إدراك دور لبنان في المنظمات العربيّة والدّوليّة، ومساهمته في صياغة مواثيقها والالتزام بها لا سيما تلك التي ترعى حقوق الإنسان.
  • اكتساب المفاهيم الأساسيّة المتعلقة بنظام لبنان الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، وممارسة دوره كمواطن مسؤول.
  • استيعاب المفاهيم والنّظريات في مجالات الثّقافة والعلوم والتكنولوجيا، وحسن توظيفها.
  • تحديد الصعوبات والمشكلات وتحليلها بمنهجيّة علميّة عن طريق التفكير المنهجيّ والبحث العلميّ.
  • ‌القيام بنشاطات رياضيّة وثقافيّة وفنيّة تحقيقًا لنمو متوازن بين الجوانب الجسديّة والخلقيّة والعقليّة والعاطفيّة.
  • استيعاب قواعد الصحة العامة، وممارستها والمحافظة على البيئة.
  • الابتكار والإبداع وتذوق المظاهر الجماليّة، والتفاعل مع الإنجازات الفنيّة والعلميّة والتكنولوجيّة في هذا المجال.
  • احترام العمل المنتج وعدّه قيمة كبرى في حياته وحياة المجتمع.
  • إدراك أهمية الإنتاج وتنظيم الخدمات وترشيد الاستهلاك في المجتمع.
  • إدراك أهميّة الأسرة في تنمية المجتمع وضرورة تنظيمها.
  • تعميق معرفته باللغة العربية وتعزيز مهارة الاتّصال اللغوي، والارتقاء بها نحو التذوق الأدبيّ والتّعبير الإبداعيّ.
  • إتقان مهارة الاتصال في اللغات بوصفها أداة تواصل وتفاعل ثقافيّ وحضاريّ.

الفصل الثالث: تقييم المنهج

أوّلاً: تقييم عام للمنهج

  • الإيجابيات: إن الإيجابيات التي يقدمها هذا المنهج عديدة وأساسيّة:
  • الوعيّ الاقتصاديّ: يرتكز على فهم الفرد للنشاطات الاقتصاديّة فيتمكن من مقاربة واقعه على ضوء المفاهيم والمعارف الاقتصاديّة التي امتلكها. كما ينتقل الفرد إلى استيعاب أوّليّ للمشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تواجه وطنه بما يعزز حسّه الوطنيّ.
  • تنمية السّلوك الاقتصاديّ المعقلن: بفضل التقنيات الاقتصاديّة التي اكتسبها المتعلم يصبح قادرًا على توجيه سلوكه لغاية تحقيق أعلى منفعة بأقل كلفة.
  • الفرد ككائن اجتماعيّ: يسلط الضوء على أهميّة العلاقات الاجتماعيّة في تلبية الحاجات لدى الأفراد، فالفرد لا يمكنه إشباع كل حاجاته بمعزل عن الآخرين، فهو ملزم في الانخراط في علاقات مع الآخرين لجهة إقامة عمليات تبادل فيشتري منهم ما ينتجونه ويبيعهم بالمقابل ما ينتجه.
  • تحقيق الذّات: يعزّز روح المسؤوليّة لدى الفرد في أنّ كلّ ما يحقّقه هو بفضل جهده وأدائه في العمل. وتصبح الفعاليّة في الأداء مطلبًا لتكوين شخصيته وتكاملها.
  • الإدارة: من خلال عناية المنهج بالعلاقة بين الفرد، والمؤسسة فهو المسؤول عن تنظيمها، والتخطيط لتحقيق أهدافها وقيادتها واتّخاذ القرارات السليمة وفق الظروف القائمة.
  • منهجيّة التّدرج: وهذا ما يتيح للمتعلم اكتساب المعارف، والمهارات بحسب نضوجه وإمكانيّة استيعابه ومستوى وعيه وإدراكه، فيتناول المفاهيم الاقتصاديّة الأساسية من عناصر إنتاج وتوزيع الدّخل، وإشباع الحاجات لتلمّس الظواهر الاقتصاديّة وتشابك العلاقات بين الأطراف الفاعلة اقتصاديًّا، ثم ينتقل لفهم المشكلات الاقتصاديّة وقضايا وطنية تنموية.
  • في الأهداف: صيغت الأهداف بشكل تدريجيّ ينتقل من العام إلى الخاص وفق خمس مستويات هي الأهداف العامة للمنهج، الأهداف العامة للمادة، الأهداف العامة للمرحلة الثّانويّة، الأهداف الخاصة للمادة الأهداف التّعليمية للمادة. على أنّ الأهداف التّعليميّة تغطي كامل المحتوى، وتتوزّع على المحاور والمضامين كافّة.
  • نقاط الضعف: غير أن في هذا المنهج بعض النقاط والمواطن التي ينبغي التوقف عندها والتساؤل النقديّ حولها:
  • في النّصوص المتعلقة بالأهداف
  • على الرّغم من أن المنهج استند في الأهداف العامة إلى مادة الاقتصاد على البعد الوطنيّ للقضايا الاقتصاديّة، ومن أن منهجية التدريس في المادة يجب أن تتوخى إكساب المتعلم عددًا من المهارات التي يستخدمها في حياته اليوميّة. إلا أنّ الواقع الفعليّ الذي يعيش فيه الفرد يتناقض مع ما يتعلمه في المدرسة، وبالتالي هناك هُوّة سحيقة بين الواقع المعيش والنّظريات المكتسبة بالتّعلم. فالمشاكل الاقتصاديّة التي يعاني منها لبنان لا يمكن معالجتها بالسياسات المطروحة حيث الطابع النّظريّ المحض يغلب على العديد منها وبالتالي لا تلامس الواقع الفعلي للاقتصاد اللبنانيّ.
  • تنتطلق المقدمة العامة من أهميّة تعرف المبادئ والأسس التي ترتكز عليها الحياة الاقتصاديّة، وبالتالي اكتساب المتعلم للمفاهيم الاقتصاديّة بكلّيّتها من دون التّحيز إلى أحدها، ما يخلق لدى المتعلمين سلوكًا متوازيًا بالنسبة إلى النشاطات الاقتصاديّة، غير أنّ الأهداف العامة لمادة الاقتصاد تطرح وعلى وجه الخصوص تطوير وتنمية حسّه بأهميّة الاستثمار والإنتاج الوطنيّ، وهذا ما يعطي انطباعًا مسبقًا عن أهميّة تلك المفاهيم على سواها، وهذه رؤية نسبية لا تزال موضع نقاش بين علماء الاقتصاد.
  • ضَعف التّوافق بين الأهداف العامة للمادة والأهداف الخاصة للمادة، كما أنّ الأهداف العامة للمرحلة الثّانويّة لا تتمثل إلا بنسبة ضئيلة جدًّا في الأهداف الخاصة للمادة كما سيتبين لاحقًا.
  • في المحتوى
  • يغلب الطابع الكمّيّ على التّطبيقيّ، ويتضح ذلك من خلال عدد الموضوعات البالغة 82 موضوعًا في السنوات الثلاثة من المرحلة الثّانويّة. والكمّ الهائل من الموضوعات لا يتوافق مع وضعيّة التّلميذ ودرجة وعيه، وإدراكه المرتبط بعمره ونموه العقليّ ولا سيما أنّها موضوعات جديدة بالنسبة إليه، ويتناولها في فترة قصيرة جدًّا بشكل لا تثير لديه سلوكًا اقتصاديًّا سليمًا في حياته. كما أنّ الاسترسال في شروح تفاصيل الموضوعات تتعدى الوقت المخصص لها، وبالتالي يحتاج المعلم إلى أوقات إضافيّة لطرح الأسئلة، والتّمارين حول تلك الموضوعات.
  • محاور الحسابات الاقتصاديّة في السنوات الثلاثة، لم تُعطَ العناية اللازمة لجهة تمكين المتعلم من قراءة المعطيات الاقتصاديّة الرّقمية من جداول إحصائيّة، ورسوم بيانيّة وتحليلها واحتساب النواتج كما أنّها لم تيسر للمتعلم المهارات، والقدرات اللازمة لبناء تلك المعطيات من خلال الشّروحات المطلوبة لذلك.
  • في السنة الثانية الثّانويّة في محور المحاسبة الوطنية يتضمن المحتوى مفردات صعبة للغاية ضمن إطار تحليل تشابكات الظواهر الاقتصاديّة والمحاسبة الوطنية تأطير ودليل للسياسات الاقتصاديّة والاسترسال في إدراج المفاهيم الاقتصاديّة من دون تعريفها وتوضيحها للمتعلمين فعلى سبيل المثال عرضه للذمة الماليّة، والقيد المزدوج فقد كان الأجدى التعريف بتلك المفاهيم ليسهل على المتعلم فهمها واستيعابها.
  • يدرج المحتوى مستندات في مقدمة الدّروس تعطي انطباعًا أنّ قراءتها، وتحليلها من قبل المتعلم كافية لفهم تفاصيل موضوعات الدّروس، بما يسنجم مع الأهداف الخاصة للمادة نحو تعزيز الميل إلى الاكتساب الذّاتيّ للمعارف غير أنّ تلك المستندات لا تتضمن الإحاطة بتفاصيل المحتوى، فيضطر المعلم في كثير من الأحيان اعتماد أسلوب التلقين لسدّ الثّغرات التي تشوب محتوى المادة.
  • في السّنة الأولى الثّانويّة موضوع السكان، والقوى العاملة في لبنان ومن خلال استعراض المستندات وهرم الأعمار يتبين مدى اقترابه من مادة الجغرافيا أكثر من كونه موضوعًا اقتصاديًّا.

ويأتي موضوع علاقات العمل مستعرضًا المسار التّاريخيّ للتشريعات الاجتماعيّة، وتنظيم علاقات العمل، والهيكليّة النّقابيّة بشكل يظهر انغماسًا أكثر في مضمون منهج مادة التّربية الوطنيّة، وكان الأجدى أن تطرح مفاهيم محددة حول النّقابة والاتحادات النقابيّة ليتبين الدّور الاقتصاديّ منها. كما أنّ موضوع أسباب التفاوت بين المداخيل، وتوزيع تفاصيل المحتوى بين أسباب شخصية، وغير شخصية تؤدّي إلى تراكمها في ذهن المتعلم فتشتت عمليّة توجيهه للغاية منها، وهذا ما يتطلّب إيجاز تلك الأسباب بما يعزّز فهمها من قِبَل المتعلّم، وإدراكه لمخاطر الفروقات بين مداخيل الفئات الاجتماعيّة على الصعيدين الاقتصاديّ والاجتماعيّ.

  • في السّنة الثالثة الثّانويّة يندرج محور الحسابات الاقتصاديّة في آخر الكتاب تقريبًا، فبعد أن يتناول المتعلم المفاهيم والقضايا الاقتصاديّة خلال فترة تتجاوز ثلثيْ العام الدّراسيّ تقريبًا يصل إلى محور الحسابات الاقتصاديّة، وهذا السّياق للمحاور وفق محتوى الكتاب لا ينسجم مع عملية التقييم المستمرة، والاختبارات المتتابعة التي تتطلب من المتعلم امتلاكه لمهارات التقنيات الحسابيّة. كما أنّ محور الإدارة يشتمل على الكثير من النقاط المتعلقة بأهداف الوظائف الإداريّة، وإيجابياتها ومراحل تطبيقها وفق سياق يعزّز ميل المتعلم للحفظ أكثر من التّحليل والتّطبيق.
  • في التّقييم والاختبارات
  • تتوزّع الأسئلة واختبار المعلومات المدرجة في المنهج على مسائل بسيطة جدًّا لا تتناسب والمرحلة العمرية للمتعلم، إذ تقتصر أغلبها على وضع إشارة صح أو خطأ أمام العبارات كما أن نماذج الأسئلة المعروضة في كتاب المادة لا تتناسب مع ما هو معمول به في الامتحانات الرسمية التي تتطلب امتلاك المعارف والتقنيات الحسابية ومهارة التّحليل.
  • تستعرض مسابقة الامتحانات الرسميّة ثلاثة مجالات يلزم التّلميذ باختيار المجال الأول حيث تتوزّع أسئلته بين المفاهيم الاقتصاديّة، والتقنيات الحسابيّة، ويختار بين المجالين الثاني الذي يدور حول تحليل المستندات الاقتصاديّة، والمجال الثالث حول كتابة موضوع اقتصاديّ. إنّ هذا التّوصيف لمسابقة الامتحانات الرّسميّة يهمل جانبًا أساسيًّا من عمليّة التقييم المتعلقة بالاكتساب الذّاتيّ للمعارف، ومدى قدرتهم على الفهم الذّاتيّ للظواهر والنّشاطات الاقتصاديّة وتوصيفها وإبداء الرّأيّ حيالها.
  • بعض المفاهيم الغائبة
  • مفهوم المنفعة: فهو المحدد لسلوك المستهلك في إشباع حاجاته ولا سيما أنّ المنهج يتناول الاستهلاك، والعوامل المؤثرة فيه والمنفعة لدى المستهلك تقابل الربح لدى المنتج، فمن دونها لا يمكن فهم العوامل، والأسباب المحركة للنشاط الاقتصاديّ.
  • مفهومي الإيراد الوسطيّ والحدّيّ: على أهمّيّتهما لا سيما عند تناول السعر والكلفة الحدّيّة والإيراد الكليّ فهذين المفهومين يقدمان تصوّرًا دقيقًا عن تحليل وضع المنشأة الاقتصاديّة، واتجاهها في تعظيم الربح. علمًا أن الإيراد الحدّي وليس السّعر أشد التصاقًا بالكلفة الحدّيّة لتحقيق الرّبح الأقصى.
  • مفهوم الصّراف الآليّ والبطاقات الإلكترونيّة: وهي من الوسائل الأكثر التصاقًا بالواقع الاقتصاديّ فمعاملاتنا اليوميّة في القضايا المعيشيّة، وعمليات البيع والشّراء وصرف الرواتب أصبحت في قسم كبير منها تحصل بواسطة هذه الوسائل.
  • مفهوم تحسين نوعيّة السّلع والخدمات المنتجة: على الرّغم من أهميّة المفهوم لناحية العناصر المكونة له والنتائج الاقتصاديّة التي تبنى عليه التي أُدرجت في سياق المحتوى، وهذا ما خلق نوعًا من الالتباس بينه وبين بعض المفاهيم الاقتصاديّة الأخرى، ودورها في تعزيز قدرة المنشآت الاقتصاديّة على المنافسة.
  • مفهوم القيمة المضافة: لا شكّ في أنّ هناك تمايزًا بين ما هو واقع فعلي حيث الضريبة على القيمة المضافة، وبين مصطلح القيمة المضافة التي أدرجت في المنهج. فالأولى هي ضريبة على الفائض النّقدي الناتج عن تداول السلع والخدمات، أمّا الثانيّة التي اعتنى المنهج بكيفية احتسابها، وتحديد عناصرها من دون طرح تعريف دقيق لمضمونها فما ذكر عن القيمة المضافة، جاء على أنّها “القيمة التي تضيفها المنشأة على كلفة المواد التي تشتريها وتستهلكها في إنتاجها” فلم يوضح التّعريف ما هي هذه القيمة التي تضيفها المنشأة طبيعتها ونوعها. علمًا أنّ القيمة المضافة هي الوحدة الأساسيّة لاحتساب المجمعات الاقتصاديّة على المستوى الوطنيّ.
  • مفهوم العمل الفرديّ: ورد في محتوى المادة العمل الجماعيّ فعلى الرّغم من أهميّة هذا النّوع من العمل المتمثل في الجهود المشتركة، لتحقيق الأهداف المنشودة في الوقت المحدد، ومن ركائزه التّعاون بين العاملين ما يعزز الوثاقة في العمل والرّضا الوظيفيّ فتتحقق الفعالية في الأداء. غير أنّ للعمل الفرديّ ما يبرر الحاجة إليه فهو ينمّي لدى المتعلم النّزعة الفرديّة، والاعتماد على الذّات في الإنجاز ويعزز الاستقلاليّة في ملامسة العلاقات الاجتماعيّة كمواطن قادر على اتّخاذ القرارات وتصويب الاتجاهات.

ثانيًا: التّوافق

يهدف هذا القسم على وجه الخصوص إجراء مقارنات بين الأهداف العامة للمادة، والأهداف العامة للمرحلة والأهداف الخاصة للمادة، وبالتّالي فهي محاولة جزئية وليست شاملة لاستعراض احتمالات التوافق بين تلك الأهداف على أنّ البحث لم يدرج الأهداف العامة للمنهج، والأهداف التّعليميّة ضمن علميّة المقارنة المطروحة.

إلا أنّ الغاية من هذا القسم تبقى في قراءة خارطة التّوافق بين الأهداف المحدده أعلاه بصورة عينيّة واضحة، وبالتّالي استخلاص النتائج التي تتيحها هذه المعطيات الحاصلة.

  • التوافق بين الأهداف العامة للمادة والأهداف الخاصة للمادة في المرحلة الثّانويّة

جدول رقم 1: التوافق بين الأهداف العامة والأهداف الخاصة للمادة

الأهداف العامة للمادة الأهداف الخاصة للمادة
تعدادها عددها
1 1 1
2 1-4-6-7-8-9-10-11-15 9
3 2-3-14-4 4
4 10-14-15 3
5 5-12-16-17 4
6 1-7-10-15 4
7 12-17 2
8 13 1
المجموع 28

يقارن الجدول رقم (1) بين الأهداف العامة للمادة وعددها 8، والأهداف الخاصة للمادة في المرحلة الثّانويّة وعددها 17 هدفًا. فمن بين الإمكانيات التّوافقيّة عددها 136، هناك 28 توافقًا فعليًّا متحققًا (حسب الجدول رقم 1) أي بمعدل 20.6% غير أنّ حجم التّوافق يختلف بين هدف وآخر، بحيث يتبين حجم التّوافق الدّقيق بموجب العمليّة الإحصائية الآتية:

الهدف العام الأول: “الإلمام المتعمق بالخصائص الاقتصاديّة لمختلف الفئات الاجتماعيّة” يحقق توافقًا واحدًا ما نسبته 5.3%.

الهدف الثانيّ: “إدراك المعارف الاقتصاديّة وتداخلها، وأهميّة امتلاكها من أجل مقاربة متعددة الأبعاد
الظواهر والقضايا الحياتيّة والمهنيّة يحقق 9 توافقات أيّ بمعدل 52.9%.

   الهدف الثالث: “الإطلاع على مشكلات مجتمعه الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتعرف قضايا وطنه
والاعتياد على منهجيّة تشخيصها، ومعالجتها بموضوعيّة”. يحقق 4 توافقات بمعدل 23.5%.

الهدف الرّابع: “التعرف إلى البعد العلميّ للمعارف الاقتصاديّة، كما إلى الأبعاد الاقتصاديّة للمعارف
العلميّة الصّرفة”. يحقق 3 توافقات أي بمعدل 17.6%.

الهدف الخامس: “اعتماد السّلوك الاقتصاديّ المعقلن في تعامله الاقتصاديّ، والتحليل الموضوعيّ لدى اطلاعه على المجريات والأحداث الاقتصاديّة”. يحقق أيضًا 4 توافقات بمعدل 23.5%.

الهدف السّادس: “تطوير معرفته وتنمية حسّه بأهميّة الاستثمار والإنتاج الوطنيّ عن طريق تعميق
الثقافة الاجتماعيّة والاقتصاديّة”. يحقق 4 توافقات بمعدل 23.5%.

الهدف السّابع: “التفاعل مع غيره من الأفراد والجماعات، بما يمكنه من الاندماج الاجتماعيّ،
والمشاركة في النّشاطات التّنمويّة في محيطة، وتعويده على استعمال المنهجيّة العلميّة في التعاطي
بالشأنين الاقتصاديّ والاجتماعيّ”. يحقق توافقين بمعدل 11.7%.

الهدف الثّامن: “تعرف الاختصاصات الإنسانيّة في بعدها الاقتصاديّ”. يحقق توافقًا واحدًا بمعدل 5.3%.

ما يلاحظ أنّ جميع الأهداف العامة للمادة لها صدى في كل الأهداف الخاصة للمادة، ويبلغ هذا التوافق أقصاه مع الهدف العام الثاني، ويبلغ أدناه مع الهدفين الأول والثّامن (الجدول رقم 1). بخلاف الهدف الثّاني تظهر الأهداف العامة الأخرى انخفاض نسبة التّوافق مع الأهداف الخاصة للمادة، وهذا ما أدى إلى تدنّي نسبة التّوافق بينهما إلى 20.6%. ما يدل على أنّ الأهداف العامة للمادة تمثلت بنسب متدنية في الأهداف الخاصة للمادة.

  • التّوافق بين الأهداف العامة للمرحلة الثّانويّة والأهداف الخاصة للمادة.

جدول رقم 2: التوافق بين الأهداف العامة والأهداف الخاصة للمادة

الأهداف العامة للمرحلة الأهداف الخاصة للمادة
تعدادها عددها
1 0
2 0
3 0
4 0
5 0
6 0
7 1-2-14 3
8 10-15 2
9 17 1
10 0
11 0
12 0
13 1-10-14 3
14 1-7-10-15 4
15 0
16 0
17 0
المجموع 13

يستعرض الجدول رقم (2) مقارنة بين الأهداف العامة للمرحلة البالغ عددها 17 هدفًا والأهداف الخاصة للمادة وعددها 17 هدفًا، فتظهر الإمكانات التّوافقيّة وعددها 289، هناك فقط 13 توافقًا فعليًّا محققًا بمعدل 4.5%. فمن بين الأهداف العامة السّبعة عشر للمرحلة الثّانويّة هناك فقط 5 أهداف تتوافق مع الأهداف الخاصة للمادة كما يبين الجدول رقم (2). يلاحظ أنّ الأهداف الخاصة للمادة لا تحظى إلا بنسبة متدنية جدًا من التوافق، والانسجام مع الأهداف العامة للمرحلة، وهذا يشير إلى قلة اهتمام المنهج بالمفاهيم الاقتصاديّة والقضايا المعيشيّة والمشكلات الاقتصاديّة الاجتماعية التي يعاني منها الوطن، وهو بخلاف ما توجهت إليه الفلسفة التّربويّة من التركيز على منهاج الاقتصاد لغاية تنمية مدارك المتعلم، وقدراته وتوسع آفاقه لينظر إلى الوقائع والأحداث والظواهر نظرة شموليّة ويربط البعد المحليّ للحياة الاقتصاديّة بالبعد العالمي.

ثالثًا: المدى والتتابع

سوف نتناول في هذا القسم قاعدتي المدى والتتابع. يقصد بالمدى ما إذا كان المنهج يغطي ما يجب أن يغطيه (المفاهيم والمبادئ التي يغطيها المنهج كافية لتلبية ما تقتضيه المحاور الكبرى للمادة) أو أنّ هناك زوائد أو نواقص. أمّا التتابع، أو التدرج فيقصد منه تقديم المادة بصورة متدرجة من صف إلى صف أو من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ويتدرج بالمفاهيم والموضوعات من الأسهل إلى الأصعب والمعقد ومن ضرورة وجود معرفة سابقة بالنسبة إلى كل معرفة جديدة.

والطريقة التي اعتمدناها لفحص المدى هي الطريقة الإجماليّة، أما التتابع فقد اعتمدنا طريقة اختيار موضوعين وملاحقتهما تدريجيًّا خلال سنوات المرحلة الثّانويّة.

  • المدى
  • يتضمن المنهج عناوين كثيرة تثقله، ويمكن الاستغناء عنها، وتأتي في شكلين هما:
  • الزوائد التي تشكل موضوعًا مستقلاً أو معرفة سابقة تمهد لمعرفة لاحقة، أو التي يصعب على التّلميذ استيعابها: أنواع الأرزاق وفق ديمومتها – المفاوضة بين النقابات – التفاصيل المتعلقة بشروط العمل – السّكان والقوى العاملة- التفاصيل المتعلقة بوظائف المنشآت الاقتصاديّة وأشكالها من النّاحية القانونيّة – التّفاصيل المتعلقة بأسباب التّفاوت بين المداخيل – التفاصيل المتعلقة باستهلاك السّلع والخدمات – تحليل تشابكات الظواهر الاقتصاديّة – المحاسبة الوطنية تأطير ودليل للسياسات الاقتصاديّة – التّطور التّاريخيّ للنقد – نشوء المصارف في لبنان – أنواع المصارف لا سيما المصارف المتخصصة (عدم وجودها).
  • تكرار تدريس الموضوعات تحت مسميات متعدّدة لا سيما المتعلقة بالأطراف الفاعلة اقتصاديًّا إذ يعاد إدراج تفاصيل محتواها في هيكليّة المحاسبة الوطنية، كذلك أنواع البِطالة في السنتين الأولى والثالثة، وميزان المدفوعات في السنتين الثّانية والثالثة.
  • النواقص كان يجدر بالمنهج أن يركز على موضوع التّحويلات الماليّة، لا سيما مع انتشار اللبنانيين في بلاد الاغتراب وما ينتج عنه من إرسال أموالهم إلى الوطن إذ تعد التحويلات المالية المرسلة إلى لبنان من دعائم الاقتصاد اللبناني المهمة، هذا بالإضافة إلى المفاهيم الغائبة التي تناولناها سابقًا.

خلاصة

  • في الصف الأول ثانوي تغطي المحاور، والمضامين ما يجب أن يطلع عليه المتعلم في هذه المرحلة.
  • في الصف الثاني ثانوي تغطي المحاور والمضامين إجمالاً المفاهيم، والمعارف المطلوبة مع الإشارة إلى إدراج مواضيع تتعلق بالمفاهيم الاقتصاديّة الغائبة، وموضوع التّحويلات الماليّة في محور المبادلات الاقتصاديّة الخارجية.
  • في الصف الثالث ثانوي تغطي أيضًا المحاور والمضامين المفاهيم، والمعارف المطلوبة غير أنّه يجب اتباع الدّقة في تحديد المشكلات لجهة نوعها، وإثارة موضوع هجرة رأسمال البشريّ لجهة أثره السلبيّ على الاقتصاد الوطني بشكل واضح.
  • المشكلة الأساسيّة في مادة الاقتصاد ليست في نواقصها، بل في زوائدها فهي تغطي أكثر مما هو مطلوب وتثقل كاهل المتعلم والمعلم.
  • التتابع

للتحقق من التّتابع فقد اخترنا موضوعي الاستهلاك والاحتكار. ويرجع سبب اختيارنا لهذين الموضوعين كونهما يدرّسان في السنوات الثّلاث من المرحلة الثّانويّة. وسوف يتناول هذان الموضوعان بتتبع المفاهيم الأساسيّة والمهارات/ القدرات والمواقف. ثم نقيّمها وفق منظوريّ المعرفة المسبقة، ومن الأسهل إلى الأصعب.

  • في موضوع الاستهلاك:
  • تتابع المفاهيم الأساسيّة من السنة الأولى إلى السنة الثالثة:

يتناول المتعلم المفاهيم الأساسية حول الاستهلاك في السنة الأولى: تعريف الاستهلاك – استهلاك السلع الضرورية والكماليّة واستهلاك الخدمات – استهلاك الأسر واستهلاك المنشأة – الاستهلاك الذّاتيّ ثم يتوسع مضمون الاستهلاك المرتكزه على مفهومه إلى دراسة العوامل الموثرة فيه تدريجيًّا، فيتناول المتعلم العوامل الموضوعيّة، والذّاتيّة في السنة الثانية والعوامل النّفسيّة والاجتماعيّة والسّعر والدّخل المؤثرة على الاستهلاك في السنة الثالثة.

  • يكتسب المتعلم في السنة الأولى مهارة في تحليل أوجه الإنفاق الاستهلاكي لدى الأسرة، ومهارات قياس نسب هذا الإنفاق حسب أبواب المصروف، ثم تزداد هذه المهارات في فهم أواليات السّوق في السنة الثانية وتتعمق تلك المهارات أكثر في السّنة الثالثة من خلال استعماله للأساليب العلمية المناسبة لتحفيز الاستهلاك، وزيادته فضلًا إلى التعرف على الواقع الاقتصاديّ المعيشيّ في بيئته.
  • بالنسبة إلى تتابع المواقف وتوسعها فهي تنطلق من إلمام المتعلم بمخاطر نموّ الاقتراض الناتج عن هوس الاستهلاك للسلع الكماليّة، التي تكون غالبًا على حساب الحاجيات الفعليّة وقدرته الشّرائيّة وصولًا إلى اتخاذ القرارات المناسبة في تحديد الأولويات، وإخضاع سلوكه الاستهلاكيّ لإمكانياته الشّرائيّة وحاجاته الفعليّة.
  • في موضوع الاحتكار:

يتعرف المتعلم الاحتكار في السّنة الأولى، ويكتسب موقفًا اتجاهه ثم يتوسع تعريفه في السّنة الثانية، فيغطي أنواعه وشروطه ويمتلك مهارات في قراءة الرسوم البيانية وتحليلها، وتحديد الاتجاهات للتطور الأسعار خلال السنوات، وتتعمق مهاراته في السنة الثالثة من خلال استعمال الوسائل العملية لمعالجة الاحتكار بعد أن يكون موقفًا عميقًا من ضرورة التخلص من الاحتكار، وتجنب أثاره السّلبيّة على الصعيدين الاقتصاديّ والاجتماعيّ.

الخاتمة

يظهر التّتابع جليًّا في موضوعيْ الاستهلاك والاحتكار. غير أنّه في موضوع الاستهلاك لم يلحظ التتابع المعرفة المسبقة بالحسبان، ففي كل سنة كان يتناول الاستهلاك كمعرفة جديدة، لكنه راعى مبدأ التّدرج من الأسهل إلى الأصعب.

بالنسبة إلى موضوع الاحتكار لم يراعِ مبدأ من الأسهل إلى الأصعب صعودًا بين السنتين الثانية والثالثة، لكنه اعتمد مبدأ المعرفة المسبقة التي تمهّد لمعرفة لاحقة لا سيما خلال السنتين المذكورتين، فقد تناول المنهج تعريف الاحتكار أنواعه وشروطه، واتجاهات الأسعار الناتجه عنه لينتقل في السنة الثالثة لمواجهة الاحتكار كمشكلة اقتصاديّة.

رابعًا: نوعيّة المحتوى

يتعلق فحص نوعيّة المحتوى لمنهج المادة، بالنّظر إلى صلاحيته من جهة ومدى ملائمته من جهة ثانية. الصلاحيّة وهي صيغة أكاديمية – تربويّة تشمل صحة المحتوى، وحداثته في معالجة الأحداث من الواقع، أم الملاءمة في اجتماعيّة – تربويّة تنظر إلى مدى ملاءمة المحتوى للفئة العمريّة للمتعلم، وحياتهم اليوميّة.

  • الصّلاحيّة
  • لا يمكن النّظر إلى صحة المحتوى بكلّيّته ذلك أن محتوى المادة ليس صحيحًا تمامًا، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال تناول الأنظمة الاقتصاديّة، فالنّظام النيوليبرالي ليس هو النّظام الكينزي، كما يحاول المنهج تقديمه للمتعلم وهو لا يختلف عن النظام الكلاسيكي كونه إعادة لإنتاج هذا النّظام في الوقت الراّهن كما هي الصورة في الواقع الفعليّ.
  • أمّا بالنسبة إلى الحداثة فهي نسبيّة نظرًا للهُوَّة التي تزداد اتّساعًا بين إطلاق المنهج العام 1998 والوقت الراهن ما يجعل المنهج أمرًا غير واقعي. ولا سيما أنّ مادة الاقتصاد شديدة الالتصاق بالواقع الفعليّ المعيش.
  • الملاءمة

إنّ المحتوى كثيف للغاية وتبدو مادة الاقتصاد صعبة على المتعلم، لا سيما في فرع الآداب والإنسانيات وفرع الاقتصاد والاجتماع كونها تتطلب مهارات التّقنيات الحسابيّة (الرّياضيّة) التي غالبًا لا يملكها المتعلم لا سيما في هذين الفرعين. غير أن متابعة ملاءمة المحتوى بشكل دقيق يجب النظر إليه من خلال محدّدين أساسيّين، هما مدى ملاءمة المحتوى مع الفئة العمريّة، فهل يتناسب المحتوى مع قدرات المتعلمين الذّهنيّة، ويعرض المحدد الآخر مدى تناسب المحتوى مع حياة المتعلمين. إنّ الموضوعات المطروحة في السّنوات الثّلاث تتناسب طرديًا مع المستويات العمرية للمتعلمين، وقدراتهم الذّهنيّة فهي تبدأ بعرض المفاهيم الأساسيّة في السّنة الأولى كتعريف علم الاقتصاد، والتّعرف على عناصر الإنتاج والمنشأة، وتوزيع الدّخل والمصروف وتنحصر تلك الموضوعات في تكوين تصور أوليّ عن الواقع الاقتصاديّ لكل من الأفراد/ الأسر، والمنشآت الاقتصاديّة وهي تتناسب مع النّمو الذّهنيّ للمتعلم في هذا الصّف. وفي السّنة الثانيّة يطلع المتعلم على مجريات النشاطات الاقتصاديّة ويلاحظ تشابك العلاقات بين القطاعات الاقتصاديّة، فيتناول الدّائرة الاقتصاديّة وعلاقات السوق والتجارة الخارجية، ودور النّقود والمصارف والدولة وهذه المرحلة تتناسب مع متعلم يمتلك مفاهيم أساسية عن الاقتصاد، فينتقل من دراسة حالة/ علاقة إلى دراسات تشابك العلاقات/ حالات متعددة، وبالتالي تتلاءم مع مدارك المتعلم ونموه الذّهنيّ مع الأخذ في الحسبان، ما أسلفناه سابقًا حول بعض المضامين الصّعبة التي تتجاوز قدرات المتعلمين في هذه المرحلة العمريّة. وفي السّنة الثالثة يمتلك المتعلم نموًّا ذهنيًّا قادرًا على استيعاب المشاكل الاقتصاديّة والتنمويّة، وكيفيّة معالجتها فيدرس البِطالة والتّضخم الماليّ والأزمات الاقتصاديّة، والمشاكل الزّراعيّة والصناعيّة والتنمويّة للبلدان النّامية. يبدو أن ملاءمة المحتوى للمرحلة العمريّة أفضل حالاً من ملاءمته لحياة المتعلمين، فعناوين الموضوعات تظهر شيئًا من الواقعيّة لكن الانغماس في التفاصيل يغلب عليها الطابع التّجريديّ، النّظريّ على الواقعيّ الفعليّ فعلى سبيل المثال درس مكافحة البِطالة، يتناول المحتوى عناوين تتعلق بالبِطالة كمشكلة، شروطها، أنواعها لكن التّدقيق في تفاصيل معالجة البِطالة من خلال متابعة السياسات والوسائل المناسبة التي تتخذ طابَعًا يخالف الواقع على ما هو عليه، وهنا تجدر الإشارة في معرض الحديث عن السّياسات المتفرقة كتمديد سنوات التّعليم الجامعي للحدّ من تدفق الخريجين إلى سوق العمل، وما ينتج عنه من تزاحم لأعداد المتعطّلين عن العمل، أمّا الواقع الحاليّ يتجه إلى تقصير مدة التّعليم الجامعيّ (الإجازة الجامعيّة من أربع سنوات إلى ثلاث في العديد من الاختصاصات) على خلاف ما هو مطروح في تفاصيل المحتوى.

خامسًا: صياغة المنهج

في هذا القسم نتناول المنهج من حيث صياغة اللغة، وصحة استعمال مفرداتها وتعابيرها كما وطريقة تقديمه، وعرضه من خلال وضوح تفاصيل المحتوى والأهداف التّعليمية والأنشطة. وسوف يتخذ تقييمنا في هذا المجال طابَعًا انتقائيًّا لبعض الموضوعات ونسرد ملاحظاتنا حولها. يستخدمم المنهج بصورة عامة لغة عربية صحيحة، وواضحة كما أنّ التّعابير دقيقة تتحاشى الصعوبات إجمالاً لا سيما في السنة ثالثة حيث العبارات سهلة مبسطة، وسردها بطريقة منهجية وهذا ما لا نراه في السنة الثانية، وتحديدًا في موضوعات المحاسبة الوطنية وبعض الشروحات الأخرى، ولتوضيح ذلك سوف نتناول موضوع “توزيع غير عادلة للمداخيل” في كلا السنتين. فالموضوع المشار إليه قُدِم في السنة الثانيّة كعنوان لوظيفة “النقد أداة لتوزيع غير عادلة للمداخيل” في درس وظائف النقد، وعند تتبع سياق العبارات في شرح هذه الوظيفة يتبين الإبهام، ويغلب التأويل الشخصي على المنهج العلمي، ويصعب على المعلم تقديمها وتحديد مقصدها لا سيما في الفقرة الأولى منها التي تربط بين زيادة كمية النقد وارتفاع الأسعار. أمّا في السنة الثالثة فيعرض الموضوع في درس سياسات مكافحة التضخم المالي تحت عنوان رئيس “انعكسات التّضخم الماليّ” وكعنوان فرعيّ “إعادة توزيع غير عادلة للمداخيل” وهنا يلاحظ وضوح المعنى ودقة عرضها واتباع الأسلوب العلميّ والتّحليليّ.

وهناك بعض الأخطاء التي يمكن تبيانها، فمثلاً تعريف “سلع التجهيز” في درس “تعريف علم الاقتصاد” السّنة الأولى كما أدرج في عمود المصطلحات “وهي السّلع التي تستعمل في إنتاج سلعة معيّنة…” والأصح هو “… تستعمل لإنتاج سلع معيّنة…” ما يطابق ورودها في سياق الدّرس، ومنها يتمكن المتعلم من التّمييز بين السلع الوسيطة، وسلع التّجهيز. وفي الدّرس نفسه عند الحديث عن الأرزاق المنتجة يبدأ باستعراض أمثلة، ثم ينتقل للحديث عن الخدمات في فقرة منفصلة ما يوحي أنّ الأرزاق المنتجة تختلف عن الخدمات، لذا كان الأجدى أن يعرف الأرزاق المنتجة كما يلي “منها ما يحتاج لمواد أوليّة كالسيارة والأطعمة أي سلع مصنعة… ومنها لا يحتاج إلى مواد أوليّة كالخدمات…”. وفي درس “البِطالة أنواعها وأسبابها” ورد عنوان رئيس “تعريف البِطالة وقياس حجمها” والأصح هم “شروط البِطالة والمؤسسات المعنيّة بقياس حجمها، وتبرير ذلك في طرح شروط البِطالة وليس في تعريفها، والحديث عن الجهات والمؤسسات المعنية بقياس ظاهرة البِطالة، وليس في قياس حجمها على وجه الدّقة (كاحتساب معدل البِطالة). أمّا بالنسبة إلى وضوح التفاصيل فهناك أهداف تعليمية غائبة في بعض المحاور، كمحور العمل والقوى العاملة يبرر بعدم أهميته وغموض مضمونه، كما أنّ العناوين التفصيليّة المدرجة في أنواع العمل كالعمل الموصوف، والعمل غير الموصوف والعمل المستوحى لا يوجد ما يقابلها في محتوى الدرس، وعلى العكس تمامًا فإنّ تقسيم العمل في محتوى الدّرس لا أثر له في محتوى المادة في السّنة الأولى. بإلاضافة إلى ذلك غالبًا ما لا يتضمن محتوى المادة (المحاور والمضامين) الوسائل والأنشطة. كما يمكن في هذا المجال ملاحظة أنّ الأهداف التّعليميّة لا تغطي محتوى المادة، ومحتوى الدّرس وهنا يمكن الإشارة إلى أنّ الأهداف التّعليميّة لموضوع البِطالة في السّنة الأولى ورد على الشكل التالي “يتعرف ظاهرة البِطالة بمختلف أشكالها، ويبحث في أسبابها وآثارها على المجتمع” وعند التّدقيق في محتوى المادة (المحاور والمضمون) نلاحظ غياب كل من أسباب البِطالة وآثارها، والأخيرة نلاحظ غيابها من محتوى الدّرس “البِطالة أنواعها وأسبابها”.

سادسًا: التّوصيات

  • في الصّلاحية العامة
  • مساواة الحجم (الدّرس والأنشطة والتمارين) مع الوقت المخصص.
  • ملاءمة الأنشطة والتّمارين مع الإمكانات الفعليّة المتوفرة تنفيذها في التّعليم الثانويّ.
  • إدراج أنشطة ومسائل تتماشى مع أسس التقييم المعتمدة في الامتحانات الرّسميّة.
  • إضافة المفاهيم الغائبة والتي سبق الإشارة إليها.
  • استبدال المجال الثالث المتعلق موضوع اقتصادي المدرج في تصميم مسابقة الامتحانات، بصياغة مشروع أو نشاط اقتصادي كأن يعمد المتعلم إلى زيارة إحدى المؤسسات، ويتابع أداءها ويدوّن الملاحظات حول نشاطها الاقتصاديّ، أو أن يكوّن نموذج علاقات اقتصاديّة مستوحى من الواقع.
  • زيادة مستوى تثقيل العلامة في السنتين الأولى والثانية لا سيما في فرع الإنسانيات من الأخيرة.
  • في التوافق
  • ملاءمة الأهداف بشكل يجعل العام منها يلقى صدى مع الخاص، والخاص منها يجد مرجعيته في الأهداف العامة.
  • ضرورة أن تتقابل كل مجموعة من الأهداف التّعليمية مع أنشطة ملائمة.
  • في المدى والتتابع
  • إبراز أهميّة موضوع التّحويلات الماليّة في الاقتصاد اللبناني من خلال إضافته إلى محور المبادلات الاقتصاديّة الخارجيّة في السنة الثانيّة.
  • إدراج موضوع البورصة في محور النّقد، والمصارف في السنة الثانيّة.
  • إلغاء موضوعيّ السكان وخصائص القوى العاملة، وعلاقات العمل في السنة الأولى وتوزيع تفاصيل المحتوى على درسيْ “أنواع العمل وتنظيمه” و”البِطالة أنواعها وأسبابها”
  • إلغاء المحاور في السنة الثالثّة، وإعادة ترتيب الموضوعات بشكل يسمح بإدراج موضوعات التقنيات الحسابيّة في سياق الدروس.
  • تبسيط أسلوب مادة الاقتصاد وتقليصها.
  • توسيع موضوع التحليل الماليّ في السنة الثالثة، باشتماله على مفاهيم المحاسبة كالقيد المزدوج كي يكتسب المتعلم مهارات، وقدرات تمكنه من الارتباط أكثر بسوق العمل.
  • إعادة النّظر في محتوى موضوع المحاسبة الوطنيّة في السنة الثانيّة.
  • إعادة النّظر في محتوى محور الإدارة في السّنة الثالثة لجهة تقليصه.

المراجع

  • الحياة الاقتصاديّة، المجتمع: بنية وحركة – الدليل التّربويّ، السنة الأولى الثّانويّة – المركز التّربويّ للبحوث والإنماء، المناهج الجديدة.
  • الاجتماع والاقتصاد، الدليل التّربويّ، فرعا العلوم والإنسانيات، السنة الثانية الثّانويّة – المركز التّربويّ للبحوث والإنماء، المناهج الجديدة.
  • الحياة الاقتصاديّة، كتاب المتعلم، السنة الأولى، المركز التّربويّ للبحوث والإنماء، المناهج الجديدة.
  • الأنشطة والأواليات الاقتصاديّة، كتاب المتعلم، السنة الثانية فرعا العلوم والإنسانيات، المركز التّربويّ للبحوث والإنماء، المناهج الجديدة.
  • التنمية والسياسات الاقتصاديّة، كتاب المتعلم، السنة الثالثة فرع الاقتصاد والاجتماع، المركز التّربويّ للبحوث والإنماء، المناهج الجديدة.
  • موقع المركز التّربويّ للبحوث والإنماء على الإنترنت http://www.crdp.org/crdp/Arabic – المناهج الجديدة.

 

 

 

 

[1] – فؤاد إبراهيم: طالب دكتوراه في كلّيّة العلوم التّربويّة في جامعة القدّيس يوسف، بيروت.

عبدالله الموسويّ: طالب دكتوراه في كلّيّة العلوم التّربويّة في جامعة القدّيس يوسف، بيروت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.