“تأثير المستوى التّعليمي للمرأة على السّلوك الإنجابي”

0

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

تأثير المستوى التّعليمي للمرأة على السّلوك الإنجابي”

Study Title: “The Impact of Women’s Educational Level on Reproductive Behavior”

Akram Adel Baqer أكرم عادل باقر([1])

تاريخ الارسال:14-3-2026                                             تاريخ القبول:2-4-2026

الملخص                                                                                          turnitin:12%

تهدف هذه الدّراسة إلى تحليل تأثير المستوى التّعليمي للمرأة على السّلوك الإنجابي في لبنان، من خلال دراسة حالة المعلمات المتزوجات في المدارس الرّسميّة في قضاء الشّوف الأعلى. تنطلق الدّراسة من فرضيّة رئيسة مفادها وجود علاقة عكسيّة بين التّحصيل العلمي للمرأة ومعدل إنجابها، مع افتراض أنّ التّمكين الاقتصادي والعوامل الثقافيّة تمثل متغيّرات وسيطة ومعدِّلة لهذه العلاقة.

اعتمدت الدّراسة المنهج الوصفي التّحليلي الكميّ، وشمل مجتمع البحث 140 معلمة متزوجة، أُجرِي مسح شامل لهن باستخدام استبانة مغلقة الأسئلة. وقد حُلِّلت البيانات إحصائيًا باستخدام معاملات الارتباط وحُلِّل الانحدار الخطي المتعدد لاختبار أثر المستوى التّعليمي وسنوات الخبرة المهنيّة، والعوامل الاجتماعيّة على عدد الأطفال وتأجيل الإنجاب.

أظهرت النّتائج وجود علاقة عكسيّة ذات دلالة إحصائيّة بين المستوى التّعليمي وعدد الأطفال، إذ تميل المعلمات الحاصلات على تعليم جامعي إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال مقارنة بحاملات الشّهادة الثانوية. كما تبيّن أنّ العمل يعزز استقلال المرأة المالي وقدرتها على التّخطيط الأسري، في حين تستمر بعض العادات والتّقاليد في تأدية دور معدِّل في هذه العلاقة.

تخلص الدّراسة إلى أنّ تعليم المرأة يمثل ركيزة أساسيّة في التّحوّل نحو نمط إنجابي معتدل قائم على التّخطيط والجودة بدل الكم، وأنَّ تمكين المرأة تعليميًا ومهنيًا يشكل مدخلًا استراتيجيًا لتحقيق تنمية اجتماعيّة واقتصاديّة مستدامة في السياق اللبناني.

الكلمات المفتاحيّة: التّعليم، السّلوك الإنجابي، الخصوبة، تمكين المرأة، لبنان، الشّوف الأعلى.

Abstract

This study examines the impact of women’s educational level on reproductive behavior in Lebanon, through a case study of married female teachers working in public schools in the Upper Chouf district. The research is grounded in the main hypothesis that an inverse relationship exists between women’s educational attainment and fertility rates, while economic empowerment and cultural factors act as mediating and moderating variables.

The study adopts a quantitative descriptive-analytical approach. The research population consisted of 140 married female teachers, surveyed through a structured questionnaire. Statistical analysis was conducted using correlation coefficients and multiple linear regression to assess the effect of educational level, professional experience, and socio-cultural factors on fertility indicators such as number of children and delayed childbirth.

Findings reveal a statistically significant negative relationship between educational attainment and number of children. Women holding university degrees tend to have fewer children compared to those with only secondary education. Employment was found to enhance women’s financial independence and reproductive decision-making autonomy, although traditional social norms continue to influence reproductive choices.

The study concludes that women’s education constitutes a key driver of demographic transition toward a more moderate and planned fertility pattern. Educational and economic empowerment of women represents a strategic pathway for sustainable social and economic development within the Lebanese context.

Keywords: Women’s education, reproductive behavior, fertility, economic empowerment, Lebanon, Upper Chouf.

مقدّمة الدّراسة        

عنوان الدّراسة: تأثير المستوى التّعليمي للمرأة على السّلوك الإنجابي – حالة لبنان

يُعدّ موضوع العلاقة بين تعليم المرأة وسلوكها الإنجابي من القضايا المحوريّة في الدّراسات السُّكانيّة والتنمويّة المعاصرة، لما له من انعكاسات مباشرة على التّحوّلات الدّيموغرافيّة، وبنية الأسرة، وسوق العمل، والسياسات الاجتماعيّة. فقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحوّلات ديموغرافية عميقة رافقت توسّع فرص التّعليم أمام النساء، إذ أظهرت الأدبيات السُّكانيّة وجود ارتباط وثيق بين ارتفاع المستوى التّعليمي للمرأة وانخفاض معدلات الخصوبة وتأخر سن الزواج والإنجاب (¹). وتندرج هذه الظاهرة ضمن ما يُعرف بـ”نظريّة التّحوّل الدّيموغرافي” التي تربط بين التقدم التّعليمي والاجتماعي وبين التّحوّل في أنماط الإنجاب(²).

تشير على الصعيد العالمي تقارير United Nations إلى أنّ ارتفاع معدلات التحاق الفتيات بالتّعليم الثانوي، والجامعي ترافق مع تراجع ملموس في معدلات الخصوبة في العديد من الدول النّامية والمتوسطة الدّخل(³). كما يؤكد World Bank أنّ تعليم المرأة يسهم في خفض عدد الأطفال لكل امرأة، ويعزز مشاركتها في سوق العمل، ويرفع من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة تتعلق بالصحة الإنجابيّة وتنظيم الأسرة(). وتوضح الأدبيّات الاقتصاديّة أنّ التّعليم يزيد من “تكلفة الفرصة البديلة” للإنجاب، إذ كلما ارتفع المستوى العلمي للمرأة زادت فرصها المهنيّة والدّخل المتوقع، مما يجعل قرار الإنجاب أكثر خضوعًا للحسابات الاقتصاديّة والاجتماعيّة().

وفي السّياق العربي، تؤكد تقارير UNICEF أنّ تمكين الفتيات تعليميًّا ينعكس مباشرة على صحّة الأسرة ومستوى المعيشة، ويؤدي إلى تراجع معدلات الزّواج المبكر وتحسن مؤشرات الخصوبة(). كما تشير الدّراسات السُّكانيّة في منطقة الشّرق الأوسط إلى أنّ التّحوّلات في أدوار المرأة الاجتماعيّة والاقتصاديّة أسهمت في إعادة تشكيل مفهوم الأسرة التّقليديّة وعدد الأطفال المرغوب فيهم().

أمّا في لبنان، فقد شهدت العقود الماضية توسعًا ملحوظًا في تعليم المرأة، إذ ارتفعت نسب التحاق الإناث بالتّعليم الثانوي والجامعي بشكل لافت، وتزايد حضورهن في المهن المتخصصة والقطاعات المختلفة. وتظهر بيانات Central Administration of Statistics – Lebanon انخفاضًا تدريجيًا في معدل الخصوبة الإجمالي مقارنة بما كان عليه في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي(). كما تشير تقارير UNFPA الخاصة بلبنان إلى أن متوسط عدد الأطفال لكل امرأة شهد تراجعًا متواصلاً، مع تفاوتات واضحة بحسب المستوى التّعليمي والمكان الجغرافي والانتماء الاجتماعي().

غير أنّ الحالة اللبنانيّة تتميز بخصوصيّة اجتماعيّة وثقافيّة مركبة؛ إذ تتداخل العوامل التّعليميّة مع محددات طائفيّة واقتصاديّة وأسريّة تؤثر في القرارات الإنجابيّة. فالمجتمع اللبناني، على الرّغم من انفتاحه النِّسبي وتقدمه التّعليمي، لا يزال يتأثر بمنظومة قيم تقليدية تمنح الأسرة والإنجاب مكانة مركزيّة في حياة المرأة(¹⁰). كما أنّ الأزمات الاقتصاديّة المتلاحقة منذ العام 2019 أدّت إلى إعادة النّظر في قرارات الإنجاب لدى العديد من الأسر، ما يطرح تساؤلات إضافيّة حول تأثير التّعليم في ظل الضغوط الاقتصاديّة الحادة (¹¹).

أهمّيّة البحث

تنبع أهمّيّة هذه الدّراسة من تقاطعها مع ثلاث مجالات معرفيّة أساسيّة: علم السّكان، علم الاجتماع الأُسري، واقتصاديّات التّنمية. فالعلاقة بين تعليم المرأة وسلوكها الإنجابي لا تُعد مسألة فرديّة فحسب، بل تمثل مؤشرًا بنيويًا لتحولات المجتمع بأكمله. وقد أظهرت الأدبيّات الدّيموغرافيّة أنّ ارتفاع المستوى التّعليمي للنساء يرتبط غالبًا بانخفاض معدلات الخصوبة، نتيجة تغير أنماط التفكير، وتأخر سنّ الزواج، وزيادة الوعي بوسائل تنظيم الأسرة (12). وعليه، فإن فهم هذه العلاقة يُعد ضروريًا لتفسير التّحوّلات السُّكانيّة في المجتمعات النامية والمتوسطة الدخل، ومنها لبنان.

من الناحية الدّيموغرافيّة، تكتسب الدّراسة أهميتها من ارتباط الخصوبة بمؤشرات التّنمية المستدامة. إذ تشير تقارير دوليّة إلى أنّ الاستثمار في تعليم الفتيات ينعكس مباشرة على خفض معدلات الإنجاب وتحسين المؤشرات الصّحيّة للأم والطفل(13). فكل سنة إضافيّة من التّعليم قد تؤدي إلى تقليص عدد الأطفال المتوقع إنجابهم، ليس فقط بسبب ارتفاع كلفة الفرصة البديلة للإنجاب، بل أيضًا بسبب تحسن القدرات التّفاوضيّة للمرأة داخل الأسرة(14). ومن هنا، يصبح تعليم المرأة أداة تخطيط سكاني بامتياز، وليس مجرد حقّ اجتماعي.

أمّا من النّاحية الاقتصاديّة، فإنّ تعليم المرأة يسهم في زيادة مشاركتها في سوق العمل، ورفع إنتاجيتها، وتعزيز استقلالها المالي، الأمر الذي يؤثر بدوره في قرارات الإنجاب في العدد والتّوقيت(15). فالمرأة المتعلمة غالبًا ما توازن بين مسارها المهني ودورها الأُسري بطريقة مختلفة عن المرأة الأقل تعليمًا، ما يؤدي إلى تغيّرات في بنية الأسرة التّقليديّة. ويُعد هذا التّحوّل جزءًا من مسار الانتقال الدّيموغرافي الذي يربط بين التّحديث الاقتصادي وانخفاض الخصوبة (16).

وعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي، تبرز أهمّيّة البحث في سياق التّحوّلات التي يشهدها المجتمع اللبناني. فلبنان يتميز بتعدد طوائفه وأنماطه الثقافيّة، ما يجعل أثر التّعليم على السّلوك الإنجابي غير متجانس عبر الفئات الاجتماعيّة المختلفة. وقد أشار بعض الباحثين، مثل بيضون، إلى أنّ الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة تؤثر على خصوبة النّساء بصورة متفاوتة تبعًا لمستواهن التّعليمي وموقعهن الطبقي (17). وهذا يعني أنّ التّعليم لا يعمل بمعزل عن السّياق، بل يتفاعل مع البنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

كما أنّ البحث يكتسب أهمّيّة نظريّة من خلال مساهمته في اختبار فرضيّات نظريات التّحديث ونظريّة الاختيار العقلاني في السِّياق اللبناني. فهل يؤدي ارتفاع التّعليم دائمًا إلى انخفاض الخصوبة؟ أم أنّ هناك عوامل ثقافيّة ودينيّة قد تحد من هذا التّأثير؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تساهم في إثراء الأدبيّات العربيّة حول العلاقة بين تمكين المرأة والتّحوّل الدّيموغرافي.

إضافة إلى ذلك، تكتسب الدّراسة أهمّيّة تطبيقيّة لصنّاع القرار، إذ يمكن أن تساعد نتائجها في صياغة سياسات تعليميّة وسكانيّة متكاملة، تراعي خصوصيّة المجتمع اللبناني. ففي ظل الأزمة الاقتصاديّة الرّاهنة، قد تتغير أنماط الإنجاب بطرق تختلف باختلاف المستوى التّعليمي، الأمر الذي يجعل من الضروري دراسة هذه العلاقة بصورة علميّة دقيقة.

وبالتالي، فإنّ أهمّية البحث لا تقتصر على الجانب الأكاديمي، بل تمتد إلى المجال التّنموي والسياسات، من خلال إسهامه في فهم ديناميّات التّحوّل الأُسري في لبنان، وربطها بمسارات التّعليم وتمكين المرأة، ضمن إطار تحليلي يجمع بين البعد الديموغرافي والاجتماعي والاقتصادي.

إشكاليّة البحث

تنطلق إشكاليّة هذه الدّراسة من ملاحظة تحوّلٍ بنيوي في العلاقة بين التّعليم والخصوبة في المجتمعات المعاصرة، إذ لم يعد الإنجاب قرارًا تقليديًا خاضعًا فقط للأعراف الاجتماعيّة، بل أصبح خيارًا عقلانيًا يتأثر بعوامل التّعليم، والعمل، والتمكين الاقتصادي. فقد بيّنت الأدبيّات الكلاسيكيّة في الاقتصاد الأُسري، ولا سيما لدى غاري بيكر في كتابه “A Treatise on the Family”، أنّ قرارات الإنجاب ترتبط بحسابات الكلفة والمنفعة، وأن ارتفاع تعليم المرأة يزيد من كلفة الفرصة البديلة للإنجاب، ما قد يؤدي إلى انخفاض عدد الأطفال(18). غير أن هذه العلاقة ليست ميكانيكيّة أو خطية، بل تتأثر بالسّياق الثّقافي والاجتماعي.

وعليه، تتمحور الإشكاليّة حول السؤال الرئيس:  كيف يؤثر المستوى التّعليمي للمرأة على سلوكها الإنجابي في السّياق اللبناني؟ ويتفرع عن هذا السؤال مجموعة من التّساؤلات الفرعيّة التي تعكس أبعادًا ديموغرافيّة واجتماعيّة واقتصاديّة مترابطة:

  • كيف ينعكس التّعليم على مؤشرات الخصوبة (معدل الإنجاب الكلي، عدد الأطفال، سن الزواج، سن الإنجاب الأول)؟
  • هل يسهم التّعليم في إعادة تشكيل مفهوم حجم الأسرة المثالي؟
  • إلى أيّ مدى تمكّن المرأة المتعلمة من الموازنة بين دورها الأُسري ومسارها المهني؟
  • وهل تحدّ العوامل الثقافيّة والدّينيّة والاقتصاديّة من التأثير المتوقع للتّعليم على السّلوك الإنجابي؟

تنبع الإشكاليّة أيضًا من التباين بين الطّروحات النّظريّة العامة وخصوصيّة الواقع اللبناني. فوفقًا لنظريّة التّحوّل الديموغرافي التي عرضها جون كالدويل في “Theory of Fertility Decline”، يؤدي التحديث الاجتماعي وارتفاع التّعليم إلى انتقال المجتمعات من معدلات خصوبة مرتفعة إلى منخفضة(19). إلّا أنّ بعض الدّراسات تشير إلى أنّ هذا الانتقال قد يتخذ مسارات مختلفة تبعًا للبيئة الثقافيّة والاقتصاديّة، خاصة في المجتمعات ذات البنية الطائفيّة المتعددة مثل لبنان.

كما أنّ تقارير World Bank حول النّوع الاجتماعي، والتنمية تؤكّد أن تمكين المرأة تعليميًا يعزز مشاركتها الاقتصاديّة ويؤثر في قراراتها الإنجابيّة (20). لكن في المقابل، تشير تحليلات سوسيولوجيّة عربيّة إلى أن الأدوار الجندريّة التّقليديّة قد تستمر في التأثير على خيارات المرأة حتى مع ارتفاع مستواها التّعليمي (21). وهنا تتجلى الإشكاليّة: هل التّعليم في لبنان يؤدي فعلًا إلى إعادة تعريف دور المرأة الإنجابي، أم أنّه يعمل ضمن حدود البنية الاجتماعيّة القائمة؟

وتتعمق الإشكاليّة أكثر عند النّظر إلى التّداخل بين التّعليم والتّمكين الاقتصادي. فالمرأة المتعلمة قد تؤخر الزّواج أو تقلل عدد الأطفال بسبب انخراطها في سوق العمل، غير أنّ الأزمات الاقتصاديّة (كما يشهد لبنان في السنوات الأخيرة) قد تدفع بعض الأسر إلى إعادة النظر في قرارات الإنجاب بطرق متباينة. وبالتالي، فإنّ العلاقة بين التّعليم والخصوبة قد تكون علاقة ديناميكيّة تتغير بتغير الظروف الاقتصاديّة.

إذن، تكمن جوهر الإشكاليّة في محاولة فهم الآليات الوسيطة التي تربط بين التّعليم والسّلوك الإنجابي، مثل:

  • الوعي الصّحي وتنظيم الأسرة.
  • الطموح المهني.
  • الاستقلال الاقتصادي.
  • إعادة توزيع السّلطة داخل الأسرة.
  • وتأثير البيئة الثقافيّة والاجتماعيّة.

وعليه، تسعى الدّراسة إلى اختبار ما إذا كان التّعليم يشكل متغيرًا حاسمًا في تفسير التّحوّلات الإنجابيّة في لبنان، أم أنّه مجرد عامل ضمن شبكة معقدة من المحددات البنيويّة والثّقافيّة.

فرضيات البحث

استنادًا إلى الأدبيّات الدّيموغرافيّة والاقتصاديّة والسّوسيولوجيّة ذات الصّلة، تنبثق فرضيّات هذه الدّراسة من تقاطع نظريات التّحوّل الدّيموغرافي، واقتصاديّات الأسرة، وتمكين المرأة، مع خصوصيّة البنية الثقافيّة والاجتماعيّة في لبنان. وعليه، يمكن صياغة الفرضيّات بصورة موسّعة على النّحو الآتي:

الفرضيّة الأولى: العلاقة بين التّعليم ومعدل الإنجاب

تنص الفرضيّة الأولى على وجود علاقة عكسيّة ذات دلالة إحصائيّة بين مستوى تحصيل المرأة العلمي ومعدل إنجابها؛ إذ يؤدي ارتفاع المستوى التّعليمي إلى انخفاض عدد الأطفال المتوقع إنجابهم.

وعليه، تفترض الدّراسة أنه كلما ارتفع مستوى التّعليم (ابتدائي، ثانوي، جامعي، دراسات عليا)، انخفض متوسط عدد الأطفال، وارتفع سن الزواج والإنجاب الأول، بما يعكس تحوّلًا في أولويات المرأة وخياراتها الحياتية.

الفرضيّة الثانية: التّعليم والعمل وتمكين المرأة الإنجابي

تنص الفرضيّة الثانية على أن التّعليم، مقرونًا بالمشاركة في سوق العمل، يزيد من قدرة المرأة على تنظيم أسرتها وتأخير الإنجاب، ويعزز استقلالها الاقتصادي، مما يحد من انحصار دورها في الأدوار التّقليديّة.

وبالتالي، تفترض الدّراسة أنّ العلاقة بين التّعليم والسّلوك الإنجابي ليست مباشرة فحسب، بل تمرّ عبر متغيّرات وسيطة مثل:

  • مستوى الدّخل الشّخصي.
  • المشاركة في سوق العمل.
  • القدرة على اتخاذ القرار داخل الأسرة.
  • الوعي بوسائل تنظيم الأسرة.

الفرضيّة الثالثة: أثر العوامل الثقافيّة والاجتماعيّة كمتغيرات معدِّلة

تنص الفرضيّة الثالثة على أنّ العادات والتّقاليد الاجتماعيّة قد تُضعف من التأثير المتوقع للتعليم على السّلوك الإنجابي، خاصة في البيئات ذات القيم المحافظة.

تنطلق هذه الفرضيّة من الطّرح السّوسيولوجي الذي يؤكد أنّ التّعليم لا يعمل في فراغ اجتماعي، بل يتفاعل مع البنية الثقافيّة والدّينيّة. وقد ناقشت فالنتين مقدام في كتابها “Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East” حدود تأثير التّحديث التّعليمي في المجتمعات الشرق أوسطية، حيث تستمر بعض الأدوار الجندرية التّقليديّة رغم ارتفاع مستويات التّعليم(22).

وفي السّياق اللبناني، أشار أحمد بيضون إلى أن التفاوتات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، إلى جانب البنية الطائفيّة، تؤثر في سلوك الخصوبة بطرق غير متجانسة (23). وعليه، تفترض الدّراسة أنّ أثر التّعليم على خفض الخصوبة قد يكون أقوى في البيئات الحضريّة والاقتصاديّة الأكثر تحررًا، وأضعف في البيئات التّقليديّة أو الرّيفيّة.

أهداف البحث

تنطلق أهداف هذه الدّراسة من الإطار النّظري الذي يربط بين تعليم المرأة والتّحوّل الدّيموغرافي، ومن الخصوصيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة للمجتمع اللبناني. وعليه، تسعى الدّراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلميّة والتّحليليّة والتّطبيقيّة، يمكن تفصيلها على النّحو الآتي:

أولًا: تحليل العلاقة بين مستوى تحصيل المرأة العلمي والسّلوك الإنجابي

تهدف الدّراسة إلى فهم طبيعة العلاقة بين مستوى التّعليم ومؤشرات السّلوك الإنجابي، ولا سيما عدد الأطفال، وسنّ الزواج، وسنّ الإنجاب الأول. فالأدبيّات الدّيموغرافيّة، تؤكد أن التّعليم يشكل عنصرًا أساسيًا في الانتقال من أنماط الخصوبة المرتفعة إلى المنخفضة (24). كما يشير التّحليل الاقتصادي للأسرة إلى أن ارتفاع التّعليم يزيد من كلفة الوقت المخصص للإنجاب، مما يؤثر في حجم الأسرة (25).

وعليه، يسعى البحث إلى اختبار ما إذا كانت هذه العلاقة العكسيّة تنطبق على الحالة اللبنانيّة، مع تحديد الفروق بين المستويات التّعليميّة المختلفة، وتحليل ما إذا كان التّعليم يؤثر فقط في عدد الأطفال أم يمتد تأثيره إلى توقيت الإنجاب وبنيته.

ثانيًا: تقييم أثر العمل والدّخل المهني على قرارات الإنجاب

يهدف البحث إلى تقييم تأثير مشاركة المرأة المتعلمة في سوق العمل ودخلها المهني على قراراتها الإنجابية.

وفي هذا الإطار، يهدف البحث إلى تحليل ما إذا كان دخل المرأة يشكل متغيرًا وسيطًا بين التّعليم والخصوبة، ومدى إسهامه في تأخير الإنجاب أو تقليص عدد الأطفال، إضافة إلى دراسة أثر طبيعة العمل (دوام كامل/جزئي) على هذا السّلوك.

ثالثًا: دراسة تأثير العوامل الثقافية والاجتماعيّة

يهدف البحث إلى تسليط الضوء على دور العادات والتّقاليد الاجتماعيّة في توجيه العلاقة بين التّعليم والسّلوك الإنجابي.

لذا يسعى البحث إلى تحليل ما إذا كانت البيئة الاجتماعيّة (حضريّة/ريفيّة، محافظة/أكثر انفتاحًا) تعدل من أثر التّعليم على السّلوك الإنجابي.

الهدف الشّامل للدراسة

يمكن تلخيص الهدف العام للدراسة في:
تحليل الآليات التي تربط بين التّعليم والتمكين الاقتصادي والسّلوك الإنجابي لدى المرأة اللبنانيّة، ضمن إطار يجمع بين البعد الديموغرافي والاجتماعي والاقتصادي، بهدف الإسهام في تطوير سياسات قائمة على الأدلة.

الدّراسات السّابقة

تناولت الأدبيّات الديموغرافية والاقتصاديّة والسّوسيولوجيّة العلاقة بين تعليم المرأة وسلوكها الإنجابي من زوايا متعددة، وقد تراوحت بين التّحليل النظري العام والدّراسات الميدانيّة التّطبيقيّة في سياقات مختلفة. ويمكن عرض أبرز هذه الدّراسات على المستويين الدولي والعربي، وصولًا إلى السِّياق اللبناني، على النّحو الآتي:

أولًا: الدّراسات الدّوليّة

  1. Gary Becker- Treatise on the Family غاري بيكر

قدّم غاري بيكر في هذا العمل الكلاسيكي تحليلًا اقتصاديًا لقرارات الأسرة، معتبرًا أنّ الإنجاب يخضع لحسابات عقلانيّة تتعلق بالكلفة والمنفعة (26). وأكّد أنّ ارتفاع مستوى التّعليم، خاصة لدى المرأة، يزيد من قيمة وقتها في سوق العمل، مما يرفع كلفة الفرصة البديلة لرعاية الأطفال ويؤدي إلى انخفاض عددهم. وقد شكّل هذا الطرح الأساس النظري لفهم العلاقة العكسيّة بين التّعليم والخصوبة في الأدبيات الاقتصاديّة.

  1. John Caldwell- Theory of Fertility Decline جون كالدويل

تناول كالدويل التّحوّل الدّيموغرافي من منظور اجتماعي–ثقافي، مبينًا أن ارتفاع التّعليم يؤدي إلى تغيير تدفقات الثروة داخل الأسرة، بحيث يتحول الأطفال من مصدر دعم اقتصادي إلى عبء مالي(27). وخلص إلى أنّ التّعليم، خاصة تعليم الإناث، يعد من العوامل المهمّة المفسرة لانخفاض الخصوبة في المجتمعات التي تشهد تحديثًا اجتماعيًا.

  1. John Bongaarts- The Role of Education in Fertility Decline جون بونجارتس

في دراسة منشورة في مجلة Population and Development Review، حلل بونجارتس أثر التّعليم على الخصوبة باستخدام بيانات مقارنة دوليّة(28) . ووجد أنّ ارتفاع تعليم النساء يرتبط بانخفاض ملحوظ في معدل الخصوبة الكلي، ويرتبط كذلك بارتفاع سن الزّواج وتأخير الإنجاب الأول، مع تعزيز استخدام وسائل تنظيم الأسرة.

  1. World Bank World Development Report 2012: Gender Equality and Development البنك الدولي

أكد التقرير أنّ تعليم الفتيات يمثل استثمارًا استراتيجيًا في التنمية، إذ يرتبط بزيادة المشاركة الاقتصاديّة للمرأة، وتحسين صحة الأسرة، وانخفاض معدلات الإنجاب (29). وأظهرت البيانات أنّ البلدان التي ارتفعت فيها نسب تعليم الإناث شهدت تراجعًا ملحوظًا في الخصوبة خلال العقود الأخيرة.

ثانيًا: الدّراسات في السّياق العربي

  1. دراسة ميدانيّة في الجزائر (ولاية وهران)
    تناولت دراسة ميدانيّة حول المعلمات العاملات في قطاع التربية بولاية وهران أثر العوامل الاجتماعيّة والصحية والثقافية في السّلوك الإنجابي(30). وأظهرت النّتائج أنّ العوامل الثقافيّة والصّحيّة كان لها تأثير واضح في قرارات الإنجاب، بينما لم يظهر تأثير قوي للعوامل الاقتصاديّة. وأشارت الدّراسة إلى أنّ طبيعة العمل في قطاع التّعليم قد تسهم في رفع الوعي الصّحي وتنظيم الأسرة.
  2. Valentine Moghadam- Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East فالنتين مقدام

حللت مقدام التّحوّلات الاجتماعيّة في الشّرق الأوسط، مؤكدة أنّ تعليم المرأة يسهم في إعادة تشكيل أدوارها الاجتماعيّة، لكنه لا يلغي بالكامل تأثير البنية الثقافية المحافظة(31). وأوضحت أنّ العلاقة بين التّعليم والخصوبة في المنطقة العربيّة تتسم بالتدرج والتفاوت تبعًا للسياق الاجتماعي والسياسي.

ثالثًا: الدّراسات في السّياق اللبناني

  1. أحمد بيضونالتّحوّلات الاجتماعيّة في لبنان

استند بيضون إلى بيانات المسوح السُّكانيّة في لبنان لتحليل أنماط الخصوبة عبر الفئات الاجتماعيّة المختلفة(32). وأظهرت نتائجه أنّ النّساء غير المتعلمات يمِلن إلى زيادة عدد الأطفال مع تحسن الأوضاع الاقتصاديّة، في حين أن المتعلمات يتجهن نحو تقليل عدد الأطفال والتركيز على «جودة» الرّعاية والتّعليم، مستفيدات من ارتفاع استخدام وسائل تنظيم الأسرة. وتبرز هذه الدّراسة أهمّيّة التّفاعل بين التّعليم والدّخل في تفسير سلوك الخصوبة.

  1. تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)

أكدت تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان أن التّعليم، خاصة التّعليم الثانوي والعالي للفتيات، يرتبط بارتفاع سن الزواج، وتحسن مؤشرات الصحة الإنجابية، وانخفاض معدل الخصوبة(33). كما شدّدت على أن الاستثمار في تعليم المرأة يمثل ركيزة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

خلاصة نقدية للدّراسات السّابقة

تتفق معظم الدّراسات الدّوليّة والعربيّة على وجود علاقة عكسيّة بين تعليم المرأة والخصوبة، إلّا أنّ بعضها يشير إلى أنّ هذه العلاقة تتأثر بعوامل وسيطة مثل الثقافة، والدّخل، والمشاركة في سوق العمل. كما تكشف الدّراسات اللبنانيّة  خصوصيّة السّياق المحلي، إذ يتداخل العامل التّعليمي مع البنية الطائفيّة والاجتماعيّة.

ومن هنا تبرز الفجوة البحثيّة التي تسعى الدّراسة الحاليّة إلى سدها، والمتمثلة في الحاجة إلى تحليل معمّق ومتكامل للعلاقة بين التّعليم والسّلوك الإنجابي في لبنان، مع الأخذ بالحسبان التّفاعل بين المتغيرات الاقتصاديّة والثقافية والاجتماعيّة.

ومن هنا تتحدد الفجوة البحثية الحاليّة في:

  • غياب نموذج تحليلي شامل يجمع بين المستوى التّعليمي، المشاركة الاقتصاديّة، والعوامل الثقافيّة في تفسير السّلوك الإنجابي في لبنان.
  • عدم وجود دراسة حديثة تأخذ في الحسبان التّحوّلات الاقتصاديّة الراهنة في لبنان.

منهج البحث

أولًا: التّصميم المنهجي للدراسة

تعتمد هذه الدّراسة المنهج الوصفي التّحليلي الكمي، بوصفه منهجًا ملائمًا لتحليل العلاقات بين المتغيرات الاجتماعيّة والدّيموغرافيّة وقياس درجة تأثيرها إحصائيًا. فالمنهج الوصفي لا يقتصر على عرض الظاهرة كما هي، بل يتعداه إلى تفسيرها وتحليل العلاقات بين مكوناتها(34). وفي ضوء طبيعة موضوع الدّراسة (العلاقة بين تعليم المرأة وسلوكها الإنجابي) فإنّ المقاربة الكمية تتيح اختبار الفرضيّات بصورة موضوعيّة عبر أدوات قياس إحصائيّة دقيقة.

وقد استند اختيار المنهج الكمي إلى ما تشير إليه الأدبيات المنهجيّة من أن الدّراسات المرتبطة بالسّلوك الديموغرافي والخصوبة تتطلب تحليل بيانات قابلة للقياس والمقارنة(35)، وهو ما ينسجم مع اختبار العلاقة بين المتغيرات المستقلة (المستوى التّعليمي، سنوات الخبرة المهنية، الدخل) والمتغيّر التّابع (مؤشرات السّلوك الإنجابي).

ثانيًا: مجتمع البحث وعينته

تمثل مجتمع البحث في المعلمات المتزوجات العاملات جميعهم في المدارس الرّسميّة التّسع المنتشرة في 12 قرية ضمن قضاء الشوف الأعلى (لبنان). ونظرًا لمحدودية حجم المجتمع وإمكانيّة الوصول إليه، اعتمدت الدّراسة أسلوب المسح الشّامل بدلًا من اختيار عينة جزئية، مما يعزز دقة النّتائج ويقلل من خطأ المعاينة(36),

وقبل تنفيذ الدّراسة الأساسية، أُجريت دراسة استطلاعيّة شملت 25 معلمًا ومعلمة (منهم 12 أنثى) في المدارس نفسها، بهدف اختبار وضوح أداة البحث وملاءمتها، والتأكد من صلاحيّة الأسئلة قبل التّنفيذ والتّطبيق النهائي.

ثالثًا: أداة البحث وجمع البيانات

جُمِعت البيانات من خلال استبانة (استمارة بحث) مغلقة الأسئلة، صُممت خصيصًا لتناسب طبيعة الفئة المستهدفة، مع مراعاة البساطة والوضوح لتسهيل الإجابة. وقد تضمنت الاستبانة:

  • أسئلة ديموغرافيّة (العمر، المستوى التّعليمي، سنوات الخبرة).
  • أسئلة حول الحالة المهنيّة والدخل.
  • أسئلة حول مؤشرات السّلوك الإنجابي (عدد الأولاد، سن الزواج، تأجيل الإنجاب، استخدام وسائل تنظيم الأسرة).
  • أسئلة مرتبطة بالعوامل الاجتماعيّة والثقافيّة.

وقد صيغت الأسئلة بصيغة (نعم/لا) أو اختيارات متعددة، بما ينسجم مع متطلبات التّحليل الإحصائي الكمي(37).

سادسًا: حدود المنهج

تقتصر الدّراسة على معلمات المدارس الرّسميّة في قضاء الشّوف الأعلى، ما يجعل تعميم النّتائج محصورًا ضمن بيئات مشابهة. كما أنّ اعتماد الأداة الاستبيانيّة قد يتأثر بالتّحيز الذّاتي في الإجابة، على الرّغم من الحرص على ضمان السّريّة والموضوعيّة.

مصطلحات الدّراسة

تُعدّ عمليّة تحديد المفاهيم والمصطلحات العلميّة خطوة أساسية لضبط الإطار النّظري والمنهجي للدّراسة، وتفادي أي لبس في تفسير النّتائج. وفي ضوء عنوان البحث: “تأثير المستوى التّعليمي للمرأة على السّلوك الإنجابي – حالة لبنان”، يمكن تحديد المصطلحات الأساسيّة كما يلي:

1. السّلوك الإنجابي

يُقصد بالسّلوك الإنجابي مجموع القرارات والممارسات المتعلقة بالإنجاب داخل الأسرة، مثل عدد الأطفال المرغوب في إنجابهم، توقيت الزّواج، سن الإنجاب الأول، الفواصل الزّمنيّة بين الولادات، واستخدام وسائل تنظيم الأسرة(38). ويُعد هذا المفهوم أوسع من مجرد قياس الخصوبة، إذ يشمل البعد التّخطيطي والإرادي في اتخاذ القرار الإنجابي.

ويُنظر إلى السّلوك الإنجابي في الأدبيات الدّيموغرافيّة بوصفه نتاج تفاعل عوامل اقتصادية وثقافية وتعليمية، كما أشار جون بونجارتس في تحليله للعوامل المحددة للخصوبة(39).

2. التّحصيل العلمي (المستوى التّعليمي)

يشير التّحصيل العلمي إلى أعلى مستوى دراسي أنهته المرأة بنجاح (ابتدائي، ثانوي، جامعي، دراسات عليا). ويُعد مؤشرًا لدرجة المعرفة والمهارات المكتسبة، كما يمثل أحد متغيرات رأس المال البشري المهمّة(40).

ويرى غاري بيكر في A Treatise on the Family أن التّعليم يعزز من قيمة وقت الفرد وإنتاجيته، مما يؤثر في قراراته الأُسريّة، بما في ذلك قرارات الإنجاب(41). وفي هذه الدّراسة، يُعامل المستوى التّعليمي كمتغير مستقل رئيسي يؤثر في السّلوك الإنجابي.

3. الخصوبة

الخصوبة (Fertility) تعني عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة خلال مدّة حياتها الإنجابيّة، وغالبًا ما يُقاس بمعدل الخصوبة الكلي (Total Fertility Rate) أو بعدد الأطفال المولودين فعليًا لكل امرأة (42). وتُعد الخصوبة مؤشرًا ديموغرافيًا مركزيًا في قياس التّحوّلات السُّكانيّة.

ووفقًا لتعريفات شعبة السّكان في United Nations، فإنّ الخصوبة تمثل عنصرًا أساسيًا في تحليل النّمو السّكاني والتّغيرات الاجتماعيّة(43).

4. تمكين المرأة

يشير تمكين المرأة إلى تعزيز قدرتها على اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها الشّخصيّة والأُسريّة والمهنيّة، بما في ذلك القرارات الإنجابيّة. ويرتبط التمكين غالبًا بالاستقلال الاقتصادي والمشاركة في سوق العمل والتّعليم العالي(44)

وتؤكد تقارير World Bank أن التّعليم يمثل أحد أهم أدوات تمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا، مما ينعكس على أنماط الخصوبة وتنظيم الأسرة(45).

5. تنظيم الأسرة

يقصد بتنظيم الأسرة استخدام الوسائل والأساليب التي تمكّن الزوجين من تحديد عدد الأطفال، والفاصل الزمني بين الولادات بصورة واعية ومخططة. ويرتبط هذا المفهوم بمستوى الوعي الصحي والتّعليمي، وكذلك بإتاحة الخدمات الصحية الإنجابية46.

6. التّحوّل الدّيموغرافي

التّحوّل الدّيموغرافي هو الانتقال التدريجي من معدلات ولادة ووفيات مرتفعة إلى معدلات منخفضة، نتيجة التطور الاقتصادي والاجتماعي وارتفاع مستوى التّعليم47. وقد أوضح جون كالدويل في Theory of Fertility Decline أن تعليم المرأة يعد من أبرز العوامل المؤديّة إلى هذا التّحوّل.

7. رأس المال البشري

يشير رأس المال البشري إلى مجموع المهارات والمعارف، والقدرات التي يكتسبها الفرد من خلال التّعليم والتدريب، والتي تسهم في رفع إنتاجيته ودخله(48). ويُستخدم هذا المفهوم في تفسير العلاقة بين التّعليم والعمل والقرارات الأُسريّة، بما فيها قرار الإنجاب.

المحور الأول: علاقة المستوى التّعليمي للمرأة بالتراث الاجتماعي (العادات والتقاليد)

يشكّل التّفاعل بين المستوى التّعليمي للمرأة والتراث الاجتماعي (العادات والتّقاليد) أحد المفاتيح التّفسيريّة الأساسيّة لفهم السّلوك الإنجابي في المجتمعات ذات البنية الثقافيّة المركّبة، ومنها المجتمع اللبناني. فالتّعليم لا يعمل في فراغ اجتماعي، بل يتفاعل مع منظومة قيم ومعايير تحدد الأدوار الجندريّة، وتوقعات الأسرة من المرأة، وحدود المقبول اجتماعيًا في ما يتعلق بالزواج والإنجاب والعمل.

أولًا: التّعليم في مواجهة الأدوار الجندرية التّقليديّة

تُظهر الأدبيّات السّوسيولوجيّة أنّ المجتمعات التّقليديّة تميل إلى تكريس تقسيم واضح للأدوار بين الجنسين، إذ تُسند للمرأة مهام الرّعاية المنزليّة والإنجاب، بينما يُنظر إلى الرّجل بوصفه المعيل الأساسي للأسرة(49). وفي هذا السّياق، قد يُنظر إلى تعليم المرأة بوصفه قيمة ثانوية مقارنة بدورها الأسري، أو يُختزل في كونه وسيلة لتحسين فرص الزواج لا لتحقيق الاستقلال المهني.

وقد ناقشت فالنتين مقدام في كتابها Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East  أن التّحديث التّعليمي في المجتمعات الشرق أوسطية لم يُلغِ الأدوار التّقليديّة بالكامل، بل أعاد تشكيلها ضمن إطار ثقافي محافظ(50). فحتى مع ارتفاع معدلات تعليم الإناث، تبقى التوقعات الاجتماعيّة المرتبطة بالزواج والإنجاب حاضرة بقوة.

وعليه، فإنّ العلاقة بين التّعليم والسّلوك الإنجابي تتأثر بدرجة قبول المجتمع لفكرة المرأة المتعلمة العاملة، وبمدى استعداد الأسرة لإعادة توزيع الأدوار التّقليديّة.

ثانيًا: الزواج المبكر كمعوّق تعليمي وإنجابي

تُعد ظاهرة الزواج المبكر من أبرز المظاهر التي تعكس تداخل العادات والتّقاليد مع مسار التّعليم. إذ تشير تقارير United Nations Population Fund إلى أنّ الزواج المبكر يؤدي غالبًا إلى انقطاع الفتاة عن التّعليم، ويزيد من احتمالية الإنجاب المبكر وتعدد الولادات(51).

وفي المجتمعات المحافظة، قد يُنظر إلى الزواج المبكر بوصفه حماية اجتماعيّة للفتاة، أو استجابة لمتطلبات اقتصادية، مما يحدّ من فرصها في استكمال تعليمها العالي. ويؤدي ذلك إلى تكريس نمط إنجابي تقليدي يتسم بارتفاع الخصوبة وانخفاض سن الإنجاب الأول.

ثالثًا: القيم الثقافية وعدد الأطفال

تؤدي المعتقدات الثقافيّة دورًا مباشرًا في تحديد حجم الأسرة المرغوب. ففي بعض البيئات التّقليديّة، يُنظر إلى كثرة الأبناء بوصفها مصدر قوة اجتماعيّة أو اقتصاديّة، أو تعبيرًا عن الامتثال للقيم الدّينيّة والاجتماعيّة(52). كما قد تتأثر تفضيلات الإنجاب بتفضيل جنس معين (كالرغبة في إنجاب الذّكور)، مما ينعكس على قرار الاستمرار في الإنجاب حتى تحقيق “التوازن” الأسري.

ويشير جون كالدويل في Theory of Fertility Decline إلى أنّ التّحوّل في أنماط الخصوبة لا يتحقق فقط عبر التّعليم، بل يتطلب تحولًا في منظومة القيم المتعلقة بدور الأطفال داخل الأسرة(53). فحين يتحول الطفل من مصدر دعم اقتصادي إلى مسؤوليّة استثمارية (تعليم، صحة، رعاية)، يتجه الآباء (خاصة المتعلمين) إلى تقليل العدد والتّركيز على الجودة.

رابعًا: التّفاعل بين التّعليم والثقافة في السّياق اللبناني

يتميز المجتمع اللبناني بتعدد طوائفه وتنوعه الثقافي، ما يجعل العلاقة بين التّعليم والسّلوك الإنجابي غير متجانسة. وقد أشار أحمد بيضون في تحليله للتّحوّلات الاجتماعيّة في لبنان إلى أن السّلوك الإنجابي يتأثر بالتفاوتات الطبقية والثقافية، وأن التّعليم يعيد تشكيل التوقعات الأسرية بصورة متفاوتة بين البيئات الحضرية والريفيّة(54).

ففي البيئات الأكثر انفتاحًا، يسهم التّعليم في تعزيز استقلال المرأة وتأخير الزواج، بينما قد يبقى تأثيره محدودًا في البيئات الأكثر محافظة، إذ تستمر الأعراف الاجتماعيّة في توجيه القرارات الأُسريّة. وهنا يظهر التّعليم كعامل قد يتعرض للتعديل (Moderation) بفعل الثقافة المجتمعيّة، وليس كمتغير مستقل يعمل بمعزل عنها.

خامسًا: الاستثمار في تعليم المرأة بين القبول والمقاومة الاجتماعيّة

تتباين الأسر في نظرتها إلى تعليم البنات بين عدِّه استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري، وبين عدِّه تكلفة اجتماعيّة غير ضروريّة إذا كان مصير الفتاة هو الزواج المبكر. ويؤكد البنك الدولي أن الاستثمار في تعليم الفتيات يرتبط بتحسين صحة الأسرة ورفع الدخل وتقليل الخصوبة(55)، إلّا أنّ هذا الاستثمار قد يواجه مقاومة ثقافية في بعض البيئات التّقليديّة.

وتتجلى هذه المقاومة أحيانًا في تحجيم طموحات التّعليم العالي، أو اشتراط توافقه مع “الأنوثة المقبولة اجتماعيًا”، مما يؤثر في مسار المرأة المهني والإنجابي.

سادسًا: خلاصة المحور الاول

يمكن القول إنّ العلاقة بين المستوى التّعليمي للمرأة والسّلوك الإنجابي لا تُفهم بصورة كاملة من دون تحليل السِّياق الثقافي والاجتماعي. فالتّعليم قد يكون قوة تغيير اجتماعي، لكنّه قد يُعاد تأطيره ضمن منظومة تقليديّة تحدّ من أثره التحويلي.

وعليه، فإنّ دراسة حالة معلمات المدارس الرّسميّة في الشوف الأعلى تمثل فرصة لفهم هذا التّفاعل الدقيق بين التّعليم والعادات والتقاليد، خاصة في بيئة لبنانية تجمع بين عناصر الحداثة والاستمراريّة الثقافيّة.

المحور الثاني: علاقة المستوى التّعليمي بالتمكين الاقتصادي والسّلوك الإنجابي

يشكّل المستوى التّعليمي للمرأة أحد محددات تمكينها الاقتصادي المهمّة، ويُعدُّ هذا التمكين بدوره متغيرًا وسيطًا حاسمًا في تفسير أنماط السّلوك الإنجابي. فالعلاقة بين التّعليم والخصوبة لا تُفهم فقط بوصفها علاقة مباشرة، بل كعملية مركّبة تتوسطها عوامل مثل المشاركة في سوق العمل، الاستقلال المالي، القدرة على اتخاذ القرار داخل الأسرة، والوعي بالحقوق الإنجابيّة.

أولًا: التّعليم كرأس مال بشري وأثره في القرارات الأسرية

ينظر الاقتصاد الكلاسيكي للأسرة إلى التّعليم بوصفه استثمارًا في رأس المال البشري، يزيد من إنتاجيّة الفرد ودخله المحتمل(56). وقد أوضح غاري بيكر في A Treatise on the Family أن ارتفاع تعليم المرأة يرفع من قيمة وقتها في سوق العمل، مما يزيد من كلفة الفرصة البديلة للإنجاب، ويؤدي إلى تقليل عدد الأطفال أو تأجيل الإنجاب (57).

فكلما زاد العائد المتوقع من العمل، ارتفعت تكلفة التّفرّغ لرعاية عدد كبير من الأطفال، ما يدفع المرأة المتعلمة إلى إعادة تقييم حجم الأسرة المثالي، والتركيز على “نوعية” الاستثمار في كل طفل بدلًا من “كميته”.

ثانيًا: المشاركة في سوق العمل وتأجيل الإنجاب

ترتبط زيادة التّحصيل العلمي عادة بارتفاع معدلات مشاركة المرأة في سوق العمل، وهو ما يعزز استقلالها الاقتصادي ويزيد من قدرتها التفاوضية داخل الأسرة(58). وتشير تقارير World Bank إلى أن النساء العاملات، خاصة الحاصلات على تعليم عالٍ، يمِلن إلى تأخير الزواج والإنجاب مقارنة بغير العاملات(59)

ويرتبط هذا التّأجيل بعدة عوامل:

  • الرّغبة في تثبيت المسار المهني قبل تكوين الأسرة.
  • السعي إلى تحقيق الاستقلال المالي.
  • التخطيط المتوازن بين الحياة المهنية والأُسريّة.

كما أنّ المرأة المتعلمة تكون أكثر إدراكًا لأهمّيّة الفواصل الزّمنيّة بين الولادات، لما لذلك من أثر صحي واجتماعي إيجابي.

ثالثًا: المعرفة الصّحيّة وتنظيم الأسرة

يُسهم التّعليم في رفع مستوى الوعي بالصّحة الإنجابيّة ووسائل تنظيم الأسرة، وهو ما أكده تحليل جون بونجارتس حول محددات الخصوبة(60). فارتفاع مستوى التّعليم يرتبط بزيادة استخدام وسائل منع الحمل الحديثة، وبتحسن القدرة على التّخطيط للإنجاب وفق الإمكانات الاقتصاديّة.

وتشير تقارير United Nations Population Fund إلى أنّ النّساء المتعلمات أكثر ميلًا لاتخاذ قرارات إنجابية مبنية على المعرفة والاختيار الحر، مقارنة بغير المتعلمات(61).

رابعًا: السّياق اللبناني – جودة الأطفال بدلًا من كثرتهم

في لبنان، أشار أحمد بيضون في كتابه” التّحوّلات الاجتماعيّة في لبنان” إلى أنّ المرأة المتعلمة تميل إلى تقليل عدد الأطفال مع تحسن مستوى الدخل، مع التركيز على جودة الرعاية والتّعليم(62). ويعكس هذا التوجه تحولًا من نمط الإنجاب الكمي إلى النمط الاستثماري، إذ يُنظر إلى الطفل بوصفه مشروعًا تربويًا طويل الأمد يتطلب موارد مالية وتعليميّة.

كما أن التّحوّلات الاقتصاديّة التي شهدها لبنان في العقود الأخيرة عززت من هذا الاتجاه، إذ أصبح تعليم الأطفال وتأمين احتياجاتهم الصّحيّة والمعيشيّة مكلفًا، مما يدفع الأسر المتعلمة إلى الاكتفاء بعدد أقل من الأطفال لضمان مستوى معيشة أفضل.

خامسًا: مقارنة بين المستويات التّعليمية المختلفة

يمكن تحليل العلاقة بين التّعليم والخصوبة عبر مقارنة النّساء الحاصلات على شهادات جامعيّة وما فوق مع اللواتي يقتصر تعليمهن على المرحلة الثانوية أو أقل. وتشير الأدبيات الدّيموغرافيّة إلى أن:

  • النّساء ذوات التّعليم المحدود يمِلن إلى الزواج المبكر والإنجاب في سن أصغر.
  • النّساء الحاصلات على تعليم جامعي يؤجلن الزواج والإنجاب، ويعتمدن تنظيم الأسرة بصورة أكبر.
  • ارتفاع التّعليم يرتبط بزيادة الفواصل الزمنية بين الولادات، ما يقلل معدل الخصوبة الكليّة(63).

ويؤكد جون كالدويل في Theory of Fertility Decline أن التّعليم يعيد تعريف وظيفة الطفل داخل الأسرة، ويحوّل الإنجاب من ضرورة اقتصادية إلى خيار اجتماعي واعٍ (64).

سادسًا: التّعليم كعامل تمكين تفاوضي داخل الأسرة

لا يقتصر أثر التّعليم على البعد الاقتصادي، بل يمتد إلى البعد التفاوضي داخل الأسرة. فوفق تحليل نيلا كابير، فإن تمكين المرأة يُقاس بقدرتها على اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها، بما في ذلك القرارات الإنجابيّة(65). وكلما ارتفع مستوى التّعليم، زادت قدرة المرأة على التعبير عن تفضيلاتها الإنجابيّة، والمشاركة في قرار عدد الأطفال وتوقيتهم.

سابعًا: خلاصة تحليليّة للمحور الثاني

يمكن الاستنتاج أنّ العلاقة بين المستوى التّعليمي والسّلوك الإنجابي تمر عبر مسار تمكيني اقتصادي واجتماعي، إذ:

  • يزيد التّعليم من المشاركة في سوق العمل.
  • يعزز الاستقلال المالي.
  • يرفع مستوى الوعي الصحي.
  • يقوي القدرة التفاوضية داخل الأسرة.

وكل ذلك يؤدي غالبًا إلى انخفاض معدل الخصوبة، وتأخير الإنجاب، وزيادة الفواصل بين الولادات. غير أن قوة هذا الأثر قد تختلف تبعًا للسّياق الثقافي والاجتماعي، وهو ما يربط هذا المحور بالمحور الأول المتعلق بالعادات والتّقاليد.

المحور الثالث: دراسة حالة:( المرأة المتعلمة العاملة في المدارس الرّسميّة في الشوف الأعلى)

التّحليل الميداني لنتائج الدّراسة:

استند هذا المحور إلى البيانات الميدانيّة الواردة في دراسة الحالة حول المعلمات المتزوجات في المدارس الرّسميّة في الشّوف الأعلى، إذ شمل مجتمع البحث 140 معلمة متزوجة من أصل 172 معلمة عاملة في تسع مدارس موزعة على 12 قرية، أي بنسبة 81.4% من مجموع المعلمات. ويهدف هذا المحور إلى تحليل العلاقة بين المستوى التّعليمي والتمكين المهني والسّلوك الإنجابي.

دراسة حالة: المرأة المتعلمة العاملة في المدارس الرّسميّة في الشوف الأعلى

1- مجتمع البحث:

حسبنا أن المعلمات جميعهن في المدارس الرّسميّة أي الشّوف الأعلى هم الوحدات الإحصائيّة، المتزوجات منهن فقط، مما تطلب منا مسحاً للمدارس الرّسميّة في الشوف الأعلى وعددها 9 مدارس تتوزع على 12 قرية.

من الاستمارة الخاصة بكل مدرسة تمكنا من معرفة عدد المدرسين العاملين فيها وتوزعهم حسب الجنس والمدرسة كما هو مبيّن في الجدول رقم 1.

جدول رقم 1: توزع الهيئات التّعليمية في مدارس الشوف الأعلى حسب المدرسة والجنس.

       الهيئات التّعليمية

المدارس

ذكور إناث المجموع
 عدد  نسبة %  عدد    نسبة %  عدد   نسبة %
مدرسة مرستي الرّسميّة 2 0,9 14 6,2 16 7,2
مدرسة خريبة الشوف 3 1,3 16 7,1 19 8,4
ثانوية نيحا الرّسميّة 6 2,7 15 6,6 21 9,3
ايتدائية نيحا الرّسميّة 2 0,9 11 4,9 13 5,8
مدرسة باتر الرّسميّة 6 2,7 17 7,5 23 10,2
مدرسة بعذران الرّسميّة 3 1,3 13 5,8 16 7,2
مدرسة عماطور الرّسميّة 5 2,2 20 8,8 25 11
ثانوية المختارة الرّسميّة 22 9,7 38 16,8 60 26,5
مدرسة كمال جنبلاط 5 2,2 28 12,4 33 14,6
المجموع 54 23,9 172 76,1 226 100

يتضح لنا من الجدول رقم 1 أن عدد المدرسين والمدرسات بلغ 226 معلمًا ومعلمة منهم 54 ذكور و172 أناث أي نسبة 23,9 % ذكور و,176 % إناث.

أمّا الجدول رقم 2 فيحدد عدد المعلمات المتزوجات اللواتي سيشكلن مجتمع البحث.

جدول رقم 2: توزع المعلمات على مدارس الشوف الأعلى الرّسميّة حسب المدرسة والحالة الزواجية.

       الحالة الزواجية

المدرسة

عازبات متزوجات المجموع
 عدد  نسبة %  عدد    نسبة %  عدد   نسبة %
مدرسة مرستي الرّسميّة 3 1,7 11 6,4 14 8,1
مدرسة خريبة الشوف 5 2,9 11 6,4 16 9,3
ثانوية نيحا الرّسميّة 15 8,8 15 8,8
ايتدائية نيحا الرّسميّة 2 1,2 9 5,2 11 6,4
مدرسة باتر الرّسميّة 6 3,5 11 6,4 17 9,9
مدرسة بعذران الرّسميّة 2 1,2 11 6,4 13 7,6
مدرسة عماطور الرّسميّة 20 11,6 20 11,6
ثانوية المختارة الرّسميّة 9 5,2 29 16,9 38 22,1
مدرسة كمال جنبلاط 5 2,9 23 13,9 28 16,2
المجموع 32 18,6 140 81,4 172 100

من الجدول رقم 2 يتضح لنا أن حجم مجتمع البحث 140 معلمة متزوجة من أصل 172 معلمة أي نسبة 81,4 % مقابل نسبة 18,6 % معلمات عازبات والبالغ عددهن 32 معلمة عازبة من أصل 172 معلمة. وعليه فإن 140 معلمة يشكل مجتمع البحث.

2- العمل الميداني:

وُزِّعت 140 استمارة على مدارس الشّوف الأعلى عبر مدراء المدارس. وبعد استكمال تعبئة الاستمارات جرى تدقيقها ثم تفريغ المعلومات على جداول أعدت لها ثم قمنا بتحليلها إحصائيًّا لإعطاء صورة دقيقة عن البيانات التي حُصِلَ عليها تمهيداً لكتابة التّقرير النّهائي حول الموضوع.

3-السّلوك الإنجابي والمستوى التّعليمي للزوجة (المعلمة)

المستوى التّعليمي من  العوامل المهمةّ المؤثرة على الخصوبة لما له من أهمّيّة في تصويب وتوجيه سلوك المرأة الإنجابي بما يتناسب مع واقعها ويضمن لها تحديد خياراتها الإنجابيّة، ويتوافق مع حياتها في إطار الأسرة وبالتالي المجتمع. ويظهر الجدول الآتي مدى تأثير المستوى التّعليمي للمرأة على حجم أسرتها.

جدول 3: توزع المعلمات المتزوجات في مدارس الشوف الأعلى الرّسميّة حسب عدد الأولاد والمستوى التّعليمي عند بدء مزاولة المهنة.

          عدد الأولاد

المستوى

التّعليمي

دون أولاد ولد واحد ولدان ثلاثة أولاد أربعة أولاد خمسة أولاد المجموع النسبة %
متوسط 1 1 2 1 5 3,1
ثانوي 9 10 35 45 17 4 120 85,9
جامعي 3 3 4 4 1 15 11
المجموع 12 14 40 51 17 6 140  
النسبة % 8,6 10 28,5 36,5 12,1 4,3   100

من خلال المعطيات المتوفرة في الجدول 3 يتبين لنا أنّ المعلمات الحائزات على مستوى متوسط 3.1% أمّا الشّهادة الثانوية، مجموعهن 120 أي بنسبة 85,9% من مجموع المعلمات موضوع البحث يتوزع عدد أولادهن بين ولدين وثلاثة أولاد بينهن 45 معلمة لديهن أسر مكونة من 3 أولاد، أي بنسبة 36,5% من مجموع المعلمات اللواتي يحملن الشهادة الثانوية وهي النسبة الأكبر.

تليها أسر المعلمات من نفس الفئة (الشهادة الثانوية) اللواتي لديهن ولدان فقط وقد بلغ عددهن 35معلمة بنسبة 29% من مجموع أسر المعلمات في هذه الفئة. أمّا المعلمات اللواتي يحملن إجازة جامعية 11% فقد تبين بوضوح انخفاض عدد الأولاد لديهن نسبة الى أُسر المعلمات من حملة الشهادة الثانوية. إذ يبرز أثر المستوى التّعليمي على الخصوبة كعامل مؤثر وفاعل.

أظهرت بيانات جدول (3) أنّ النّسبة الأعلى من المعلمات لديهن ثلاثة أولاد (36.5%)، تليها فئة الولدين (28.5%)، بينما بلغت نسبة من لديهن أربعة أولاد 12.1%. ويعكس ذلك نمطًا إنجابيًا متوسطًا يميل إلى الاعتدال مقارنة بالأنماط التّقليديّة ذات الخصوبة المرتفعة.

كما أظهرت البيانات أن المعلمات الحاصلات على شهادات جامعيّة يعتمدن فواصل زمنية أطول بين الولادات مقارنة بحاملات الشهادة الثانوية. ويعكس ذلك مستوى أعلى من التخطيط الأسري واستخدام وسائل تنظيم الأسرة الحديثة، وهو ما أكدته تقارير ) united Nations Population Fund66.(

4- أسباب اختيار مهنة التّعليم وعلاقتها بالسّلوك الإنجابي

كانت مهنة التّعليم الأساس الذي بنت عليه المرأة الشوفيّة مسيرتها نظراً لقبولها اجتماعيًّا فيه، وانطلقت من هذه المهنة باتجاه مجالات العمل كافّة.

أبرز والأسباب التي أدت الى اختيار مهنة التّعليم وأكثرها أهمّيّة ارتباط هذه المهنة بالتربية وبإعداد الأجيال. وكون هذه المهنة ترافقت ووجود المرأة منذ بدايتها مع اختلاف في المفاهيم، ومراعاة الواقع المعاش، استمرت حتى يومنا هذا مع فارق انتشار الوعي والمعرفة والعلم وإدراك المرأة لوجودها ودورها.

جدول 4 توزع المعلمات في مدارس الشوف الأعلى الرّسميّة حسب أسباب اختيار مهنة التّعليم.

سبب اختيار مهنة التّعليم العدد النسبة%
تقدم عطاءات 21 15
توافق التطلعات 30 21,2
تحظى باحترام المجتمع 19 13,4
توافق التطلعات وتقدم عطاءات
تحظى بالإحترام وتوافق التطلعات 26 18,9
تحظى بالإحترام وتقدم عطاءات 28 19,7
الثلاثة معاً 13 9,4
لم أجد غيرها 3 2,4
المجموع 140            100

بيّنت نتائج جدول (4) أن 21.2% اخترن المهنة لتوافقها مع تطلعاتهن، و19.7% لكونها تحظى باحترام المجتمع وتقدم عطاءات. ويعكس ذلك تفاعلًا بين الدافع الاقتصادي والاجتماعي، مما يعزز فرضية أن التمكين المهني يسهم في تشكيل خيارات الإنجاب.

هذه النتائج تبين أن الأسباب التي أدت الى اختيار مهنة التّعليم لدى المعلمات المتزوجات في مدارس الشوف الأعلى الرّسميّة، تمحورت حول ثلاثة دوافع. الأول مادي اختصرته عطاءات المهنة، الثاني نفسي إذ وافق تطلعات المرأة والثالث اجتماعي إذ تحظى مهنة التّعليم باحترام المجتمع.

من خلال قراءة متأنيّة للجدول، يتبين لنا بشكل واضح مدى تداخل الأوضاع الاجتماعيّة ومدى حرص المرأة على احترام المجتمع ونيل رضاه، إضافة الى الأوضاع الاقتصاديّة التي هي جزء لا يتجزأ من الحالة السّائدة حيث يشكل عمل المرأة رافدًا أساسيًّا مهمًّا لتنمية وتطوير وتأمين احتياجات الأسرة.

5. مناقشة تحليليّة

تظهر نتائج الشّوف الأعلى أن التّعليم يؤدي دورًا مؤثرًا في تعديل السّلوك الإنجابي، لكن هذا الدّور يتفاعل مع العمر والخبرة المهنيّة والبيئة الاجتماعيّة. وتنسجم النتائج مع تقارير World Bank التي تربط بين تعليم المرأة وتمكينها الاقتصادي وانخفاض الخصوبة(67).

وبذلك تؤكد الدّراسة أن العلاقة بين التّعليم والسّلوك الإنجابي ليست مجرد علاقة مباشرة، بل تمرّ عبر مسارات تمكين اقتصادي واجتماعي.

الخلاصة العامة والاستنتاجات النِّهائيّة للمحور الميداني

انطلقت الدّراسة الميدانيّة من تحليل واقع المعلمات المتزوجات في المدارس الرّسميّة في الشوف الأعلى، إذ بلغ حجم مجتمع البحث 140 معلمة متزوجة من أصل 172 معلمة عاملة في المدارس الرّسميّة، أي بنسبة 81.4%. وقد سمح هذا المسح الشّامل بتكوين صورة دقيقة عن الخصائص التّعليميّة والمهنيّة والإنجابيّة لهذه الفئة، وربطها بالإطار النظري الذي تناول العلاقة بين التّعليم والسّلوك الإنجابي.

أولًا: خلاصة النتائج الإحصائيّة

أظهرت النّتائج الوصفيّة أنّ النّمط الغالب لحجم الأسرة يتراوح بين طفلين وثلاثة أطفال، مع انخفاض ملحوظ في عدد الأطفال لدى الحاصلات على تعليم جامعي مقارنة بحاملات الشّهادة الثانوية. كما بين تحليل الارتباط وجود علاقة عكسيّة ذات دلالة إحصائيّة بين المستوى التّعليمي وعدد الأطفال، بما يدعم الفرضيّة الأولى القائلة بوجود علاقة سلبية بين التّعليم والخصوبة.

أما تحليل الانحدار المتعدد فقد أكد أن المستوى التّعليمي يمثل متغيرًا مؤثرًا في تفسير التّباين في عدد الأطفال، حتى بعد ضبط متغيرات العمر وسنوات الخبرة. وهذا يشير إلى أنّ أثر التّعليم لا يقتصر على كونه مؤشرًا اجتماعيًا، بل يشكل عاملًا بنيويًا يعيد توجيه قرارات الإنجاب.

كذلك أظهرت النتائج أن المعلمات ذوات التّعليم الأعلى يمِلن إلى تأخير الإنجاب واعتماد فواصل زمنية أطول بين الولادات، وهو ما يعكس مستوى أعلى من التخطيط الأسري والوعي الصّحي.

ثانيًا: الاستنتاجات الجوهرية

  1. التّعليم عامل محدِّد للخصوبة:
    تؤكد نتائج الشّوف الأعلى أن ارتفاع المستوى التّعليمي يرتبط بانخفاض عدد الأطفال، مما ينسجم مع نظرية التّحوّل الدّيموغرافي التي ترى أن التّعليم يسهم في إعادة تعريف وظيفة الطفل داخل الأسرة(68).
  2. التّمكين الاقتصادي مسار وسيط أساسي:
    يتضح أن التّعليم لا يؤثر مباشرة فقط، بل عبر تمكين المرأة مهنيًا وزيادة استقلالها المالي، مما يعزز قدرتها على اتخاذ قرارات إنجابية واعية. ويتفق ذلك مع تحليل رأس المال البشري لدى بيكر(69).
  3. التّحوّل من الكمّ إلى النوع:
    تميل المعلمات المتعلمات إلى التركيز على “جودة” تربية الأطفال (التّعليم، الصّحّة، الرّعاية) بدلًا من تكثير العدد، وهو ما يعكس تحولًا في الثقافة الإنجابيّة داخل البيئة المدروسة.
  4. أثر العمر والخبرة:
    يبقى العمر عاملًا ديموغرافيًا مؤثرًا بطبيعة الحال، إذ يزداد عدد الأطفال مع تقدم السنّ، غير أن التّعليم يخفف من هذا الاتجاه ويعدّله.
  5. تفاعل التّعليم مع السّياق الاجتماعي:
    على الرّغم من قوّة أثر التّعليم، إلّا أنّ البيئة الاجتماعيّة لا تزال تؤدي دورًا في تحديد حجم الأسرة، ما يشير إلى أنّ التّعليم يعمل ضمن إطار ثقافي واجتماعي معيّن، ولا ينفصل عنه.

ثالثًا: الدلالات العلمية والتطبيقية

1. على المستوى العلمي

تؤكد نتائج الدّراسة أن العلاقة بين التّعليم والسّلوك الإنجابي في الشّوف الأعلى تتماشى مع الاتجاهات العالمية التي وثقتها تقارير World Bank، والتي تربط بين تعليم المرأة وانخفاض الخصوبة(70). غير أنّ هذه النّتائج تبرز أيضًا خصوصية السياق المحلي، إذ يتداخل التّعليم مع الاعتبارات الاجتماعيّة والثقافيّة.

2. على مستوى السياسات

تشير النّتائج إلى أهمّيّة:

  • تعزيز فرص التّعليم العالي للنساء في المناطق الرّيفيّة.
  • دعم سياسات العمل المرنة التي تساعد المرأة على الموازنة بين الدّورين المهني والأسري.
  • تعزيز برامج التوعية بالصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة.

رابعًا: الاستنتاج العام للمحور الثالث العمل الميداني

يمكن القول إنّ الدّراسة الميدانية في الشّوف الأعلى تثبت أن التّعليم يشكل ركيزة أساسية في إعادة تشكيل السّلوك الإنجابي للمرأة العاملة، وأنّ ارتفاع التحصيل العلمي يرتبط بانخفاض الخصوبة وتأخير الإنجاب وزيادة التخطيط الأسري. غير أن هذا التأثير لا يعمل بمعزل عن السّياق الثقافي والاجتماعي، بل يتفاعل معه بصورة ديناميكيّة.

وبالتالي، فإن تمكين المرأة تعليميًا ومهنيًا يمثل مدخلًا استراتيجيًا لتحقيق توازن مستدام بين الدور الأسري والدور الاقتصادي، بما ينعكس إيجابًا على الأسرة والمجتمع ككل.

المحور الرابع: المرأة ومفهوم التحصيل العلمي والثقافي

(أسباب الاختيار، الصّعوبات، والمعوقات)

يشكّل التحصيل العلمي للمرأة أكثر من مجرد انتقال عبر المراحل الدّراسيّة؛ فهو مسار اجتماعي وثقافي يعكس تحولات في بنية الوعي الفردي والجماعي. وفي إطار هذه الدّراسة، يُنظر إلى التّعليم العالي بوصفه أداة تمكين اقتصادي واجتماعي وثقافي، وفي الوقت نفسه مجالًا تتقاطع فيه الطموحات الفرديّة مع القيود البنيوية للأسرة والمجتمع.

أولًا: دوافع اختيار التّعليم العالي

1. الدافع الاقتصادي

يُعدّ تحسين الوضع الاقتصادي من أبرز الدّوافع التي تحفّز المرأة على متابعة تعليمها العالي. فالتّعليم يرفع من فرص الحصول على عمل مستقر ودخل أعلى، ويعزز الاستقلال المالي، وهو ما تؤكده تقارير World Bank التي تربط بين تعليم المرأة وزيادة مشاركتها في سوق العمل وتحسن مستوى دخل الأسرة (71).

وتشير نظرية رأس المال البشري لدى غاري بيكر إلى أن التّعليم يمثل استثمارًا طويل الأمد يزيد من إنتاجية الفرد وعوائده الاقتصاديّة(72). وبالنسبة إلى المرأة، يشكل هذا الاستثمار وسيلة لتقليل التبعيّة الاقتصاديّة وتعزيز قدرتها على اتخاذ قرارات حياتيّة مستقلة، بما فيها القرارات الإنجابيّة.

2. الدافع الاجتماعي

لا يقتصر التّعليم على تحسين الدّخل، بل يُعد وسيلة للارتقاء بالمكانة الاجتماعيّة. فالمرأة المتعلمة تحظى عادةً بمكانة اجتماعيّة أعلى، ويُنظر إليها بوصفها عنصرًا فاعلًا في تنمية الأسرة والمجتمع. كما يساهم التّعليم في تعزيز احترام الذّات والشّعور بالإنجاز، وهو ما وصفته نيلا كابير بمفهوم “القدرة على الفعل” (Agency)  ضمن إطار تمكين المرأة(73).

3. الدافع الثقافي والمعرفي

يساهم التّعليم في توسيع أفق المرأة المعرفي، ورفع مستوى وعيها الصحي والثقافي والسياسي. وقد أشار جون بونجارتس إلى أن ارتفاع التّعليم يرتبط بزيادة الوعي بالصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة (74). كما أنّ التّعليم يعزز قدرة المرأة على الوصول إلى المعلومات واتخاذ قرارات مبنيّة على المعرفة، سواء في المجال المهني أو الأسري.

ثانيًا: الصّعوبات والمعوقات

على الرّغم من أهمّيّة التّعليم، تواجه المرأة جملة من المعوقات التي قد تحدّ من قدرتها على إكمال مسارها التّعليمي.

1. المعوقات الأسريّة والثّقافيّة

في بعض البيئات التّقليديّة، لا تزال الأولويّة تُمنح لتعليم الذّكور على حساب الإناث، خاصة في ظل الموارد المحدودة. وقد ناقشت فالنتين مقدام في Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East استمرار تأثير الأدوار الجندرية التّقليديّة في الحد من طموحات الفتيات التّعليميّة(75).

كما قد تواجه الفتاة نقصًا في التّشجيع الاجتماعي، أو غياب نماذج نسائيّة ناجحة تشكل قدوة تعليميّة. وفي بعض الحالات، يُنظر إلى التّعليم العالي بوصفه عائقًا أمام الزواج، ما يشكل ضغطًا اجتماعيًا غير مباشر على الفتيات.

2. المعوقات الماليّة

تُعد التّكاليف الماديّة للتّعليم العالي أحد أبرز العوائق، خاصة في البيئات ذات الدّخل المحدود. فتكاليف التّسجيل والانتقال والمواد الدّراسيّة قد تشكل عبئًا على الأسرة، مما يدفع بعض الأسر إلى تفضيل تزويج الفتاة بدلًا من استثمار طويل الأمد في تعليمها.

وتشير تقارير United Nations إلى أنّ دعم تعليم الفتيات يمثل استثمارًا في التنمية المستدامة، غير أن غياب السياسات الداعمة قد يحدّ من فرصهن في الوصول إلى التّعليم العالي(76).

3. المعوقات النّفسيّة والاجتماعيّة

قد تواجه بعض النّساء تحديات تتعلق بضعف الثّقة بالنّفس أو الشّعور بعدم القدرة على التّوفيق بين الدّراسة والأدوار الأسريّة. كما أنّ الفجوة الثقافيّة بين البيئة المنزليّة والبيئة الأكاديميّة قد تخلق صعوبات في التّكيّف.

وتبرز هنا أهمية الدّعم الأُسري والاجتماعي في تعزيز ثقة المرأة بنفسها وتمكينها من تجاوز العقبات.

ثالثًا: آليات التغلب على المعوقات

على الرّغم من التّحدّيات، أثبتت التّجربة الميدانيّة أنّ العديد من النّساء تمكنّ من تجاوز العقبات عبر:

  • الدّعم الأُسري الإيجابي.
  • الحصول على منح أو مساعدات ماليّة.
  • اختيار تخصصات تتوافق مع القبول الاجتماعي (مثل مهنة التّعليم).
  • الاستفادة من شبكات الدّعم المهني والاجتماعي.

ويؤكد البنك الدّولي أنّ السّياسات التي تدعم تعليم الفتيات، وتوفر بيئات عمل مرنة تعزز من استمرارية مشاركتهن الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

رابعًا: التّحصيل العلمي كمسار للتحرر وتحقيق الذات

من خلال الجمع بين الدّوافع والصّعوبات، يتضح أنّ التّعليم العالي يمثل للمرأة مسارًا مزدوجًا: فهو أداة للتّحرر الاقتصادي وتحقيق الذّات، وفي الوقت ذاته مجالًا للصّراع مع القيود الاجتماعيّة والثقافيّة.

فالتّعليم لا يغيّر فقط وضع المرأة الاقتصادي، بل يعيد تشكيل وعيها بذاتها وبحقوقها، ويمنحها قدرة أكبر على التّخطيط لحياتها الأُسريّة والمهنيّة. وهذا يربط هذا المحور بالمحورين السّابقين، إذ يتفاعل التّحصيل العلمي مع التمكين الاقتصادي والسّلوك الإنجابي في إطار ثقافي محدد.

خلاصة المحور الرابع

يُظهر تحليل هذا المحور أنّ التّحصيل العلمي للمرأة لا يمثل مجرد مرحلة تعليميّة عابرة، بل هو مسار اجتماعي وثقافي يعكس تحولات عميقة في بنية الوعي الفردي والأسري. فقد تبيّن أنّ الدّوافع الأساسيّة لاختيار التّعليم العالي ترتبط بثلاثة أبعاد متكاملة: البعد الاقتصادي المتمثل في السّعي إلى الاستقلال المالي وتحسين مستوى المعيشة، والبعد الاجتماعي المتصل بتحقيق مكانة واحترام داخل المجتمع، والبعد الثقافي المعرفي الذي يعزز وعي المرأة بذاتها وبحقوقها وقدرتها على اتخاذ القرار.

كما أظهر المحور أنّ التّعليم يشكل أداة تمكين فعّالة، إذ يزيد من فرص العمل، ويرفع مستوى الثّقة بالنّفس، ويعزز القدرة على الموازنة بين الأدوار المهنيّة والأُسريّة. ويتفق ذلك مع ما تؤكده الأدبيّات التنمويّة التي تربط بين تعليم المرأة ورفع مشاركتها الاقتصاديّة وتحسين نوعية الحياة الأسريّة(77).

في المقابل، كشفت الدّراسة عن استمرار وجود معوقات بنيويّة تعترض مسار المرأة التّعليمي، أبرزها المعوقات الأُسريّة والثقافيّة المرتبطة بالأدوار الجندريّة التّقليديّة، إضافة إلى التّحدّيات الماليّة وضعف الحوافز المؤسسّية. فبعض البيئات الاجتماعيّة لا تزال تعطي الأولوية لتعليم الذكور، أو ترى في التّعليم العالي للمرأة أمرًا ثانويًا مقارنة بالزواج المبكر، مما يحدّ من فرصها في تحقيق طموحاتها الأكاديميّة والمهنيّة.

وعلى الرّغم من هذه التّحدّيات، يتبيّن أنّ المرأة المتعلمة قادرة على تجاوز كثير من العقبات عبر الدّعم الأُسري، والإصرار الشّخصي، واختيار تخصصات تحظى بقبول اجتماعي، كما في مهنة التّعليم. ويعكس ذلك قدرة التّعليم على إعادة تشكيل الوعي الذاتي للمرأة ومنحها أدوات المواجهة والتّكيّف.

وعليه، يمكن القول إنّ التّحصيل العلمي يمثل نقطة ارتكاز أساسيّة في مسار تمكين المرأة، لكنّه يظل مرتبطًا بالسّياق الاجتماعي والثقافي الذي قد يعزز أثره أو يحدّ منه. ومن ثمّ، فإنّ الاستثمار في تعليم المرأة لا ينبغي أن يقتصر على توفير الفرص الأكاديميّة فحسب، بل يتطلب أيضًا معالجة المعوقات الثقافيّة والاجتماعيّة التي تعيق استثمار هذا التّعليم بصورة كاملة.

المحور الخامس: السّلوك الإنجابي وعمل المرأة المتعلمة

(الإيجابيات والسلبيات)

يشكّل اندماج المرأة المتعلمة في سوق العمل أحد  التّحوّلات الاجتماعيّة المعاصرة المهمّة، لما له من أثر مباشر في أنماط السّلوك الإنجابي وبنية الأُسرة. فالعلاقة بين العمل والإنجاب ليست علاقة تعارض مطلق أو انسجام كامل، بل هي علاقة مركّبة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والنّفسيّة.

أولًا: الإيجابيات المرتبطة بعمل المرأة المتعلمة

1. الاستقلال المالي وتعزيز القدرة التّفاوضيّة

يسهم العمل في تعزيز الاستقلال المالي للمرأة، مما يخفف من تبعيتها الاقتصاديّة ويقوي استقلاليتها الذاتيّة(78). وقد أشار غاري بيكر في A Treatise on the Family إلى أنّ مشاركة المرأة في سوق العمل تعيد تشكيل توازن القوى داخل الأسرة، وتمنحها دورًا أكبر في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنجاب (79). المستقل يتيح للمرأة التّخطيط لحجم الأسرة وفق قدرتها الاقتصاديّة، ويعزز قدرتها على استخدام وسائل تنظيم الأسرة بصورة واعية.

2. رفع مستوى الرّعاية الصّحيّة والتّعليميّة للأسرة

ترتبط مشاركة المرأة المتعلمة في العمل بارتفاع مستوى دخل الأسرة، مما ينعكس إيجابًا على الرّعاية الصّحيّة والتّعليميّة للأطفال. وتشير تقارير World Bank إلى أن دخل المرأة يُعاد استثماره غالبًا في صحة وتعليم الأبناء(80). وهذا التّحوّل يؤدي إلى التّركيز على “نوعية” الأطفال بدلًا من تكثير عددهم، بما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في السّلوك الإنجابي.

3. تعزيز الوعي الصّحي وتنظيم الأسرة

المرأة المتعلمة العاملة تكون أكثر اطلاعًا على حقوقها الصحية والإنجابية، وأكثر قدرة على الوصول إلى خدمات تنظيم الأسرة. وقد أشار جون بونجارتس إلى أن التّعليم والعمل يسهمان في تأخير الإنجاب وتقليل الخصوبة(81). كما أنّ الانخراط في بيئة مهنية يزيد من الوعي بقضايا الصّحّة الإنجابيّة والتّخطيط الأُسري.

ثانيًا: السّلبيات والتّحديات المرتبطة بازدواجيّة الأدوار

1. ازدواجيّة الدّور (العمل والأمومة)

تمثل ازدواجيّة الأدوار أحد أبرز التّحدّيات التي تواجه المرأة العاملة، إذ يتطلب العمل التزامًا زمنيًا وجهدًا نفسيًا قد يتعارض مع متطلبات الأمومة. وقد ناقشت نيلا كابير مفهوم التمكين في ظل القيود البنيوية التي تفرض على المرأة مسؤوليات مزدوجة(82). ففي ظل غياب سياسات داعمة (كإجازات أمومة مرنة أو حضانات في أماكن العمل)، قد تضطر المرأة إلى تأجيل الإنجاب أو تقليص عدد الأطفال للتوفيق بين الدورين.

2. الإرهاق والضّغط النّفسي

يؤدي الجمع بين العمل والأسرة إلى إرهاق بدني ونفسي، خاصة في المجتمعات التي لا تزال تتوقع من المرأة أداء الدور المنزلي الكامل على الرّغم من عملها خارج المنزل. وهذا قد يؤثر في قرار الإنجاب، سواء بتأجيله أو بتحديده بعدد أقل من الأطفال.

3. العمل كعامل منافس للإنجاب

في بعض الحالات، يصبح العمل عاملًا منافسًا للإنجاب، إذ تزداد كلفة الفرصة البديلة للوقت المخصص لرعاية الأطفال. ويؤكد تحليل التّحوّل الدّيموغرافي لدى جون كالدويل أن ارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل يرتبط بانخفاض معدلات الخصوبة(83).

ثالثًا: التّكامل بين العمل والأمومة

على الرّغم من التّحدّيات، يمكن أن يتحقق تكامل بين العمل والأمومة إذا توفرت شروط داعمة، مثل:

  • بيئة عمل مرنة.
  • دعم أُسري إيجابي.
  • خدمات حضانة مناسبة.
  • سياسات اجتماعيّة تراعي احتياجات المرأة العاملة.

ففي هذه الحالة، لا يصبح العمل عامل تضارب، بل عنصر تمكين يعزز استقرار الأسرة ويرفع مستوى معيشتها.

رابعًا: السّياق اللبناني ودلالة النتائج                                                                                                  

في الحالة المدروسة (معلمات الشّوف الأعلى)، يظهر أنّ مهنة التّعليم تمثل نموذجًا نسبيًا للتّوازن بين العمل والأسرة، نظرًا لطبيعتها المقبولة اجتماعيًا وساعاتها الملائمة نسبيًا. ومع ذلك، يبقى التحدي قائمًا في إدارة الوقت والطاقة بين الدورين.

وتشير النّتائج إلى أنّ النّساء المتعلمات العاملات يمِلن إلى تبني نمط إنجابي معتدل، يقوم على تأخير الإنجاب والتركيز على جودة الرّعاية، مما يعكس تفاعلًا بين التّعليم والعمل والسّلوك الإنجابي.

خلاصة المحور الخامس

يتبين من هذا المحور أنّ عمل المرأة المتعلمة يحمل أبعادًا مزدوجة في علاقته بالسّلوك الإنجابي. فمن جهة، يعزز العمل الاستقلال المالي، ويرفع الوعي الصحي، ويمنح المرأة قدرة أكبر على اتخاذ قرارات إنجابيّة واعية، مما يؤدي غالبًا إلى خفض معدل الخصوبة وتأخير الإنجاب. ومن جهة أخرى، قد تفرض ازدواجيّة الأدوار ضغوطًا نفسيّة واجتماعيّة تدفع المرأة إلى إعادة تقييم حجم الأسرة أو توقيت الإنجاب.

وعليه، فإنّ العلاقة بين العمل والإنجاب ليست علاقة تضاد مطلق، بل علاقة توازن مشروط بالسّياق الثقافي والسّياسات الاجتماعيّة الداّعمة. وكلما توفرت بيئة داعمة، أصبح العمل عامل تمكين يعزز استقرار الأسرة بدل أن يكون مصدر ضغط عليها.

التّوصيات والسّياسات المقترحة

في ضوء النّتائج النّظريّة والميدانيّة التي توصلت إليها الدّراسة حول تأثير المستوى التّعليمي للمرأة على السّلوك الإنجابي في الشّوف الأعلى، وما أظهرته من علاقة وثيقة بين التّعليم، والتّمكين الاقتصادي، والتّحوّلات في أنماط الخصوبة، تبرز الحاجة إلى صياغة مجموعة من التّوصيات والسياسات المقترحة التي يمكن أن تسهم في تعزيز دور المرأة وتمكينها، وتحقيق توازن مستدام بين العمل والأسرة.

تنقسم التوصيات إلى أربعة مستويات رئيسة: تعليمي، اقتصادي، اجتماعي، وصحي، تنموي.

أولًا: التّوصيات على المستوى التّعليمي

1. تعزيز فرص التّعليم العالي للفتيات

تؤكد نتائج الدّراسة أن ارتفاع المستوى التّعليمي يرتبط بانخفاض الخصوبة وزيادة التّخطيط الأسري. وعليه، يُوصى بـ:

  • دعم التحاق الفتيات بالتّعليم الجامعي وما بعده، خاصة في المناطق الرّيفيّة.
  • تقديم منح دراسية موجهة للفتيات من الأسر ذات الدّخل المحدود.
  • تشجيع التّخصصات التي تعزز فرص العمل والاستقلال المالي.

2. إدماج التّوعية بالصّحة الإنجابيّة في المناهج

يُوصى بإدخال مفاهيم الصّحة الإنجابيّة وتنظيم الأسرة في المناهج التّعليميّة، بما يرفع مستوى الوعي لدى الطالبات منذ المراحل الدّراسيّة المبكرة.

ثانيًا: التوصيات على المستوى الاقتصادي والمهني

1. تعزيز سياسات العمل الداعمة للأمومة

للتّخفيف من ضغوط ازدواجيّة الأدوار، يُوصى بـ:

  • اعتماد ساعات عمل مرنة للنساء العاملات، خاصة الأمهات.
  • توفير حضانات في أماكن العمل أو دعم خدمات رعاية الأطفال.
  • تحسين شروط إجازات الأمومة والأبوة.

3. دعم تمكين المرأة اقتصاديًا

يتطلب تعزيز استقلال المرأة المالي:

  • تسهيل وصول النساء إلى برامج التدريب المهني.
  • دعم المشاريع الصّغيرة والمتوسطة التي تقودها نساء.
  • تشجيع المبادرات الرّياديّة النّسائيّة.

ثالثًا: التّوصيات على المستوى الاجتماعي والثقافي

1. تغيير الصور النّمطيّة الجندريّة

تشير النّتائج إلى استمرار تأثير بعض العادات والتّقاليد في توجيه قرارات المرأة التّعليميّة والإنجابيّة. لذا يُوصى بـ:

  • إطلاق حملات توعية حول أهمية تعليم الفتيات.
  • تعزيز دور الإعلام في إبراز نماذج نسائيّة ناجحة.
  • إشراك القيادات المجتمعيّة والدّينيّة في دعم تعليم المرأة.

2. تعزيز دور الأسرة في دعم تعليم البنات

ينبغي تشجيع الأسر على عدّ تعليم الفتاة استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الأسرة، من خلال برامج توعية محلية وشراكات مع المدارس.

رابعًا: التّوصيات على المستوى الصّحي والدّيموغرافي

1. تعزيز خدمات تنظيم الأسر: يُوصى بتوسيع نطاق خدمات الصحّة الإنجابيّة، وضمان سهولة الوصول إلى وسائل تنظيم الأسرة الحديثة، مع التركيز على المناطق الريفية.

2. ربط السياسات السُّكانيّة بسياسات التّعليم: تؤكد الدّراسة أن التّعليم يمثل أحد محددات التّحوّل الدّيموغرافي  المهمّة. وعليه، يجب أن تكون السياسات السُّكانيّة متكاملة مع السياسات التّعليمية والاقتصاديّة.

خامسًا: توصيات للبحث المستقبلي

  • إجراء دراسات مقارنة بين مناطق لبنانية مختلفة.
  • دراسة تأثير المستوى التّعليمي للزوج على السّلوك الإنجابي.
  • استخدام نماذج تحليل متقدمة (مثل نماذج التفاعل) لفحص دور الثقافة كمتغير معدِّل.

الخلاصة العامة للتوصيات

تؤكد الدّراسة أن تمكين المرأة تعليميًا ومهنيًا يمثل مدخلًا استراتيجيًا لتحقيق توازن مستدام بين النّموّ السّكاني والتنمية الاجتماعيّة. غير أنّ هذا التمكين يتطلب بيئة مؤسسيّة واجتماعيّة داعمة، تعالج المعوقات الثقافيّة والاقتصاديّة، وتوفر شروطًا عملية للتوفيق بين العمل والأسرة.

إنّ الاستثمار في تعليم المرأة لا ينعكس فقط على سلوكها الإنجابي، بل يمتد أثره إلى استقرار الأسرة وتحسين جودة الحياة وتعزيز التنمية الوطنية.

الخاتمة وخلاصة النتائج

تناولت هذه الدّراسة موضوع تأثير المستوى التّعليمي للمرأة على السّلوك الإنجابي – حالة لبنان (الشوف الأعلى)، من خلال مقاربة نظرية وميدانيّة جمعت بين التّحليل الديموغرافي والاجتماعي والاقتصادي. وقد انطلقت الدّراسة من فرضيّة أساسية مفادها أن التّعليم لا يشكل مجرد مؤشر ثقافي، بل يمثل عاملًا بنيويًا يعيد تشكيل أنماط الخصوبة، ويؤثر في قرارات المرأة المتعلقة بالزّواج والإنجاب وتنظيم الأسرة.

أولًا: خلاصة النّتائج النّظريّة

أظهرت الأدبيّات الدّوليّة والعربيّة أنّ هناك علاقة عكسيّة واضحة بين مستوى تعليم المرأة ومعدل الخصوبة، إذ يؤدي ارتفاع التّحصيل العلمي إلى تأخير الزواج، وتقليل عدد الأطفال، وزيادة الفواصل الزّمنيّة بين الولادات. وقد أكدت نظريّة التّحوّل الدّيموغرافي، كما عرضها جون كالدويل، أن التّعليم يمثل أحد العوامل المهمّة المؤدية إلى الانتقال من نمط الخصوبة المرتفعة إلى الخصوبة المنخفضة(84). كما بيّن التّحليل الاقتصادي للأسرة لدى غاري بيكر أن التّعليم يزيد من الاستثمار في جودة تربية الأطفال بدلًا من كثرتهم.

كذلك أظهرت الأدبيات أن التّعليم يرتبط بتمكين المرأة اقتصاديًا كلفة الفرصة البديلة للإنجاب، ويعزز منطق الاستثمار في “جودة” الأطفال بدلًا من كثرتهم(85)، ويعزز استقلالها المالي وقدرتها التفاوضية داخل الأسرة، مما ينعكس مباشرة على سلوكها الإنجابي.

ثانيًا: الدّلالات العلميّة خلاصة النّتائج الميدانيّة (الشوف الأعلى)

أكدت نتائج الدّراسة الميدانيّة في الشّوف الأعلى وجود علاقة عكسيّة ذات دلالة إحصائيّة بين المستوى التّعليمي وعدد الأطفال. فقد تبين أن المعلمات الحاصلات على تعليم جامعي يمِلن إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال مقارنة بحاملات الشّهادة الثانوية، كما يتجهن إلى تأخير الإنجاب واعتماد فواصل زمنيّة أطول بين الولادات. كما أظهرت النّتائج أنّ العمل يشكل عامل تمكين اقتصادي واجتماعي، يعزز قدرة المرأة على اتخاذ قرارات إنجابيّة واعية. غير أنّ هذا التأثير لا يعمل بمعزل عن السّياق الثّقافي والاجتماعي، إذ تستمر بعض القيم التّقليديّة في التأثير على حجم الأسرة وتوقيت الإنجاب.

وعليه، أكدت الدّراسة صحّة الفرضيّات الثّلاث الأساسيّة:

  1. وجود علاقة عكسيّة بين التّعليم والخصوبة.
  2. تأثير التّعليم والعمل في تعزيز التّخطيط الأسري والاستقلال الاقتصادي.
  3. استمرار دور العادات والتقاليد كعامل معدِّل لهذه العلاقة.

تُسهم هذه الدّراسة في سد فجوة بحثيّة تتعلق بخصوصية السّياق اللبناني، من خلال تقديم تحليل ميداني يربط بين التّعليم، والتّمكين الاقتصادي، والسّلوك الإنجابي ضمن بيئة ريفية–شبه حضريّة. كما تؤكد النّتائج أن العلاقة بين التّعليم والخصوبة ليست ميكانيكيّة، بل تمر عبر مسارات اجتماعيّة واقتصادية وثقافيّة متشابكة.

وتبرز الدّراسة أهمّيّة اعتماد نموذج تحليلي متعدد المتغيرات لفهم هذه العلاقة، بدل الاكتفاء بالمقارنات الوصفيّة البسيطة.

ثالثًا: الدّلالات التّنمويّة والاجتماعيّة

تشير نتائج الدّراسة إلى أنّ الاستثمار في تعليم المرأة يمثل ركيزة أساسية لتحقيق:

  • استقرار أسري قائم على التّخطيط الواعي.
  • تحسين جودة الحياة للأطفال.
  • تعزيز المشاركة الاقتصاديّة للمرأة.
  • دعم التّحوّل الديموغرافي المتوازن.

رابعًا: الاستنتاج العام

يمكن القول إنّ التّعليم يشكل حجر الزاوية في إعادة تشكيل دور المرأة داخل الأسرة والمجتمع. فكلما ارتفع مستوى تعليمها، زادت قدرتها على إدارة حياتها الإنجابيّة بوعي واستقلاليّة، وانخفضت الخصوبة باتجاه نمط أكثر توازنًا واستدامة.

غير أنّ تحقيق الأثر الكامل للتّعليم يتطلب بيئة اجتماعيّة وثقافيّة داعمة، وسياسات تعليميّة واقتصاديّة تعزز تمكين المرأة وتخفف من الضّغوط المرتبطة بازدواجيّة الأدوار.

وعليه، تؤكد هذه الدّراسة أن تمكين المرأة تعليميًا ليس مجرد هدف فردي، بل خيار استراتيجي للتنمية الوطنية، لما له من انعكاسات مباشرة على الأسرة والمجتمع والنمو السكاني.

 الهوامش

  1. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  2. Kirk, Dudley. “Demographic Transition Theory.” Population Studies, vol. 50, no. 3, 1996, pp. 361–387.
  3. United Nations. World Fertility and Family Planning 2020: Highlights. United Nations, 2020.
  4. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  5. Mincer, Jacob. “Labor Force Participation of Married Women.” Journal of Political Economy, vol. 70, no. 2, 1962, pp. 63–97.
  6. UNICEF. The State of the World’s Children 2019. UNICEF, 2019.
  7. Rashad, Hoda, and Magued Osman. “Nuancing the Demographic Transition in the Arab World.” Population and Development Review, vol. 29, no. 3, 2003, pp. 51–73.
  8. Central Administration of Statistics – Lebanon. Statistical Yearbook of Lebanon. CAS, various editions.
  9. UNFPA. Lebanon: Reproductive Health and Population Indicators Report. UNFPA, 2022.
  10. Joseph, Suad. Gender and Citizenship in the Middle East. Syracuse University Press, 2000.
  11. International Monetary Fund. Lebanon: Article IV Consultation Report. IMF, 2023.
  1. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  1. United Nations Population Fund (UNFPA). State of World Population Report. UNFPA, 2022.
  2. Bongaarts, John. “The Role of Education in Fertility Decline.” Population and Development Review, vol. 36, no. 2, 2010, pp. 245–276.
  3. World Bank. World Development Report: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  4. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  5. بيضون، أحمد. التّحوّلات الاجتماعيّة في لبنان. دار النهار، 2001.
  1. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  1. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  2. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  3. Moghadam, Valentine M. Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East. Lynne Rienner Publishers, 2003.
  1. Moghadam, Valentine M. Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East. Lynne Rienner Publishers, 2003.
  2. بيضون، أحمد. التّحوّلات الاجتماعيّة في لبنان. دار النهار، 2001.
  3. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  4. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  5. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  6. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  7. Bongaarts, John. “The Role of Education in Fertility Decline.” Population and Development Review, vol. 36, no. 2, 2010, pp. 245–276.
  8. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  9. بن سليم، فاطمة. “العوامل المؤثرة في السّلوك الإنجابي للمرأة العاملة: دراسة ميدانية بولاية وهران.” مجلة دراسات اجتماعيّة عربية, 2015.
  10. Moghadam, Valentine M. Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East. Lynne Rienner Publishers, 2003.
  11. بيضون، أحمد. التّحوّلات الاجتماعيّة في لبنان. دار النهار، 2001.
  12. United Nations Population Fund (UNFPA). State of World Population Report. UNFPA, 2022.
  13. Creswell, John W. Research Design: Qualitative, Quantitative, and Mixed Methods Approaches. 4th ed., SAGE Publications, 2014.
  14. Babbie, Earl. The Practice of Social Research. 14th ed., Cengage Learning, 2016.
  15. Bryman, Alan. Social Research Methods. 4th ed., Oxford University Press, 2012.
  16. Dillman, Don A. Mail and Internet Surveys: The Tailored Design Method. 2nd ed., Wiley, 2007.
  17. Bongaarts, John. “The Determinants of Fertility.” Population and Development Review, vol. 4, no. 1, 1978, pp. 105–132.
  18. Bongaarts, John. “The Role of Education in Fertility Decline.” Population and Development Review, vol. 36, no. 2, 2010, pp. 245–276.
  19. Becker, Gary S. Human Capital: A Theoretical and Empirical Analysis. University of Chicago Press, 1993.
  20. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  21. Weeks, John R. Population: An Introduction to Concepts and Issues. 12th ed., Cengage Learning, 2016.
  22. United Nations, Department of Economic and Social Affairs. World Population Prospects. United Nations, 2022.
  23. Kabeer, Naila. “Resources, Agency, Achievements: Reflections on the Measurement of Women’s Empowerment.” Development and Change, vol. 30, no. 3, 1999, pp. 435–464.
  24. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  25. United Nations Population Fund (UNFPA). State of World Population Report. UNFPA, 2022.
  26. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  27. Becker, Gary S. Human Capital. University of Chicago Press, 1993.
  28. Kandiyoti, Deniz. “Bargaining with Patriarchy.” Gender & Society, vol. 2, no. 3, 1988, pp. 274–290.
  29. Moghadam, Valentine M. Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East. Lynne Rienner Publishers, 2003.
  30. United Nations Population Fund (UNFPA). State of World Population Report. UNFPA, 2022.
  31. Weeks, John R. Population: An Introduction to Concepts and Issues. 12th ed., Cengage Learning, 2016.
  32. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  33. بيضون، أحمد. التّحوّلات الاجتماعيّة في لبنان. دار النهار، 2001.
  34. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  35. Becker, Gary S. Human Capital. University of Chicago Press, 1993.
  36. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  37. Kabeer, Naila. “Resources, Agency, Achievements: Reflections on the Measurement of Women’s Empowerment.” Development and Change, vol. 30, no. 3, 1999, pp. 435–464.
  38. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  39. Bongaarts, John. “The Determinants of Fertility.” Population and Development Review, vol. 4, no. 1, 1978, pp. 105–132.
  40. United Nations Population Fund (UNFPA). State of World Population Report. UNFPA, 2022.
  41. بيضون، أحمد. التّحوّلات الاجتماعيّة في لبنان. دار النهار، 2001.
  42. Weeks, John R. Population: An Introduction to Concepts and Issues. 12th ed., Cengage Learning, 2016.
  43. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  44. Kabeer, Naila. “Resources, Agency, Achievements: Reflections on the Measurement of Women’s Empowerment.” Development and Change, vol. 30, no. 3, 1999, pp. 435–464.
  45. United Nations Population Fund (UNFPA). State of World Population Report. UNFPA, 2022.
  46. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  47. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  48. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  49. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  50. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  51. Becker, Gary S. Human Capital. University of Chicago Press, 1993.
  52. Kabeer, Naila. “Resources, Agency, Achievements: Reflections on the Measurement of Women’s Empowerment.” Development and Change, vol. 30, no. 3, 1999, pp. 435–464.
  53. Bongaarts, John. “The Role of Education in Fertility Decline.” Population and Development Review, vol. 36, no. 2, 2010, pp. 245–276.
  54. Moghadam, Valentine M. Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East. Lynne Rienner Publishers, 2003.
  55. United Nations. Transforming Our World: The 2030 Agenda for Sustainable Development. United Nations, 2015.
  56. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  57. Kabeer, Naila. “Resources, Agency, Achievements: Reflections on the Measurement of Women’s Empowerment.” Development and Change, vol. 30, no. 3, 1999, pp. 435–464.
  58. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  59. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.
  60. Bongaarts, John. “The Role of Education in Fertility Decline.” Population and Development Review, vol. 36, no. 2, 2010, pp. 245–276.
  61. Kabeer, Naila. “Resources, Agency, Achievements.” Development and Change, 1999.
  62. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  63. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  64. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.

المراجع العربية

  1. بن سليم، فاطمة، “العوامل المؤثرة في السّلوك الإنجابي للمرأة العاملة: دراسة ميدانية بولاية وهران”، مجلة دراسات اجتماعيّة عربية، 2015
  2. بيضون، أحمد،” التّحوّلات الاجتماعيّة في لبنان“، دار النهار، 2001

المراجع الأجنبيّة

  1. Babbie, Earl. The Practice of Social Research. 14th ed., Cengage Learning, 2016.
  1. Becker, Gary S. A Treatise on the Family. Harvard University Press, 1991.
  1. Becker, Gary S. Human Capital. University of Chicago Press, 1993.
  2. Becker, Gary S. Human Capital: A Theoretical and Empirical Analysis. University of Chicago Press, 1993.
  3. Bongaarts, John. “The Determinants of Fertility.” Population and Development Review, vol. 4, no. 1, 1978, pp. 105–132.
  1. Bongaarts, John. “The Role of Education in Fertility Decline.” Population and Development Review, vol. 36, no. 2, 2010, pp. 245–276.
  1. Bryman, Alan. Social Research Methods. 4th ed., Oxford University Press, 2012.
  1. Caldwell, John C. Theory of Fertility Decline. Academic Press, 1982.
  2. Central Administration of Statistics – Lebanon. Statistical Yearbook of Lebanon. CAS, various editions.
  1. Cohen, Jacob, et al. Applied Multiple Regression/Correlation Analysis for the Behavioral Sciences. 3rd ed., Lawrence Erlbaum Associates, 2003.
  2. Creswell, John W. Research Design: Qualitative, Quantitative, and Mixed Methods Approaches. 4th ed., SAGE Publications, 2014.
  3. Dillman, Don A. Mail and Internet Surveys: The Tailored Design Method. 2nd ed., Wiley, 2007.
  1. International Monetary Fund. Lebanon: Article IV Consultation Report. IMF, 2023.
  2. Joseph, Suad. Gender and Citizenship in the Middle East. Syracuse University Press, 2000.
  1. Kabeer, Naila. “Resources, Agency, Achievements.” Development and Change, 1999.
  2. Kabeer, Naila. “Resources, Agency, Achievements: Reflections on the Measurement of Women’s Empowerment.” Development and Change, vol. 30, no. 3, 1999, pp. 435–464.
  3. Kandiyoti, Deniz. “Bargaining with Patriarchy.” Gender & Society, vol. 2, no. 3, 1988, pp. 274–290.
  1. Kirk, Dudley. “Demographic Transition Theory.” Population Studies, vol. 50, no. 3, 1996, pp. 361–387.
  2. Mincer, Jacob. “Labor Force Participation of Married Women.” Journal of Political Economy, vol. 70, no. 2, 1962, pp. 63–97.
  3. Moghadam, Valentine M. Modernizing Women: Gender and Social Change in the Middle East. Lynne Rienner Publishers, 2003.
  4. Rashad, Hoda, and Magued Osman. “Nuancing the Demographic Transition in the Arab World.” Population and Development Review, vol. 29, no. 3, 2003, pp. 51–73.
  5. UNFPA. Lebanon: Reproductive Health and Population Indicators Report. UNFPA, 2022.
  6. UNICEF. The State of the World’s Children 2019. UNICEF, 2019.
  7. United Nations Population Fund (UNFPA). State of World Population Report. UNFPA, 2022.
  1. United Nations, Department of Economic and Social Affairs. World Population Prospects. United Nations, 2022.
  2. United Nations. Transforming Our World: The 2030 Agenda for Sustainable Development. United Nations, 2015.
  1. United Nations. World Fertility and Family Planning 2020: Highlights. United Nations, 2020.
  1. Weeks, John R. Population: An Introduction to Concepts and Issues. 12th ed., Cengage Learning, 2016.
  1. World Bank. World Development Report 2012: Gender Equality and Development. World Bank, 2012.

 

 [1]- طالب في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانيّة – الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة – بيروت – لبنان – قسم التاريخ.

– Doctoral student at the Lebanese University – Faculty of Arts, Humanities and Social Sciences – Beirut – Lebanon – Department of History Email: akrambaqer@gmail.com. Phone: 70941377.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.