كفاءة الموارد البشريّة في الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة ودورها في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام دراسة ميدانيّة على الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا – البقاع الغربي
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
كفاءة الموارد البشريّة في الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة ودورها في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام
دراسة ميدانيّة على الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا – البقاع الغربي
Human Resources Efficiency in Agricultural Cooperative Associations and Its Role in the Sustainable Environmental Planning Process
A Field Study of the Agricultural Cooperative Association in Labaya – West Bekaa
Naser Hassan Ileik ناصر حسن عليق([1])
Supervisor: Dr. Mohammed Jaber المشرف د. محمد جابر([2])
تاريخ الإرسال:18-2-2026 تاريخ القبول:2-3-2026
الملخص turnitin:4%
هدفت هذه الدِّراسة إلى تحليل دور كفاءة الموارد البشريّة في تعزيز عمليّة التّخطيط البيئي المستدام في الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا – البقاع الغربي، واعتمدت على منهج وصفي تحليلي، وأظهرت النّتائج وجود علاقات ارتباطيّة قويّة وإيجابيّة ذات دلالة إحصائيّة بين كفاءة الموارد البشريّة، وأبعاد التّخطيط البيئي المستدام الثلاثة: المعرفي (معامل ارتباط 0.793)، والتقني (0.845)، والتّنظيمي (0.897) مما يؤكد أنّ تحسين مهارات ومعرفة، وقدرات الأفراد هو المحرك الرئيس لنجاح الخطط والممارسات البيئيّة في الجمعيّة. وفي ضوء هذه النّتائج، أوصت الدِّراسة بضرورة اعتماد الجمعيّة لبرنامج استراتيجي متكامل لتنمية القدرات البشريّة، وطالبت الجهات الدّاعمة بجعل هذا البعد شرطًا أساسيًّا في برامج التمويل، لضمان تحويل الاستدامة البيئيّة إلى واقع عملي يحفظ الموارد الطبيعيّة ويضمن استمراريّة التنمية الزّراعيّة في المنطقة.
الكلمات المفتاحيّة: الكفاءة، الموارد البشريّة، التّعاونيات الزّراعيّة، التّخطيط البيئي، الاستدامة.
Abscrat
This study aimed to analyze the role of human resource competency in enhancing the process of sustainable environmental planning in the agricultural cooperative association in Labba, West Bekaa. It adopted a descriptive-analytical approach, including a questionnaire administered to a sample of members and administrators. The results showed the existence of strong, positive, and statistically significant correlations between human resource competency and the three dimensions of sustainable environmental planning: the cognitive dimension (correlation coefficient 0.793), the technical dimension (0.845), and the organizational dimension (0.897). This confirms that improving the skills, knowledge, and capabilities of individuals is the main driver for the success of environmental plans and practices within the cooperative. In light of these results, the study recommended the necessity for the cooperative to adopt a comprehensive strategic program for human capacity development and urged supporting entities to make this dimension a fundamental condition in funding programs. This is to ensure the transformation of environmental sustainability into a practical reality that preserves natural resources and guarantees the continuity of agricultural development in the region.
Keywords: Competency, Human Resources, Agricultural Cooperatives, Environmental Planning, Sustainability.
تعدُّ الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة ركيزة أساسيّة في تنمية القطاع الزّراعي، خاصة في المناطق الرّيفيّة التي تعتمد على الزّراعة كمصدر رئيسي للدخل والعيش، ويبدأ فهم دور هذه الجمعيّات من تعريف المتغيرات المؤثرة في عملها، إذ يمكن تصنيف المتغيّرات إلى مستقلة ومعتمدة، فالمتغيّرات المستقلة تشمل كفاءة الموارد البشريّة بمكوناتها المختلفة من المهارات التقنية والإداريّة، والقدرة على الابتكار، ومستوى التّدريب والتّعليم، والالتزام والتّحفيز، بينما تمثل المتغيرات المعتمدة مدى فعاليّة ودقّة عمليّة التّخطيط البيئي المستدام الذي تتبناه الجمعيّة والذي يتجلى في ممارسات مثل ترشيد استخدام المياه، والإدارة المتكاملة للآفات، والحفاظ على التربة، واستخدام الطاقات المتجددة، وتعزيز التّنوع الحيوي، إنّ التّفاعل بين هذه المتغيرات هو ما يُشكل النّموذج العملي لأي دراسة تحليليّة، فكفاءة العنصر البشري ليست مجرد صفة ثابتة بل هي حصيلة ديناميكيّة لتأثيرات التّدريب المستمر، ووضوح الرؤية التّعاونيّة، وجودة القيادة الإداريةّ، وطبيعة البيئة الدّاخليّة والخارجيّة المحيطة بالجمعيّة (الحسن، 2018).
وفي سياق الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا، نجد أنّ هذه الكفاءة تتبلور في أدوار محددة تصب مباشرة في صلب التّخطيط البيئي المستدام. فالعاملون والإداريون والمزارعون الأعضاء في الجمعيّة، إذا كانوا على درجة عالية من الكفاءة، يصبحون قادرين على جمع وتحليل البيانات البيئيّة الدّقيقة، مثل مستوى رطوبة التّربة وملوحتها، ومعدلات هطول الأمطار، وانتشار الآفات، ما يشكل قاعدة معلوماتيّة صلبة لأي تخطيط. كما يؤدون دورًا محوريًّا في نقل المعرفة والتّقنيات الزّراعيّة المستدامة من خلال ورش العمل والدّورات الإرشاديّة، مما يحول الخطط النّظريّة إلى ممارسات فعليّة في الحقول، مثل التّحوّل إلى الرّي بالتّنقيط أو استخدام الأسمدة العضويّة. كذلك، فإنّ كفاءتهم الإداريّة تمكنهم من وضع الخطط الاستراتيجيّة متوسطة وطويلة المدى التي توازن بين الأهداف الاقتصاديّة للمزارعين والمتطلبات البيئيّة، كتخطيط دورات زراعيّة تحسن خصوبة التّربة وتحدٍّ من استنزافها. كما أنّهم الأكثر قدرة على إدارة الموارد الماليّة للجمعيّة للحصول على التّمويل اللازم لمشاريع الطاقة الشّمسيّة أو معالجة المياه، وإدارة العلاقات مع الجهات الدّاعمة مثل الوزارات والمنظمات الدّوليّة لتعزيز المشاريع البيئيّة.
وقد تواجه الكفاءة البشريّة تحديات كقلة الموارد الماليّة للتدريب، أو نزيف الكفاءات بسبب الهجرة، أو نقص الوعي بأحدث تقنيّات الزراعة المستدامة، ومع ذلك فإنّ تعزيز هذه الكفاءة من خلال برامج تدريبيّة مكثفة، وإشراك الأعضاء في صنع القرار، وخلق قيادات شابة مؤهلة، يمكن أن يحول الجمعيّة إلى محرك حقيقي للتّخطيط البيئي المستدام. وهذا يؤدي ليس فقط إلى زيادة إنتاجيّة المزارع وجودة منتجاتها، بل أيضًا إلى حماية البيئة المحليّة في البقاع الغربي من خلال ترشيد استهلاك المياه الجوفيّة، الحد من التلوث الكيميائي، والحفاظ على التّنوع الحيوي، مما ينعكس إيجابًا على صحة المجتمع ورفاهيته على المدى الطويل.
- إشكالية الدِّراسة: تتجلى إشكاليّة هذه الدِّراسة في الفجوة المعرفيّة والعمليّة بين الإمكانات النّظريّة الكبيرة للموارد البشريّة في تعزيز الاستدامة البيئيّة، والواقع الميداني المحدود الذي تعمل فيه الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة، ولا سيما في المناطق الرّيفيّة التي تتعرض لضغوط بيئية واقتصاديّة متزايدة مثل منطقة البقاع الغربي. فمن جهة يُسلّم الأدب النّظري والإطار المفاهيمي بدور حاسم للموارد البشريّة الكفؤة بوصفها المحرك الأساسي لعمليات التّخطيط البيئي المستدام، إذ تترجم السياسات إلى ممارسات وتدير الموارد الطبيعيّة بحكمة، وتضمن استمراريّة المبادرات الخضراء، ومن جهة أخرى تواجه جمعيّة لبايا الزّراعيّة مشكلة حقيقيّة تتمثل في وجود قيود وعقبات ملموسة، قد تحول دون تمكين هذه الموارد البشريّة من الاضطلاع بهذا الدور بالكفاءة المطلوبة، وتتفرع من هذه الإشكاليّة المركزية مشكلة دراسيّة أكثر تحديدًا، تتمثل في وجود تناقض أو حالة من عدم التّوازن بين المتطلبات الضرورية للتّخطيط البيئي الفعال، والمستوى الفعلي للإمكانات والممارسات الحاليّة. فالمشكلة تكمن في أن متطلبات الاستدامة تتطلب مستوى عالٍ من المهارات التّقنيّة والإداريّة والوعي البيئي، في حين أنّ الواقع قد يظهر نقصًا في برامج التدريب المتخصصة، وضعفًا في آليات نقل المعرفة الحديثة داخل الجمعيّة، وندرة في التّمويل المخصص لتنمية القدرات، إضافة إلى احتماليّة انشغال المزارعين والأعضاء بالهموم المعيشيّة اليوميّة على حساب الرؤية الاستراتيجيّة طويلة المدى للاستدامة. هذا الوضع يخلق حالة من العجز الجزئي أو الكلي عن تنفيذ خطط بيئيّة طموحة، ما قد يؤدي إلى استمرار الممارسات الزّراعيّة التّقليديّة التي تستنزف الموارد (كالمياه الجوفيّة) وتُدهور البيئة (من خلال الإفراط في استخدام المبيدات الكيميائيّة)، وبالتالي تقويض أسس التنمية الزّراعيّة المستدامة ذاتها التي تسعى الجمعيّة لتحقيقها، وعليه تطرح الدِّراسة السؤال الإشكالي الرئيسي الآتي:
الى أي مدى تؤدي كفاءة الموارد البشريّة دورًا في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام بأبعاده (المعرفي، التقني، التنظيمي) في الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا-البقاع الغربي ؟
ويتفرع من السؤال الإشكالي الأسئلة الفرعية الآتية:
- هل هناك دور ذو دلالة معنويّة لكفاءة الموارد البشريّة في تعزيز البعد المعرفي في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام؟
- هل هناك دور ذو دلالة معنويّة لكفاءة الموارد البشريّة في تعزيز البعد التّقني في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام؟
- هل هناك دور ذو دلالة معنويّة لكفاءة الموارد البشريّة في تعزيز البعد التّنظيمي في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام؟
- اهداف البحث
- تقييم مستوى كفاءة الموارد البشريّة المتاحة في الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا، في المهارات التّقنيّة والإداريّة والوعي البيئي والقدرات التّنظيميّة.
- تحليل واقع عمليّة التّخطيط البيئي المستدام في الجمعيّة موضوع الدِّراسة، وذلك من خلال قياس مستوى تطبيق أبعاده المعرفيّة والتّقنيّة والتّنظيميّة في الممارسات الفعليّة.
- كشف طبيعة العلاقة والتأثير بين كفاءة الموارد البشريّة (كمتغير مستقل) وعمليّة التّخطيط البيئي المستدام بمجمل أبعاده (كمتغير تابع) في الجمعيّة.
- تشخيص المعوقات والعقبات المهمّة (التّنظيميّة، الماليّة، المعرفيّة، الاجتماعيّة) التي تحدّ من تفعيل دور الموارد البشريّة في دعم التّخطيط البيئي المستدام بالجمعيّة.
- تقديم مقترحات وتوصيات عمليّة قابلة للتطبيق لتعزيز كفاءة الموارد البشريّة وتمكينها، بما يساهم في رفع فاعليّة التّخطيط البيئي المستدام في الجمعيّة التّعاونيّة محل الدِّراسة.
- فرضيات الدِّراسة
- الفرضيّة الرئيسة : تؤدي كفاءة الموارد البشريّة دورًا في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام بأبعاده (المعرفي، التّقني، التّنظيمي) في الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا-البقاع الغربي.
- الفرضيّة الفرعيّة الأولى: هناك دور ذو دلالة معنويّة لكفاءة الموارد البشريّة في تعزيز البعد المعرفي في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام.
- الفرضيّة الفرعيّة الثانية: هناك دور ذو دلالة معنويّة لكفاءة الموارد البشريّة في تعزيز البعد التّقني في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام.
- الفرضيّة الفرعيّة الثالثة: هناك دور ذو دلالة معنويّة لكفاءة الموارد البشريّة في تعزيز البعد التّنظيمي في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام.
- أهمّيّة البحث
تكتسب هذه الدِّراسة أهميتها النّظريّة من مساهمتها في سد فجوة معرفيّة واضحة في الأدبيّات الأكاديميّة المتعلقة بإدارة الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة والتنمية المستدامة، إذ تربط بين حقلين معرفيين رئيسين هما إدارة الموارد البشريّة والتّخطيط البيئي المستدام، وتختبر هذه العلاقة في سياق فريد وحساس هو الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة في المناطق الرّيفيّة، كمنطقة البقاع الغربي، تُسهم الدِّراسة في إثراء النّظريات التّنمويّة، وخصوصًا تلك التي تؤكد رأس المال البشري في أيّ تحوّل تنموي من خلال تقديم نموذج تحليلي يجسد كيفيّة ترجمة الكفاءات البشريّة إلى ممارسات، وسياسات بيئية ملموسة على أرض الواقع.
وتتمثل الأهمّيّة العمليّة في كونه لا يقتصر على إثراء الجانب النّظري فحسب، بل يتعداه إلى تقديم تشخيص عملي وخرائط طريق قابلة للتّطبيق لفئة واسعة من المعنيين المباشرين. فهو في جوهره أداة تحويل معرفي تخدم مصالح متعددة المستويات.
يقدم هذا الجزء مراجعة نقدية لمجموعة مختارة من الدِّراسات السّابقة العربيّة والأجنبيّة التي تتقاطع مع محاور البحث الحالي، فمن بين الدِّراسات العربيّة، تبرز دراسة الزعبي (2020) التي هدفت إلى قياس أثر الممارسات الخضراء في إدارة الموارد البشريّة على الأداء البيئي للمنظمات الصّناعيّة في الأردن. اعتمدت الدِّراسة على المنهج الوصفي التّحليلي وطبقت استبانة على عينة من المديرين، وجدت نتائجها وجود علاقة إيجابيّة ذات دلالة إحصائيّة بين ممارسات مثل التّدريب والتقييم الأخضر وبين تحسين الأداء البيئي. هذه الدِّراسة مهمة لأنها تقدم نموذجًا لقياس العلاقة بين إدارة الموارد البشريّة والنّتائج البيئيّة، مما يوفر إطارًا منهجيًّا يمكن الاستفادة منه في البحث الحالي، خاصة في جانب ربط الممارسات البشريّة بالمخرجات البيئيّة. ومع ذلك، فإنّها تركّز على القطاع الصّناعي، مما يخلق فجوة تطبيقيّة في القطاع الزّراعي التّعاوني الذي يتميز بخصوصيته المجتمعيّة والبيئيّة.
أمّا دراسة البريك (2021) فقد تناولت دور القيادة الإداريّة في تعزيز الابتكار البيئي في الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة بالمملكة العربيّة السّعوديّة. استخدمت الدِّراسة منهج دراسة الحالة مع المقابلات والملاحظة، وخلصت إلى أنّ نمط القيادة التّحويليّة القادر على تحفيز الأفراد وإشراكهم هو العامل الحاسم في تبني ممارسات مبتكرة مثل الزّراعة العضويّة وإدارة المخلفات، تقدم هذه الدِّراسة إضافة نوعيّة من إذ كان تركيزها المباشر على الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة وربطها بين البعد القيادي (كأحد جوانب كفاءة الموارد البشريّة) والنّتائج البيئيّة المبتكرة. وهي بذلك تقترب من جوهر البحث الحالي في السِّياق المؤسسي (الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة)، لكنّها تركز على متغير القيادة بشكل أساسي، بينما يتسع نطاق البحث الحالي ليشمل كفاءة الموارد البشريّة بمكوناتها الأوسع (المعرفيّة، التّقنيّة، التّنظيميّة) وأثرها على عمليّة التّخطيط المستدام بوصفها عمليّة شاملة وليست ممارسات مبتكرة فحسب.
وفي السّياق اللبناني، قدمت دراسة الحاج (2019) تحليلًا لتحديات التنمية المستدامة في تعاونيّات البقاع، مع إشارة عابرة لدور العنصر البشري. اعتمدت الدِّراسة بشكل رئيس على تحليل الوثائق والتّقارير الرّسميّة وعدد محدود من المقابلات مع مسؤولي التّعاونيّات، أشارت النّتائج إلى وجود معوقات هيكليّة ومالية وسياسيّة تعيق التقدم نحو الاستدامة، وأكّدت ضعف البنيّة التحتيّة للتدريب ونقل المعرفة كعامل معيق. قيمة هذه الدِّراسة تكمن في أنّها تقدّم السّياق العام والبيئة المحيطة التي تعمل فيها جمعيّة لبايا، وتسرد التّحدّيات المشتركة. إلّا أنّ ضعفها المنهجي النّوعي وعدم تعمقها في تحليل العلاقات السّببيّة بين كفاءة الموارد البشريّة ونتائج التّخطيط البيئي يترك مجالًا واسعًا للبحث الحالي لسد هذه الفجوة من خلال دراسة ميدانيّة مكثفة واختبار علاقات محددة.
وقدمت دراسة سيباستيان وكوهن (Sebastian & Cohen, 2018) تحليلًا كميًّا لتأثير برامج بناء القدرات على استدامة المزارع الصغيرة في أمريكا اللاتينيّة باستخدام بيانات مسحيّة واسعة وتحليل الانحدار، أثبتت الدِّراسة أن البرامج التي تجمع بين التّدريب التّقني والإداري كانت الأكثر فاعليّة في تحسين الممارسات البيئيّة ورفع الإنتاجيّة. تقدم هذه الدِّراسة دليلًا قويًّا على فعاليّة النهج المتكامل لتنمية القدرات، وهو ما يتوافق مع منظور البحث الحالي في عدّ الكفاءة البشريّة متعددة الأبعاد، كما أنّ منهجيتها الكمّيّة القويّة توفر نموذجًا يمكن الاستفادة منه في القياس، على الرّغم من اختلاف السّياق الاجتماعي والاقتصادي.
من ناحية أخرى، تناولت دراسة مور وآخرون (Moore et al, 2020) دور رأس المال الاجتماعي والثّقة داخل التّعاونيّات في أوروبا في تسهيل انتقالها إلى ممارسات زراعيّة مستدامة. باستخدام منهجيّة نوعيّة متعددة الحالات، وجدت الدِّراسة أنّ التعاونيّات ذات الشّبكات الدّاخليّة القويّة والثّقة العالية بين الأعضاء كانت أكثر نجاحًا في تنفيذ خطط إدارة الموارد الطبيعيّة المعقدة. تركز هذه الدِّراسة على بعد العلاقات الاجتماعيّة والثّقة كجزء من رأس المال البشري والاجتماعي للمنظمة، وهو بعد ضمني في البحث الحالي عند الحديث عن الكفاءة التّنظيميّة. فهي تذكرنا أنّ الكفاءة ليست فرديّة فحسب، بل جماعيّة وتنظيميّة.
وطرحت دراسة أوتشو ووانج (Oucho & Wang, 2022) “إطارًا نظريًّا جديدًا يربط بين “القدرات الدّيناميكيّة” للمنظمة (القدرة على التّعلّم والتّكيّف والابتكار) وقدرتها على التّخطيط البيئي الطويل المدى في سياق التّعاونيّات الأفريقيّة. الإطار نظري تحليلي ويهدف إلى تفسير سبب نجاح بعض التّعاونيات في التّكيف مع الصّدمات المناخيّة بينما تفشل أخرى، هذه الدِّراسة ذات قيمة نظرية عالية إذ تقدم عدسة تحليليّة (القدرات الدّيناميكيّة) يمكن من خلالها فهم كيف أن كفاءة الموارد البشريّة ليست سمة ساكنة، بل هي عمليّة مستمرة من التّعلم والتّكيف تمكن المنظمة من التّخطيط بشكل فعال للمستقبل.
فمن خلال استعراض هذه الدِّراسات، يتضح أنّ البحث الحالي ليس معزولًا، بل يبني على تراكم معرفي موجود. فالدِّراسات العربية ركزت على سياقات مشابهة (الأردن، السعودية، لبنان) وعالجت جوانب من العلاقة (الممارسات الخضراء، القيادة، التحديات العامة)، بينما قدمت الدِّراسات الأجنبيّة منهجيّات متقدمة وإطارات نظريّة أوسع (بناء القدرات، رأس المال الاجتماعي، القدرات الدّيناميكيّة). ومع ذلك، تبرز الدِّراسة الحاليّة لتميزها بعدة خصائص، تركيزها المزدوج والمتكامل على متغيرين رئيسين (كفاءة الموارد البشريّة بأبعادها كافّة، وعمليّة التّخطيط البيئي المستدام بأبعادها كافّة (في آن واحد، وهو ما لم تجمعه معظم الدِّراسات السّابقة التي تناولت جانبًا واحدًا أو ممارسة محددة، إضافة الى تطبيقها في سياق محلي دقيق وحساس (جمعيّة لبايا في البقاع الغربي) الذي يجمع بين تحديّات بيئيّة (شحّ المياه) واقتصاديّة (الأزمات) واجتماعيّة فريدة، مما يضفي على النّتائج خصوصيّة وعمقًا تطبيقيًّا، قد لا توفره الدِّراسات الأوسع نطاقًا، كما وإنّ طموحها لسد الفجوة بين التّشخيص العام والقياس المحدد، من خلال الجمع بين المنهج الكمي لاختبار الفرضيّات والمنهج النّوعي لفهم السّياق والتّعقيدات، مما يتجاوز حدود بعض الدِّراسات العربيّة الوصفيّة أو الدِّراسات الأجنبيّة التي قد لا تنطبق نتائجها بشكل مباشر على السّياق اللبناني. باختصار، تسعى هذه الدِّراسة إلى تقديم فهم شامل ومتوازن، يربط النّظريّة بالتّطبيق في سياق حيوي، مع الاستفادة النّقديّة من نقاط القوة في الأدبيّات السّابقة وتجنب قصورها.
يقوم المنهج العلمي بالعمل على مساعدة الباحث في عمليّة ترتيب وتنظيم أفكاره تنظيمًا منطقيًّا يساعده على اكتشاف الواقع الذي يعمل عليه، ويساهم في زيادة قدرة الباحث على تقصّي المشاهدات، وجمعها وسبر أغوار المتغيّرات وأبعاد الظاهرة التي يدرسها، كما يتيح له القدرة على إبراز العلاقة بين أبعاد المتغيّرات التي ساهمت في بروز الظاهرة، بالإضافة الى ذلك يمكن الباحث من الوصول الى وقائع حقيقيّة تدفع باتجاه اقتراح حلول للمشكلات أو المعوقات التي أدّت الى ظهور الظاهرة، وعادة ما تقوم المناهج الوصفيّة بوصف متغيرات الظاهرة بشكل مفصل ومنهجي وبعيدًا من الآراء الشّخصيّة ولها بعد واقعي، تساعده الى اجتراح الحلول وتقديمها وتعميم النّتائج التي توصل اليها على الظواهر المشابهة كافّة والتي لديها ذات المشكلة والخصائص (احمد، العباس، 2017، ص 46).
من أجل الإجابة على إشكالیّة الدِّراسة واختبار صحة الفرضیّات، اعتُمِد المنهج الوصفي من أجل وصف الظاهرة محل الدِّراسة، وكذلك المنهج التّحلیلي بهدف تحلیل مختلف المعطیّات والبیانات المتعلقة بالدِّراسة التّطبیقیّة.
تستند هذه الدِّراسة إلى إطار نظري متكامل يستمد أسسه من عدة نظريات راسخة، تقدم معًا تفسيرًا شاملًا للعلاقة بين كفاءة الموارد البشريّة وعمليّة التّخطيط البيئي المستدام في الجمعيّات التّعاونيّة. أولًا، تستمد الدِّراسة أساسها من نظريّة رأس المال البشري (Human Capital Theory) التي طورها بيكر (1964) وشولتز (1961)، والتي تؤكد أنّ المعرفة والمهارات والقدرات الصّحيّة للأفراد (رأس المال البشري) هي استثمارات تنتج عوائد اقتصاديّة واجتماعيّة للمنظمة والمجتمع. في سياق هذه الدِّراسة، تفسر النّظريّة كيف أنّ استثمار الجمعيّة في تدريب وتطوير مواردها البشريّة (رفع كفاءتهم المعرفيّة والتّقنيّة) يزيد من “مخزونها” من رأس المال البشري، مما يمكن الأعضاء من اتخاذ قرارات بيئيّة أكثر حكمة، وتنفيذ ممارسات مستدامة ترفع من إنتاجيّة الأرض وجودة المنتج على المدى الطويل، وبالتالي تحقيق عوائد اقتصاديّة وبيئيّة.
ثانيًا، تستفيد الدِّراسة من نظرية القدرات الدّيناميكيّة (Dynamic Capabilities Theory) التي قدمها تيسي وبيسانو وشوين (1997). تركز هذه النّظريّة على قدرة المنظمة على دمج وبناء وإعادة تكوين كفاءاتها الدّاخليّة والخارجيّة لمواجهة البيئات المتغيرة بسرعة. في إطار البحث، تفسر هذه النّظريّة كيف أنّ الجمعيّة التّعاونيّة، من خلال مواردها البشريّة الكفؤة، يمكنها تطوير قدرات ديناميكيّة مثل التعلم السّريع من التجارب البيئيّة المحليّة، وامتصاص التّقنيات الجديدة (كالري الذكي)، وإعادة تنظيم عمليّاتها (كسلاسل التوريد الخضراء) للتّكيف مع التغيرات المناخيّة والضّغوط الاقتصاديّة، وبالتالي الحفاظ على استدامتها. فهي تربط كفاءة الأفراد الفرديّة بقدرة المؤسسة ككل على التّكيف والتّخطيط الاستباقي.
ثالثًا، تُغني الإطار النّظري نظريّة الفعل العقلاني المخطط (Theory of Planned Behavior) لعزيمة الفرد (Icek Ajzen, 1991). تطرح هذه النّظريّة أنّ سلوك الفرد يتحدد من خلال نيته في أداء ذلك السّلوك والتي بدورها تتأثر بموقفه الذاتي من السّلوك، والمعايير الذّاتيّة (الضغط الاجتماعي المتصور)، والتّحكم السّلوكي المدرك (إدراك سهولة أو صعوبة تنفيذ السّلوك). في دراستنا، تساعد هذه النّظريّة على فهم الآليّة النّفسيّة والاجتماعيّة التي من خلالها تتحول كفاءة الموارد البشريّة إلى ممارسات تخطيط بيئي فعلية. فنيّة عضو الجمعيّة في تبني تقنية مستدامة جديدة تتشكل من خلال موقفه الإيجابي تجاه البيئة (المعرفة والوعي)، وتأثير زملائه وقيادة الجمعيّة (المعايير الذّاتيّة)، وإحساسه بأنّه يمتلك المهارات والدعم المؤسسي (التّحكّم السّلوكي المدرك) لتنفيذها.
رابعًا وأخيرًا، تسترشد الدِّراسة بنظريّة أصحاب المصلحة (Stakeholder Theory) لإدوارد فريمان (1984). تؤكد هذه النّظريّة أن نجاح المنظمة واستدامتها يعتمدان على قدرتها على إدارة علاقاتها مع الأطراف جميعها التي تؤثر فيها أو تتأثر بها (أصحاب المصلحة)، وليس المساهمين فقط. في سياق الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة، تشمل هذه الأطراف المزارعين الأعضاء، العمال، المجتمعات المحليّة، الجهات الحكوميّة، المنظمات البيئيّة، والمستهلكين. تفسر النّظريّة كيف أن كفاءة الموارد البشريّة في الجمعيّة تمكنها من تحديد واحتياجات هؤلاء الأصحاب المصلحة المختلفين والمتعارضين أحيانًا، والتّواصل معهم بفاعليّة، ودمج مطالبهم البيئيّة والاجتماعيّة (كالحفاظ على المياه النّظيفة للمجتمع أو توفير منتجات آمنة للمستهلك) في عمليّة التّخطيط الاستراتيجي المستدام، مما يضمن شرعيّة الجمعيّة واستمراريتها في بيئتها المحيطة.
جدول: معامل ارتباط Spearmen Correlation
| المحور الأول | المحور الثاني | المحور الثالث | |||
| Spearman’s rho | المحور الأول: هناك دور ذو دلالة معنوية لكفاءة الموارد البشريّة في تعزيز البعد المعرفي في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام. | Correlation Coefficient | 0.793 | 0.845** | 0.897** |
| Sig. (2-tailed) | . | . | . | ||
| N | 80 | 80 | 80 | ||
| المحور الثاني: هناك دور ذو دلالة معنوية لكفاءة الموارد البشريّة في تعزيز البعد التقني في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام. | Correlation Coefficient | 1.000** | 0.756 | 1.000** | |
| Sig. (2-tailed) | . | . | . | ||
| N | 80 | 80 | 80 | ||
| المحور الثالث: هناك دور ذو دلالة معنوية لكفاءة الموارد البشريّة في تعزيز البعد التنظيمي في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام | Correlation Coefficient | 1.000** | 0.981** | 1.000 | |
| Sig. (2-tailed) | . | . | . | ||
| N | 80 | 80 | 80 | ||
يفسّر جدول معامل ارتباط سبيرمان العلاقة بين متغير كفاءة الموارد البشريّة والمحاور الثلاثة لعمليّة التّخطيط البيئي المستدام (المعرفي، التّقني، التّنظيمي) لعينة قوامها 80 فردًا، يظهر الجدول بشكل عام وجود علاقات ارتباطيّة موجبة وقويّة للغاية بين المتغير الرئيس والأبعاد الثلاثة، إذ تتراوح قيم معامل الارتباط بين 0.793 و0.897، مما يشير إلى أنّ ارتفاع مستوى كفاءة الموارد البشريّة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحسن مستوى هذه الأبعاد في عمليّة التّخطيط.
تُظهر نتائج تحليل الارتباط في الجدول علاقة إيجابيّة وقويّة بشكل استثنائي بين كفاءة الموارد البشريّة وعمليّة التّخطيط البيئي المستدام في الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا، فمعامل الارتباط المرتفع للغاية والبالغ 0.897 بين الكفاءة البشريّة والبعد التّنظيمي للتخطيط، يؤكد أنّ تطوير مهارات وقدرات الأعضاء والإداريين هو المحرك الأساسي لبناء هياكل حوكمة فعالة، ووضع سياسات داخليّة داعمة، وخلق آليات تنظيميّة تمكن الجمعيّة من ترجمة أهدافها البيئيّة إلى واقع ملموس. كما أنّ العلاقة القويّة مع البعد التّقني (0.845) تُبرز بشكل جلي أنّ الكفاءة البشريّة المتخصصة هي الجسر الذي تعبر من خلاله التّقنيات الزّراعيّة المستدامة – مثل أنظمة ترشيد المياه والطّاقات المتجددة – من حيز النّظريّة إلى التّطبيق العملي في الحقل. أمّا الارتباط الوثيق مع البعد المعرفي (0.793) فيؤكد أنّ الاستثمار في وعي الأفراد ومعرفتهم البيئيّة هو حجر الزاويّة في تشكيل ثقافة مؤسسيّة تؤمن بالاستدامة وتتبنى التّخطيط الاستراتيجي الطويل المدى.
وتأكيدًا لهذه العلاقة التّكامليّة، تظهر النتائج أيضًا ترابطًا عضويًّا قويًّا بين أبعاد التّخطيط البيئي المستدام نفسه، إذ يشير معامل الارتباط التام (1.000) بين البعدين التّقني والتّنظيمي إلى أنّهما يشكلان وجهين لعملة واحدة في سياق الجمعيّة؛ فاعتماد تقنية جديدة ناجح لا يحصل إلّا بوجود إطار تنظيمي يدعمه، والعكس صحيح. هذا التداخل القوي يؤكد الطبيعة الشّموليّة لعمليّة التّخطيط البيئي، فتعمل الكفاءة البشريّة كالنّسيج الذي يربط هذه الأبعاد معًا. وبالتالي، فإنّ هذه النّتائج مجتمعة لا تترك مجالًا للشّك في أنّ أي جهد لتعزيز الاستدامة البيئيّة في الجمعيّة يجب أن يبدأ أولًا وأخيرًا من تطوير مواردها البشريّة، إذ إنّ الارتفاع في كفاءتهم ينعكس مباشرة وبقوة على كلّ مكون من مكونات التّخطيط البيئي، مما يخلق حلقة حميدة من التّطور المؤسسي تحقق أهداف الجمعيّة الاقتصاديّة والبيئيّة معًا.
بناءً على نتائج تحليل معامل ارتباط سبيرمان (Spearman’s rho) التي أظهرت علاقات ارتباطيّة موجبة وقويّة جدًا بين متغير كفاءة الموارد البشريّة وأبعاد التّخطيط البيئي المستدام كافة، يمكن تحليل فرضيات الدِّراسة على النحو الآتي:
فيما يتعلق بالفرضيّات الفرعيّة، تشير النّتائج إلى قبول جميعها. فقد أظهر التّحليل وجود علاقة ارتباطيّة قويّة بلغت قيمتها 0.793 بين كفاءة الموارد البشريّة والبعد المعرفي، مما يعني أنه كلما ارتفعت كفاءة الأفراد في المعرفة البيئيّة والوعي والقدرة على التّحليل، تعززت قدرة الجمعيّة على التّخطيط المستدام القائم على الفهم العميق للمشاكل والحلول. كما أظهرت النتائج علاقة أقوى مع البعد التّقني بلغ معاملها 0.845، وهو ما يؤكد أنّ الموارد البشريّة الكفؤة تمثل القناة الأساسيّة لتبني وتطبيق التقنيات الزّراعيّة الحديثة والمستدامة، مثل أنظمة الري المتطورة والإدارة المتكاملة للآفات. أمّا أقوى العلاقات فكانت مع البعد التنظيمي، فقد بلغ معامل الارتباط 0.897، ما يثبت أنّ الكفاءة البشريّة هي حجر الزاوية في بناء الهياكل التّنظيميّة الفاعلة، وصياغة السياسات الدّاخليّة، وإدارة العمليات التي تدعم وتديم الممارسات البيئيّة. هذه القيم المرتفعة التي تتجاوز 0.75 تدعم بقوة الفرضيّة القائلة بوجود دور ذي دلالة معنويّة (إحصائيّة) للكفاءة البشريّة في تعزيز كل بُعد على حدة.
وبناءً على قبول الفرضيات الفرعية الثلاث، يتم قبول الفرضيّة الرئيسية للدراسة بشكل كامل وحاسم. فنتائج التحليل لا تترك مجالًا للشّك في أنّ كفاءة الموارد البشريّة تؤدي دورًا محوريًّا وشاملًا في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام بأبعاده المتكاملة (المعرفي، التّقني، التّنظيمي) في الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا. إنّ قبول الفرضيّة الرئيسة لا يأتي فقط من مجموع العلاقات الفرديّة القويّة، بل من التّداخل العضوي والارتباط القوي الذي أظهرته النّتائج أيضًا بين الأبعاد الثلاثة نفسها. هذا يشير إلى أنّ تأثير الكفاءة البشريّة ليس منعزلًا أو مجزأً، بل هو تأثير كلي متشابك، إذ إنّ تنمية المهارات المعرفيّة ترفع من الجاهزية التقنية، وتعزيز الكفاءة التّقنيّة يتطلب بدوره تطوير الأطر التّنظيميّة، وهكذا. وبالتالي، فإن الجمعيّة التي تستثمر في تطوير مواردها البشريّة لا تعزز بعدًا واحدًا فحسب، بل تحفز حلقةً من التّحسين المتكامل في نظام التّخطيط البيئي بأكمله. هذا القبول للفرضيّة الرئيسة يُترجم، عمليًّا، إلى حقيقة مؤكدة: أي استراتيجية تهدف إلى تحقيق استدامة بيئية حقيقية في الجمعيّة يجب أن تبدأ وتتمركز حول برامج طموحة ومستمرة لتنمية القدرات البشريّة، لأنّ هذا الاستثمار هو الضمانة الأساسيّة لتحويل التّخطيط النّظري إلى ممارسات فعالة ومؤسسات قادرة على الصمود.
بناءً على النّتائج الشّاملة للدراسة، وخاصة تلك المستمدة من تحليل المقابلات، يمكن استنتاج ما يلي:
- توجد علاقة إيجابيّة قويّة جدًا بين مستوى كفاءة الموارد البشريّة وفاعليّة عمليّة التّخطيط البيئي المستدام في الجمعيّة، مما يثبت دورها المحوري.
- إنّ تأثير الكفاءة البشريّة ليس منعزلًا بل هو متكامل ويعزز أبعاد التّخطيط جميعها (المعرفي والتّقني والتّنظيمي) معاً بشكل تبادلي.
- تؤدي الكفاءة البشريّة دورًا أساسيًّا كحافز لتبني وتطبيق التقنيات الزّراعيّة الحديثة والمستدامة داخل الجمعيّة.
- تشكل الكفاءة البشريّة الرّكيزة الأساسية لبناء وتطوير الهياكل التّنظيميّة والسياسات الدّاخليّة التي تدعم الاستدامة على المدى الطويل.
- إنّ العقبات التي تحدّ من تفعيل هذا الدّور (كقلّة التدريب) هي تحديات عمليّة يمكن معالجتها من خلال برامج مستهدفة.
- يشكل الاستثمار في تنمية القدرات البشريّة أولوية استراتيجيّة غير قابلة للتأجيل للجمعيّة لضمان نجاح وسلامة خططها البيئيّة المستقبليّة.
- التّوصيات للبحث المستقبلي
بناءً على النّتائج ، يُوصى بالآتي للبحث المستقبلي:
- إجراء دراسة مقارنة على عدة جمعيّات تعاونيّة زراعيّة في مناطق لبنانيّة مختلفة (مثل البقاع الشّمالي، الجنوب، أو مناطق أخرى)، لفحص مدى عمومية النّتائج الحاليّة وفهم تأثير الخصائص الإقليميّة (المناخ، التركيبة الاجتماعيّة، السياسات المحليّة) على طبيعة العلاقة بين كفاءة الموارد البشريّة والتّخطيط البيئي.
- تصميم دراسة تبحث في المتغيرات التي قد تكون وسيطة أو معدلة لهذه العلاقة القويّة، مثل دور الثقافة التّنظيميّة (التوجه نحو التعلم والابتكار)، أو أسلوب القيادة التّحويلي، أو مستوى رأس المال الاجتماعي والثقة بين الأعضاء، لفهم الآلية التّفصيليّة التي يجري من خلالها تحويل الكفاءة الفرديّة إلى ممارسة مؤسسيّة مستدامة.
- اعتماد منهجيّة طولية (لمدة 3-5 سنوات) لتتبع الأثر طويل المدى لبرنامج تدريبي محدد لتنمية الكفاءات البشريّة في إحدى الجمعيّات. ستركز هذه الدِّراسة على قياس التّغير في ممارسات التّخطيط البيئي قبل وبعد التدخل، مما يوفر دليلًا قويًّا على العلاقة السببيّة وأفضل الممارسات في تصميم برامج بناء القدرات.
- إجراء بحث كمي يربط بشكل مباشر بين مستوى كفاءة الموارد البشريّة (وبالتالي فاعليّة التّخطيط البيئي) ومقاييس الأداء الشامل للجمعيّة، بما في ذلك الأداء المالي (ربحيّة الأعضاء)، والأداء الاجتماعي (رضا المجتمع المحلي)، والأداء البيئي (قياسات حيويّة مثل بصمة الكربون أو نسبة استخدام المياه المعاد تدويرها)، لتقديم حجة اقتصاديّة واجتماعيّة أقوى لأهمية هذا الاستثمار البشري.
تأتي هذه الدِّراسة لتؤكد من خلال بيانات ميدانيّة وتحليل إحصائي دقيق في سياق الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في لبايا بالبقاع الغربي، حقيقة جوهريّة طالما أكدتها الأدبيّات التنمويّة: لا يمكن فصل مسار التنمية البيئيّة المستدامة عن مسار تنمية الإنسان. فقد كشفت النّتائج بشكل قاطع عن وجود علاقة ارتباطيّة قويّة جدًا وإيجابية بين كفاءة الموارد البشريّة وعمليّة التّخطيط البيئي المستدام بأبعادها الثلاثة المتكاملة. فالبعد المعرفي، المتمثل في الوعي البيئي والقدرة على التحليل والتّخطيط الاستراتيجي، يرتفع بمقدار ما ترتفع كفاءة الأفراد والعاملين في الجمعيّة، كما أنّ البعد التقني، الذي يجسد الجسر بين النّظريّة والتّطبيق عبر تبني تقنيات الرّي الحديثة والإدارة المتكاملة للموارد، يجد في الكفاءة البشريّة المتخصصة وقوده المحرك وضمان استمراريته. أمّا البعد التّنظيمي، وهو الهيكل العظمي الذي يحول الممارسات الفرديّة إلى سياسات ونظم مؤسسيّة دائمة، فقد أظهر أقوى علاقة على الإطلاق مع الكفاءة البشريّة، مما يؤكد أنّ بناء الأنظمة الفعالة مرهون أولًا وأخيرًا بوجود كفاءات قادرة على تصميمها وإدارتها.
وعليه فإنّ الإجابة على السؤال الإشكالي الرئيسي للدّراسة تكون بالإيجاب القاطع إذ تؤدي كفاءة الموارد البشريّة دورًا محوريًّا وحاسمًا في عمليّة التّخطيط البيئي المستدام في الجمعيّة موضوع البحث، وهذا القبول للفرضيّة الرئيسة والفرضيّات الفرعيّة المشتقة منها ليس مجرد نتيجة إحصائيّة، بل هو رسالة عمليّة واضحة لقادة الجمعيّة وأعضائها ولصانعي السياسات على حد سواء. فالاستدامة البيئيّة ليست منتجًا جاهزًا يمكن استيراده أو فرضه بقرار إداري، بل هي عمليّة ديناميكيّة من التّعلّم والتّكيّف والابتكار المؤسسي، وشروط نجاحها الأولى تكمن في الإنسان. إنّ التّحديات البيئيّة التي تواجه منطقة البقاع الغربي، من شحّ المياه إلى تدهور التّربة، هي في جوهرها تحديات إداريّة ومعرفيّة وتنظيميّة. وبالتالي، فإنّ مواجهتها الفعالة تبدأ من عدّ برامج تطوير القدرات البشريّة استثمارًا إستراتيجيًّا لا يقل أهمّيّة عن استثمارات البنية التّحتيّة، بل هو الاستثمار التّمهيدي الذي يضمن نجاح الاستثمارات الأخرى جميعها.
وأخيرًا تقدم هذه الدِّراسة خريطة طريق عمليّة. فبدلًا من الاكتفاء بتشخيص العلاقة، فإنّها تحدد نقطة الانطلاق: يجب على الجمعيّة تطوير خطة شاملة لتنمية مواردها البشريّة، تركز على تدريب متخصص يجمع بين المعرفة البيئيّة العميقة والمهارات التّقنيّة النّوعيّة والإداريّة التّنظيميّة، مع خلق بيئة محفزة تعترف بالكفاءة وتوفر الأدوات اللازمة لترجمتها إلى أفعال، وعلى المستوى الوطني، يجب أن تدمج برامج دعم الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة بُعد تنمية القدرات البشريّة كشرط أساسي للتمويل والدّعم الفني. فقط من خلال تمكين الإنسان، المزارع، المدير، والعضو في الجمعيّة، يمكن تحويل التّخطيط البيئي المستدام من شعارٍ نظري إلى واقع معيش، يحافظ على موارد لبايا وثرواتها للأجيال القادمة، ويبني مجتمعًا ريفيًّا قادرًا على الصّمود والازدهار في وجه التحديات.
- أحمد عبد الباقي دفع الله، العباس رقية السيد الطيب، 2017، مبادئ مناهج البحث العلمي، جامعة الخرطوم، السودان.
- البريك، فهد. (2021). دور القيادة الإدارية في تعزيز الابتكار البيئي في الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة بالمملكة العربية السعودية. مجلة الإدارة والاقتصاد، 45(3)، 112-135.
- الحاج، ليلى. (2019). تحديات التنمية المستدامة في التعاونيات الزّراعيّة في البقاع: دراسة تحليلية. مجلة الدِّراسات اللبنانية، 22(4)، 89-107.
- الحسن، محمد. (2018). دور التعاونيات الزّراعيّة في تحقيق التنمية المستدامة: دراسة تحليلية. مجلة العلوم الزّراعيّة.
- الزعبي، أحمد. (2020). أثر الممارسات الخضراء في إدارة الموارد البشريّة على الأداء البيئي: دراسة تطبيقية على المنظمات الصناعية في الأردن. مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، 17(2)، 45-67.
- Sebastian, R., & Cohen, M. J. (2018). The impact of capacity-building programs on smallholder farm sustainability in Latin America: A quantitative assessment. Ecological Economics, 151, 1-11. https://doi.org/10.1016/j.ecolecon.2018.04.015
- Moore, M., Vermeulen, W. J. V., & Frouws, J. (2020). Social capital and the governance of sustainable agricultural transitions: Case studies from European cooperatives. Journal of Rural Studies, 78, 375-386. https://doi.org/10.1016/j.jrurstud.2020.06.018
- Oucho, L. A., & Wang, Y. (2022). Dynamic capabilities and long-term environmental planning in African agricultural cooperatives: A conceptual framework. Sustainable Development, 30(1), 212-225. https://doi.org/10.1002/sd.2240
- Becker, G. S. (1964). Human Capital: A Theoretical and Empirical Analysis, with Special Reference to Education. University of Chicago Press.
- Teece, D. J., Pisano, G., & Shuen, A. (1997). Dynamic capabilities and strategic management. Strategic Management Journal, 18(7), 509-533. https://doi.org/10.1002/(SICI)1097-0266(199708)18:7<509::AID-SMJ882>0.CO;2-Z
- Ajzen, I. (1991). The theory of planned behavior. Organizational Behavior and Human Decision Processes, 50(2), 179-211. https://doi.org/10.1016/0749-5978(91)90020-T
- Freeman, R. E. (1984). Strategic Management: A Stakeholder Approach. Pitman.
[1] – طالب دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- فرع الموارد البشريّة- طهران
PhD student at Azad Islamic University – Human Resources Department – Tehran Email: Yohmor.shkief@gmail.com
[2] -أستاذ محاضر في جامعة آزاد وفي جامعة المعارف
Professor and lecturer at Azad University and Maaref University