اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
البنية الجماليّة للانزياح في شعر الوأواء الدمشقي
(قراءة بلاغيّة في فنّ الالتفات)
The Aesthetic Structure of Deviation in the Poetry of Wa’wa’ al-Dimashqi: A Rhetorical Reading of the Art of Iltifāt
([1])آسماء حسن عجد آل دفتر Asma Hassan Ajd Al Daftar
([2])محسن پیشوایی علوی Mohsen Pishway Alavi
([3])عبد الله رسول نژاد Abdullah Rasoul Nejad
([4])محمد أحمد محمود Mohamed Ahmed Mahmoud
تاريخ الإرسال:8-4-2026 تاريخ القبول:15-4-2026
الملخّص turnitin:6%
یُعَدُّ الانزیاحُ النَّحْويُّ والأسلوبيُّ من الظَّواهرِ اللُّغَويَّةِ في الشِّعرِ، والتي تمثِّلُ خروجًا عن القواعدِ النَّحْويَّةِ التَّقليديَّةِ بهدف تحقيقِ أغراضٍ جماليَّةٍ، أو دلاليَّةٍ، أو بلاغيَّةٍ في النُّصوصِ الشِّعریَّة. ونظرًا لأهمِّیةِ هذه الظَّاهرةِ في كشفِ إمكانيَّاتِ النَّصِّ الشِّعريِّ، فإنَّ توظیفَهَا کموضوعٍ للدِّراسةِ یمكنُ أنْ يساعدَ في تجاوز البنيةِ السَّطحيَّةِ للنَّصِّ، والسَّیر في أعماقِهِ. وفي هذا الصَّددِ، تتجَلَّی أعمالُ الشَّاعرِ (الوأواء الدِّمشْقِيِّ)؛ إذ تستدعي دراسةً معمَّقةً لكيفيَّةِ استخدامِ الانزياحِ في شعرِهِ، خاصةً أبرز مظاهرِهِ، وهو انزیاحُ الالتفاتِ في شعرِهِ، الذي كان له دورٌ في بناءِ النَّصِّ الشِّعريِّ لدیهِ. ویعتمد البحثُ منهجًا وصفيًّا تحليليًّا، يستثمرُ أدواتِ النَّحْو العربيِّ، والبلاغةِ الكلاسيكيَّةِ، مع الإفادةِ من مفاهيمِ الأسلوبيَّةِ الحديثةِ. هذا العنصر في دیوان الشَّاعرِ یشتملُ علی الالتفاتِ في الضمائر، وصيغِ الخطابِ، والأزمنةِ، مبيِّنًا صلتَهَا بالبنيةِ التَّركيبيَّةِ والسِّياقِ التَّداوليِّ للنَّصِّ الشِّعريِّ. وتهدفُ الدِّراسةُ إلى كشفِ الأثرِ الجماليِّ، والقيمةِ الدَّلاليَّةِ لهذا الأسلوبِ، ودورِهِ في تشكيلِ المعنى، وإثراءِ التَّجربةِ الجماليَّةِ فيما قاله الشَّاعرُ. ويخلص الدراسةُ إلى أنَّ فنَّ الالتفاتِ في شِعرِ الوأواء الدِّمشقيِّ يمثِّلُ بنيةً جماليَّةً منتظمةً، لا يمكنُ فصلُها عن النَّسقِ الدَّلاليِّ العام للقصيدةِ، والالتفاتُ هو: الانتقالُ من ضميرٍ إلى آخر، استخدمَهُ الوأواءُ لـتنشيطِ خيالِ السَّامعِ، وجذبِ انتباهِهِ، وتلوينِ الخطابِ الشِّعريِّ. وينتهي البحثُ إلی أنَّ الوأواءَ يوظّفُ الالتفاتَ بوصفِهِ استراتيجيَّةً تعبيريَّةً واعية، تُسْهِمُ في إحداث توتُّرٍ دلاليٍّ بين المتكلِّمِ والمخاطَبِ، وفي الانتقالِ المفاجئِ بين مستوياتِ الخطابِ، بمَا يعكسُ اضطرابَ الذَّاتِ الشِّعريَّةِ. كما أنَّ هذا الانزياحَ يتقاطعُ مع مقاصدَ جماليَّةٍ ونفسيَّةٍ، ويُسْهِمُ في تعميقِ البُعْدِ التَّأثيريِّ للنَّصِّ، وتعزيزِ ديناميَّةِ التَّفاعُلِ بين النَّصِّ والمُتلقي.
الکلمات المفتاحيّة: الانزياحُ، الأسلوبیَّة، الالتفاتُ، الوأواءُ الدِّمشقِيِّ.
Abstract
Grammatical and stylistic deviation is considered one of the striking linguistic phenomena in poetry, representing a conscious departure from conventional grammatical rules in order to achieve aesthetic, semantic, or rhetorical purposes within poetic texts. Given the importance of this phenomenon in revealing the latent potentials of poetic language, adopting it as a subject of study contributes to transcending the surface structure of the text and probing its deeper layers. In this context, the works of the poet Wa’wa’ al-Dimashqi, call for an in-depth examination of the ways in which deviation is employed in his poetry, as deviations occupy a prominent space in his dīwān. Among the most significant forms of deviation in his poetry is the deviation of iltifāt, which plays a fundamental role in the construction of his poetic texts. The study adopts a descriptive–analytical methodology, drawing on the tools of Arabic grammar and classical rhetoric, while also benefiting from concepts of modern stylistics, particularly the notion of deviation as an effective mechanism in the production of meaning. This approach is applied to the study of iltifāt in the poetry of Wa’wa’ al-Dimashqi, including shifts in pronouns, modes of address, verb tenses, and other forms, while elucidating their relationship to the syntactic structure and the pragmatic context of the poetic text. The aim of the study is to analyze selected examples of iltifāt in Wa’wa’ al-Dimashqi’s dīwān in order to reveal the aesthetic effect and semantic value of these stylistic devices, as well as their role in shaping meaning and enriching the aesthetic experience of his poetry. The study concludes that the art of iltifāt in the poetry of Wa’wa’ al-Dimashqi constitutes a coherent aesthetic structure that cannot be separated from the overall semantic system of the poem. Iltifāt, defined as the shift from one pronoun to another, is employed by the poet to stimulate the listener’s imagination, attract attention, and diversify poetic discourse, functioning as a well-known rhetorical technique for breaking narrative monotony. The analysis further reveals that Wa’wa’ consciously employs iltifāt as an expressive strategy that generates semantic tension between speaker and addressee and enables sudden transitions between different levels of discourse, reflecting the instability of the poetic self and the multiplicity of its voices. Moreover, the study demonstrates that this deviation intersects with aesthetic and psychological intentions, contributing to the intensification of the text’s affective dimension and enhancing the dynamic interaction between the text and its recipient.
Keywords: Deviation (Inziyāḥ),Stylistics, Iltifāt, Wa’wa’ al-Dimashqi.
- المقدمة
يشكِّلُ مفهومُ الانزياحِ نقطةَ التقاءٍ بين قواعدِ النَّحْو، واللسانياتِ الحديثةِ والبلاغةِ؛ فيُتعاملُ معه كجزءٍ من الدِّيناميکیَّةِ اللُّغويَّةِ التي تُسْهِمُ في تجديدِ اللُّغةِ العربيَّةِ، والحفاظِ على قدرتِهَا في التَّعبيرِ بطُرقٍ متنوِّعةٍ ومبدعةٍ. وبخلافِ النُّحاةِ القدماء الذين تعاملوا مع الظواهرِ اللغويَّةِ الخارجةِ عن القياسِ بمصطلحاتٍ مثل: (الضَّرورة)، و(الشِّذوذ)، فإنَّ المحدثين نظروا إلى الانزياحِ كظاهرةٍ أسلوبيَّةٍ مقصودةٍ، تهدفُ إلى تحقيقِ أثرٍ فنَّيٍّ، أو دلاليٍّ معينٍ في النَّصِّ. ویُعَدُّ مفهومُ الانزیاحِ من أکثرِ المفاهیمِ الإجرائیَّةِ في الدِّراساتِ الأسلوبیَّةِ؛ إذ یشکِّلُ الانحرافُ بخروجِهِ عن المألوفِ في الاستعمالِ اللُّغَويِّ میزةً تُکْسِبُ النَّصَّ الأدبيَّ خصوصیَّةً، ویکشفُ مقاصدَ الكاتب الخفیَّةَ. (یومبعي ومدقن، 2018: 187).
ويُعْرَّفُ الانزياحُ بشكلٍ عامٍ بأنَّهُ خروجُ التَّعبيرِ عن المألوفِ من الكلامِ، ونسقِهِ المثاليِّ؛ لغرضٍ قَصَدَ إليه المتكلِّمُ، أو جاءَ عفوَ الخاطرِ. وفي هذا السِّياقِ يبرزُ فنُّ الالتفاتِ بوصفِهِ أحد مظاهرِ الانزياحِ الأسلوبيِّ، لِمَا ينطوي عليه من تحوُّلٍ مفاجئٍ في صيغِ الخطابِ، وانتقالٍ مقصودٍ بين الضمائرِ، والأزمنةِ، وأنماطِ الإسنادِ، بمَا يُحدِثُ أثرًا بيانيًّا في نفس المتلقِّي.
ويكتسبُ الالتفاتُ في الشِّعرِ العربيِّ أهميةً مضاعفةً حين يُدْرَسُ في ضوءِ تفاعُلِهِ مع البنيةِ النَّحْويَّةِ والبلاغيَّةِ للنَّصِّ، إذ لا يقتصرُ دورُهُ على كونِهِ حيلةً تعبيريَّةً، أو زينةً لفظيَّةً، بل يتجاوزُ ذلك ليغدو آليَّةً فاعلةً في بناءِ المعنى، وتوجيهِ الدَّلالةِ، وكشفِ أبعادِ التَّجربَةِ الشِّعريَّةِ. من هنا تنبعُ أهمِّيةُ مقاربةِ الالتفاتِ بوصفِهِ بنيةً جماليَّةً قائمةً على الانزياحِ، تُعِيدُ تنظيمَ العلاقةِ بين المتكلِّمِ والمخاطَبِ، وتُسْهِمُ في خلِق توتُّرٍ دلاليٍّ، وحركيَّةٍ خطابيَّةٍ داخل النَّصِّ. إنَّ مثلَ هذا الأسلوبِ يتيحُ لنا تخطي السَّطحَ الخارجيَّ للنَّصِّ، والبحثَ في أعماقِهِ؛ لاكتشافِ إنجازاتِ الأدیبِ. ويُعَدُّ شعرُ الوأواءِ الدِّمشقيِّ مادَّةً خصبةً لدراسةِ هذه الظَّاهرةِ، لِمَا يتَّسمُ به من كثافةٍ لُغويَّةٍ، وحسٍّ بلاغيٍّ دقيقٍ، وقدرةٍ على توظيف الأدوات النَّحْويَّة في خدمةِ المقاصدِ الجماليَّةِ. ومع ذلك، فإنَّ شِعرَهُ لم يحظَّ بدراساتٍ وافيةٍ، تُعالجُ فنَّ الالتفاتِ فيه معالجةً منهجيَّةً تجمعُ بين التَّحليلِ النَّحْويِّ والبلاغيِّ، وتستثمرُ في الوقت نفسِهِ مفاهيمَ الأسلوبيَّةِ الحديثةِ، ولاسيَّمَا مفهومُ الانزياحِ بوصفِه مبدأً مفسِّرًا للعدولِ الأسلوبيِّ. وتأتي أهمِّيةُ هذه الدِّراسةِ من الحاجةِ إلى تحليلِ مظاهرِ الالتفاتِ في شِعرِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ، وفَهْمِ أدوارِهِ المختلفةِ في بناءِ النَّصِّ الشِّعريِّ. وعليه تتمحورُ هذه الدِّراسةُ حولَ تحليلِ مظاهرِ انزياحِ الالتفاتِ في شِعرِ الوأواءِ، وكشفِ وظيفتِها في تشكيل الأسلوبِ الشِّعريِّ. تبعًا لما سبق، فالانزياحُ ليسَ فقط أداةً فنِّيَّةً تعبيريَّةً فحسب، بل هو وسيلةٌ لإيصالِ الرؤیةِ الفكريَّةِ، والمجتمعيَّةِ للشِّاعرِ في عصره، الذي كان يعجُّ بتحولاتٍ ثقافيَّةٍ، وأدبيَّةٍ مهمَّةٍ. فإنَّ هذه الدِّراسةَ تسلطُ الضوءَ على إبداعِهِ اللُّغويِّ والبلاغيِّ. ولعَلَّ من أكثر ما يميِّزُ شعرَ الوأواءِ الدِّمشقيِّ أهمّيةً هو قدرتُهُ على مزجِ التَّقليدِ بالابتكارِ اللُّغَويِّ، مِمَّا یجعلُهُ يستثمرُ الانزياحَ في فنِّ الالتفاتِ بشكلٍ مختلفٍ عن شُعراءِ عصرِه. فقد كان الانزياحُ عنده لا يقتصرُ على مجردِ مخالفةِ القواعدِ، بل كان يحملُ دلالاتٍ عميقةٍ ترتبطُ بموقفِهِ الفنِّيِّ، ورؤيتِهِ الجماليَّةِ، مِمَّا يميِّزُهُ عن غيرِهِ في هذا الجانبِ.
1- أسئلةُ البحثِ: تجيبُ هذه الدِّراسةُ عن سؤالين أساسيين يشكِّلان محاورَ البحث الرئيسة، وهما:
- ما أنواعُ الالتفاتِ التي تتجلَّى في شِعرِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ؟ وما خصائصُها؟
- كيف يُسْهِمُ الالتفاتُ، بوصفِهِ مظهرًا من مظاهرِ الانزياحِ -في شِعرِ الوأواءِ- في بناءِ الدَّلالةِ الشِّعريَّةِ، وتوجيهِ أفق التلقِّي؟
2- فرضيات البحث: يفترضُ البحث جملةً من الفرضيَّاتِ التي يسعى إلى اختبارِها، وتحليلِها في ضوء النُّصوصِ الشِّعريَّةِ، وذلك على النَّحو التالي:
– إنَّ الالتفاتَ في شِعرِ الوأواءِ یتجلَّی في أنماطٍ متعددةٍ، کالالتفاتِ بین الضَّمائرِ، وبین الأزمنةِ، وبین أسالیب الخطابِ، وأنَّ هذه الأنواعَ لا تُسْتَعْمَلُ استعمالاً شکلیًّا، بل تؤدِّي وظائفَ دلالیَّةً، وجمالیَّةً، من خصائصِهَا تعمیقُ البُعْدِ .
– أنَّ الالتفاتَ يُسْهِمُ في خلقِ توتُّرٍ خطابيٍّ، ودلاليٍّ داخل النَّصِّ، بمَا يعكسُ تعدُّدَ الأصواتِ، وتحوُّلَ مواقعِ المتكلِّم والمخاطَبِ، ويُعزِّزَ البُعْدَ التَّأثيريَّ للقصيدة.
1-3- خلفيّة البحث: إنَّ الدّراساتِ السّابقةِ التي تناولتْ شِعرَ الوأواء الدِّمشقيِّ، قد جاءتْ في الغالبِ ضمنَ سیاقاتٍ تاریخیَّةٍ، أو موضوعاتیَّةٍ عامةٍ، فقد أبرزتْ الخصوصیَّةَ الوجدانیَّةَ في شِعرِهِ، دونَ الوقوفِ عند الآلیَّاتِ البلاغیَّةِ الدَّقیقةِ، ولاسیَّمَا فنّ الالتفاتِ بوصفِهِ أداةً انزیاحیَّةً فاعلةً. وفيما یلي سنذکرُ بعضًا من الدِّراساتِ التي تناولتْ شِعرَ الوأواءِ الدِّمشقيِّ، وهي:
- (الصُّورةُ الفنِّيَّةُ فِي شِعْرِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ) رسالة ماجستير، باسم/ عصام لطفي صبَّاح، كليّة الآداب والعلوم، جامعة الشّرق الأوسط ، الأردن، (٢٠١١).
تركِّزُ هذه الدراسةُ على إبرازِ الصُّورةِ الفنِّيَّةِ في شِعرِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ؛ وقد حاول الباحثُ الربطَ بين حياةِ الشَّاعرِ وبين صورِهِ وتشبيهاتِهِ، وأغراضِهِ الشِّعريَّةِ، والبحثُ عن الوظيفةِ التي تؤديهَا كُلُّ صورَةٍ، معتمدًا المنهجَ التَّاريخيَّ الوصفيَّ التَّحليليَّ في دراسةِ الصورةِ؛ للوصولِ إلى الوظيفةِ التي أدَّتهَا الصُّورةُ الفنِّيَّةُ عند الشَّاعرِ.
- (خَصَائِصُ البِنَاءِ التَّركِيبيٍّ فِي شِعرِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ، دراسةٌ تحليليَّة) رسالة ماجستير باسم/ آلاء طلال حسن نجار، كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى، السعودية، ٢٠١٢م.
تناولتِ الْباحثةُ في هذه الدراسةِ البنيةَ التَّركيبيَّةِ في شِعرِ الوأواءِ، من خلالِ حوارِ النَّصِّ الشِّعريِّ؛ محاولةً الوصولَ إلى مغزَى هذا التَّركيبِ الذي استخدمَهُ الشَّاعرُ، واستخراجَ بلاغتِهِ الفنِّيَّةِ، معتمدةً المنهجَ التَّحليليَّ الاستنباطيَّ؛ وقد رَصْدِت الظَّاهرةِ، وتحليلهَا، وتصنيفِهَا؛ لاستخلاصِ السِّماتِ الفنِّيَّةِ لشِعرِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ.
2- تعریفُ الانزیاحِ علی ضوءِ الأسلوبیَّةِ: یفتح الانزياحُ أفقًا جديدًا للمعنى؛ فيتعدَّى النَّصُّ حدودَ التّعبيرِ المباشر؛ ليشملَ الإيحاءاتِ، والرّموزَ التي تعطي النَّصَّ عمقًا إضافيًّا. ويُعَدُّ الانزياحُ من الأدواتِ البلاغيَّةِ والفنيَّةِ المهمَّةِ التي تُخرِجُ النَّصوصَ من دائرةِ الرَّتابةِ اللُّغويَّةِ إلى فضاءاتٍ جديدةٍ من التَّعبيرِ والمعنى. إنَّه حريةٌ داخل النِّظامِ اللُّغويِّ تسمحُ للمُبدِعِ كسرَ القواعدِ التّقليديَّةِ بأسلوبٍ فنِّيٍّ هادفٍ. ومن خلال الانزياحِ يتحوَّلُ النَّصُّ إلى خطابٍ متعدِّدِ الأبعادِ، غنيٍّ بالإيحاءاتِ، مفتوحٍ على التَّأويلاتِ، مِمَّا يجعلُ تجربةَ القراءةِ، أو الاستماعِ أكثرَ إبداعًا وإثراءً. وهوَ ظاهرةُ أسلوبيَّةٌ ترتبطُ بكيفيَّةِ بناءِ اللُّغةِ في النَّصِّ، وهي كيفيَّةٌ تعتمدُ على نظامِ المخالفةِ والانحرافِ عمَّا هو مألوفٌ في قوانين النَّحو وقواعدِه، وبها يغدو النَّصُّ الأدبيُّ ذا هويَّةٍ خاصةٍ، تختلفُ لغتُهُ في بنائِها عن تلك المستخدمةِ في الكلامِ العاديّ، أو الخطابِ الشائعِ، ويُسْهِمُ في منحِ المبدعِ حريةً في التَّحكُّم في ترتيب ألفاظِه؛ لتعبر عن معانيه، وهي حريةٌ مسؤولةٌ لا تخالف منطقَ التّعبيرِ في التَّراكيبِ والألفاظ، ولا تؤدِّي إلى الاختلال، إنَّما تعتمدُ على حُسْنِ الصِّياغةِ، وإدراك مسألة وَضْعِ الألفاظ في مواضعِها؛ لتتناسب مع الأفكار والرُّؤى، وهذا يمنحُ المبدعَ مساحةً تجعلُه قادرًا على التَّحكُّم في ألفاظه، ومستوياتِ لغتِهِ لتمثيلِ معانيه. (الکفاوین، 2023: 49).
ویُعَدُّ مفهومُ الانزياحِ، أو (الانحرافُ اللُّغَويُّ) من المفاهيم المحوريَّةِ في الدِّراساتِ اللُّغويَّةِ؛ فاللغة بوصفِها نظامًا قائمًا على قواعدَ محدّدةٍ، تكتسبُ طابعَهَا التَّواصُلِيَّ من خلالِ الامتثال لتلك القواعدِ، غير أنَّ المبدعَ – لاسيما في الأدب – يتعمدُ أحيانًا الخروج على هذا النِّظامِ، فيما يُعْرَفُ اصطلاحًا بـ (الانزياح)، وهو: الخروجُ عن المألوفِ، أو المتوقعِ لغويًّا؛ لتحقيقِ غاياتٍ جماليَّةٍ، أو دلاليَّةٍ جديدةٍ. إنَّه من النَّاحيةِ اللُّغويَّةِ يُعَدُّ عمليةَ تغييرٍ في البنيةِ، أو السِّياقِ المعتاد للكلامِ، سواءً على مستوى المفرداتِ، أو التَّراكيبِ، أو الدَّلالاتِ، فيُكسرُ النَّمطُ السائدُ لصالحِ إبداعٍ دلاليٍّ مغايرٍ. وفي هذا السّياق، تحتلُّ دراسةُ الجذورِ اللُّغويَّةِ لمصطلحِ الانزياحِ أهمَّيةً خاصةً، بوصفِهِ من المصطلحاتِ المحوريَّةِ في الدِّراساتِ الأسلوبيَّةِ والنَّقديَّةِ المعاصرةِ. وفي الاصطلاحِ شهدَ مفهومُ الانزياحِ تطوُّرًا كبيرًا في انتقالهِ من الاستخدامِ اللُّغويِّ العام إلى الاستخدام الاصطلاحيِّ المتخصص في الدِّراساتِ النّقديَّةِ والبلاغيَّةِ.
ولقد اشتهرَ مفهومُ الانزياحِ وانتشرَ في الدِّراساتِ النَّقديَّةِ والأسلوبيَّةِ، ويرجعُ الاهتمامُ بهذا المفهومِ إلى البحث عن خصائصَ مميَّزةٍ للُّغةِ الأدبيَّةِ بصفةٍ عامةٍ، والشِّعريَّةِ بصفةٍ خاصةٍ، وقد تبنَّي هذا المفهومَ عددٌ من الباحثين والنقّاد، منهم: جون كوهن الذي يرى “أنَّ الشَّرطَ الأساسيَّ والضَّروريَّ لحدوث الشِّعريَّةِ هو حصولُ الانزياحِ، بوصفِهِ خرقًا للنِّظامِ اللُّغَويِّ المعتاد”، ويعني: استعمال المبدعِ مفرداتٍ وتراكيبَ وصورٍا استعمالاً يخرج به عمَّا هو معتادٌ ومألوفٌ فيؤدِّي ما ينبغي له أنْ يتصفَ به من تفرُّدٍ، وإبداعٍ، وقوةِ جذبٍ وأسر». (فراج وعقاد، 2024: ۴)
وبذلك أصبحَ الانزياحُ النَّحْويُّ عند المحدثين موضوعًا ذا أهمِّيةٍ كبرى في فهم تطوُّر اللُّغةِ العربيَّةِ وتغيُّراتِها عبرَ الزَّمن؛ إذ يرى المحدّثون أنَّ الانزياحَ النَّحويَّ لا يعني بالضرورةِ الخطأ أو الفشل في الاستخدام، بل يمكن أنْ يكونَ وسيلةً بلاغيَّةً، أو تعبيريَّةً تُسْهِمُ في إثراء النَّصِّ، وجعْلِهِ أكثرَ تأثيرًا وجاذبيَّة. فالانزياحُ قد يكون عمدًا؛ لإحداث تأثيرٍ معينٍ، أو نتجَ عن التَّطوُّرِ الطَّبيعيِّ للُّغةِ، واستخدام المتحدثين لها. وتُركِّزُ الدِّراساتُ الحديثةُ على تصنيفِ أنواعِ الانزياح، ودوافعِهِ، ووظائفِهِ البلاغيَّةِ، بالإضافةِ إلى تحليل أثرِهِ على الفَهْمِ والتَّوَاصلِ. ومن خلال هذه الرؤية، يُنَّظرُ إلى الانزياحِ النَّحويِّ كجزءٍ من حركةٍ حيويَّةٍ في اللغة، تعكسُ الدّيناميکیَّة، والتَّجدُّد في استعمالات اللُّغةِ العربيَّةِ. وتعتمدُ الدراساتُ الحديثةُ في تحليل الانزياح النَّحويِّ على مفاهيمَ حديثةٍ في اللسانيات، مثل نظريَّة التَّواصل، ونظريَّة الإشارة، والدّلالة، ممَّا یساعد على فهمٍ أعمقَ لكيفيَّةِ حدوثِ الانزياحِ ودوافعهِ.
2-1- الانزياح بوصفه آليّة لإنتاج الدّلالة والجمال في الخطاب الشعري: تُعَدُّ اللُّغةُ الشِّعريَّة من أكثر أنواعِ اللُّغاتِ تعبيرًا وحريَّةً؛ فيتخطى الشّاعر القواعدَ النَّحْويَّةَ الثابتةَ، التي تحكمُ اللُّغةَ العاديَّةَ، مستعينًا بأساليبَ مبتكرةٍ تمكّنُهُ من نقل مشاعرِهِ، وأفكارِهِ بطريقةٍ أكثرَ تأثيرًا وجمالًا. ومن الوسائل الفنِّيِّةِ المهمَّة التي يعتمد عليها الشُّعراءُ لتحقيق ذلك هو: الانزیاح. «ومن الجدیر ذکره أنَّ الانزیاحَ تقنیةٌ فنیَّةٌ یستخدمُها الشُّعراءُ للتَّعبیرِ عن تجاربهم الشُّعوریَّةِ، ولم یکن خاصًا بشعراءِ عصرٍ معینٍ». (الشّتیوي، 2005: 86)
إنّ الانزياحَ عاملٌ من العواملَ التي تُسْهِمُ في تعقيدِ الخطابِ الشِّعريِّ، لكنَّه في الوقتِ نفسِهِ يمنحُ القارئَ مدخلًا إلى عَالَمٍ رمزيٍّ وإيحائيٍّ أكثرَ عمقًا؛ إذ إنَّ خرق النِّظامِ النَّحويِّ المألوف يفتح أفقًا تأويليًّا واسعًا، ويُحوّل القارئَ من متلقٍ سلبيٍّ إلى مشاركٍ فعَّالٍ في إنتاج المعنى. وهكذا تتحوَّلُ اللُّغةُ الشِّعريَّةُ إلى بنيةٍ مفتوحةٍ تحتملُ قراءاتٍ متعددةٍ، ويصبحُ الانزياحُ وسيلةً لتحفيزِ هذا التَّفاعلِ القرائيِّ. ومن الباحثین مَنْ یقول: “إنَّ اللُّغةَ الشِّعريَّةَ دائمًا تُعِيدُ إحياءَ موقفِ الإنسانِ من اللُّغةِ، ومِنْ علاقةِ اللُّغة بالواقعِ، وتجلو التأليفَ الداخليَّ للعلاقةِ اللُّغويَّةِ، وتكشفُ إمکانیَّاتٍ جديدةً لاستخدامِهَا”، ممَّا يثبتُ محدوديَّةَ هذه اللُّغةِ، وقصورَهَا عن الاستجابةِ لحاجاتِ الإنسانِ المتجدِّدةِ واللانهائيَّة في إعادةِ التّوازنِ الذي يُفقدُه هذا اللَّونَ، وما الانزياحُ سوى احتيالِ الإنسانِ على اللُّغةِ، وعلى نفسِهِ لسدِّ قصورِهِ وقصورِهَا معًا، بل وكما يصرح أدونيس: “إنَّ التَّقنينَ والتَّقعيدَ يتناقضان مع طبيعةِ اللُّغةِ الشِّعريَّةِ، فهذه اللغة – بما أنَّها هي الإنسان في تفجُّرِهِ، واندفاعِهِ، واختلافه – تظل في توهُّجٍ وتجدُّدٍ وتغايُرٍ، وتظل في حركيَّةٍ وتفجُّرٍ، إنَّها – دائمًا – شكلٌ من أشكالِ اختراقِ التَّقنينِ والتَّقعيدِ». (أبطي، 2004: 274)
ويحتل الانزياح مكانةً مميَّزةً في الشِّعر العربيِّ؛ إذ يُعَدُّ من الوسائلِ المهمَّةِ التي يستخدمها الشّعراءُ لتحقيقِ التَّأثيرِ الجماليِّ، والتَّعبيريِّ في نصوصِهم. وتنبع هذه الأهمِّية من طبيعةِ الشِّعر نفسِهِ، بوصفِهِ فنًّا لُغَويًّا، يسعى إلى تجاوزِ حدودِ الاستخدامِ العاديِّ للُّغةِ، وخلقِ تأثيراتٍ جديدةٍ ومبتكرةٍ. کما أنَّ الانزياحَ في الشِّعر العربيِّ یعکسُ ثراءَ اللُّغةِ العربيَّةِ، ومرونتَها، وقدرتَها على التَّكيُّفِ مع المتطلبات الفنيَّة والجماليَّة. فاللُّغةُ العربيَّةُ بنظامِها النَّحويِّ المرنِ، وإمكانياتِها التعبيريَّةِ الواسعةِ، تتيحُ للشُّعراءِ مساحةً كبيرةً للإبداعِ والتّجديدِ من خلال الانزياح. «وليس يَعدمُ مَنْ يرومُ التَّنقِيبَ عن بذورٍ، أو ملامحَ، أو صلاتٍ لفكرة الانزياح عند العربِ القدماءِ، أنْ يلتقطَ غيرَ قليلٍ مِنْ تلك البذورِ، يلتقطُها في مدةٍ لم تكنْ فيها بوادرُ الفكرِ النَّقديِّ واللُّغويِّ قد بانت بعد، ولعلَّ المهمَّ الذي يمكنُ أنْ يذكرَ في هذا الشَّأنِ، أنَّ العربَ منذُ نشأتِهم قد أدركوا بذوقٍ فطريٍّ أنَّ للشِّعرِ لغةً خاصةً، تختلفُ عن لغةِ الحدیث». (جیلي، 2007: 27)
ولهذا يُعَدُّ الشِّعرُ العربيُّ من أعظمِ الكنوزِ الأدبيَّةِ التي تحملُ في طيَّاتها جمالياتِ اللُّغةِ وبلاغتَها؛ إذ تتداخلُ فيها العناصرُ اللُّغويَّةُ، والصِّورُ الفنيَّةُ؛ لتُبرزَ روعةَ التَّعبيرِ الشِّعريِّ. ومن بين هذه العناصرِ يأتي الانزياحُ كظاهرةٍ لُغويَّةٍ مميزةٍ، تُضفِي على النَّصِّ الشِّعريِّ بُعْدًا جماليًّا وحيويًّا. کذلك يُعدُّ الانزياحُ أحدَ أبرزِ الظَّواهرِ الأسلوبيَّةِ، التي ميّزتْ الشِّعرَ العربيَّ على امتدادِ تاريخه، من العصرِ الجاهليِّ إلی عصرِنَا هذا. أمَّا في العصور الإسلامیَّة – ومع تطوُّر علوم اللُّغةِ، وبخاصةٍ النَّحْوِ – أصبحتْ الحدودُ بين الفصيحِ والمخالفِ أكثرَ وضوحًا. ومع ذلك، ظلَّ الشُّعراءُ يوظفون الانزياح بوصفِهِ وسيلةً أسلوبيَّةً مقبولةً ضمن ما یسمی بالجوازاتِ الشِّعریَّةِ. وفي العصر الحدیث – ومع بروزِ الشِّعرِ الحرِّ، وقصيدةِ النَّثرِ – بلغَ الانزياحُ النَّحويُّ ذروتَه؛ إذ تجاوزَ الشُّعراءُ الكثيرَ من القيودِ النَّحويَّة. وقد رأى بعضُ النُّقَّادِ في ذلك تجديدًا وتحريرًا للُغةِ الشِّعر، فيما عَدَّه آخرون انحرافًا عن الفصاحة.
2-2- الالتفاتُ وأثرُه في التلقي: يُعَدُّ الالتفاتُ من مظاهرِ الانزياحِ النَّحْويِّ المهمَّةِ في البلاغةِ العربيَّة، وهو تحويلُ الكلام من أسلوبٍ إلى آخر؛ للتّنويعِ والتّجديدِ، وكسر رتابةِ التَّعبيرِ. وقد عرَّفَهُ البلاغيون بأنَّه: “صرفُ الكلامِ عن وجهٍ إلى وجهٍ آخرَ”، أو هو: “انتقالٌ من خطابٍ إلى غيبةٍ، أو من غيبةٍ إلى خطابٍ، أو من تكلُّمٍ إلى خطابٍ”، وهكذا. ومن المعروف أنَّ الالتفاتَ هو ضربٌ من الانزياحِ التَّركيبي على مستوى النَّصِّ؛ لأنَّه: “نقلُ الكلامِ من أسلوبٍ إلى آخرَ… من المتكلمِ، أو المخاطَبِ، أو الغائبِ إلى الآخر بعد التّعبيرِ بالأول”، فالنَّصُّ لا يستمرُ على دأبٍ واحدٍ؛ كسرًا للرتابةِ، وخلخلةً لبنيةِ التَّوقعاتِ لدى المتلقي؛ لذلك وُصِفَ الالتفاتُ بالعدولِ، وَعُدَّ من صميمِ الانزياحِ لشموليَّتِهِ على بنيةٍ التباسيَّةٍ تضليليَّةٍ، يشتركُ في تكريسِهَا كلٌّ من المعمارِ، والأسلوبِ، والدَّلالةِ، ويكون ذلك كلُّه بلغةٍ شعريَّةٍ.
واتخذت نظرةُ النَّقدِ الحديث إلى الالتفاتِ وجهةً أخرى مغايرة لما كان عليه النَّقدُ القديم، فأضحی” سمةً أسلوبيَّةً تُعِينُ على تحولاتٍ مختلفةٍ في الخطابِ … ولا تُفْهَمُ هذه التَّحوُّلاتُ إلَّا في ضوء السِّیاق اللُّغويِّ إذ إنَّ المعني قد يتجاوزُ الكلامَ المرسومَ أمامنا إلى آخرَ يُفْهَمُ ضِمْنِيًّا، وهو معنى يتحدَّدُ بالقوة اللا كلامية”.(عمر، 2012: 72)
ولاشك أنَّ للالتفات أسرارًا عظیمةَ الشَّأنِ، ملیحةَ النَّکتِ، دقیقةَ المعنی، وهذا ما ذکرَهُ معظمُ البلاغیين؛ حیث یقول أحدهم: “إنَّه من أجَلِّ علوم البلاغة، وهو أمیرُ جنودِهَا، والواسطةُ في قلائدِهَا وعقودِهَا، وسُمِّيَ ذلك أخذًا له من التفات الإنسانِ یمينًا وشمالاً». (لخضر، 2017: 22)
إنَّ للالتفات تأثيراتٍ عاطفيّةً قويَّةً؛ فعندما ينتقلُ الشَّاعرُ من الغيبةِ إلى الخطابِ مثلًا، فإنّه يخلقُ إحساسًا بالحضورِ والمواجهةِ المباشرةِ. كما أنَّه يُسْهِمُ في تحقيقِ التنويعِ الأسلوبيِّ في النَّصِّ الشِّعريِّ؛ إذ يُمنعُ الشَّاعرَ من الوقوع في رتابةِ الأسلوبِ الواحدِ. وهذا التنويعُ يزيدُ من جماليَّةِ النَّصِّ، ويحافظ على تفاعُلِ المتلقي معه، ویثیرُ انتباهَهُ، ویجدِّدُ نشاطَهُ الذهنيَّ. ويستخدم الشُّعراءُ الالتفاتَ لتحقيقِ التأثيرِ العاطفيِّ والنَّفسيِّ، إذ يُمكنُ للانتقال من الغيبةِ إلى الخطابِ أنْ يخلقَ إحساسًا بالقربِ والحميميَّةِ، بينما الانتقال من الخطابِ إلى الغيبةِ قد يخلقُ إحساسًا بالبُعْدِ والانفصال. إنَّ الالتفاتَ في الشِّعر العربيِّ يعكسُ مرونة اللغة، وقدرَتَها على التَّكيفِ مع المتطلباتِ التعبيريَّةِ المختلفةِ. فنظامُ الضمائرِ في العربيَّة يتيحُ للشَّاعرِ إمكانياتٍ واسعةٍ للتنويعِ في مستوياتِ الخطابِ، وتكثيفِ الصُّورةِ الشِّعريَّةِ، وكسرِ أفقِ التَّوقعِ لدى القارئ، كما يسمحُ الانزياحُ النَّحْويُّ بإعادةِ ترتيبِ العلاقاتِ الدَّلاليَّةِ داخل النَّصِّ، ممَّا يمنح اللُّغةَ مرونةً تُخرجُهَا من إطارِ التَّقريريَّةِ إلى فضاءِ الإيحاءِ والرَّمزِ.
ولقد قسّم البلاغيون الالتفاتَ إلى أنواعٍ متعدِّدةٍ حسب اتجاه الانتقالِ. فهناك الالتفاتُ من التَّكلُّمِ إلى الخطابِ، ومن التَّكلُّمِ إلى الغيبةِ، ومن الخطابِ إلى التَّكلُّمِ، ومن الخطابِ إلى الغيبةِ، ومن الغيبةِ إلى التَّكلُّمِ، ومن الغيبةِ إلى الخطابِ. وكُلُّ نوعٍ من هذه الأنواعِ له تأثيراتُه البلاغيَّةُ والنفسيَّةُ الخاصةُ.
3- تجلياتُ انزياحِ الالتفاتِ في شِعْرِ الوأواءِ الدِّمشقِيِّ: إنَّ من مظاهرِ الانزیاحِ النَّحْويِّ، والبلاغيِّ ظاهرةَ الالتفاتِ، التي تُعَدُّ ظاهرةً لغویَّةً وأسلوبیَّةً، تتحکَّمُ بمعاییرِ الکلامِ، فیبتدعُ فیها وتخترقُ المدلولاتِ عن طریقِ تغییرِ وتبدیلِ مواقعِ الدّوال. (السبت، 2018: 71)
ويُعَدُّ الالتفات من التّقنياتِ الأسلوبيَّةِ المهمَّةِ في شِعْرِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ؛ إذ يستخدمُهُ الشَّاعرُ للتنويعِ في الخطابِ، وخلقِ تأثيراتٍ دلاليَّةٍ وجماليَّةٍ متميِّزةٍ. وقد تنوَّعَ الالتفاتُ في شعرِهِ بين الالتفاتِ من الغائبِ إلى المخاطَبِ، ومن المخاطَبِ إلى الغائبِ، ومن المتكلِّمِ إلى المخاطَبِ، وغیرِ ذلك من أنواعِ الالتفاتِ، وسيتضح ذلك فيما یلي:
3-1- الالتفاتُ بينَ الضَّمائرِ: الالتفاتُ بين الضَّمائرِ أسلوبٌ بلاغيٌّ يُقصدُ به الانتقالُ من ضميرٍ إلى آخر داخلِ الكلامِ الواحدِ، مع بقاءِ المعنى، والمقصودِ واحد؛ وذلك لأغراضٍ فنيَّةٍ وبلاغيَّةٍ لا لخطأٍ لُغَويٍّ، بل لإحداث تنويعٍ في الأسلوبِ يجذبُ انتباه السَّامعِ أو القارئِ.
ولقد أولى البلاغيون ظاهرةَ الالتفاتِ اهتمامًا كبيرًا، فأفردُوا لها أبوابًا خاصةً في مؤلفاتِهم. ومنهم مَنْ عَرَّفَ الالتفاتَ بقوله: «أنْ ينتقلَ المتكلِّمُ من ضميرٍ إلى ضميرٍ، كأنْ ينتقلَ من ضمير المتكلِّمِ إلى ضميرِ المخاطَبِ، أو الغائبِ، أو من ضميرِ المخاطَبِ إلى ضميرِ المتكلِّمِ، أو الغائبِ، أو من ضميرِ الغائبِ إلى ضميرِ المتكلِّمِ، أو المخاطَبِ». (ابن الأثير، 1995: 45)
ويقول حازم القرطاجنيّ في بلاغة الالتفات: «العربُ يسأمونَ الاستمرارَ على ضميرِ متكلِّمٍ، أو ضميرِ مخاطَبٍ، فيقولُ من الخطابِ إلى الغيبةِ، وكذلكَ يتحدثُ عن المتكلِّمِ بضميرٍ، فتارةً يجعلُه یاءً على جهةِ الإخبارِ عن نفسِهِ، وتارةً يجعلُه كافًا، أو تاءً فيجعلُ نفسَه مخاطبًا، وتارة يجعلُه هاءً فيقيمُ نفسَه مقامَ الغائبِ؛ فلذلك كانَ الكلامُ المتوالي فيه ضميرٌ متكلِّم أو مخاطب لا يستطاب، وإنَّما يَحْسُنُ الانتقالُ من بعضهِمَا إلى بعضٍ، وهذا القول هو ما أكد عليه الزمخشريُّ في قوله في طرد السأمِ وجذبِ انتباه السَّامعِ». (لخضر، 2017: ۲۲)
إنَّ الالتفاتَ بین الضَّمائرِ في دیوانِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ، يُسْهِمُ في تعميقِ الدَّلالةِ من خلالِ نقلِ المتلقي من وضعٍ تعبيريٍّ إلى آخر، بمَا يناسبُ تطوُّرَ المعنى وسياقَهُ. وشدَّ انتباه المتلقي، وكسرَ التَّوقُّعِ الأسلوبيِّ؛ مما يجعل المعنى أكثرَ حضورًا وتأثيرًا، وتقوية العلاقةِ بين المتكلِّمِ والمخاطَبِ؛ إذ قد ينتقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب؛ لإشعار المخاطَب بالقرب والمسؤولية، إضافة إلی توكيد المعنى وترسيخه عبر تنويع الأسلوب مع وحدة المرجع الدَّلاليِّ.
3-1-1- الالتفاتُ مِنَ الغَائبِ إلی الْمُتَکَلِّمِ: عندما يستخدمُ الشَّاعرُ هذا النَّوعَ من الالتفاتِ فإنَّه ينتقلُ من التَّقريرِ (التّحدّث بضمير الغائب) إلى تكثيفِ الدَّفقةِ الشُّعوريَّةِ (التَّحدُّث عن الذَّات بضمير المتكلِّمِ)، واستخدامُ هذا الأسلوبَ يحقِّقُ مجموعةً من القيمِ الجماليَّةِ والدَّلاليَّةِ، منها: استحضارُ الذَّاتِ، وتنبيهُ السَّامعِ، والإيجازُ والتَّركيزُ، والانتقالُ من التَّقريرِ إلى البثِّ. ومثال ذلك عند شاعرنا الوأواءِ ما يلي:
- يقول الشَّاعر: وَدَّعْتُهَا وَبِنَحْرِي مِنْ مَدَامِعِهَا نَحْرٌ، وَفِي جِيْدِهَا مِنْ مَدْمَعِي جِيْدُ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: ٧٤)
في هذا البيت يصفُ الشَّاعرُ شدَّةَ العناقِ لحظةَ الوداعِ، حتَّى كأنَّ دموعَهَا سالتْ على نحرِه فصارت له نحرًا من اللؤلؤِ، ودموعُهُ سالتْ على جيدِهَا فصارت لها قِلادةً من اللؤلؤِ أيضًا. ويظهر هنا التفاتٌ في انتقالِ الشاعر من التَّحدُثِ بضميرِ الغيبةِ في الشطر الأول (مَدَامِعِهَا)، إلى التَّحدُّثِ عن نفسه فقال (مَدَامِعِي). ونلاحظ جمالَ الالتفاتِ، وبراعةَ الشاعرِ في التَّحوُّل في زوايا الرؤية بين فعل الوداعِ وبين أثر هذا الوداع عليهما. ولقد أثبت الشاعر براعةً وإبداعًا فى استخدام أسلوب الالتفات البلاغيِّ، والانزياح النَّحويِّ في التعبير عن مشاعره، ونجح بذلك في رسم لوحةٍ فنيَّةٍ معبرةٍ.
- وفي قوله: أَطَالَ لَيْلَ الصُّدُودِ حَتَّى يَئِسْتُ مِنْ غُرَّةِ الصَّبَاحِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 69)
في هذا البيت يقررُ الشَّاعرُ أنَّ الحبيبَ قد أطالَ الهجرَ، حتى خُيِّل إليه أنَّ ليلَهُ لن ينتهي؛ لأنَّه فقدَ الأملَ في الوصالِ. والالتفات في هذا البيت يمنحه قوةً تعبيريَّةً تجذب انتباه السَّامع؛ فقد بدأ بضميرِ الغائب (هُوَ) والذي يعودُ على المحبوبِ، وهو الفاعلُ المستتر بعد (أَطَالَ)، ثم انتقل فجأةً إلى ضميرِ المتكلِّمِ في (يَئِسْتُ). هذا الالتفاتُ ينقلُ القارئ من حالةِ الإخبارِ عن فعلِ الحبيبِ إلى حالةِ المعايشةِ لمرارةِ الهجرِ، فهو باستخدامِهِ الالتفاتِ استطاع أنْ يربطَ بين الفعلِ الخارجيِّ (الإطالة في الصدود) وبين الأثرِ الدَّاخليِّ (اليأس من وصال الحبيب) ممَّا زاد من حيويةِ المشهدِ، وجذبَ انتباه السَّامِعِ.
3-1-2- الالتفات من المتکلم إلی الغائب: يَستخدم الشّاعر العدول من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب لإضفاء طابعٍ من الجلال أو الموضوعية، أو لإبعاد الذّات عن الفعل؛ لاعتبارات بلاغيّة أو نفسيّة. ويظهر الالتفات هنا في الانتقال من التّكلم إلى الغيبة وهي: «التَّعرُّض لعنوان الرُّبوبيّة، وتربية المهابة، وتأكید استقلال الاعتراض التّذيیليِّ، والدّلالة على الفخامة، والإيذان بكمال السّخط، وتأكید الاعتناء، والدّلالة على الاختصاص، وتعميم الأمر للغائب وللحاضر، والمبالغة في إيجاب الامتثال» .(سعدون زاده، د.ت: ۱۲۵)
ومن أمثلة هذا النوع من الالتفات:
- قول الشاعر: مَلَكَتْنَا بِضَعْفِهنَّ ظِبَاءٌ فَخَصَعْنَا لَهَا وَنَحْنُ أُسْوُدُ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 90)
هذا البيتُ يصوِّر فيه الشَّاعرُ سطوةَ الجمالِ وضعفَ العاشقِ أمامَ المحبوبِ، وعَبَّرَ عن ذلك بعقدِ مقارنةٍ بين حالتين متناقضتين: الأولى: الظِّباءُ، حيثُ الضَّعفِ والرِّقةِ والجمالِ، وهو تشبيهُ النِّساءِ بالظِّباءِ، والثانية: الأسودُ، حيثُ القوةِ والهيمنةِ والسيطرةِ، وهو تشبيهُ الرجالِ بالأسودِ. ويقرر أنَّ الظِّباءَ (النساء) بضعفهن استطعنَ امتلاكَ قلوبِ الأسودِ (الرجال) بشدتهم، ممَّا يؤدي إلى حالةٍ من الخضوعِ الاختياريِّ الجميلِ. لقد استخدمَ الشَّاعرُ الالتفاتَ للتعبيرِ عن مشاعرِهِ، فبدأ بضميرِ المتكلِّمِ (نا) في قوله (مَلَكَتْنَا) وهو الضّمير المبني في محل نصب؛ لأنّه مفعول به، معبرًا عن نفسِهِ وجنسِ الرجالِ، ثم عَدَلَ إلى ضميرِ الغائبِ (هُنَّ) في قوله ( بِضَعْفِهِنَّ). وهو التفاتٌ ينقلُ القارئَ من حالةِ الوصفِ العامِ (أنَّ الظباءَ تملك القلوب) إلى التَّجربةِ الشَّخصيةِ؛ فالهزيمةُ العاطفيَّةُ يعيشُهَا باختيارِه وإرادتِهِ. ولقد برع الشاعرُ في استخدام الالتفات هنا ليؤكد أنَّ قوةَ الضَّعفِ الأُنثَويَّ تتفوقُ على صَولةِ الرِّجالِ.
- وفي قوله: إنِّي لَأُخْفِي اشْتِيَاقِي، وَهُوَ مُشْتهرٌ مِنْ أَيْنَ يَخْفَى؟! وَدَمْعِي صَاحِبُ الْخَبَرِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 98)
يقول الشّاعر هنا: إنَّه يحاول جاهدًا إخفاءَ مشاعرِهِ تجاهَ المحبوبِ، لكنَّ محاولاتِهِ تبوءُ بالفشلِ؛ لأنَّ حقيقةَ مشاعرِهِ تظهرُ للعلنِ بوضوحٍ. ثُمَّ يتعجبُ مستنكرًا ويقررُ استحالةَ الكتمانِ؛ لأنَّ دمعَ عينهِ يُفصِحُ عمَّا يحاولُ اللِّسانُ والقلبُ إخفاءَه. ويظهر لنا لجوء الشَّاعرِ إلى استخدامِ الالتفاتِ؛ إذ انتقلَ من الإخبارِ عن النَّفسِ بضميرِ المتكلِّمِ في قوله (إنِّي لَأُخْفِي) إلى الأسلوبِ التَّساؤليِّ التَّعجبيِّ في قوله (مِنْ أَيْنَ يَخْفَى). هذا الالتفاتُ ينقلُ القارئَ من حالةِ السِّكونِ والثَّباتِ (الادعاء والكتمان) إلى حالةِ الحركةِ والانفعالِ (الدّهشة من العجز عن الكتمان). ولقد نجح الشّاعر في هذا الالتفات، فانتقل من التَّقريرِ إلى التَّساؤلِ الاستنكاريِّ؛ ممَّا أَضْفَى حيويَّةً في البيتِ.
3-1-3- الالتفاتُ مِنَ الْمُتكلِّمِ إلى المُخَاطَبِ: إنَّ انتقال الشَّاعر من التَّحدُّث بضميرِ المتكلِّمِ إلى ضميرِ المخاطَبِ ليس مجردَ تنوعٍ لُغويٍّ فحسب، بل هو رسمٌ لمشهدٍ دراميٍّ، فالشَّاعرُ لا يكتفي بالحديث عن نفسِه، بل ينتقلُ ويحوِّل تلك التّجربة ليراهَا هو ويراهَا السَّامعُ، ويكمُنُ جمالُ الالتفاتِ هنا في المفاجأةِ التي تمنحُ القصيدةَ حركةً ديناميكيَّةً، كما يفيدُ هذا التَّحوُّل إظهارَ الصِّراعِ الدَّاخليِّ، والتنبيهَ، وتعظيمَ الحالةِ، وكسرَ المللَ. ومن ذلك:
- قول الشّاعر: قَدْ هَوَيْتُ السّقَامَ فِي الحُبَّ لَمَّا حُزْتَ مِنْهُ فِي مُقْلَتَيْكَ نَصِيْبَا
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 51)
هنا يخاطب الشّاعرُ المحبوبَ معبِّرًا عن مفارقةٍ عجيبةٍ، فلقد وصلَ به الهوى إلى درجةٍ أصبحَ يحب السَّقْمَ ويتمناه؛ وذلك لأنَّ المحبوبَ قد حازَ من هذا السَّقْمِ نصيبًا في عينيه، فصارَ المرضُ جمالًا، يستحقُ أن يُهْوَى، وصار الشَّاعر يطلبُ السَّقمَ لنفسِه؛ ليشابِهَهُ ويشاركَهُ هذا الجمالَ.
ويتضح الالتفاتُ هنا في الانتقال من ضمير المتكلم في (هَوَيْتُ)؛ ليعلنَ الشَّاعر عن حالته النفسيَّة إلى ضمير المخاطب في (حُزْتَ)؛ ليخرج من دائرة الذَّات إلى دائرة الحوار المباشر مع المحبوب. ويبين لنا أنَّه لم يستطع حبسَ مشاعرِهِ في إطارِ الحديثِ عن نفسِهِ فقط، بل اندفعَ لمواجهةِ المحبوب ليخبرَه أنَّ سببَ حبِّه السَّقمِ هو المحبوبُ ذاته، وهذا يجعل الخطابَ أكثرَ حيويةً.
– وفي قوله مخاطبًا المحبوب: كُلُّ شَيءٍ مِنِّي يُحِبُّكَ حَتَّى أَنَّ أَعْضَايَ فِيْكَ تَحْكِي الْقُلُوبَا
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 51)
يعبِّرُ الشَّاعر هنا عن شدَّةِ حبِّهِ، مؤكدًا أنَّ هذا الحبَّ ليس مجردَ عاطفةٍ قلبيَّةٍ فقط، بل هو حالةٌ وجوديَّةٌ استغرقتْ كُلَّ كيانِهِ، حتى أنَّ أعضاءَ جسدِهِ أصبحتْ تتحدثُ بلُغةِ الحُبِّ.
ويتضمنُ هذا البيتُ التفاتين دقيقين: الأول: هو انتقالُ الشَّاعرِ بحديثهِ من العام في قوله (كُلُّ شَيءٍ) إلى الخاص في قوله (أَعْضَايَ)، والثاني: هو الانتقال من الحديث بضمير المتكلم في (مِنِّي)، و(أَعْضَايَ) إلى خطابِ المحبوبِ في قوله (يُحِبُّكَ)، و(فِيْكَ). ولقد نجح الشَّاعرُ في تحويلِ الحُبِّ من مجردِ حالةٍ شعوريَّةٍ داخليَّةٍ إلى حالةٍ ماديَّةٍ ملموسةٍ؛ إذ لم يَعُد القلبُ وحدَهُ هو المحِبُّ، بل أصبحَ الجسدُ بكُلِّ جوارحِهِ مشاركًا في هذا الحُبِّ.
٣-١-٤- الالتفاتُ من المخاطَبِ إلی المُتکلِّمِ: إنّ الانتقالَ من مخاطبةِ الغيرِ إلى التَّحدُّثِ بصيغةِ المتكلِّمِ، يفيدُ إشراكَ المتكلِّمِ في القضيَّةِ بعد أنْ كانَ موجِّهًا الكلامَ لغيرِهِ، وفيه إشعار بتحمُّلِ المسؤوليَّةِ.
ومن أغراضه البلاغیّة: التّواضعُ، والمشاركةُ الوجدانيَّةُ، وتقويةُ الصِّلةِ بين المتكلِّمِ والمخاطَبِ. ويُعَدُّ هذا النوع من الالتفات في دیوان الشّاعر أداةً فنیَّةً فعَّالةً، تکشفُ عن عمقِ التَّجربةِ الوجدانیَّةِ، وتمنحُ شِعْرَهُ صدقًا وتأثیرًا أکبرَ، وتزیدُ من حیویَّةِ النَّصِّ الشِّعريِّ. فخطابُ المخاطَبِ یفتحُ بابَ المشارکةِ، ویشدُّ السَّامعَ، ثمَّ الالتفاتُ إلی المتکلِّمِ ینقلُهُ إلی عالمِ الشَّاعرِ الدَّاخِليِّ، فیعمَّقَ التَّعاطُفَ ویقوِّي الأثرَ النَّفسيَّ.
ومن نماذج هذا النوع، قول الشاعر: لَا تَنْسَ لَيْلَةَ كُنَّا فِي الضَّمِّ رُوْحًا لِفَرْدِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 24)
هنا يتحدثُ الشَّاعرُ عن حالةِ الاندماجِ التَّام بينَهُ وبين المحبوبةِ، في لحظةٍ زمنيَّةٍ معينةٍ، ولقد استخدمَ الشَّاعرُ صورةَ الضَّمِّ ليجسدَ ذروةَ القربِ الجسدِيِّ والرُّوحيِّ؛ حيث تلاشت الحدودُ بينهما ليصبحا روحًا واحدةً في جسدٍ واحدٍ. ولقد برز الالتفاتُ هنا في الانتقال من ضمير الخطابِ إلى التَّكلُّمِ؛ إذ بدأ الشَّاعرُ بالخطاب الموجود في (لَا تَنْسَ) وهو ضمير المخاطب الفاعل المستتر في الفعل، وهو خطابٌ ذاتيٌّ، ثم انتقل إلى ضمير المتكلمين في (كنَّا)، وهو التفاتٌ من التَّوجيه الخارجيِّ إلى التَّعبيرِ عن الحالةِ الشُّعوريَّةِ المشتركةِ.
ونرى نجاحَ الشَّاعرِ وبراعتَةُ في أنْ يجعلَ القارئَ يشعرُ بأنَّ الضَّمَّ هو المكانُ الوحيدُ الذي تذوبُ فيه الثنائياتُ.
- وفي قوله: هَلْ سَمِعْتُمْ بِغــــــــــــــــــزَالٍ صَادَ لَيْثا فِي غِيَاضِ
بِأَبِي رِيْمٌ رَمَى قلبِــــــــــــــ ـــــــــــي بِأحْدَاقٍ مِرَاضِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 137)
في هذين البيتين يطرح الشَّاعر تساؤلًا تعجبيًّا، فيقولُ: هلْ سمعتُمْ يومًا أنَّ غزالًا، (وهو رمزُ الضَّعفِ والرِّقةِ والجمالِ) استطاع أنْ يصيدَ أسدًا (وهو رمزُ القوةِ والهيمنَةِ) في عرينِهِ، ثُمَّ يعبِّرُ عن أنَّه يفدِي هذا المحبوبَ (الرّيم) بروحِهِ وأبيه، موضحًا كيف أصاب المحبوبُ بنظراتِ عينيهِ الفاترتين قلبَهُ ففعلتْ فيه فِعْلَ السِّهامِ. ويبرز الالتفاتُ هنا حيث بدأ الشاعرُ بالخطابِ (هَلْ سَمِعْتُمْ) عن طريق تاء الفاعل بصيغة الجمع؛ ليجذبَ انتباه السَّامعين ويجعلهم شهودًا على الحالةِ، ثم عدلَ إلى ضميرِ الغائبِ المستترِ، وتحدث عن الغزال في قوله (صَادَ)؛ ليصفَ فعلَ المحبوبِ. وتكمُنُ القيمةُ الجماليَّةُ لهذا الأسلوبِ في إثارةِ الذِّهنِ، فالعدولُ عن سؤال المخاطبين إلى وصفِ فعلِ المحبوبِ يكسرُ رتابةَ الحديثِ. كما نلاحظ في هذا الالتفاتِ مبالغةً مقبولةً تخدمُ التَّجريدَ، كأنَّ الشَّاعرَ يُخرِجُ من نفسِه شخصًا يسألُ النَّاسَ عن حالهِ، وما فعلَهُ فيه المحبوبُ.
٣-١-٥- الالتفاتُ من المُخاطَبِ إلى الغائبِ: يُعَدُّ الالتفاتُ من المخاطبِ إلى الغائبِ أحدَ الفنونِ البلاغيَّةِ الرَّفيعةِ، ففيه يُحوَّلُ الكلامُ من توجيه الخطابِ المباشرِ إلى الحديثِ عن الشَّخصِ بصفةِ الغائبِ؛ حيثُ يبدأ الشَّاعرُ كلامَه بمخاطبةِ المقصودِ بالكلامِ باستخدام (كاف الخطاب) أو أيّ ضميرٍ للمخاطبِ، ثم ينتقل فجأةً في سياقِ الكلامِ نفسِه للحديثِ عن هذا الشَّخصِ بضميرِ الغيبةِ، وكأنَّه يتحدث عن شخص آخر غير موجودٍ. ويؤدي هذا الأسلوبُ عدةَ وظائفَ فنيَّةٍ ونفسيَّةٍ، تزيدُ من قوةِ النَّصِّ، منها: تجديدُ نشاط السَّامعِ، وكسرُ رتابةِ الأسلوبِ، والإعراضُ عن الشَّخصِ وكأنَّه لم يَعُدْ يستحقُّ المواجهةَ المباشرةَ، كما أنَّه يفيدُ إبرازَ الحالةِ النَّفسيَّةِ، ويصوِّرُ الصراعَ الدَّاخليَّ عند الشَّاعرِ. ومثال ذلك:
– قول الشّاعر: فَيَا مُلْزِمِي ذَنْبَ الدّمُوْعِ الَّتِي جَرَتْ فَأَبْدَتْ مِنَ الأسْرَارِ كُلَّ مَصُوْنِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 236)
في هذا البيت يخاطب الشّاعرُ المحبوبَ، الذي يلومُهُ على بكائِهِ، وكأنَّ هذا البكاءَ خطيئةٌ، ويوضحُ لنا أنَّ تلك الدُّموعَ كانتْ وسيلة ًكشفتْ الأسرارَ، والمشاعرَ المصونةَ التي يحاول هو إخفاءَهَا. ويبدو هنا عدولُ الشَّاعرِ عن الخطابِ الذي بدأ به؛ إذ ينادي على المحبوبِ الذي يلومه بقوله (فَيَا مُلْزِمِي)، إلى ضميرِ الغيبةِ المستتر في قوله (جَرَتْ / أَبْدَتْ) بدلًا عن الاستمرارِ في سياق الخطابِ المباشر.
ولقد نجح الشَّاعرُ بهذا الأسلوبِ في جذبِ انتباه السَّامعِ، وتجديدِ نشاطِهِ الذِّهنيِّ، كما سلطَ الضوءَ على الدِّموعِ كفاعلٍ أساسيٍّ، فهي التي كشفتْ الأسرارَ، ممَّا يعفيهِ نفسيًّا من مسؤوليةِ البوحِ، فالدُّموعُ هي التي أبدتْ الأسرارَ رغمًا عنه.
- وفي قوله: اخْضَعْ إذَا غَرَّ مَنْ تَهْوَى وَذِلَّ لَهُ فَوِدُّ أَهْلِ الْهَوَى أَبْقَى إِذَا خَضَعُوا
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 139)
هنا يوجه الشاعر أمرًا لكُلِّ محبٍّ بأنْ يتواضعَ لمن يحبُهُ، خاصةً إذا تعزَّز وتشدَّدَ هذا المحبوبُ، ويعلل ذلك بأنَّ المودةَ تدومُ وتستمرُّ عندما يتواضعُ المحبون.
ولقد لجأ الشَّاعرُ إلى أسلوبِ الالتفاتِ، إذ بدأ الكلامَ بضميرِ المخاطَبِ الفاعل المستتر في قوله (اخْضَعْ / ذِلَّ / تَهْوَى) في الشّطر الأول من البيت، ثُمَّ انتقلَ فجأةً إلى الكلامِ بضميرِ الغيبةِ في قوله (لَهُ / خَضَعُوا)، وهو ضميرٌ مبني في محل جرٍّ في (لَهُ)، وفي محل رفعٍ فاعل في (خَضَعُوا)، فالشَّاعرُ بدأ بخطابِ الأحبابِ، ولكنَّهُ لمْ يستمرْ في مخاطبتِهم، بل انتقلَ بالحديثِ عن الغائبِ، وهُمْ أهلُ الهوَى.
وبهذا الأسلوب استطاع الشَّاعرُ الانتقال من خصوصيَّةِ التَّجربةِ، والنَّصيحةِ المباشرةِ في الشطر الأول إلى التَّعميمِ في الشطر الثاني. وشاعرنا بذلك نجح في تحقيق عدة أهداف، منها:
- التسليةُ والتهوينُ: فعندما يعلمُ المحبُّ أنَّ الخضوعَ للمحبوبِ ليس ضعفًا خاصًا به وحدَهُ، بل هو شأنُ كُلِّ أهلِ الهوَى، فيسهل عليه تقبلُ الأمرِ.
- تأكيد المعنى: فالالتفاتُ هنا يكسرُ رتابة الأسلوبِ، ويجذبُ انتباه السامعِ؛ ليؤكد أنَّ دوامَ الودِّ مرتبطٌ بالخضوعِ.
٣-١-٦- الالتفات من الغائب إلی المخاطب: وهو الانتقال في الحديث من صيغة الغائب إلى مخاطبته مباشرةً. إنَّ هذا النوع يُشعرُ السَّامعَ بقربِ المخاطَبِ، وحضورهِ بعد أنْ كانَ بعيدًا في حيِّزِ الْغيبةِ، وفي استخدام هذا الأسلوب يكونُ جذبُ الانتباه، وإشراكٌ مباشرٌ للمتلقي في المعنى. یقول ابن الأثير: «إنَّا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استُعْمِلَ لتعظيم شأنِ المخاطَبِ، ثم رأينا ذلك بعينِهِ – وهو ضدُّ الأول – قد اسْتُعْمِلَ في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا أنَّ الغرضَ الموجِبَ من الكلام لا يَجْرِ على وتيرةٍ واحدةٍ، وإنَّما هو مقصورٌ على العنايةِ بالمعني المقصودِ، وذلك المعنى يتشعَّبُ شُعبًا كثيرةً لا تنحصرُ، وإنَّما يؤتَي بها على حسب الموضعِ الذي تردُ فيه”، ثم يؤكِّد على أنَّ هذا الفنَّ من الفنون لا يجيده إلا البلغاءُ، فيقول: “فينبغي أنْ يكونَ صاحبُ هذا الفنِّ من الفصاحةِ والبلاغةِ عالِمًا بوضعِ أنواعِهِ في مواضِعِهَا على اشتباهها، أي: أنَّه ليس بالأمرِ السَّهل أنْ تقومَ بهذه التّقليبات سواء». (لخضر، 2017: 23)
ومن الوجوه الجماليَّة للالتفاتِ من الغيبةِ إلى الخطابِ: “الدَّلالةُ على شرفِ المخاطبةِ، والتّوبیخُ، والمبالغةُ في التهديدِ، والمبالغةُ في الوعيدِ، والتشجيعُ، والمبالغةُ في المعاتبةِ، والمبالغةُ في التَّحريضِ، والدَّلالةُ على التَّكریمِ”. (سعدون زاده، د.ت: 129)
ومن أمثلة هذا النوع:
– قول الشاعر: فَلَرُبَّ لَيْلٍ ضَلَّ عَنْهُ صَبَاحُهُ فَكَأنَّهُ بِكَ خَطْرَةَ المُتَفَكِّرِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 108)
هنا يصف الشاعر ليلًا شديدَ السوادِ والظُّلمَةِ، كأنَّ الصَّباحَ تاهَ، ولم يجدْ إليه طريقًا، وهو يشبه خاطرةَ المتفكِّرِ، تلك الفكرة التي تمرُّ بالذِّهنِ بسرعةٍ خاطفةٍ فلا تُدْرَكُ لصغرِهَا ولُطْفِهَا.
ولقد لجأ الشَّاعرُ إلى أسلوبِ الالتفاتِ؛ فانتقلَ من الحديث بضمير الغيبةِ في قوله (ضَلَّ عَنْهُ صَبَاحُهُ/ فكأنَّهُ)، ثم انتقل فجأةً إلى ضميرِ الخطابِ في قوله (بِكَ). ولقد برع في هذا الالتفات؛ حيث استطاع به تحويلَ اللَّيلِ من حقيقةٍ ماديَّةٍ مظلمةٍ إلى صورةٍ ذهنيَّةٍ تشبه الخاطرَ، وهو التفاتٌ معنويٌّ تصويريٌّ.
- وفي قوله: فقَالَ النَّاسُ لَمَّا أَبْصَرُوْهُ: لِيهْنِكَ، زَارَكَ البَدْرُ المُنِيْرُ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 110)
يصور الشَّاعرُ في هذا البيت لحظةَ ظهورِ الممدوحِ على النَّاسِ، فبمجردِ أنْ وقعتْ أبصارُهم عليه دعوا له بالبركةِ والسُّرورِ. ولقد بدأَ الشَّاعرُ كلامَه بضميرِ الغيبةِ في (أَبْصَرُوْهُ) فالهاء: ضميرُ الغائبِ مبنيٌّ في محل نصبٍ مفعول بهِ يعودُ على الممدوحِ، ثم انتقل فجأةً ليوجهَ الكلامَ للممدوحِ عن طريق ضمير المخاطب في قوله (زَارَكَ) فالكاف: ضميرُ المخاطبِ مبنيٌّ في محل نصبٍ مفعول به، وهذا الالتفات أثار الانتباه، بالانتقال المفاجئ بين الضمائر، وكسر رتابةَ الأسلوب.
3-2- الالتفات في الأزمنة: تُعَدُّ مسألةُ الالتفاتِ في الأزمنةِ، كأنْ ينتقلُ الشَّاعرُ من صيغة (الماضي إلى المضارعِ أو الأمرِ، أو العكس) من المسائل الدَّقيقةِ، التي أثارتْ نقاشًا بين علماء البلاغةِ القدماءِ والمحدثين، وإنْ اختلفوا في مُسَمَّى الظاهرة. ففي التّراثِ البلاغيِّ القديمِ لم يدرجْ أغلبُ البلاغيين تغيُّرَ الأزمنةِ ضمن التَّعريفِ الاصطلاحيِّ للالتفات، والذي يقتصرُ عندهم على التَّحوُّلِ بين الضمائرِ (التَّكلُّم، والخطاب، والغيبة). يقول السَّكَّاكيُّ عن الالتفاتِ أنَّه: “تعبيرُ المتكلِّمِ عن معنى بطريقٍ من الطُّرقِ الثلاثةِ (التَّكلُّم، والخطاب، والغيبة) بعد التعبير عنه بطريق آخر منها). (مفتاح العلوم 1: 199)
ويقول القزوينيُّ هو: ” تغييرُ أسلوبِ الكلامِ من حالةٍ إلى أخرى (من التَّكلُّم أو الخطاب أو الغيبة) إلى حالةٍ أخرى منها”. (الإيضاح 2: 86)
وتوسَّعَ بعضُ علماءِ البلاغةِ المحدثين في مفهوم الالتفاتِ متأثرين بالدِّراساتِ الأسلوبيَّةِ واللُّغويَّةِ الحديثةِ، وأصبحَ التفاتُ الأزمنةِ عندهم ركنًا أساسيًّا في دراساتهم، ومنهم تمام حسان، وعبد الفتاح لاشين؛ إذ لم يحصرا الالتفاتَ في الانتقال بين الضمائرِ الثلاثةِ فقط -كما عند جمهور البلاغيين- بل وسَّعا الدائرةَ لتشملَ الالتفاتَ في الصِّيغ الزَّمنيَّةِ، كالانتقال من الماضي إلى المضارع أو العكس؛ لتحقيق غرضٍ دلاليٍّ، مثل: استحضار الصُّورةِ، وأيضًا الالتفاتُ في الأساليب الإنشائيَّةِ والخبريَّةِ.
وعلى ذلك فالالتفاتُ هو أسلوبٌ بلاغيٌّ يقومُ على العدولِ عن زمنٍ فعليٍّ معينٍ إلى زمنٍ آخر، كأنْ ينتقل الشّاعر من (الماضي إلى المضارع أو الأمر، أو العكس) داخل السِّياقِ الواحدِ، مع وحدة الحدثِ أو المعنى، بقصدٍ بلاغيٍّ يقتضيه المقام، لما في ذلك من أثرٍ دلاليٍّ يتمثل في تنشيط المتلقي، وتقويةِ المعنى، وتصويرِ الحدثِ، أو استحضارِهِ أو توكيدهِ. ويؤدِّي الالتفاتُ في الأزمنةِ دورًا دلاليًّا في إفادة المعنى وتكثيفه، ولا يقتصرُ على التنويعِ الأسلوبيِّ، وهذا ما سيتضحُ فيما يلي.
3-2-1- الالتفاتُ من زمنِ الماضي إلی المضارعِ: الانتقالُ في الكلامِ من الماضي إلى المضارعِ مع بقاء المعنى أسلوبٌ بلاغيٌّ يُقصدُ به إحياءُ الصُّورةِ، واستحضارُ الحدثِ، وتقريبهِ إلى الذِّهنِ، كأنَّه الآن. «في الالتفات من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، ولعلَّه من المعلومِ أنَّ الماضي يكونُ مقطوعًا بدلالته؛ لأنَّه حدث فعلًا، ومن ثَمَّ يُعَدُّ التّعبير به إثباتًا لواقعٍ، ويكون الالتفات عنه إلى صيغة المضارعِ -التي لم تقع أحداثهُا بعد- إثراءً لهذا الماضی وتأكيدًا له». (مصطفی علي، د.ت: 101).
ويفيد الالتفاتُ من زمن الماضي إلى زمنِ المضارعِ في دیوان الشَّاعرِ تقويةَ المعنى البلاغيِّ للنَّصِّ؛ إذ ينقلُ الحدثَ من كونه أمرًا منقضيًا إلى صورةٍ حيَّةٍ متجدِّدةٍ، فيشعر المتلقي بأنَّ الفعلَ يقعُ أمامه في لحظةِ الكلامِ. ويُسهِمُ هذا الأسلوب في استحضارِ المشهدِ وإضفاءِ الحركة والحيويَّةِ عليه، ممَّا يزيد من تأثيرِه في النَّفسِ، ويعمِّقُ الاستجابةَ الشُّعوريَّةَ لدى القارئ أو السامع. كما يؤدِّي هذا الالتفاتُ إلى جذبِ الانتباه، وكسرِ رتابةِ السَّرد، فيجعل الخطابَ أكثرَ تشويقًا وقوةً في الدَّلالةِ، وقد يُفهم منه استمرارُ الفعلِ، أو تجدُّدُه، لا مجرد وقوعِهِ في زمنٍ مضى. ومثال ذلك في قول الشّاعر:
وَدَّعْتُهَا وَلَهِيْبُ الشَّوْقِ فِي كَبِدِي وَالْبَيْنُ يُبْعِدُ بَيْنَ الرُّوْحِ وَالجَسَدِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 91)
يصف الشاعر حالَهُ لحظةَ وداعِ المحبوبة، إذ اجتمع عليه نوعان من العذاب:
أحدهما: عذابٌ ظاهريٌّ في قوله: (وَالْبَيْنُ يُبْعِدُ بَيْنَ الرُّوْحِ وَالجَسَدِ) فكلَّمَا ابتعدتْ المحبوبةُ أحس الشَّاعرُ أنَّ روحَهُ تنزعُ من جسدِهِ، فالمحبوبةُ هي الرُّوحُ، والشَّاعرُ هو الجسدُ، والفراقُ هو النَّصْلُ الذي يفصلُ بينهما.
الآخر: عذابٌ خفيٌّ، في قوله: (وَلَهِيْبُ الشَّوْقِ فِي كَبِدِي)، وهو احتراقُ المشاعرِ، والشُّعورُ باللَّوعةِ التي لا تنطفي.
وبالنّظر في البيت السَّابقِ نرى الشَّاعرَ قد بدأ بالفعل الماضي (وَدَّعْتُهَا)، وهو يصفُ لحظةَ وقوعِ الوداعِ، ثم انتقل إلى الفعل المضارع (يُبْعِدُ) ليصفَ استمراريةَ الأثرِ.
هذا الالتفاتُ من الفعل الماضي إذ الإخبار بالواقعة، إلى المضارع حيث تصوير المعاناة الحالية، وهذا يخدمُ الهدفَ الذي يقصدُهُ الشَّاعرُ، وهو الإخبار بأنَّ الألمَ ممتدٌ، ولا ينتهي بالوداعِ.
- ويقول أيضا: قَدْ جَحَدْتُ الهَوى فَلَمْ يُغْنِ جَحْدِي أَنَا أُخْفِي الهَوَى وَدَمْعِيَ يُبْدِي
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 92)
يقول في هذا البيت: إنَّه حاولَ إنكارَ حبِّهِ وجَحَدَهُ، لكنَّ هذا الإنكارَ لم ينفعْهُ، ولم يغيرْ الواقعَ، فبينما يحاولُ هو إخفاءَ مشاعرِهِ تقومُ دموعُهُ بإظهارِ ما يحاول سترَهُ في قلبه.
في هذا البيت يبدو لنا عدول الشَّاعرِ في الصيغة الفعليّة، فهو يبدأ بالماضي في قوله (قَدْ جَحَدْتُ)، وهذا يدل على التَّحقُّقِ، وأنَّه قد اتخذَ قرارَ الجَحْدِ، وبذلَ جهدَه في الماضي؛ لإخفاءِ الأمرِ، ثم انتقلَ إلى المضارع في قوله (أُخْفِي / يُبْدِي)؛ ليدل على استمرارِ الحدثِ وتجدُّدِهِ.
3-2-2- الالتفاتُ من المضارعِ إلی الماضي: الالتفاتُ من زمنِ المضارعِ إلى زمنِ الماضي هو أسلوبٌ بلاغيٌّ يُقصدُ به العدولُ في سياقِ الكلامِ عن استعمال الفعل المضارع إلى الفعل الماضي مع بقاء المرجعِ الدَّلاليِّ واحدًا، وذلك لغرضٍ بلاغيٍّ يتمثَّلُ في توكيدِ المعنى، أو الإيحاءِ بتحقُّقِ الفعل وثبوتِهِ، وإضفاءِ طابعِ الجزمِ والقطعِ عليه؛ ممَّا يزيدُ من قوَّةِ التَّعبيرِ وعمقِ أثرِه في المتلقي. إنَّ الالتفاتَ من زمن المضارع إلى زمن الماضي في دیوان الشَّاعرِ یُعَدُّ أسلوبًا بلاغيًّا يستخدمُه الشَّاعرُ لتغيير الفعلِ من المضارع إلى الماضي مع الحفاظ على المرجعِ الدَّلاليِّ ذاته، ويهدف إلى تعزيزِ المعنى وإضفاءِ أثرٍ أكبرَ على المتلقي. ويُسْهِمُ هذا الأسلوبُ في تأكيدِ وقوعِ الفعلِ وثبوتهِ، فيحسُّ القارئُ، أو السَّامعُ بأنَّ الحدثَ قد تحقَّقَ بالفعلِ، وليس مجردَ وصفٍ لحركة. كما يضفي هذا الالتفاتُ طابعَ الجزمِ والقطعِ على النَّصِّ، ويعزِّزُ المصداقيَّةَ، ويقوِّي التَّأثيرَ النَّفسيَّ للكلام. بالإضافةِ إلى ذلك يُسْهِمُ في تنويعِ الأسلوبِ، وإيقاعِ السَّرد، ويكسرُ رتابتِهِ، ويجذبُ الانتباه، ويشدُّ القارئَ إلى النَّصِّ، مِمَّا يجعلُ المعنى أكثر وضوحًا وحيويَّةً. ومن نماذج هذا الالتفات قول الشاعر:
تَنْشُرُ فِيْهَا يَدُ الرَّبِيْعِ لَنَا ثَوْبًا مِنَ الْوَشْيِ حَاكَهُ الْقَطْرُ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 101)
يصفُ الشَّاعرُ هنا كيف يحوِّلُ الرَّبيعُ الأرضَ إلى لوحةٍ فنِّيَّةٍ؛ فهو يفرشُ ويبسطُ على الأرضِ أثوابًا من الأعشابِ والأزهارِ الملوَّنةِ، هذه الأثوابُ لم تكتملْ جمالًا إلا بفعلِ المطرِ الذي أحاطها، فكأنه هو الذي خاط هذا الثوبَ وزينَهُ. ويبادرنا الشَّاعرُ بالتفاتٍ جميلٍ، إذ انتقلَ من الفعل المضارع في قوله (تَنْشُرُ) ممَّا يدلُ على التَّجدُّدِ والاستمرار، فجمالُ الربيعِ يتجدَّدُ أمامَ عينِ الرائي، ثُمَّ انتقلَ إلى الفعل الماضي بقوله (حَاكَهُ) الذي يدلُ على التَّحقُّقِ والثبوتِ. هذا الالتفاتُ الذي استخدمَهُ الشَّاعرُ يجعلُ السَّامعَ يتخيلُ حركةَ انتشارِ الخضرةِ، ويعطيهِ شعورًا بأنَّ هذا الثوبَ الموشَّى قد أصبحَ واقعًا ملموسًا.
- وفي قوله: لِمَ لَا أُخَاطِرُ فِي هَوَاهُ بِمُهْجَةٍ وَقَفَتْ خَوَاطِرُهَا عَلَى خُطُوَاتِهِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 59)
يتساءلُ الشَّاعرُ قائلًا: ما الذي يمنعني من التّضحيةِ بروحي ونفسي في سبيلِ حبي لهذا المحبوبِ، فليس غريبًا أنْ أبذلَ حياتي من أجلِهِ؛ لأنَّ أفكاري قد توقفتْ وأصبحتْ تابعةً لخطواتِهِ.
وهنا بدأ الشَّاعرُ بالفعلِ المضارعِ (أُخَاطِرُ) ليدلَ على الاستمرارِ، فالمخاطرةُ بالرُّوحِ عمليَّةٌ مستمرةٌ، ثُمَّ عدلَ إلى الفعلِ الماضي في قولِهِ (وَقَفَتْ) ليؤكدَ الثبوتَ والتَّحقُّقَ، فتعلُّق خواطرِهِ بالمحبوبِ قد صارَ حقيقةً لا رجعةَ فيها. وهذا الانتقال من المضارع إلى الماضي يمنحُ البيتَ قوةَ إقناعٍ منطقيَّةً، فالماضي الثابتُ يبرر الفعل الحاضر المستمر.
3-2-3- الالتفاتُ من الماضي إلی الأمرِ: يُعَدُّ الالتفاتُ من زمنِ الفعلِ الماضي إلى زمنِ فعل الأمر من الأساليب البلاغيَّةِ التي تُضْفِي حيويَّةً على النَّصِّ؛ حيث ينتقلُ القارئُ من مجرد الإخبارِ عن حدثٍ إلى المواجهةِ المباشرةِ، ويلجأ الشَّاعرُ إلى هذا النوع من الالتفاتِ لعدَّةِ مقاصدَ، منها: استحضارُ المشهدِ، وتحويلُ الغائبِ إلى حاضرٍ، وإثارةُ الذَّهنِ، وكسرُ الرتابةِ، وتكثيفُ الشّحنةِ العاطفيَّةِ. ومن أمثلة ذلك:
- يقول الوأواء الدِّمشقِّيِّ: قَالَ لِي: هَاتِهِ! فَقُلْتُ مُجِيْبًا عَزَّ قَلْبِي فَلَسْتُ أَمْلِكُ قَلْبَا
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 54)
في هذا البيت يصوِّر الشَّاعرُ موقفًا حواريًّا بينَهُ وبينَ محبوبِهِ، عندما طلبَ المحبوبُ منه امتلاكَ قلبِهِ، فكان جوابُهُ بأنَّ قلبَه عزيزٌ، صعبُ المنالِ؛ لأنَّه لم يَعُدْ يملكُ ما يطلبُه المحبوبُ.
ويظهر الالتفاتُ هنا في الانتقال السَّريعِ بين الأزمنةِ في شطري البيت، وهو ما يخدمُ الغرضَ البلاغيَّ الذي يقصدُهُ الشَّاعرُ؛ حيثُ بدأ بصيغة الماضي (قَالَ لِي)؛ ليثبتَ وقوع الحدث، ويضفي عليه صبغةَ الحكايةِ التي انتهتْ واستقرتْ، ثُمَّ ينتقلُ إلى صيغةِ الأمر (هَاتِهِ)، وهو التفاتٌ نوعيٌّ داخلُ القولِ المحكيِّ. وهذا الالتّفاتُ يُؤدِّى إلى إثارةِ الانتباه وتجسيدِ الموقفِ؛ إذ جعل الشَّاعرُ القارئَ حاضرًا في قلبِ اللَّحظةِ، وكأنَّ الطلبَ يوجه الآن. فالالتفاتُ هنا ليس مجرد تغييرٍ في قواعدِ اللُّغةِ، بل هو أداةٌ نقلتْ القارئَ من دورِ المستمعِ لقصةٍ قديمةٍ إلى مُشَاهِدٍ لحدثٍ آني (هَاتِهِ)؛ ممَّا يُعمِّقُ الإحساسَ بحزنِ الشَّاعرِ.
3-2-4- الالتفاتُ من الأمرِ إلی الماضي: يُعَدُّ الالتفاتُ من صيغة الأمرِ إلى صيغة الماضي من التحولاتِ الأسلوبيَّةِ التي تمنحُ النَّصَّ حيويَّةً خاصةً، تتجلَّى قيمتُهُ الجماليَّةُ في تحقيقِ المفاجأةِ الذّهنيَّةِ، وأيضًا فيه تحقيقُ الثُّبوتِ، والدَّلالةُ على السُّرعةِ في التّعبيرِ عن أنَّ الزمنَ الفاصلَ بين الأمرِ وحدوثِ الفعلِ قد تلاشى تمامًا. وهذا الأسلوب نجده في شِعْرِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ في قوله:
اِشْرَبْ عَلَى وَرْدَيْنِ قَدْ وُصِلَا بِعَيْشٍ مُسْتَجَدِّ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 5٤)
هذا البيت يحملُ دعوةً للتّفاؤلِ والاستمتاعِ بمباهجِ الحياةِ، فالشَّاعرُ يدعو المخاطَبَ للاحتفاءِ بهذه اللَّحظةِ التي اجتمعَ فيها جمالُ الموردِ مع تجدُّدِ رغدِ العيشِ.
وفي هذ البيت التفاتٌ من صيغةِ الفعلِ الأمر (اِشْرَبْ) ثُمَّ الانتقالُ فجأةً إلى صيغةَ الماضي (وَصَلَا)، وعلى الرّغم من أنَّ الحديثَ لا يزالُ مرتبطًا بنفسِ السِّياقِ إلَّا أنَّ صياغةَ الفعلِ (وَصَلَا) وما يلحقها من وصفِ العَيْشِ المستجدِّ تجعلُ السَّامعَ ينتقلُ من كونهِ مأمورًا إلى كونِهِ متأملًا. وهذا الالتفاتُ يعطي حيويَّةً للجملَةِ؛ فبدل من أنْ يظلَّ السِّياقُ في دائرةِ الأمرِ المباشرِ ينفتحُ على وصفِ المشهدِ.
3-2-5- الالتفاتُ من المضارعِ إلی الأمرِ: إنَّ التَّحوُّلَ في الحديثِ من صيغةِ الفعلِ المضارعِ التي تدل على الحال واستمراريةِ الحدثِ، إلى صيغة الأمرِ التي تدل على الإلزامِ أمرٌ يحملُ قيمًا جماليَّةً ودلاليَّةً، منها: إثارةُ الذِّهنِ، وتحريكُ المشَّاعرِ، وجذبُ الانتباه، والانتقالُ من مجردِ الإخبارِ إلى التَّفاعُلِ، كما أنَّه يفيد تأكيدًا على أنَّ المضارعَ السَّابقَ كانَ تمهيدًا للأمرَ اللاحقِ. ولقد ورد هذا الأسلوب في شِعْرِ الوأواءِ في قوله:
قَائِلًا لِى وَالْفَجْرُ فِي قَبْضَةِ اللَّيـْـــ ــلِ وَجِسْمُ الدُّجَى مِن الصُّبْحِ عَارِ:
قُمْ نُقَضِّ حَقَّ الصَّبـُــوْحِ فَقَـد أَذَّ نَ بِالصُّبْـــــــــــــحِ طَائِـــــــــــــرُ الأَسْـــــــــــحَارِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 95)
في البيت الأول يصوِّرُ الشَّاعرُ الصِّراعَ بينَ الضَّوءِ والظَّلامِ؛ فالفجرُ بدأ يظهرُ وكأنَّهُ يمسكُ باللَّيلِ، وجسمُ الدُّجَى بدأ يتجردُ من سوادِه بفعلِ ضَوءِ الصُّبْحِ الذي بدأ ينتشرُ، وفي البيت الثاني يدعو الشَّاعرُ المحبوبَ للقيامِ، وتناولِ شراب الصَّبوحِ، وفي ذلك دلالةٌ على الأُنسِ والاستمتاعِ بجمالِ الوقتِ؛ لأنَّ طائرَ الفَجْرِ قد غرَّدَ معلنًا انتهاءَ الصِّراعِ بين اللَّيلِ والنهارِ. في هذين البيتين يوجد انتقالٌ من المضارع إلى الأمر، فالشَّاعرُ بدأ باسم الفاعِلِ في البيت الأول (قَائِلًا) وهو يحملُ معنى (يقول) وهي هنا تعبر عن استمرارِ القولِ في تلك اللَّحظةِ، ثُمَّ انتقل إلى صيغةِ الأمرِ بقوله (قُمْ)، هذا التَّحوُّلُ من الإخبارِ عن القولِ بـ (قائلًا) إلى توجيهِ الفعلِ مباشرةً في (قُمْ) يكسرُ رتابةَ السَّردِ، ويجعلُ القارئَ يشعرُ بحيويَّةِ المشهدِ.
3-2-6- الالتفاتُ من الأمرِ إلی المضارعِ: كما أدركنا – فيما سبق – أنَّ الالتفاتَ يُعَدُّ من أرقى الأساليبِ البلاغيَّةِ التي يستخدمُها الشُّعراءُ، ومنها: التَّحوُّلُ من الكلامِ بصيغةِ الأمرِ التي تحملُ الطلبَ المستقبليَّ إلى صيغةِ المضارعِ التي تفيدُ استحضارَ الصُّورةِ، ممَّا يؤدِّي إلى تنبيه السَّامعِ وتجديدِ نشاطِهِ الذِّهنيِّ، والمبالغةِ في الوصفِ، كما أنَّه يفيدُ استمراريَّةَ الحدثِ؛ لأنَّ الفعلَ الأمرَ ينتهي بمجردِ الامتثالِ للأمرِ. وهذا ما رأيناهُ في شِعْرِ الوأواءِ الدِّمشقيِّ في عدة مواضع، منها:
- قول الشاعر: انْظُرْ وَإِنْ كَانَ حَتْفِي فِيْكَ فِي النَّظَرِ تَنْظُرْ إِلَى شَبَحٍ أَخْفَى مِنَ الْفِكْرِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 98)
في هذا البيت يطالعُنا الشَّاعرُ بتحدٍ عاطفيٍّ، فهو يطلبُ من المحبوبِ أنْ ينظرَ إليه، حتَّى وإنْ كانتْ هذِه النظرةُ هي سببُ هلاكِهِ، ثُمَّ يخبرُ المحبوبَ بأنَّه حينَ ينظرُ إليه فلنْ يرى جسدًا ماديًّا، بل سيرى شبحًا أخفى من الفكرِ. وهنا نجد التفاتًا من صيغةِ الفعلِ الأمرِ إلى صيغة الفعلِ المضارعِ؛ إذ يبدأ الشَّاعرُ بكلمة (انْظُرْ) وهي فعل أمر مبني على السُّكونِ والفاعل هو ضميرُ المخاطبِ المستترِ، والطلبُ هنا يهدفُ إلى لفتِ الانتباه، وكسرِ حالةِ التَّجاهلِ، ثُمَّ انتقل إلى الفعلِ المضارع (تَنْظُرْ) وهذا المضارع مجزوم، لأنَّه نتيجةٌ وجوابٌ للطَّلبِ السَّابق. وهنا نجد تحوُّلَ السِّياقِ من الطَّلبِ إلى الإخبارِ عن الواقعِ، وفيه استحضارٌ للصُّورةِ، فكأنَّ المحبوبَ بدأ بالفعلِ في النَّظرِ، فبدَتْ له هذه الحالةُ الشبحيَّةُ.
3-3- الالتفات في أساليب الخطاب: الالتفاتُ في أساليبِ الخطابِ هو أسلوبٌ بلاغيٌّ یهدفُ إلى تعزيزِ المعنى، وإبرازِ الفكرةِ، وتقويةِ التَّأثيرِ النَّفسيِّ على المتلقي. ويُستخدَمُ هذا الالتفاتُ لتحريكِ النَّصِّ، وإضفاءِ الحيويَّةِ على الأحداثِ، كما يُسْهِمُ في تنويع الأسلوبِ، وكسرِ رتابةِ السَّردِ، مما يزيدُ من جاذبيَّةِ الخطابِ وقوةِ إيصالِ الرِّسَالةِ. «والزَّمخشرِيُّ في كتابِهِ الكشاف، وفي تفسيرِه لسورةِ الفاتحةِ يتكلَّمُ عن سِرِّ بلاغةِ الالتفاتِ فيقول: “الكلامُ إذا نُقِلَ من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ تطريةً لنشاطِ السَّامعِ، وإيقاظًا للإصغاءِ إليه من إجرائهِ على أسلوبٍ واحدٍ، وقد تختصُّ مواقفه بفوائدَ”، وذكرَ في موضعٍ آخرَ: “إنَّما يستعملُ التَّفنُّنُ في الكلامِ، وهنا يقصدُ الزَّمخشرِيُّ أنَّ الالتفاتَ فنٌّ من أفانين الكلامِ يهدفُ إلى تطريةِ نشاطِ السَّامعِ وإيقاظٍ للإصغاءِ إلي،ه حتى لا يسأمُ السَّامعُ من التَّكلُّمِ على وتيرةٍ واحدةٍ”. (لخضر، 2017: ۲۲)
3-3-1- الالتفاتُ من النِّداءِ إلی الاستفهامِ: إنَّ الالتفاتَ في أساليبِ الخطابِ، يشمل التَّحوُّلَ بين أنواع الخطابِ المختلفةِ، مثل: الانتقالُ من النِّداءِ إلى الاستفهامِ، بما يخدمُ المعنى، ويقوِّي تأثيرَ الكلامِ على المتلقي. فعند الالتفاتِ من النِّداءِ إلى الاستفهامِ، يتحوَّلُ المخاطَبُ من حالةِ الاستدعاءِ المباشرِ إلى حالةِ التَّساؤلِ أو الاستفهامِ. هذا الأسلوبُ في دیوان الشَّاعرِ، یُضْفِي بُعْدًا تَأمُّليًّا أو تحفيزيًّا على النَّصِّ. فيبدأ الشَّاعرُ بالنِّداءِ على جمهورٍ معينٍ لجذبِ انتباهِهِ، ثُمَّ يتحوَّلُ إلى الاستفهامِ ليجعلَهُمْ يشاركونَهُ التَّفكيرَ، أو ليحثَّهُمْ على التَّدبُّرِ، أو اتِّخاذِ موقفٍ معينٍ. ومن ذلك قوله:
أَيَا رَبْعَ صَبْرِي كَيْفَ طَاوَعَكَ الْبِلَى؟! فَجَدَّدْتَ عَهْدَ الشَوقِ في دِمَنِ الْهَوی
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 8)
حصل الالتفات في هذا البیت في الأسلوب من خلال التحوُّلِ من النِّداءِ إلى الاستفهامِ، ثُمَّ إلى الخبرِ. ففي بدايةِ البيتِ كان النِّداءُ في قوله (أَيَا) وهي أداةُ نداءٍ للبعيدِ، ثُمَّ انتقلَ إلى الاستفهامِ التعجبي بـــ (كيف) ثُمَّ إلى الإخبار في قوله (جَدَّدْتَ عَهْدَ الشَوقِ في دِمَنِ الْهَوی)، وهذا التنويعُ الأسلوبيُّ يُضفِي على النَّصِّ حيويَّةً وثراءً في التعبير.
3-3-2- الالتفاتُ من النِّداءِ إلى الإشارةِ: الالتفاتُ من النِّداءِ إلى الإشارةِ في أساليب الخطابِ هو تحوُّلٌ بلاغيٌّ يستخدم لتغييرِ طريقةِ مخاطبةِ المتلقي من النِّداءِ المباشرِ إلى الإشارةِ أو التنويه، معَ الحفاظِ على المرجعِ الدَّلاليِّ؛ وذلك لتعزيزِ المعنى، وتقويةِ التَّأثيرِ النَّفسيِّ للنَّصِّ. إنّ الالتفاتَ من النِّداءِ إلى الإشارةِ في دیوانِ الشَّاعرِ هو أسلوبٌ بلاغيٌّ، يربطُ بين جذبِ الانتباه وتحديدِ المعنى بدقةٍ، ويزيدُ من وضوحِ النَّصِّ الشِّعريِّ، وقوةِ تأثيرِهِ على المتلقي. ومثال ذلك قول الشَّاعرِ:
أَبَا حَسَنٍ هَذَا ابْنُ مَدْحِكَ قَدْ أَتَى لِمَدْحِكَ وَالأَيَّامُ خُضْرُ الشَّوَارِبِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 23)
في هذا البيتِ التفاتٌ في الأسلوبِ من النِّداءِ إلى الإشارةِ،؛ إذ ينتقلُ الشَّاعرُ من النِّداءِ المباشرِ في قوله (أَبَا حَسَنٍ) إلى الإشارة بقوله (هَذَا ابْنُ مَدْحِكَ) ثم إلى الإخبارِ بعد ذلك، وهذا التنويع الأسلوبي يحقِّقُ تأكيدَ المعنى، وإبرازَ الأهمِّيةِ للموضوع.
3-3-3- الالتفاتُ من النِّداءِ إلی الشَّرطِ.: الالتفاتُ من النِّداءِ إلى الشَّرطِ في أساليب الخطابِ يمثلُ تحوُّلًا بلاغيًّا يغيِّر طريقةَ مخاطبةِ المتلقي من النِّداءِ المباشرِ إلى الجملةِ الشَّرطيَّةِ، معَ بقاءِ المرجعِ الدَّلاليِّ نفسِه، بهدف تعزيزِ المعنى، وزيادةِ تأثيرِ النَّصِّ، وإشراكِ القارئِ أو السَّامعِ في التَّفكيرِ وفقَ الشَّرطِ. ويؤدِّي هذا النَّوعُ من الالتفاتِ في دیوانِ الشَّاعرِ عدةَ وظائفَ بلاغيَّةٍ، منها: تقويةُ التأثيرِ النَّفسيِّ والأخلاقيِّ؛ فالنِّداءُ يلفتُ الانتباه، والشِّرطُ يربطُ السِّلوكَ بالنَّتيجةِ، ممَّا يزيدُ من الإقناعِ، والتَّوجيهِ الأخلاقيِّ، ویجمعُ بينَ جذبِ الانتباهِ وتوضيحِ العلاقةِ بينَ الفعلِ والنَّتيجةِ، ويعزِّزُ من تأثيرِ النَّصِّ الشِّعريِّ، ويحفزُ المتلقي للمشاركةِ الذِّهنيَّةِ، أو السُّلوكيَّةِ. كما في قوله:
يا مُجيري مِنَ الزَّمانِ إِذا لَمْ أَسْتَجِرْ منْ خُطُوبِهِ لي بِجارِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 97)
وقع الالتفاتُ هنا في الأسلوب؛ إذ انتقلَ الشَّاعرُ من النِّداءِ في قوله (يا مُجيري) إلى الشَّرطِ في قوله (إِذا لَمْ أَسْتَجِرْ منْ خُطُوبِهِ لي بِجارِ)؛ حيث انتقلَ الوأواءُ من النِّداءِ المباشرِ للاستعانةِ إلى أسلوبِ الشَّرطِ؛ لبيانِ الحالةِ، وهذا الالتفاتُ يحقِّقُ تأكيدَ الحاجةِ للحمايةِ، وإظهارَ الضَّعفِ أمامَ تقلُباتِ الزَّمانِ، کما یثري المعنی، ویعبِّر عن شکوی مشروطةٍ لا مجرد مناداةٍ.
3-3-4- الالتفاتُ من الأمرِ إلی الخبرِ: إنَّ الالتفاتَ من الأمرِ إلى الخبرِ في أساليبِ الخطابِ يهدفُ إلى تعزيزِ المعنى، وزيادةِ التَّأثيرِ على المتلقي. «والعربُ يستكثرون منه؛ لأنهم يرونَ الانتقالَ من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ أدخلَ في القلوبِ عند السَّامعِ، وأحسنَ تطريةً لنشاطِهِ، وإملاءً باستدرارِ إصغائِهِ، وهم أحرياءُ بذلك». (لخضر، 2017: ۲۳)
ويعملُ هذا الأسلوبُ في دیوانِ الشَّاعرِ على توضيحِ العلاقةِ بين الفعلِ والنتيجةِ، وتنويعِ الأسلوبِ، وتقويةِ الإقناعِ والتَّوجيهِ، فالأمرُ يحفِّزُ على القيامِ بالفعلِ، والخبرُ يوضِّحُ أثرَهُ ويبررُه؛ ممَّا يجعلُ النَّصَّ أكثرَ قوةً، وحيويَّةً. ومن ذلك قولُ الشَّاعرِ:
أَدِرْ لَحْظَ عَيْنِكَ وَامْزِجْهُ في مُرُوجِ الرِّياضِ تَجِدْها تَشُوقُ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 155)
يظهرُ في هذا البيتِ التفاتٌ في الأسلوبِ من الأمرِ إلى الخبرِ، فالشَّاعرُ ينتقلُ من الأمرِ المباشرِ إلى الإخبارِ عن النتيجةِ، وهذا الالتفاتُ يحقِّقُ إشراكَ المتلقي في التَّجربةِ الجماليَّةِ، وتحفيزَهُ على التَّفاعُلِ، ویبرزُ جمالَ التَّعبیرِ.
3-3-5- الالتفاتُ من الشَّرطِ إلی الاستفهامِ: يؤدِّي الالتفاتُ من الشَّرطِ إلى الاستفهامِ عدةَ وظائفَ، منها: تعزيزُ التَّأثيرِ النَّفسيِّ والمعنَويَّ عبرَ الربطِ بين النَّتيجةِ المرجوةِ والتساؤلِ عن السَّعي لتحقيقِهَا، وتنويعُ الأسلوبِ، وكسرُ رتابةِ السَّردِ، ممَّا يجعلُ النَّصَّ أكثرَ تشويقًا وإقناعًا. والالتفاتُ من الشَّرطِ إلى الاستفهامِ عند الشَّاعرِ أسلوبٌ بلاغيٌّ يربطُ بين التَّوضيحِ والتّحفيزِ على التَّفكيرِ، ويزيدُ من قوة التَّأثيرِ على المتلقي، ويشركُهُ في المعنى. ومن ذلك قول الشَّاعرِ:
إِذا قابَلَ الزَّهْرُ زَهْرَ الخُدودِ فَأَيْنَ الخَلاصُ؟! وَأَيْنَ الطَّريقُ؟!
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 156)
نجد في هذا البيت التفاتًا في الأسلوبِ من الشَّرطِ إلى الاستفهامِ. فالشَّاعرُ ينتقلُ من أسلوب الشّرط في قوله (إِذا قابَلَ الزَّهْرُ زَهْرَ الخُدودِ …) إلى الاستفهام التعجبي في قوله (فَأَيْنَ الخَلاصُ؟! وَأَيْنَ الطَّريقُ؟!)، وهذا الالتفاتُ يحقِّقُ تصويرَ الحيرةِ والتساؤلَ الفلسفيَّ أمام جمالِ الطبيعةِ.
3-3-6- الالتفاتُ من النِّداء إلی الخبر: الالتفاتُ من النِّداءِ إلى الخبرِ في أساليبِ الخطابِ في دیوانِ الشَّاعرِ يقومُ على تغييرِ صيغةِ الكلامِ من مخاطبةِ المتلقي مباشرةً إلى صيغةِ الإخبارِ، ويهدف ذلك إلى تعزيزِ المعنى، وتوضيحِ الفكرةِ بشكلٍ أكثرَ دقةً وتأثيرًا. ثُمَّ الانتقالُ إلى الخبرِ ليبينَ ما يتعلق بالنِّداءِ أو ليوضحَ النتيجةَ المترتبةَ عليه.
ومن ذلك قول الشاعر: یَا أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا کَانَ الصُّدودُ جَزَائِي
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 6)
نلاحظ هنا انزیاحًا نحويًّا یتمثَّل في الانتقالِ من النِّداءِ في قول الشَّاعرِ (یَا أَحْسَنَ النَّاسِ) إلی الخبرِ في قوله (کَانَ الصُّدودُ جَزَائِي). فالشَّاعرُ یبدأُ بالنِّداءِ ومخاطبةِ المحبوبِ بأفضلِ صفاتٍ، ثُمَّ ینتقلُ إلی الخبرِ لیعبِّرَ عن جزائِهِ من هذا المحبوبِ وهو الصُّدودُ. فهذا الالتفات یخلق جمالیَّةً بلاغیَّةً، ويجدثُ تأثیرًا عمیقًا في النَّفسِ.
3-4- الالتفات المرکب: یقصدُ بالالتفاتِ المركبِ الجمعُ بين أكثر من نوعٍ من الالتفاتِ في النَّصِّ الواحدِ، مثل: الانتقالُ بين الأزمنةِ، أو بين أساليبِ الكلامِ المختلفةِ، بهدف تعزيزِ المعنى، وزيادةِ حيويَّةِ النَّصِّ، وتقويةِ التَّأثيرِ النَّفسيِّ والمعنويِّ على المتلقي. ويتميزُ الالتفاتُ المركبُ في دیوانِ الدِّمشقيِّ بعدةِ نقاطٍ، منها: إضفاءُ الحيويَّةِ والواقعيَّةِ على النَّصِّ من خلال مزجِ الأزمنةِ والأساليبِ المختلفةِ، وتنويعُ الأسلوبِ، وكسرُ رتابةِ السَّردِ؛ ممَّا يجذبُ القارئَ أو السّامعَ ويشدُّ انتباهَهُ، وزيادةُ التَّأثيرِ النَّفسيِّ والمعنويِّ؛ إذ يربطُ بين الانتباه والفعلِ والنَّتيجةِ والتَّدبُرِ في النَّصِّ الشِّعريِّ.
3-4-1- الالتفاتُ المرکبُ بین الضَّميرِ والزَّمنِ: وهو جمعُ الالتفاتِ في الضَّميرِ مع الالتفاتِ في زمنِ الفعلِ داخل السِّياقِ الواحدِ. حيث ينتقلُ الكلامُ من ضميرٍ إلى آخرَ، وفي الوقتِ ذاتهِ من زمنٍ إلى زمنٍ (كالماضي إلى المضارع)، مما يخلق حيويَّةً في المعنى، ويجعلُ الحدثَ حاضرًا في ذهنِ المتلقي.
ومن ذلك قول الشّاعر: فَعَلَتْ بِهِ رِيْحُ الصَّبا مَا لَيْسَ تَفْعَلُ بِالقَضِيبِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 32)
في هذا البيت نجد التفاتًا مركبًا في الضمير والزمن معًا. فالشّاعر ينتقل من الفعل الماضي (فَعَلَتْ) إلى الفعل المضارع (تَفْعَلُ)، ومن الحديث عن المحبوب بضمير الغائب (به) إلى الحديث العام بأسلوب الغيبة (بالقضيب). وهذا الالتفاتُ المركبُ يحققُ تنويعًا أسلوبيًّا معقدًا، ويضفي على المعنى ثراءً في التعبيرِ عن تفرُّدِ تأثيرِ ريحِ الصَّبا على المحبوب.
3-4-2- الالتفاتُ المرکبُ بین الضميرِ والأسلوبِ: وهو العدولُ في الضميرِ مصحوبًا بعدولٍ في الأسلوبِ، مثل: الانتقالُ من الخبرِ إلى الإنشاءِ أو العكس. فيجتمعُ تغيُّر المتكلِّمِ أو المخاطَبِ مع تغيُّرِ طبيعةِ الجملةِ، فيتحوُّلُ السِّياقُ من تقريرِ المعنى إلى التَّأثيرِ فيه مباشرةً. ومن ذلك قوله: وكأَنَّما تَشْويشُنـــــــــــا تشويشُ ألفــــــــــــاظِ المريبِ
يا بَدرُ بِالبَدرِ الَّذي أطلعتَ من فَلك الجيوبِ
(ديوانُ الدِّمشقيِّ ١٩٩٣: 33)
في هذين البيتين نجد التفاتًا مركبًا في الضميرِ والأسلوبِ معًا. فالشَّاعرُ ينتقلُ من الحديثِ عن نفسِهِ ومن معه بضميرِ المتكلمين في (تَشْوِيشُنَا) وأسلوب التشبيه، إلى مخاطبةِ المحبوبِ مباشرةً بالنداء (يا بَدْرُ) وضمير المخاطب في (أطلَعْتَ). وهذا الالتفات المركب يحقِّقُ تنويعًا أسلوبيًّا معقدًا، ويضفي على النَّصِّ ثراءً في التعبير وتنوُّعًا في أساليب الخطابِ.
4- نتائج البحث: من خلال هذه الدِّراسة نستنتج أنّ الانزياح في شعر الوأواء الدمشقي يمثل ظاهرة أسلوبية غنية ومتنوعة، تكشف عن مهارة فنية عالية وحس جمالي مرهف. فالشّاعر لا يخرج عن القواعد النحوية عبثاً، بل يوظف هذا الخروج لتحقيق أغراض فنية وجمالية محددة، مما يجعل شعره نموذجًا متميزاً للشّعرية العربيّة الكلاسيكيّة. وتؤكد الدِّراسة أنّ التّراث الشّعري العربي يحتوي على كنوز جماليّة وفنيّة تحتاج إلى مناهج حديثة لاستكشافها وإبراز قيمتها. كما تؤكد أهمية الجمع بين الأصالة والمعاصرة في دراسة النصوص التراثيّة، فنحافظ على روح التراث ونستفيد من أدوات العصر في فهمه وتحليله. یُظهر تتبّع ظاهرة الالتفات في شعر الوأواء الدمشقي أنّها انزياح أسلوبي واعٍ، لم يأتِ لمجرّد الزخرفة اللفظية، بل لتحقيق مقاصد دلالية وانفعالية متعدّدة. فقد تنوّعت أشكاله بين الانتقال من الغيبة إلى الخطاب كما في مناجاة المحبوب بعد وصفه، والتحوّل من الماضي إلى المضارع لإحياء الصورة وإضفاء الحيوية، والتبديل بين المتكلم والمخاطَب لإشراك المتلقي في التجربة الشّعرية، إضافةً إلى التحويل في صيغ النداء والخبر، هذا التنقّل بين الضمائر والأزمنة قد كسر رتابة السّياق ورتابة النّسق النّحوي، وأضفى على النّصوص بعدًا إيقاعيًا متجدّدًا، مع ما يتيحه من إبراز الانفعال النفسي وتعميق المعنى الشّعوري.
كما كشف الالتفات قدرة الشّاعر على الجمع بين الاتساق النّصي والانزياح الأسلوبي، فجاء التحوّل محسوبًا يوازن بين مقتضيات المعنى وإيقاع التّجربة الوجدانيّة، وعليه، فإنّ الالتفات عند الوأواء يُعدّ استراتيجيّة فنيّة تعكس وعيه بقدرة اللغة على توليد الدّلالات وتلوين الخطاب، بما يمنح نصوصه ثراءً أسلوبيًا وجماليًا يرسّخ مكانته في سياق الإبداع العباسي. وقد تَكشَّف القراءة البلاغيّة أنّ فنّ الالتفات يحتلّ موقعًا محوريًّا في هذه البنية، إذ يتجلّى بوصفه استراتيجيّة أسلوبيّة واعية تقوم على التّحوّل المقصود في الضمائر وصيغ الخطاب والأزمنة، بما يحقّق توتّرًا دلاليًّا وحركيّة داخليّة في النصّ.
وأظهر التّحليل أنّ الالتفات في شعر الوأواء يرتكز إلى أسس نحويّة تُعيد تنظيم علاقات الإسناد داخل الجملة الشّعريّة، وتُسهم في تعميق المعنى ، الأمر الذي يعكس تعدّد الأصوات وتحولات الذات الشّعريّة. وقد دلّت النّتائج على أنّ هذا الانزياح لا يعمل في معزل عن السياق، بل يتفاعل مع البنية الدلاليّة للقصيدة، ليكشف أبعادًا نفسيّة ووجدانيّة تتّصل بتجربة الشاعر. وانتهى البحث إلى أنّ البنية الجماليّة للانزياح في شعر الوأوا الدمشقي تقوم على خرقٍ محسوب لأفق التوقّع، يُعيد تشكيل العلاقة بين النصّ والمتلقّي، ويُعزّز الفاعليّة التأويليّة للخطاب الشعري. وأكّدت الدِّراسة أنّ مقاربة فنّ الالتفات من منظور بلاغي، منفتح على مفاهيم الأسلوبيّة الحديثة، تُسهم في إعادة قراءة النَّصِّ.
المصادر
1- ابن الأثير، (1995م). المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. (ج 2)، دار الكتب العلمية، بیروت.
2- أبطي، عبدالرحیم. (2004م). الانزیاح واللغة الشعریة، مجلة علامات، مجلد 14، صص 458- 478.
3- الدمشقي، الوأواء، (1993م)، الدیوان. الطبعة الثانیة، دار صادر، بیروت.
4- السبت، عبد الرحمن أحمد. (2018). ظاهرة الانزیاح في شعر البارودي. مجلة الآداب والعلوم الانسانیة، العدد 86، صص 61- 101.
5- زروالي، زهرة. (2014م). مصطلح الانزیاح بین البلاغة والأسلوبیة، رسالة ماجستیر، جامعة تلمسان، الجزائر.
6- عبد الأمير، وسن. (2006م). الانزياح في شعر نازك الملائكة: دراسة أسلوبية، رسالة ماجستیر.
7- عمر، محمود عبد المجید. (2012م). الانزیاح في شعر نزار قباني، مذکرة ماجستیر، جامعة صلاح الدین، أربیل- العراق.
8- السعودي، نزار.(2016م). دلالات الانزياح التركيبي في أدب ابن زيدون. مجلة المَخبر،العدد12، صص22:9.
9- الكفاوین، عمر فارس. (2023م). الانزياح التركبي في شعر يحبى الغزال الاندلسي، مجلة أبحاث اليرموك، المجلد 32، العدد 1، صص 69- 89.
10- بوزيان، أحمد. (2011م). شعرية الانزياح في التراث العربي بين حضور المعنى وغياب المصطلح. مجلة البیان، العدد 491، صص 8- 24.
11- جیلي، هدیة. (2007م). ظاهرة الانزیاح في سورة “النمل” –دراسة أسلوبیة-، رسالة ماجستیر، جامعة منتوري، الجزائر.
12- سعدون زادة، جواد، (د.ت). فنّ الالتفات في القرآن الکریم، مجلة أدب عربي، صص 119- 135.
13- الشّتیوي، صالح علي سلیم. (2005م). ظاهرة الانزیاح الأسلوبي في شعر خالد بن یزید الکاتب، مجّلة جامعة دمشق، العدد 3-4، صص 83- 109.
14- فراج، أحمد سکران وسحر لطفي، عقاد. (2024م). ظاهرة الانزیاح الترکیبي في الجملة الاسمیة في شعر صموئیل هنَّاجید ابن النّغریلة الیهوديّ، مجلة بحوث جامعة حلب، العدد 180، صص1- 15.
15- فوغالي، وهیبة. (2013م). الانزیاح في شعر سمیح القاسم “قصیدة عجائب قانا الجدیدة” أنموذجاً، مذکرة ماجستیر، جامعة أکلي مهند أولحاج، الجزائر.
16- طلال حسن نجار، آلاء. (2012م). خصائص البناء التركيبي في شعر الوأواء الدمشقي، رسالة ماجستير.
17-عبد اللطيف، عبد الرؤوف محمد. (2023م). الانزياح التركيبي في شعر محمود الحليبي: ديوان (تقولين) نموذجًا. مجلة مقامات، العدد 1، صص 294- 324.
18- لطفي سعيد صباح، عصام. (2011م). الصور الفنية في شعر الوأواء الدمشقي، رسالة ماجستير.
19- محمد ويس، أحمد. (1997م). الانزياح وتعدد المصطلح، مجلة عالم الفکر، العدد الثالث، صص 57- 78.
20- المساعید، ریحان إسماعیل أحمد. (2010م). الانزیاح في شعر الحطیئة، رسالة ماجستیر، جامعة آل البیت.
21- مصطفی علي، حنان. (د.ت). أسلوب الالتفات ودلالته في شعر المهلهل، مجلة الدراسات العربیة، صص 97- 112.
22- منصور، محمد حسن. (2016م). التركيب الأسلوبي في شعر الوأواء الدمشقي، مجلة کلیة الآداب، العدد 5، صص 75- 116.
23- یومبعي، جمیلة ومدقن، هاجر. (2018م). حدود التواصل بین البلاغة والأسلوبیة، مجلة مقالید، العدد 14، صص 181- 194.
24- لخضر، عدة، (2017م). أسلوب الالتفات في القرآن الکریم، رسالة ماجستیر، جامعة عبد الحمید بن بادیس، الجزائر.
PhD student, at the University of Kurdistan, Iran – Department of Arabic Language and Literature.Email: samsama555@yahoo.com
2- أستاذ محاضرفي جامعة كردستان – إيران – قسم اللغة العربية وآدابها.
– Lecturer at the University of Kurdistan, Iraq, Department of Arabic Language and Literature.Email: m.pishvaii@uok.ac.ir
3- أستاذ محاضر، في جامعة كردستان – إيران – قسم اللغة العربية وآدابها.
Lecturer, at the University of Kurdistan, Iran, Department of Arabic Language and Literature.Email: a.rasoulnezhad@uok.ac.ir
4- دكتور، في الكلّيّة التربويّة المفتوحة – إيران – قسم اللغة العربية وآدابها.
Doctor, at the Open Education College- Iran – Department of Arabic Language and Literature.Email: Mmamma145@gmail.com