الزّمن ومفارقاته السّردية في رواية طيور مهاجرة لإبراهیم السعافین حسب نظرية جيرار جينيت

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

الزّمن ومفارقاته السّردية في رواية طيور مهاجرة لإبراهیم السعافین حسب نظرية جيرار جينيت

Time and its narrative paradoxes in Ibrahim Al-Saafin’s novel “Migratory Birds” according to Gérard Genette’s theory

Sayyeda Maryam Mousavi Nasab سیّده مریم موسوي نسب[1]

Hossein Mohtadi حسین مهتدي[2]

Nasser Zare ناصر زارع[3]

Sayyed Haider Fare Shirazi  سید حیدر فرع شیرازی(4)[4]

 تاريخ الإرسال:2-2-2026                                      تاريخ القبول:2-3-2026

الملخّص                                                                             turnitin:20%

يُشكّلُ الزّمن عنصرًا جوهريًّا في بناء العمل الرّوائي، إذ يُعدُّ الإطار الذي تنتظمُ فيه الأحداث وتتوزعُ الشّخصيات. لا يمكن فصل أي روايةٍ عن بنيتها الزّمنيّة، إذ يتمحور السّرد في أساسه حول إعادة ترتيب الوقائع من وجهة نظر الراوي، وهذا ما يُضفي على الزّمن دورًا محوريًّا في تشكيل إدراك القارئ وتوجيه فهمه لتفاصيل مسار الحكاية. تُعدُّ المفارقات السّردية واحدةً من أبرز الوسائل التي تُسهمُ في تشكيل الزّمن داخل الرواية الحديثة؛ إذ تعتمد هذه التقنيةُ على خلق انزياحٍ بين زمن القصة وزمن الخطاب، فيتدخلُ السّاردُ في الترتيب التّقليدي للأحداث. فمن خلال تقديم بعض الوقائع أو تأخيرها أو حتى حذف أجزاء معيّنة، تنشأ فجوات زمنيّة تحفزُ القارئ على اكتشافها وتأويل معناها. تسعى هذه الدِّراسةُ إلى إبراز كيفيّة توظيف إبراهيم السّعافين للتقنيات الزّمنيّة في رواية طيور مهاجرة لخدمة مضمونات الهُويّة والاغتراب والمقاومة. ولتحقيق ذلك، يتناول البحث عبر منهج الوصفي – التّحليلي محورين رئيسين في الزّمن حسب نظرية جيرار جينيت، بما يدرُس أولًا التّرتيب الزّمني وتقنتيه الرئيسيتان الاسترجاع والاستباق ووثانيًا المدة والتّقنيات المتعلقة بهذا المحور الزّمني مثل القفز والاستراحة والإيجاز والمشهد.

وترکزّ المقالة علی الوظائف المؤدية خلال هذه التّقنيات والمفارقات ليقدّم تحاليل دقيقة عن سبب توظيفها وممارسة الرّوائي بها.  أظهرت النّتائجُ أنَّ الرّواية ترتكزُ على التلاعب بالتّسلسل الزّمني من خلال الاسترجاع والاستباق والقفز والاستراحة …وإلخ، وهو ما أسّسَ بنيةً سرديّةً  غير خطيةٍ تُعبّرُ عن تشتّت الذّاكرة الفلسطينيّة بين الماضي والحاضر. كما كشفت الدِّراسة أنّ توظيف الزّمن وتقنياته في طيور مهاجرة لم يكن معزولًا عن موضوع الرواية، بل جاء خادمًا لقضية الهُويّة والاغتراب، مما يمنحُ العمل قيمةً فنيةً ونقديةً بارزةً.

الكلمات المفتاحية: الزّمن، المفارقات السّردية، طيور مهاجرة، إبراهيم السّعافين، القضية الفلسطنينيّة.

Abstract

Time is a fundamental element in the structure of the novel, as it provides the framework within which events are organized and characters are formed. No narrative can be understood without reference to its temporal structure, since narration essentially involves the rearrangement of events from the narrator’s perspective, thereby granting time a pivotal role in shaping the reader’s perception and guiding their understanding of the story. In modern fiction, temporal paradoxes constitute one of the most significant techniques that shape narrative time. By manipulating the chronological order of events—through anticipation, retrospection, or even omission—the narrator creates gaps that encourage the reader to reconstruct and interpret meaning. This study, employing a descriptive-analytical method, examines the use of temporal techniques in Ibrahim Saafin’s novel Migratory Birds. It explores the forms of temporal paradoxes as well as the mechanisms of acceleration and deceleration in the narrative, analyzing their impact on narrative rhythm. The findings reveal that the novel is built upon a disruption of chronological order, particularly through flashbacks and foreshadowing, which establishes a non-linear narrative structure reflecting the fragmentation of Palestinian memory between past and present. The study further concludes that the deployment of time and its techniques in Migratory Birds is not merely formal, but serves the artistic and semantic dimensions of the text. Through the deliberate use of these strategies, the novel transforms from a simple story into a literary work of high aesthetic and critical value. Narrative techniques thus function as a bridge between raw material—such as events and characters—and the literary construction received by the reader, granting the text uniqueness and originality.

Keywords:Time, Narrative Techniques, Migratory Birds, Ibrahim saafin, Palestinian issue.

1.المقدمة

يُعدُّ الزّمن أحدَ العناصر السّردية الأساسية التي يوليها الباحثُ اهتماماً خاصاً عند تحليل بنية النّص السّردي. فهو عنصرٌ لا غنى عنه في أي عملٍ سردي، إذ يُشكّلُ الرابط بين الأحداث والشّخصيات داخل الرّواية؛ ومن دونه تصبحُ العناصرُ الأخرى مُبعثرةً وغير مترابطة. تنوّعت مظاهر الزّمن الروائي ووظائفه، إلّا أنّ جوهر أهميته يكمنُ في تأثيره المباشر على سياق السّرد وبنية الرواية ككل. تُعرَّفُ المفارقات الزّمنيّة أنّها «التنافر الحاصل بين النِّظام المفترض للأحداث ونظام ورودها في الخطاب: إنَّ بدء السّرد من الوسط مثلًا، ثم العودة من جديد إلى أحداث سابقة يُعدُّ مثالًا للمفارقة الزّمنية. إنَّ المفارقة الزّمنية في علاقتها بلحظة الحاضر، هي اللحظة التي يُعترَض فيها السّرد التّتابعي الزّمني (الكرونولوجي) لسلسلة الأحداث؛ لإتاحة الفرصة لتقديم الأحداث السّابقة عليها، ويمكن للمفارقة الزّمنيّة أن تكون استرجاعًا (عودة إلى الوراء)، أو استباقًا» (برنس، 2003: 15). هذان نوعان من المفارقة الزّمنيّة إلّا أنّها تمتاز بعدة مؤشرات وتقنيات قد درسها الباحثون.

فإنَّ تناول المفارقة الزّمنيّة في الرّواية يتطلبُ مقارنةً بين زمن الخطاب/ السّرد وزمن القصة، ومعرفة مدى تأثير تلك التّباينات بين هذين الزّمنين في إبراز العناصر الجماليّة والشّعريّة للرواية، بما يعزز قيمتها ويثري تجربتها الفنيّة. «إنّ السّرد وعلم السّرد يُعدّان من أساليب النّقد الأدبي، فالسّرد بدأ مع تاريخ البشريّة عند الإنسان بمختلف طبقاته الاجتماعيّة، السّرد خاض بنفسه في الأزمنة المختلفة. ففي الحقيقة أنّ الرّواية تُعدُّ كالظاهرة العالميّة، تتجاوز التّاريخ وهي كائنة ببساطة مثل نَفْس الحياة» (بارت، 1430: 170). يُعدُّ السّرد إحدى الرّكائز الأساسيّة في العمل الرّوائي، إذ يقوم الكاتب من خلاله ببناء عالمٍ تخيليٍّ تتفاعل فيه الشّخصيات ضمن فضاءٍ زماني ومكاني متكامل وتتم عمليّة الحكي داخل إطارٍ محددٍ، يتغير بتغير الرّاوي، مما يجعل من السّرد الأداة التي تُقدَّمُ من خلالها القصة. «السّرد أو القص هو فعل يقوم به الرّاوي الذي ينتج القصّة، وهو فعل حقيقي أو خيالي ثمرته الخطاب، والسّرد عمليّة إنتاج يُمثل فيها الرّاوي دور المنتج والمروي له دور المستهلك والخطاب دور السّلسلة المنتجة، وتنعقد العلاقة بين الراوي والمروي له في السّرد من خلال الأسئلة المباشرة أو غير المباشرة التي يطرحها الأول ليضمن حسن متابعة الثاني لحكايته أو يطرحها الثاني حين يواجه ما يستغربه أو لا يوافق منطقه من كلام الأول» (زيتوني، 2002: 105). لايمکن أن تتحدث عن السّرد غافلًا عن أهمّيّة الزّمن في تشکيله وهو يصوّغ کيان السّرد ويُدير علاقاته وينسق أجزائه.

تسعى هذه الدِّراسة حسب أهمّيّة السّرد في حياة الانسان ودور الزّمن في السّرد، إلى إبراز كيفيّة توظيف إبراهيم السعافين للتقنيات الزّمنية في طيور مهاجرة لخدمة مضمونات الهُويّة والاغتراب والذّاكرة، التقنيات التي تميل نحو المفارقة حسب اتباعها عن المنهج الرّواية الحديثة. ولتحقيق ذلك، يتناول البحث المحورين الرئيسين: الأول منهما تحليل أشكال الاسترجاع والاستباق وأنواعهما، والثاني منهما دراسة آليات التسريع والإبطاء التي تسمّی بالمدة وتأثير كلٍّ منهما على التشکيل السّردي، وإضافة علی ما سبق، ترصد المقالة الوظائف الدّلاليّة والجماليّة لهذه التقنيات في إعادة تشكيل تجربة الهجرة والهُويّة الفلسطينيّة، ومفهوم المقاومة والنّصال الفلسطيني وغيرها من المضامين الجزئيّة، والکلّيّة التي ينوي الروائي نقلها خلال توظيف آليات مختلفة منها الزّمن، تقنياته ومفارقاته.

 

  • إشکالیّة البحث

ويسعى للإجابة عن السؤالين الآتيين:

  1. ما أبرز أنماط المفارقات الزّمنيّة التي وظّفها إبراهيم السّعافين في رواية طيور مهاجرة؟
  2. ما هي الوظائف الدّلاليّة والجماليّة المهمّة التي يقصد بها الرّوائي في توظيفها للتّقنيات والمفارقات الزّمنيّة؟
    • أهمیّة البحث
  3. تكمن أهميته في كشفعن عمق النّص الروائي: يذهب المقال إلى ما وراء القراءات المواضيعيّة المباشرة لرواية “طيور مهاجرة” (كالحديث عن الشّتات والهجرة فقط)، ليكشف البنية الفنيّة المعقدة التي تحمل هذا المضمون. فهو يظهر كيف أنّ المعاناة الإنسانيّة ليست فقط في الأحداث، بل في طريقة إدراك الزّمن وتشظيه.
  4. قراءة الوعي الفلسطيني عبر الزّمن: يقدّم المقال إسهامًا في دراسات الذاكرة والهُويّة الفلسطينيّة من بوابة الأدب. عبر تحليل مفارقات الزّمن السّردي، يسلط الضوء على طبيعة الوعي الفلسطيني الجمعي والفردي الذي يَعِيشُ تحت وطأة ماضٍ حاضر باستمرار، وحاضرٍ مشتت، ومستقبلٍ غامض. وهذا يمنح البحث بُعدًا أنثروبولوجيًّا-ثقافيًّا
  5. تفسير الاستعارة المركزيّة (الطيور المهاجرة): يربط المقال بين التّحليل النّظري والرّمزيّة الأساسيّة في العمل. فمفارقات الزّمن (التّكرار، الاسترجاع، الدّورانيّة) تُظهر أنّ “الهجرة” في الرّواية ليست حدثًا جغرافيًّا وحسب، بل هي حالة زمنيّة-نفسيّة دائمة. الطّيور المهاجرة تعيش في زمن مختلف، وهذا ما يكشفه التّحليل السّردي للرواية.
  6. تعزيز مكانة الرّواية والروائي: يقدّم قراءة عميقة تُبرز براعة إبراهيم السّعافين الفنيّة في توظيف تقنيات سرديّة متقدمة لخدمة قضيّة إنسانيّة كبرى. هذا يرفع من قيمة الرّواية من مجرد شهادة تاريخيّة إلى عمل فني عالي التّركيب، مما يدعو لإعادة تقييمها ضمن المشهد الروائي الفلسطيني والعربي.
    • فرضیّة البحث

تسعى هذه الدراسة إلى اختبار الفرضية الآتية:

تقوم الرّواية بتشكيل هُويّة زمنيّة سرديّة مركبة ومعقدة، تعكس هوية الشّخصيات المشرّدة والمفككة. فالمفارقات الزّمنيّة ليست مجرد تقنيات شكليّة، بل هي بنية دلاليّة عضويّة تعيد إنتاج تجربة الشّتات الفلسطيني على مستوى الوعي والسّرد. من خلال الانزياحات بين الماضي والحاضر، وتفاوت إيقاعات الزّمن، وتكرار الذّكريات المؤلمة، تُظهر الرّواية أنّ الزّمن في المنفى ليس خطّيًّا متجانسًا، بل هو زمن متشظّ، دائري، يعيشه المهاجر كجرح مفتوح. تنجح هذه البنية السّرديّة، بتحليلها وفق منهج جينيت، في تحويل الزّمن نفسه إلى شخصيّة رئيسة تحمل همّ الذاكرة والضّياع والحنين، وتجعل من عمليّة السّرد محاولة لإعادة تجميع الزّمن والهُويّة معًا، وهي محاولة تعرف نجاحًا جزئيًّا يظل محفوفًا بالانكسار، تماماً كطيران الطيور المهاجرة.

 

1-4.الدّراسات السّابقة

لقد تناولت دراسات عديدة موضوع الزّمن وتقنيات السّرد. من هذه الدّراسات المهمّة:

1- مقالة: «الزّمن ومفارقاته السّردية في رواية “قابيل أين أخوك هابيل؟” لإبراهيم الكوني»، للباحثين: أمير فرهنگ‌نيا وعلي پورحمدانيان، (فصلية لسان مبين، السنة الثالثة، العدد 47، 1401ش). يتناول المقال تحليل المفارقات الزّمنيّة، مركزًا على كيفيّة توظيف الكاتب لتقنيات مثل الاسترجاع والاستباق. ويبرز البحث أنّ الزّمن عنصر أساسي في بناء الرّواية التي تدور أحداثها حول صراع السّلطة في ليبيا. وقد كشفت الدّراسة أنّ الكوني استخدم المفارقات الزّمنيّة لتقديم الشخصيات وتعميق فهمها. كما لوحظت هيمنة الاسترجاع لخلق ألغازٍ سردية، بينما وُظِّفَ الوصف لإبطاء السّرد. وأظهر الكوني براعة في استخدام هذه التقنيات لبناء عالم الرواية وإشراك القارئ في عملية إنتاج المعنى.

2- مقالة «التقنيات الزّمنية في رواية “عبث الأقدار” لنجيب محفوظ: دراسة في ضوء نظرية جيرار جينيت»، للباحثين: شاكر عامري ومقصود بخشش، (مجلة اللغة العربيّة وآدابها، السّنة 14، العدد 4، 1440ق). يركز المقال على دراسة التّقنيات الزّمنيّة المستخدمة في رواية «عبث الأقدار»، مستعينًا بنظريّة جيرار جينيت لتحليل مظاهر الزّمن ومجالاته داخل النّص الرّوائي. يستعرض البحث مفاهيم التّرتيب، والمدة، والتواتر. ويُظهرُ التحليل أن الرواية تمزج بين نوعين من الزّمن: الزّمن الطبيعي والزّمن الصّناعي (الذي يعتمد على التّلاعب السّردي)، ويظهر ذلك في توظيف محفوظ للاسترجاع والاستباق، إلى جانب تسريع وإبطاء الأحداث بشكل مدروس.

3- مقالة «تقنيات الزّمن السّردي في رواية “حديث الصباح والمساء” لنجيب محفوظ»، للباحث محمد عبد الرزاق المكي، (مجلة كلية الآداب، جامعة بنها، العدد 21، 2009م).

يركز البحث على كيفيّة توظيف الزّمن كعنصر محوري في تشكيل السّرد وبناء الأحداث والشّخصيات. ويستعرض البحث مفاهيم أساسيّة مثل التّلاعب الزّمني للسّرد، ومفهوم المدة الزّمنيّة من خلال التّسريع، والإبطاء، والحذف، بالإضافة إلى التّواتر الزّمني. ويسعى المقال إلى تسليط الضوء على براعة محفوظ في استخدام هذه التّقنيات لتعزيز بنية السّرد وجعلها أكثر تعقيدًا وثراءً. ويعكس التّحليل عمق آليات السّرد التي يوظفها محفوظ لإثراء تجربته الروائيّة.

4– رسالة جامعيّة معنونة بــــ«تقنيات وأساليب بناء الزّمن في رواية “مروان” لـ بن يحيى محمد سفيان»، (مقدمة لنيل شهادة ماستر)، للطالبة: إيمان زوايمة، (جامعة 8 ماي 1945 قالمة، الجمهورية الجزائريّة، 2018-2019م). تناقش رسالة الماجستير تحليل آليات وتقنيات تشكيل الزّمن مستندةً إلى المنهج البنيوي. تُسلط الدراسة الضوء على مفهوم الزّمن من زوايا متعددة تشمل الجوانب اللغويّة، والفلسفيّة، والأسطوريّة، والقرآنيّة، والرّوائيّة. وتركز على العناصر الأساسيّة للزّمن في السّرد، مثل: الترتيب الزّمني، والمدة الزّمنية، والتواتر السّردي. تهدف الرسالة إلى كشف مهارة الكاتب في توظيف هذه الأدوات لتحقيق بنيّة سرديّة مترابطة، ما يعزز فهم دور الزّمن وتأثيره في تطور الرواية الجزائرية المعاصرة.

5- رسالة ماجستير تحت عنوان «تقانات السّرد القصصي في ثلاثيّة أحمد حرب»، (رسالة ماجستير)، للطالب: يوسف إسماعيل يوسف حمودة، (الجامعة الإسلاميّة غزة، 2012م). أظهرت الدّراسة هيمنة تقنيّة الاسترجاع بكثافة، ما يؤكد أهمّيّة الماضي، وكشفت التّقنيات الزّمنيّة (كالمشهد والوصف) الأبعاد النّفسيّة للشخصيات. تُقدم هذه الدّراسة تحليلًا شاملًا للأدوات السّردية المستخدمة في ثلاثيّة أحمد حرب، مما يجعلها مصدرًا قيّمًا لأي بحثٍ لاحقٍ يركز على السّرد في الرّواية الفلسطينيّة، أو تحليل تقنيات السّرد، أو تمثيل القضية الفلسطينيّة، وأثر الظروف السياسيّة والاجتماعيّة على البنية السّرديّة.

بناءً على ما ذُكِرَت، كُتبت دراسات ورسائل عديدة حول الزّمن وتقنياته، لكن لم يتطرق أحد إلى رواية «طيور مهاجرة» لإبراهيم السّعافين من هذا الجانب، وهذا يجعل دراستنا الحاليّة الخطوة الأولى في هذا المجال.

5-1. منهج البحث

يعتمد البحثُ المنهجَ الوصفي-التّحليلي مع انتقاء مقاطع نموذجيّة من المتن الرّوائي لتحليلها نصيًّا وفق مفاهيم نقدية مستمدة خصوصًا من مقاربة جيرار جينيت في دراسة الترتيب الزّمني والمدة والمفارقات.

1-6. نبذة عن الرّواية

تستعرضُ رواية طيور مهاجرة الرّوائيّة الأخيرة لإبراهيم سعافين([5]) قصة عائلة فلسطينيّة تتكون من شخصٍ يُدعى يوسف، وزوجته سحر، وبنتهما سمراء وابنهما سامي. تمرُّ العائلة برحلة طويلة تجمع بين تجربة الهجرة والاغتراب، إذ تبدأ الرواية بالغوص في المأساة الفلسطينيّة وذكريات النكبة المرتبطة بمناطق مثل الطّنطورة وغزة وفلسطين عمومًا. لاحقًا، تنتقل الأحداث إلى مصر، حيث يستقر يوسف وزوجته سحر لبعض الوقت، إلّا أنّ الظروف الاقتصاديّة والضّغوط السياسيّة والاجتماعيّة تُجبرهما على التّفكير في خيار الهجرة إلى أوروبا. وبعد عمليّة معقدة من الإجراءات، تصل العائلة أخيرًا إلى مدينة مجديبورغ في ألمانيا، حيث تبدأ رحلة جديدة تمرُّ عبر مراكز الاستقبال المؤقتة ثم الانتقال إلى حياة في مجتمع جديد. خلال هذه المرحلة، تواجه الأسرة تحدِّيات متعددة مثل: تعلم اللغة، والبحث عن العمل، وتكوين علاقات اجتماعيّة، ومواجهة صعوبات الاندماج. يرافق كل هذا شعور دائم بالحنين إلى الوطن الذي لم يفارقهم، وتُبرزُ الرواية بمهارة أنّ الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، وإنما هي رحلة نفسيّة وهويويّة تعكس تمزق الأبطال بين استحضار ذكريات الوطن وبين التكيف مع التّحديات اليوميّة التي تفرضها الحياة في المهجر.

2. الإطار النّظري للبحث

يُعدُّ الزّمن عنصرًا أساسيًّا في بناء الرواية، فهو المحورُ الذي تدورُ حوله جميعُ مكونات النّص السّردي. فالأحداثُ لا تتحققُ إلّا في إطارٍ زمني، والشّخصياتُ تتحركُ وتتصرفُ ضمن هذا الزّمن، كما أنّ الأفعالَ تحدثُ، والحروفَ تُكتبُ وتُقرأُ في سياقه؛ فلا يمكنُ تصورُ نصٍّ سرديٍّ يخلو من الزّمن. ويُقصدُ بالزّمن «مجموعة العلاقات الزّمنيّة: السّرعة، التّتابع، البُعد، إلخ…، بين المواقف والمواقع المحكيّة وعمليّة الحكي الخاصة بهما، وبين زمن الخطاب والمسرود والعملية السّردية» (برنس، 2003: 231). قد أصبحَ الزّمن واحداً من أكثر المفاهيم المدروسة في النقد الأدبي، خاصةً مع ظهور الرواية كنوعٍ أدبيٍّ في العصر الحديث، وذلك في العالم العربي وغيره. وعلى عكس الشخصيات أو الأشياء التي يمكن استخراجها بسهولة من النّص، فالزّمن ليس مكوّنًا مستقلًا ولا يمكنُ عزلُهُ عن العمل الروائي. بل إنه متداخلٌ بشكلٍ عضويٍّ في النّص، إذ يُشكّلُ الهيكلَ الذي تُبنى عليه الرّوايةُ ويُؤثرُ على العناصر السّردية بالكامل. وهذا يجعله ركنًا رئيسًا لتحليل الشّخصيات والمكان في الرّواية، إذ إنَّ فهمَ الزّمن وارتباطَهُ بالعناصر السّرديّة الأخرى يُعدُّ شرطًا أساسيًّا لأيّ تحليلٍ أدبي. يؤدي الزّمن دورًا فعالاً في تشكيل السّرد؛ فيمنحه الحيوية والاستمراريّة. «فالسّرد فعل زماني، فهو يتحقق في الزّمان لأنه يتحرك في مجراه ولأنه يتقدم متصلًا به» (يقطين، 2006: 195). يجدر الذکر أنّ للزمن في الرواية فاعليةٌ جماليةٌ وفنيةٌ من شأنها أن تُبلورَ شعريّة النّص الأدبي، فالزّمن محورُ الرّواية كما هو محورُ الحياة، والروايةُ فنُّ الحياة وتستطيع أن تلتقط الزّمن في مختلف تجلياته. كما أنّها من الفنون الأدبيّة التي تتجاوب بحساسيّة كبيرة مع ضغوط العصر ومتغيراته وما يطرأ من تغييرٍ في سلوك النّاس وتفكيرهم (باشلار، 1983: 14).

الزّمن ينقسم إلی ثلاثة أقسام، الأول منها زمن القصّة: يُقصد به «زمن وقوع الأحداث المروية في القصة، فلكل قصة بداية ونهاية» (بوعزة، 2010: 87)، وهو «يخضع بالضرورة للتتابع المنطقي للأحداث» (لحمداني، 1991: 73). والثاني منها زمن السّرد (الخطاب): هو «الزّمن الذي يقدم السّارد من خلاله القصة، ويكون بالضّرورة مطابقًا لزمن القصة» (بوعزة، 2010: 87)، أو أنّه «الزّمن الذي يستغرقه تقديم الجزء المسرود» (برنس، 2003: 6). والمقصود منه «العصر الذي كُتبت فيه الرواية، ويُقصد به المدّة التي يكتب المؤلف فيها روايته. وليس لهذا الزّمن تأثير مباشر على العمل الرّوائي من الناحية الفنيّة، إذ لا يدخل في صميمه، وإذا كان له تأثير فهو يخضع لاعتبارات عديدة، بعضها يتعلق بالمؤلف: ثقافته، قدراته، كفاءته، أفكاره، لغته، وما يُتاح من وقت للكتابة…. وبعضها يتعلق بالأهمّيّة التّجاريّة للرواية، وبعضها يتعلق بثقافة العصر، وبالقراء وأذواقهم وتوقعاتهم… وغيرها» (مندولا، 1997: 80). أمّا الأخير، زمن القراءة: وهو العصر الذي تُقرأ فيه الرّواية، أو المدّة التي تُقرأ فيها الرّواية. «وإذا نظرنا إليه في حد ذاته مستقلًا عن قيم الزّمن الأخرى في الرّواية، فإنّا نجد أن تأثيره على الرّواية ضئيل نسبيًّا، وهو أساس اقتصادي أكثر منه جمالي» (المصدر نفسه، 77). فلا دخل للقراءة في التّشكيل الفني للروايّة، ولا تأثير مباشر لها عليه، إلّا إذا كان الرّوائي نفسه يراعي توقعات القارئ وأحواله الثّقافيّة والذّوقيّة، فعندئذٍ يكون لها، بهذا الاعتبار، تأثير. ولا شك عندنا أنّ القراءة تختلف باختلاف القراء وتوجهاتهم وميولهم، وتختلف أيضًا باختلاف العصر؛ إذ إنّ القارئ الذي عاصر الرواية سيقرؤها ويتفاعل معها بشكل مختلف عن القارئ الذي لم يعاصرها» (خروبي، 2019: 6).

تقتضي الدِّراسة المنهجيّةُ لعنصر الزّمن الرّوائي إلى آليات بنائه وتجليّات اشتغاله داخل النّص، البدءَ أولًا بفحص التّرتيب الزّمني؛ وذلك من أجل الوقوف على كيفيّة تنظيم الأحداث في القصّة وتتبع سيرورتها ضمن الخطاب السّردي. فالعملُ السّردي يقومُ على زمنين رئيسيْنِ: زمن القصة وزمن السّرد؛ فزمن القصة هو «الأحداث المروية والشّخصيّات المتحركة التي تحيل على تجربة المتلقي وتُعدُّ محاكاة للواقع» (فضل، 1985: 272). ليس من الضروري من وجهة نظر البنائيّة، أن يتطابق تتابع الأحداث في روايةٍ ما أو قصةٍ ما، مع الترتيب الطبيعي لأحداثها كما يُفترض أنّها جرت بالفعل. فحتى بالنسبة إلى الروايات التي تحترم هذا الترتيب، فإن الوقائع التي تحدث في زمن واحدٍ لا بد أن تُرَتَّبَ في البناء الروائي تتابعيًّا، لأنّ طبيعة الكتابة تفرض ذلك، ما دام الروائي لا يستطيع أبدًا أنّ يروي عددًا من الوقائع في آنٍ واحد. وهكذا، فإنّ التّطابق بين زمن السّرد وزمن القصّة المسرودة لا نجد له مثالًا إلّا في بعض الحكايات العجيبة القصيرة، على شرط أن تكون أحداثها متتابعة وليست متداخلة (لحمداني، 1991م: 73). وفهذه المؤشرة تنحو نحو المفارقة باستخدم الاسترجاع والاستباق.

تشمل المدة العلاقة بين زمن الخطاب وزمن السّرد وتؤدي دور سرعة السّرد. فهي «سرعة القص بین مدة الوقائع وطول النّص القائم علی مستوی القول، فقد یقص الرّاوي في مائتي صفحة ما جری في سنة أو شهر أو یوم وقد یقول بضع كلمات في عدة سنوات.» (عزام، 2003: 300) قام جينيت بتقييم نسبة زمن النّص وحجم النّص بأنواع مختلفة من المدة وفسرها على أنّها إيقاع وتسريع، وحددها بثلاث فئات: التسريع الثابت، والتّسريع الإيجابي والتّسريع السّلبي، ولكل من هذه المكونات الثلاثة وظائفها الخاصة، ومن بينها يمكننا ذكر الحذف وعرض المشهد والتّوقف الوصفي والاختزال وتمدد زمن السّرد  (تولان، 2004م: 61)

لا يمكن استيفاء الزّمن الروائي وتقنياته وفهمه، من دون دراسة الدّيمومة أو المدة؛ فهي تبحث عن إيقاع الزّمن الروائي؛ أي العلاقة بين كم السّرد والزّمن الذي تجري تغطيته وملاحظة «الإيقاع الزّمني ممكنة من خلال النّظر إلى اختلاف مقاطع الحكي وتباينها، فهذا الاختلاف يخلّف لدى القارئ دائما انطباعًا تقريبيًّا عن السّرعة الزّمنيّة أو التباطؤ الزّمني» (لحمداني، 1991م، ص 76)  لهذا، يقترح جيرار جنيت أن يدرس الإيقاع الزّمني من خلال التقنيات الزّمنية الآتية: الحذف، والخلاصة، والوقفة، والمشهد (المصدر نفسه، ص 76).

  1. الإطار التّطبیقي للبحث

هنا في هذا القسم من الدراسة نسلّط الضوء علی دراسة آليات المفارقات الزّمنية المهمّة في رواية طيور مهاجرة ونرکزّ علی الوظائف والجماليّات المؤدية خلالها.

1-3. التّرتيب

التّرتيب أول مؤشرات زمنيّة وهو يدرُس «مقارنة نظام ترتيب الأحداث أو المقاطع الزّمنيّة في الخطاب السّردي، بنظام تتابع هذه الأحداث أو المقاطع الزّمنيّة نفسها في القصة، وذلك لأنّ نظام القصة هذا تشير إليه الحکاية صراحة أو يمکن الاستدلال عليه من هذه القرينة» (جينيت، 1997: 47). أمّا في المفارقة الزّمنية ندرس الحالات التي کانت لاتحافظ على التّرتيب وهي تشتمل علی الاسترجاع والاستباق.

1-1-3. الاسترجاع

الاسترجاعُ مفارقةٌ زمنيةٌ باتجاه الماضي انطلاقًا من لحظة الحاضر. وهو «استدعاء حدث أو أكثر وقع قبل لحظة الحاضر أو اللحظة التي تنقطع عندها سلسلة الأحداث المتتابعة زمنيًّا لكي تُخلي مكانًا للاسترجاع» (برنس، 2003م: 169). يجدر الذّکر أنّ الکاتب «يستخدم تقنية الاسترجاع بكثافة لربط الماضي بالحاضر وإثراء السّرد. ويحدد جيرار جينيت وظيفة الاسترجاع في سرد الأفكار الحاليّة التي تحتاج إلى الوقت الماضي وإيحاءاته الذّاتيّة والموضوعيّة (جينيت، 1997م: 50-51) وهو علی ثلاثة أقسام لکن الأكثر أهمّيّة بينها الاسترجاع الخارجي والاسترجاع الدّاخلي.

أمّا الاسترجاع الخارجي وهو «ذلك الاسترجاع الذي تظلُّ سعتُهُ كلُّها خارج سعة الحكاية الأولى، فلا توشكُ أيُّ لحظةٍ أن تتداخل مع الحكاية الأولى؛ لأنّ وظيفتها الوحيدة هي إكمال الحكاية الأولى عن طريق تنوير القارئ بهذا السّالف» (جينيت، 1997م: 6؛ خليل، 2010م: 55). ومن أمثلته في الرّواية هي ماتأتي:

«يتذكّر الحكايات التي كان يرويها والده عن حيّ النسناس، وعن جاره صاحب مطعم الفلافل في شارع السّلط» (السعافين، 2024م: 15).

هنا استرجاع خارجي لحياة عبد العزيز (الوالد) في حيفا قبل النكبة، وهو زمن سابق لبدء الحكاية الرئيسة. والأب هنا يؤدي دورًا مهمًّا في توسيع مفهوم المقاومة الفلسطينيّة بما هو ينتقل تجارب المقاومة ضد الإسرائيلين لولده الشّاب، وهذا فعل أجيال الفلسطينين السّابقين والرّوائي بتوظيف هذا الاسترجاع يؤکد أهمّيّة تلك الأحداث وروايته للجيل الشّاب ليتبعوا مسار الآباء. أو کما نجد في النّموذج التالي والاسترجاع يُستخدم عن طريق استحضار الأحاديث والحکایات وورائه نجد سعي الروائي في تکميل المعلومات الماضية حول الشخصية الرئيسة للرواية يوسف:

حکايات کثيرة تفقز الآن إلی ذهن يوسف، وهو يفکّر في وضعه بعد وفاة والدته. کان اسم المستأجر الأساسي في عقد الإيجار هو والده عبدالعزيز عوّاد الناصر، وقد انتقل عقد الإيجار تلقائيًّا، بعد وفاته إلی زوجته الحاجة حليمة محمد اليعقوبي…» (المصدر نفسه، 37).

هنا أيضًا نجد استحضار واسترجاع الحکايات التي تدل علی معاناة الشّخصيّات الرّوائيّة ومرارتهم في سبيل العيش. يوسف يحمل هذه الوظيفة بما هو عبر عن أحداث جليّة کوّنت شخصيته المقاوميّة والروائي يقص لنا مسيرة تکوينها والاسترجاع مهم لدينا لنفهم کيف کوّنت هوية يوسف المناضلة.

أمّا الاسترجاع الداخلي هو الاسترجاع الذي يقع داخل حدود الحكي، أي بعد بداية السّرد الأساسي. وهو «الذي يعود إلى حدثٍ داخل أحداث الرّواية، بمعنى أنه يكون جزءًا من الرّواية فيعود إلى حدثٍ بعد بداية الرّواية وليس قبلها، ولذلك سُمّيَ داخليًّا لأنه يكون داخل الإطار الزّمني للرواية لا خارجَهُ. وفي هذا النّوع من الاسترجاع لا بد للراوي أن يُهيّئ له بمقدمات وأسباب تتناسب مع وروده في تلك المواطن التي ورد فيها» (خروبي، 2019م: 7).

يذكر السّعافين نماذج متعددة لهذا النّوع من الاسترجاع، منها: «قال يوسف لزوجته وهو يبتسم: ما هذا الجمال يا سحر! هذا المكان يبعث البهجة والفرح في النّفوس. تذكّرتُ الآن حديقة الأورمان قرب جامعة القاهرة. تنهدت سحر وقالت: «مضت الأيام الجميلة ونحن طلاب في جامعة القاهرة، أغلى الأيام يا يوسف»» (السعافين، 2024: 26).

يعود الكاتب هنا عبر الاسترجاع الدّاخلي إلى القاهرة وأيام الدّراسة الجامعيّة، في انتقالٍ مفاجئ من الحاضر (ألمانيا) إلى الماضي (مصر). يُصنَّف هذا استرجاعًا داخليًّا لأنّ الحدث المُسترجَع (مرحلة الدّراسة في مصر) ينتمي إلى حياة الشّخصيات داخل الخط الزّمني للرواية نفسها، وليس إلى زمنٍ خارجها (كتاريخ الأجداد أو الطفولة البعيدة). يوسف وسعيد هاجرا قسريًّا من بلدهما وهما يعيشان في الغربة، وهي کانت أنهکتهما لأجل هذا الأحداث التي کانت جرّبا في وطنهما العربي الأم تعود إلی ذهنمها وهما يتذاکرانها دائمًا. استخدم السّعافين هنا استرجاع الذّاكرة لنقل الحالة النّفسيّة؛ فالمنظر الخلّاب في الحديقة الألمانيّة أثار مشاعر الحنين وأحضر ذكرى موطنٍ أبعد. ويعمل الاسترجاع هنا على تعميق الصّراع الدّاخلي لدى الشّخصيات، إذ يعبِّر عن شوقٍ دفينٍ يظهر من خلال سحر تجاه الأصدقاء والأماكن القديمة، مع إيحاء بالشّعور بالفقدان ومرور «الأيام الجميلة». من النّاحية السّردية، يربط الحوار بين الزوجين بين الحاضر والذّكريات، مما يبرز تأثير الماضي على الحاضر وسيطرته عليه، كما يعكس التنقل بين الأزمنة بُعدًا مكانيًّا متنوعًا (بدءًا من القاهرة وصولًا إلى ألمانيا)، مما يُثري السّرد ويحلّق به زمنيًا ومكانيًّا. بالإضافة إلى ذلك، يظهر التّوتر النّفسي بشكل خفي، فيضفي استحضار الشّباب مزيجًا من الحنين والأسى على الحالة الرّاهنة، مسلطاً الضوء بدقة على ثقل الهجرة وشعور الحنين إلى الوطن الأم. إذًا هنا مزّق ترتيب الزّمن واسترجع الحدث إلی زمن أبعد بمدی عن الزّمن الحاضر خلال تقنية استرجاع داخلي

2-1-3. الاستباق

تُعدُّ تقنيةُ الاستباق من التّقنيات المهمّة التي يعتمد عليها الراوي، خاصةً في الرّواية الحديثة وهو «مفارقة زمنيّة سرديّة تتجه إلى الأمام بعكس الاسترجاع، والاستباق تصوير مستقبلي لحدث سردي سيأتي مفصلًا فيما بعد. إذ يقوم الراوي باستباق الحدث الرئيسي في السّرد بأحداث أولية تُمهّد للآتي وتومئ للقارئ بالتّنبؤ واستشراف ما يمكن حدوثه، أو يشير الراوي بإشارة زمنيّة أوليّة تُعلنُ صراحةً عن حدثٍ ما سوف يقع في السّرد» (القصراوي، 2004م: 211). بعبارة أخری إنه «تقنيّة زمنيّة تجيء عادة في بنية الروايّة التّقليديّة، على وجه الخصوص. وتؤدي إلى قتل عنصري التّشويق والمفاجأة الفنيين لدى القارئ حين يُعلنُ الراوي التقليدي عن الأحداث اللاحقة قبل وقوعها، في حين أن التوقع ليس بالضرورة أن يتحقق كلّه أو بعضه» (يوسف، 2015م: 120).

ينقسم الاستباق إلى صنفين الاستباق الخارجي والاستباق الدّاخلي. أمّا الاستباق الخارجي وهو « استشراقات مستقبليّة خارج الحد الزّمني للمحكي الأول على مقربة من زمن السّرد أو الكتابة من دون أن يلتقيا طبعًا» (جينيت، 1997م: 81). نجد بعض الومضات من توظيف هذه التّقنيّة في رواية طيور مهاجرة لاسيّما في الصّفحات الأخيرة التي يقص الروائي قضايا لن تحقق في المتن الحکائي مثلما يقول:

ما الذي يدور في ذهن سمراء؟ هل ابنتها هادية ستصبح مواطنة في هذا البلد؟ (السعافين، 2024: 353).

تحدث الراوي عن استيطان شخصيّة هادية فيما بعد وهذا عمل لم ­يحقق بعد والرّوائي تحدث عنها خلال استباق داخلي بهما يدل توظيفها علی هموم الشّخصيات الدّائمة حول المهاجرة والمواطنة وهذا القضية والقضايا المماثلة بها هي ما تشکل قسمًا مهمًّا في الاستباقات والرؤی لدی الشّخصيّات الرّوائيّة.

أمّا الاستباق الداخلي وهو الذي يدخل في صلب الرّواية ومَتْنِها، أي يكون مداه داخل إطار الرّواية. والأحداث المستبقة حينئذٍ قد تُذكر في المتن الروائي حضورًا بعدما ذُكِرَت فيه من قبل استشرافًا، وقد لا تُذكر إطلاقًا. وباختصار، الاستباق الداخلي «هو الذي لا يتجاوز خاتمة الحكاية، ولا يخرج عن إطارها الزّمني. وهناك بعض الاستباقات الدّاخليّة التي يبقى تحققها مبهمًا في بعض الروايات، فلا يُدرى هل تحققت أم لا؟ إذ لا يرد في الرواية خبر يدل على تحقق ذلك أو عدمه» (زكريا، 2009: 118).

المثال: «أخبره محمد السّالم يوم الأحد أنّ سحر أبلغته بأنّها ستكون مع صديقتها نجوى يوم الثلاثاء السّاعة العاشرة بين المحاضرة التاسعة ومحاضرة الحادية عشرة» (السّعافين، 2024م: 9).

يُصرّحُ السّاردُ هنا للقارئ بوجود موعدٍ منتظَرٍ (اجتماع يوسف وسحر الثلاثاء القادم)، على الرّغم من أنّ هذه اللحظة لم تصل بعد في تسلسل السّرد. هكذا يُعطي القارئ معلومة مسبقة عما سيجري لاحقًا داخل زمن الحكاية، مما يخلق حالة من التّرقب والتّوقع ويُحرّك الأحداث داخليًّا قبل وقوعها الفعلي في السّرد. الهدف الفني الرئيس هو دفع القارئ لمتابعة السّرد بترقب، وتهيئة الأجواء النّفسيّة والإيقاعيّة للقاء القادم ضمن زمن الحكاية نفسه.

 

2-3. المدة

المؤشرة الثانية في البحث عن الزّمن السّردي هي المدة التي تبحث عن تسريع السّرد أو إبطائه. «أنّ المدة هي سرعة القصّ بين مدة الوقائع، وطول النّص القائم علی مستوی القول، فقد يقصّ الراويّ في مائتي صفحة ما جری في سنة أو شهر أو يوم وقد يقول بضع کلمات في عدة سنوات» (عزام، 2003: 300). هذه المؤشرة من المؤشرات المهمّة في نظريّة جينيت إذ تتشکل التّلاعبات الزّمنية المختلفة في النّص السّردي وتدرُسُ أشکال الزّمن وحالاته المختلفة. يُدرَس الزّمن خلال أربعة مؤشرات يرتبط کل واحد منها بنوع من سرعة القص وهنا ندرس هذه الأربعة ونرکّز علی الوظائف التي تؤديها:

1-2-3. الحذف أو القفز

يلجأ الرّوائيون التقليديون في كثير من الأحيان إلى تجاوز بعض المراحل من القصّة من دون الإشارة بشيء إليها، ويُكتفى عادةً بالقول مثلًا: «ومرت سنتان» أو «وانقضى زمن طويل فعاد البطل من غيبته… إلخ». ويُسمى هذا قفزًا. ويتضح في هذين المثالين بالذّات أنّ القفز إمّا أن يكون مُحَدَّداً أو غَيْرَ مُحَدَّدٍ. «إنَّ القفز عادةً ما يكون في الرّوايات التّقليديّة مُصرَّحًا به وبارزًا، غير أنّ الرّوائيين الجدد استخدموا القفز الضّمني الذي لا يُصرِّحُ به الراوي، وإنما يُدركه القارئ فقط بمقارنة الأحداث بقرائن الحكي نفسه. والواقع أنّ القفز في الرواية المعاصرة يُشكِّلُ أداةً أساسيةً لأنّه يسمح بإلغاء التّفاصيل الجزئيّة التي كانت الروايات الرومانسيّة والواقعيّة تهتم بها كثيرًا، ولذلك فهو يُحقِّقُ في الرّواية المعاصرة نَفْسِها مَظْهَرَ السُّرعة في عرض الوقائع، في الوقت الذي كانت الرّواية الواقعّية تتصف بالتّباطؤ» (لحمداني، 1991م: 77). بناءً على ما تقدّم، «يمكن حصر أنواع القفز أو الحذف الزّمني في النّصوص بثلاثة أنواع» (القصراوي، 2004: 233): الحذف المعلن. الحذف غير المعلن. الحذف الضّمني (المصدر نفسه، 233) هنا نقوم بتعريفها وشرح نماذج من الرّواية.

أما الحذف المعلن، المقصود به هو إعلان المدّة الزّمنيّة وتحديدها بصورة صريحة وواضحة، إذ يمكن للقارئ أن يحدد ما حُذِفَ زمنيًّا من السّياق السّردي. وتُعدُّ الرّواية ذات البناء التّتابعي للزّمن هي أكثر الأشكال الزّمنية التي يمكن للقارئ أن يتتبع فيها الحذف المعلن ويحدده؛ لأنّ الرّاوي يسعى إلى المحافظة على التّسلسل الزّمني. ويقلُّ الحذف المعلن في البناء التّداخلي الجدلي للزّمن، ويختفي في البناء المتشظي (القصراوي، 2004: 233). كأن يقول الراوي: «بعد شهرين» أو «بعد أسبوعين». کما يقول السّعافين في النموذج الآتي:

«قال في نفسه: ماطلتُ طویلًا بعد فشلي في الحصول علی لمّ الشّمل في عزة. مرّت ستة أعوام كاملة وأنا أماطل وأدفع الثمن» (السعافين، 2024: 50).

يخبرنا السارد (يوسف) في هذا المقطع أنّ ست سنوات كاملة قد مرت، لكنّه لا يروي ما حدث خلالها. إنَّ غياب التّفاصيل عن الأحداث، والمواقف، والمشاعر، وحتى التغيرات الخارجيّة خلال تلك المدّة هو ما يُشكّل الحذف. وهو من النّوع المعلن (المحدد) لأنّ المدة الزّمنيّة مذكورة (ستة أعوام)، والقارئ يعرف مقدار الزّمن المحذوف، حتى لو لم يعرف أحداثه. الرّوائي هنا نظرًا إلی تجسيد المعاناة التي واجه بها يوسف في حصول المواطنة استخدم القفز، وهذا يدل علی غلبة اليأس والخيبة التي جرّب أهل عزة وهم لا يؤمنون بکل قانون يکتبه لهم الإسرائيليون. وکذلك نجد توظيف هذه المؤشرة في النموذج الآتي:

«مرّت سنوات على هذه الحادثة وقد أظلمت الدّنيا في وجه مرح..ولکنّها تعهّدت بنتيها ميادة وسماح بالتربية» (المصدر نفسه، 124).

لا يذكر شيئًا السّارد مما وقع في تلك السّنوات، بل ينتقل مباشرة إلى نتيجة زمنيّة جديدة («وقد أظلمت الدّنيا في وجه مرح»). تختصر هذه الجملة مدّة زمنيّة طويلة (سنوات) في حيّز لغوي قصير، أي أنّ زمن الخطاب أقصر بكثير من زمن القصة، وهي سمة الحذف المعلن. تُستخدم هذه الصّيغة لتجاوز مرحلة راكدة لا تحمل جديدًا دراميًّا، ولتوجيه القارئ مباشرة إلى مرحلة التّحوّل الجديدة في حياة مرح، كما تخلق إحساسًا بالثقل الزّمني والجمود النّفسي الذي عاشته الشّخصيّة.

أمّا في الحذف غير المعلن، «يصعب تحديد المدى الزّمني بصورة دقيقة، لذلك تكون المدّة المحذوفة التي أسقطها الكاتب غامضة وغير واضحة» (القصّراوي، 2004م: 234). كأن يُعبّرُ الراوي عن مرور مدّة زمنيّة من دون تحديدٍ لزمانها، فيقول: «مر وقت طويل»، أو «بعد زمن طويل». يخلقُ الحذفُ غير المعلن في النّص فجوةً سرديّةً يملؤها القارئ بخياله، ويلمح إلى رتابة الزّمن من دون تفاصيل أو أحداث مهمة. ونرى أمثلة كثيرة لهذا النّوع من الحذف في الرواية. کما نجد في النّموذج الآتي يقول الرّوائي:

«مرت مدّة لم يكن يرى فيها يوسف شيئًا سوى جدران غرفته وأثاث بيته الصّامت» (السّعافين، 2024م: 30).

هنا، يقفز السارد فوق مدّة من حياة يوسف ويختصرها بكلمة «مرت فترة»، من دون ذكر كم استغرقت من الزّمن (أيام، أشهر، سنوات) أو ما حدث خلالها؛ فلا يوجد أي معطى مُحدَّدٍ يُمكِّنُ القارئ من معرفة الأحداث أو طول المدّة المحذوفة. يريد الروائي أن يجسّد الخيبة التي استغرقت مدة وتأثرت علی حياة يوسف وهذه الخيبة بصورة کليّة هي المهمَّة في تقديم السّرد أنّ الحدث مقفل هنا وکل شيء صامت ولا يوجد أي حرکة في حياة يوسف المضنيّة. لأجل هذا نجد استخدم الرّوائي القفزة بصورة هادفة في هذا الموقف.

أمّا الحذف الضمني وهو أن يتجاوز السّارد أحداثًا أو زمنًا ما من دون أن يُصرِّح بهذا التّجاوز؛ أي يترك فجوة يُدركها القارئ من خلال سياق السّرد. «يُعدُّ هذا النّوع من صميم التّقاليد السّرديّة المعمول بها في الكتابة الرّوائيّة، فلا يظهر الحذف في النّص، على الرّغم من حدوثه، ولا تنوب عنه أية إشارة ضمنيّة أو مضمونيّة، وإنما يكون على القارئ أن يهتدي إلى معرفة موضعه باقتفاء أثر الثّغرات والانقطاعات الحاصلة في التّسلسل الزّمني الذي يُنظِّم القصة» (بحراوي، 1990: 162). لذا يجد الباحث صعوبة في تتبع أثره داخل النّص بسبب تعقيده وغموضه. «يوجد الحذف الضّمني في النّصوص السّردية جميعها، ولا يكاد يوجد سرد من دون حذف ضمني؛ لأن الراوي لا يستطيع أن يلتزم بالتسلسل الزّمني الكرونولوجي، وبالتالي لا بد أن يلجأ إلى الحذف الضمني» (القصراوي، 2004: 236). من نماذج توظيف هذه التّقنيّة هو ما نجد فيما يأتي:

«كانت هذه أكبر كارثة حلّت بنا بعد النكبة، حيث أقسم والدي الذي كان معجبًا بشعره الأشقر المسترسل الجميل أن يحلق شعره على الصفر حداداً على رمز العائلة وفخرها» (السعافين، 2024: 46).

يُلمِّحُ الساردُ إلى النكبة وآثارها من دون تفاصيل التّهجير والدمار، والقارئ هو الذي يستنتج حجم الكارثة. الرّوائي أراد أن يؤکد علی المضمون لا علی التّسلسل الزّمني لأجل هذا حذف الزّمن وبرّز المضمون. أو في النّموذج الآتي: «… وأجلسوهم على القش.. وإذا بالجنود يحملون جالونات البنزين وصبوها.. وأشعلوا النّار في أجساد الصّائمين والعجزة…» (المصدر نفسه، 350).

هنا نجد السّرد يُوجزُ المشهد المروع بلا تفصيلٍ للحظات الألم، أو الصّرخات، أو آثار الجثث. الرّوائي يريد أن يقرر التّصوير بإيجازها علی ذهن المتلقي ليبقی فيها مدة طويلة، ولم­ يدخل علی تفاصيله الذي يؤدي إلی الملل.

2-2-3. الخلاصة أو الإيجاز (Summary)

نتحدث عن الخلاصة أو التلخيص كتقنية زمنيّة عندما تكون وحدة من زمن القصّة تقابل وحدة أصغر من زمن الكتابة، تُلخّصُ لنا فيها الروايةُ مرحلةً طويلةً من الحياة المعروضة. وتحتلُّ الخلاصةُ مكانةً محدودةً في السّرد الرّوائي بسبب طابعها الاختزالي الماثل في أصل تكوينها، والذي يفرض عليها المرور سريعًا على الأحداث وعرضها مُركّزةً بكامل الإيجاز والتّكثيف.

وحسب جينيت، فقد «ظلت تقنية الخلاصة، حتى نهاية القرن التّاسع عشر، وسيلة الانتقال الطبيعيّة بين مشهد وآخر.. أي النّسيج الرّابط للسّرد الرّوائي الذي كانت تشكل فيه، بصحبة تقنيّة المشهد، الإيقاع الأساسي. وعمومًا، فقد نُظِرَ دائمًا إلى الخلاصة كنوع من التّسريع الذي يلحق القصّة في بعض أجزائها إذ تتحول، من جراء تلخيصها، إلى نوع من النّظرات العابرة للماضي والمستقبل. ومن الواضح أنّنا لا نستطيع تلخيص الأحداث إلّا عند حصولها بالفعل، أي عندما تكون قد أصبحت قطعة من الماضي، ولكن يجوز، افتراضًا، أن نلخص حدثًا حصل أو سيحصل في حاضر أو مستقبل القصّة» (بحراوي، 1990: 145). في الخلاصة، نحصل على زمن القصّة من خلال الضّغط ومراكمة النّص؛ أي أنّ زمن الخطاب يكون أقصر من زمن القصّة. وطبيعيٌّ أن درجة مراكمة وضغط كل خلاصة تكون متغيرة مقارنة بخلاصة أخرى (تودوروف، 1382ش: 60). کما نجد في النّموذج الآتي حينما يقص يوسف للمحققين في ألمانيا قصة معاناته في غزة مستخدمًا التّلخيص:

إنّهم کانوا يستمتعون ويتلذّذون بجمع العشرات في قريتي الطنطورة، وضعهم صفًّا وهم عُزل من أيّ شيء، ويعدمونهم رميًا بالرصاص وهم يقهقون». (السعافين، 2024م: 132).

يوظف الکاتب في هذا النّموذج تقنية التّخليص ليختصر موقفًا مليًّا بالآلام والأحزان، والعامل الذي ساق الرّواية نحوها موقف السّرد، لأنّ الشّخصيّة النّاقلة وقفت هنا موقف المجيب علی سوال المحقق فينبغي أن يختصر القصة. هذا المقتطف بإختصاره يجتوي علی شدة المعاناة التي واجه بها الفلسطينيون والرّوائي هنا خلال أقل من سطرين شرح مأساة کبيرة متعلقة بقضية الإبادة الجماعيّة والسّرعة الموجودة في الزّمن يدل علی سرعة تنفيذ هذه الإبادة. أو کما فيما يأتي:

«في مركز البوليس في شارع فيصل… وقف رجل مقيّد اليدين والسّلاسل في قدميه… شعر عبد العزيز في أعماقه بشيء من المهانة… تمارض وعاد إلى البيت وهو يلعن اليوم الذي دخل فيه سلك البوليس» (السعافين، 2024: 15-16).

في هذا المقطع، يمرُّ السارد مرورًا سريعًا على سنوات طويلة من عمل عبد العزيز في الشّرطة البريطانيّة، فيسردها في بضع فقرات فقط. نلاحظ أنّ زمن القصة يمتدُّ على سنوات الخدمة، التّحقيقات، والمشاهد اليومية، بينما زمن الخطاب (الكتابة) لا يتعدى صفحتين. السّرد هنا لا يتوقّف عند تفاصيل المشاهد، بل يُلخّصُ الأحداث بخطوطها العامة: الصّراع النّفسي، الاستقالة، والإحساس بالذنب. هذه الفقرة خلاصة زمنيّة لأنّ السّارد يضغط مرحلة طويلة من سيرة عبد العزيز، مقدّمًا خلاصتها النّفسيّة والفكريّة من دون تفصيل مشهدي.

3-2-3. الاستراحة

الاستراحة من أنواع إبطاء السّرد وتعطيله وهو تقنية يستند إليها القاص لإبطاء الحركة الزّمنيّة للأحداث، من خلال استناده إلى عدة تقنيات؛ منه أهمها الوصف (العوامري، 2021م: 7). ويتحقق الإبطاء حين «يسرد الراوي الأحداث التي تستغرق مدة قصيرة في مكان واسع من النّص عن طريق الوصف» (لحمداني، 1991م: 78). والوصف / الوقفة يُبطئ الوصفُ حركةَ الخطاب «بسبب الوقفات التي يسببها الوصف من أجل إتاحة الزّمن للسّرد وامتداده» (جينيت، 1997م: 112). يجدر الذّکر أنّ الوقفة تتمثل في عمليّة الوصف من دون انقطاع لعمليّة السّرد. ووراء كل وقفة في المجموعة القصصيّة هناك وصفٌ إمّا للشّخصيّة أو للطبيعة أو لشيء معين، وهذا ما يجعل الوظيفة مشتركة بين عملية الوصف والوقف في هذا العمل السّردي، فيُنشئ ما يسمى بـ «الوصف السّردي». ولا يمكن أن تكون الوقفة دائمًا وصفًا، بل قد تكون عمليّة خروج عن المسار الحكائي لتقديم بعض التّعليقات والآراء (المصدر نفسه، 42).

في رواية «طيور مهاجرة» وقفات متعددة، كأنّ الراوي يُوقف السّرد للحظات ويقوم بوصف شيء آخر، مثل نقل وجهة نظر الشّخصيّة، أو طرح سؤال، أو إظهار تأمل داخلي. کما نجد في النّموذج الآتي:

«قال عبد العزيز في نفسه: نعم يا عبد العزيز، ترى على وجوه النّاس الذل والحزن، ولكنهم مملؤون بالغضب، كأن الواحد منهم قنبلة مؤقتة. علينا ألاّ نزيد في بؤسهم وذلتهم ومأساتهم.  فكّر قليلًا ثم قال: نحن منهم، ومأساتنا مأساتهم، وذلهم وهوانهم ذلّنا وهواننا» (السعافين، 2024م: 34).

توقف السّرد هنا للحظات ليفسح المجال لحوار داخلي عميق لإحدى الشّخصيات (عبد العزيز). تُستخدم هذه الوقفات السّردية للتفكر الفلسفي أو السياسي، وتعليق السّرد لصالح التأمل، وإظهار أنّ الشّخصيّة في الرّواية ليست ضحية فحسب، بل هي ذات واعية تعيد التفكير في وضعها ومعناه.

4-2-3. المشهد

يُقصد بالمشهد، المقطع الحواري الذي يأتي في كثير من الروايات في تضاعيف السّرد. إنّ المشاهد «تمثل بشكل عام اللحظة التي يكاد يتطابق فيها زمن السّرد بزمن القصّة في مدّة الاستغراق، وإن كان النّاقد البنيوي جيرار جينيت ينبه إلى أنّه ينبغي دائمًا ألّا نغفل أنّ الحوار الواقعي الذي يمكن أن يدور بين أشخاص معينين، قد يكون بطيئًا أو سريعًا، حسب طبيعة الظروف المحيطة، كما أنّه ينبغي مراعاة لحظات الصّمت أو التّكرار مما يجعل الاحتفاظ بالفرق بين زمن حوار السّرد، وزمن حوار القصة قائمًا على الدوام. وعلى العموم فإنّ المشهد في السّرد هو أقرب المقاطع الرّوائيّة إلى التّطابق مع الحوار في القصّة إذ يصعب علينا دائمًا أنّ نصفه بأنه بطيء أو سريع أو متوقف الوصف في الحكي» (لحمداني، 1991م: 78 .(

فالمشهد أسلوب سردي يُستخدم في الأعمال الأدبيّة لعرض الأحداث وكأنها تُعرض أمام القارئ مباشرة، من خلال الحوار لأنّ فيها يساوي الزّمن مع الحکي. إنّ المشاهد الحواريّة تكاد تتطابق مع الزّمن الواقعي، مما يخلق حسًا بالواقعيّة والانغماس. والهدف الفني هو إشراك القارئ لا كمتلقٍ، بل كمعايشٍ للحظة، لتجربة المأساة عن قرب. قد وُظِّفت الحوارات بصورة متناثرة في السّرد والروائي اعتمادًا علی دعوة الأصوات المختلفة وإحضار الشّخصيات بصورة حية في النّص السّردي، يستخدم الحوار الذي ينتهي إلی التطابق بين زمن الواقع وزمن الحکي. کما نجد في الصّفحة الثانية من الرواية حوار قصير بين يوسف الشّخصيّة الرئيسة ومحمد السّالم:

«قال لمحمد السّالم: أريد أن أتعرّف علی هذه الفتاة.

هل التّقطت الصّنارة يا يوسف؟

ليس إلی هذا الحدّ يا رجل. مجرّد فضول.

لا.لا. ليس مجرّد فضول. أنا أعرف. سحر تستحقّ الإعجاب

الإعجاب؟

بل أکثر من الإعجاب»(السّعافين، 2024: 8)

هنا لا نجد تسريع الزّمن أو إبطائه بل الزّمن يتطابق مع الحکي بتوظيف تقنية المشهد ونجد علاقة متساوية بين القول والحدث. هذا ما نجد في المسرحيّة نظرًا إلی إحتواءها علی العديد من المقاطع الحواريّة، لکن في السّرد لايلجأ الروائي إليها دائمًا والسعافين صاحب ريشة روائيّة قويّة، يقتصد في اختيار المشهد کرارًا وفهو حينما يقصد أن يصيغ رکائز رئيسة ومهمّة في النّص السّردي يستخدم المشهد وهنا نجد أنّه يريد أن يلتقط أول وقفة أو لحظة إعجاب يوسف بسحر التي أصحبت زوجته بالتالي، والمشهد عکس القفز ينتهي إلی التأمل في الموضوع ورصد هواجس وخلجات الشّخصيّة الرّوحيّة في مواقف حساسة. إذً وُظِّف المشهد بصورة هادفة والروائي إضافة علی نقل المعنی لتقليل الملل من المخاطب، وإضفاء البنية الدّيموقراطيّة في النّص ينحو نحو التعادل بين الزّمن والحدث.

النتیجة

توصل البحث إلى النتائج الآتية:

يعتمد السّعافين بشكل مكثف على التّلاعب بالتسلسل الزّمني كأداة رئيسة في صياغة السّرد؛ فترتكز الرّواية على استخدام الاسترجاع بمختلف أنواعه (داخلي، وخارجي) إلى جانب الاستباق، مما يُسهم في بناء بنية زمنيّة غير تقليديّة. هذا النّهج يسمح للراوي بتفكيك أحداث النّكبة، والهجرة وترسيخ مفهوم الذّاكرة الجمعيّة والفرديّة. أصبح الاسترجاع في الرواية وسيلة لبيان ما حدث علی الفلسطيني المتألم والاستباق يکون وسيلة لبيان أفق الحياة الهادئة والسّليمة في البلدان الغربيّة. إذًا هذه التّقنيات تُسهم في تعزيز المشاعر (مثل الحنين وأزمة الهُويّة)، وتساعد في بناء التّشويق وخلق توتر سردي لافت، بالإضافة إلى دورها في إعادة تشكيل المعاني من خلال إجراء مقارنات بين الحاضر والماضي. هذا التوظيف الفني يعزز شعريّة النّص ويمنحه كثافة دلالية تُقوّي تأثيره على المتلقي.

خلق السّعافين حالة ديناميّة زمنيّة عن طريق التسريع وهو يتمّ  عبر تقنيتَي الخلاصة والحذف (المعلن وغير المعلن والضمني)، التي تضغط حِقبٍ زمنيّة طويلة في صياغة مختصرة، فتُعطِي الحركة السّردية زخمًا وتُخلي مساحة للانتقال بين محطات الحياة. والثاني الإبطاء وهو يتمّ عبر الوقفات الوصفيّة، والمشاهد، والحوارات (خارجيًّا وداخليًّا) التي تطيل زمن السّرد بالنسبة إلى زمن القصة، وتسمح بالغور في النّفس والبيئة والتأملات السياسيّة والاجتماعيّة.

إنّ إبداع إبراهيم السّعافين في التّحكم بالإيقاع الزّمني – بين تسريعٍ يلفت انتباه القارئ إلى المحطات الأساسيّة وإبطاءٍ يتيح فرصة الغوص في الأعماق النّفسيّة – يمنح رواية طيور مهاجرة قيمة فنيّة ونقديّة متميزة؛ إذ يتحوّل الزّمن إلى شخصيّة سرديّة تُسهم في مواكبة مأساة الهجرة وتبني رؤية سرديّة متأصلة حول الشّعور بالاغتراب وقضايا الهُويّة. لابدّ أن نذکر أن رواية السّعافين تکون رواية حديثة تتسم بالتّلاعب الزّمني لأنها تعتقد بها في تقديم السّرد ولأجل هذا نجد أن يستخدم الزّمن بصورة فنيّة في نقل ثيمات الهجرة والکآبة والمقاومة والنضال والمفارقات لديه وسيلة لتوسيع المضمون وتعميقه.

 

 المصادر والمراجع

  • باشلار، غاستون (1983)، جدلية الزّمن،ترجمة: خليل أحمد خليل، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
  • بارت، رولان (1430)، مدخل على التحليل البنائي للروايات،ترجمة: محمد راغب، طهران: صبا.

3-بحراوي، حسن (1990)،بنية الشكل الروائي (الفضاء، الزّمن، الشخصية)، بيروت: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى.

4- برنس، جيرالد (2003)، قاموس السّرديات، القاهرة: ميريت للنشر والمعلومات.

5-بوعزة، محمد (2010)، تحليل النّص السّردي: تقنيات ومفاهيم، الجزائر: منشورات الاختلاف.

6- تودوروف، تزوتان (1382)، بوطیقای ساختارگرا، ترجمة: محمد نبوي، تهران: آگه.

7-تولان، مايكل جي، (1383)، درآمدي نقادانه زبان‌شناختي بر روايت، المترجم: ابوالفضل حري، الطبعة 1. تهران:  بنياد سينمايي فارابي.

8-جينيت، جيرار (1997)، خطاب الحكاية: بحث في المنهج،ترجمة: محمّد معتصم وعبد الجليل الأزدي وعمر  -حلى، الطبعة الثانية،القاهرة: الهيئة العامة للمطابع الأميرية.

9-خروبي، أمين (2019)، «تقنيات الزّمن الروائي: دراسة في المفارقات الزّمنية والإيقاع الزّمني»، مقامات للدراسات اللسانية والأدبية والنقدية، عدد 3.

10-خليل، إبراهيم (2010)، بنية النّص الروائي، بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون.

11- زكريا، عبد المنعم (2009)، البنية السّردية في الرواية، الكويت: عين للدراسات والبحوث.

12- زيتوني، لطيف (2002)، معجم مصطلحات نقد الرواية،بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، ودار النهار للنشر.

13-ساكر، حسيبة (2017)، «وتيرة السّرد في الخطاب القصصي البوطاجيني»، مجلة البدر، الجزائر، المجلد 9، العدد 7.

14-سعافين، ابراهيم (2024)، طيور مهاجرة، عمان: الأهلية للنشر والتوزيع.

15- عامري، شاكر؛ وبخشش، مقصود (1440ق)، «التقنيات الزّمنية في رواية “عبث الأقدار” لنجيب محفوظ: دراسة في  ضوء نظرية جيرار جينيت»، مجلة اللغة العربية وآدابها، سنة 14، عدد 4.

16- عاشور، عمر (2022)، «المفارقات الزّمنية في رواية “متاهات أنثوية” للروائي رياض وطار: تشظي الزّمن في ظل هيمنة الذاكرة»، مجلة الباحث، المجلد 13، العدد 2.

17-عزام، فؤاد. (2010)، «بناء الأحداث في روايات حيدر حيدر». الكرمل أبحاث في اللغة والأدب» ع 31. ص 77 ـ 126.

18-العوامري، أحمد علي عبد اللطيف (2021)، «جماليات إبطاء السّرد في القرآن الكريم: سورة يوسف نموذجاً»،مجلة دراسات في السّردانية العربية، سنة 2، عدد 3.

19-علي، طارق علي السمان (2024)، «البناء السّردي في مجموعة (قصص خاطفة) لحامد طاهر»، مجلة كلية اللغة العربية بإيتاي البارود، جامعة الأزهر، العدد 37، الإصدار الرابع.

20- العید، یمنی. (1999)، تقنیات السّرد الروائي في ضوء المنهج البنیوي، ط1. بیروت: دار الفارابي.

21-فضل، صلاح (1985)، النظرية البنائية في النقد الأدبي. بيروت: دار الآفاق الجديدة.

22-فرهنگ نيا، أمير؛ وپور حمدانيان، علي (1401)،«الزّمن ومفارقاته السّردية في رواية “قابيل أين أخوك هابيل؟” لإبراهيم  الكوني»، مجلة لسان مبين، السنة الثالثة، العدد 47.

23-قنديل، فؤاد (2002)، فن كتابة القصة،الهيئة العامة لقصور الثقافة، كتابات نقدية.

24- القصراوي، مها حسن (2004)، الزّمن في الرواية العربية،ط 1. الأردن: المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع.

25- لحمداني، حميد (1991)،بنية النّص السّردي، بيروت: المركز الثقافي العربي.

26-مجدي، وهبة؛ والمهندس، كامل (1984)، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب،

لبنان: مكتبة لبنان.

27-محمد، بوتالي (2008-2009)، تقنيات السّرد في رواية الغيث لحمد ساري،مذكرة لنيل شهادة الماجستير،المركز الجامعي العقيد محمد أكلي أولحاج بالبويرة.

28- المكي، محمد عبد الرزاق (2009)، «تقنيات الزّمن السّردي في رواية “حديث الصباح والمساء” لنجيب محفوظ»،   مجلة كلية الآداب، مصر: جامعة بنها، العدد 21.

29-مندولا، أ. أ. (1997)، الزّمن والرواية. ترجمة: بكر عباس، بيروت: دار صادر.

30-ميرصادقي، جمال؛ وميرصادقي، ميمنت (1377ش)، واژه نامه هنر داستان نویسی، تهران: مهناز.

وادي، طه (1993)،دراسات في نقد الرواية،دار المعارف.

31-يقطين، سعيد (2006). السّرد العربي: مفاهيم وتجليات، رؤية للنشر والتوزيع.

32-يوسف، آمنه (2015). تقنيات السّرد في النظرية والتطبيق،بيروت: المؤسسة العربية للدراسة والنشر.

 

[1] – طالبة الدکتوراه، قسم اللغة العربیة وآدابها، کلیة الآداب والعلوم الإنسانیة، جامعة خلیج فارس، بوشهر، إیران.

PhD student, Department of Arabic Language and Literature, College of Arts and Humanities, Persian Gulf University, Bushehr, Iran.Email: maryam.mosavi93@gmail.com

[2] – الکاتب المسؤول، أستاذ مشارك، قسم اللغة العربیة وآدابها، کلیة الآداب والعلوم الإنسانیة، جامعة خلیج فارس، بوشهر، إیران.

Author in charge, Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Arts and Humanities, Persian Gulf University, Bushehr, Iran. Email: mohtadi@pgu.ac.ir

[3] – أستاذ مشارك، قسم اللغة العربیة وآدابها، کلیة الآداب والعلوم الإنسانیة، جامعة خلیج فارس، بوشهر.

Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Arts and Humanities, Persian Gulf University, Bushehr. Email: nzare@pgu.ac.ir

[4] – أستاذ مشارك، قسم اللغة العربیة وآدابها، کلیة الآداب والعلوم الإنسانیة، جامعة خلیج فارس، بوشهر، إیران،

Associate Professor, Department of Arabic Language and Literature, Faculty of Arts and Humanities, Persian Gulf University, Bushehr, Iran. Email: shirazi@pgu.ac.ir

[5] . إبراهيم عبد الرحيم السعافين أديب وناقد أردني، وُلد في الفالوجة بفلسطين سنة 1361هـ / 1942م، أستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب بالجامعة الأردنية. له العديد من الأعمال والمؤلفات، من أهمها: «ليالي شمس النهار» (مسرحية)، و«الرواية العربية تبحر من جديد» (2007م)، و«أفق الخيول» (ديوان شعر)، و«ظلال القَطمون» (رواية، 2020م)، وطيور مهاجرة (2020)

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.