ذلك الفلّاح

0

ذلك الفلّاح

ربيعة حمود

ربيعة حمود*

كان يُسابق  الفجرَ إلى حقلِهِ البعيدِ من بيوتِ القريةِ الصّغيرةِ. وعندما يلوحُ من نافذتي كنتُ أقفُ لأتأمّله. كانَ يمشي الهوينا بخطواتٍ واثقةٍ حاملًا مِجْرَفَتَهُ على كتفِهِ الصَّلبِ. وكلّما اقْترَبَ من النّافِذةِ أكثر، كانت تبدو لي ملامحُه شيئًا فشيئًا. كان يعتمرُ قُبّعةً سوداءَ تُغطّي خُصُلاتِ شعرٍ سَوْداءَ خالَطَها بعضَ الشَّيبِ. تَنْزلُ على جبينِهِ المُزَيّنِ بتجاعيدَ صغيرةٍ تحكي حِكايةَ عُمرٍ مَليءٍ بالعملِ والاجْتهادِ. وأراهُ يبتعدُ شَيئًا فشيئًا لِيَصِلَ إلى حقْلِهِ العَزيز. كانَ حقلُهُ قريبًا من حقلِنا ، لذا كنتُ أتعمَّدُ النُّزولَ إلى حقلِنا لِمُتابعَةِ بعضِ الأعمالِ الخفيفةِ فيه، وكنتُ أسْتَمْتِعُ بمراقبَتِهِ وهو يعْملُ.

هناكَ، كانَ يقلّبُ الترابَ بكفّينِ قويّتَيْنِ حانِيَتَيْنِ. فلا تستطيعُ أنْ تدركَ أيُّهُما يحبُّ أكثر: أولادُهُ أمْ ترابُ أرضِهِ. ثمَّ يبْذرُ بُذورَهُ بِمَحبّةٍ غَريبةٍ حتّى إذا ما نبتَتْ وأضحَتْ شُتولًا وأَشْجارًا ، كنْتُ أسمعُهُ يُدلِّلُ ثِمارِها بكلماتٍ يمْلؤُها الحُبَّ. ثُمَّ يَضَعُها بكلِّ حنانٍ في سِلالٍ عِتيقَةٍ كانتْ تَتّسِعُ للكثيرِ منْها. كانَ يعملُ طَوالَ النّهارِ تحتَ أشعّةِ شمسٍ مُحرقةٍ، تُضيء سماءً زرقاءَ رحيمةً. وعند الظّهيرةٍ، كانَ يفتحُ صُرّتَهُ النّظيفةَ، فيَتناولُ منها رغيفَ خُبزٍ، وبعضًا من الزّادِ الذّي اعْتادَتْ زوجتُه على تزويدِهِ به. وما إنْ ينتهي منه حتّى يرفعَ رأسَهُ نحوَ تلك السّماء، ويُتَمْتِمُ بكلماتِ شُكْرٍ حفِظَها عنْ ظَهْرِ قلبٍ. ما إنْ تُعلنُ الشّمسُ رحيلَها عن ذلكَ الأُفقِ الرّحبِ، حتّى يعودَ فلّاحُنا أدراجَهُ بخُطُواتِهِ الواثِقَةِ نَحْوِ بَيْتِهِ العزيزِ، لِأَعودَ وأتَأمّلَ بَقِيَّةَ مَلامِحِهِ المُعْتادَةِ. وفي كُلِّ مَرَّةٍ كُنْتُ أُلاحِظُ أمْرًا غَريبًا واضِحًا على مُحَيّاهُ المُغَطّى بِخُصلاتِ شعرِه الجميلةِ.    ذلِكَ الأمرُ الغريبُ البادي على مُحيّاهُ الشّامِخِ أثارَ حَيْرَتي وأقْلقَ مَنامي، وَراحَتْ تَدورُ في رَأْسِيَ الصّغيرِ تَساؤُلاتٌ وتَساؤُلات. تُرى؟ لَماذا لا يَبْدو على مُحَيّاهُ التَّعَبَ والإرْهاق؟ أَلِأَنّه سَعيدٌ إلى دَرَجَةٍ لا يَصِلُ إلَيْه تَعَبٌ؟ أَمْ لِأَنَّهُ راضٍ عن حَياتِه رضًا لا يَجْعَلُهُ يُفَكِّرُ في تَجْرِبةِ حَياةٍ أُخْرى؟

ولِكَيْ أُشْبِعَ فُضولي رُحْتُ أَرْصُدُهُ من جَديدٍ، عَلَّني اَجِدُ إجاباتٍ لِأَسْئِلَتي. والحَقيقَةُ أَنَّني لَمْ أَكُنْ أَمْلِكُ الشَّجاعَةَ الكافِيَةَ لِلتَّحَدُثِ إلَيْه. مَعْ أنَّ أُمّي كانتْ تَعْتَمِدُ عَلَيَّ في بَعْضِ المَواقِفِ الّتي تَتَطَلَّبُ الشَّجاعَةَ اللّازِمة، إلّا أنَّ هَيْبَةَ ذلِك الفلّاحِ هَزَمَتْ شَجاعَتي. إلى أنْ أتى يَوْمٌ عَقَدْتُ فيهِ العَزْمَ على انْتِظارِهِ عِنْدَ الغُروبِ، وَما إنْ دَنَوْتُ مِنْهُ حتّى شَغَلَني أمْرٌ عنْ أمْري، فَوَقَفْتُ مُتسَمَّرَةً في مَكاني، وَرُحْتُ أتَأَمَّلُ وَجْهَهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ عَنْ قُرْبٍ بِعَيْنيَّ البَريئَتَيْنِ. بَيْنَما راحَ هُوَ يُلاطِفُني ويَسْأَلُني عن حاجَتي.

– عَلَيْكُمُ السّلامُ وَرَحْمَةُ الله. كَيْفَ حالُكِ يا ابْنَتي؟

– بِخَيْرٍ يا عَمّ.

– بِماذا أَسْتَطيعُ أَنْ أَخْدِمَكِ؟

– كُنْتُ أَوَدُّ أَنْ أَطْرَحَ عَلَيْكَ سُؤالًا.

– تَفَضَّلي يا ابْنَتي.

وَرُحْتُ أَبْحَثُ في رَأْسِيَ الصَّغيرِ عن سُؤالٍ يَخْتَصِرُ كُلَّ تِلْكَ التّساؤُلاتِ. سؤالٌ يُنْقِذُني ولا يُحْرِجُني في ذلِكَ المَوْقِفِ المَهيبِ. ولكنْ دونَ جَدْوى. والحقيقَةُ أنَّ هُناكَ أمْرًا لافِتًا زادَ في تَشَتُّتِ أفْكاري المُبَعْثَرَةِ.

– بصَراحة. نَسيتُ ما جِئْتُ أسْأَلُ عَنْه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** طالبة ماجستير في الجامعة اللبنانيّة، الفرع الخامس، كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، قسم اللغة العربيّة وآدابها.

 

 

– لا بَأْس يا ابْنَتي.مَتى ما تَذَكَّرْتِ فَأَنا في خِدْمَتِك.

ولعلَّني اغْتَنَمْتُ فُرْصَةَ حِوارِنا القَصيرِ هذا للتَّأَكُّدِ مِمّا لَفَتَني.

فَوَجْهُ فَلّاحِنا هذا الّذي لا تَبْدو عليْهِ عَلاماتُ التّعَبِ تِلك، يَتَمَتَّعُ بِجَمالٍ غَيْرِ عاديّ. جمالٌ لا يُشْبِهُهُ جَمالٌ. جَمالٌ يَجْعَلُكَ تَتَساءلُ رَغْمًا عَنْك: أيْنَ يَكْمُنُ؟ أفي بَشْرَتِهِ السّمْراءَ الّتي لَوَّحَتْها أَشِعَّةُ الشّمْسِ، فَأَعْطَتْها لَوْنًا نادِرًا مُخْتَلِفًا؟ أَمْ في عَيْنَيْهِ العَسَلِيَّتَيْنِ العَميقَتَيْنِ الّلَتَيْنِ تَخْتَزِنانِ أَسْرارَ شَخْصِيّتِهِ النّادِرَة؟ أمْ في النّضارةِ البارِزَةِ الّتي مَلَأَتْ وَجْهَهُ حَيَوِيَّةً وَحَياة؟ أم أنَّ هُناكَ إضافاتٍ أخرى أضْفَتْ إلى وجْهِهِ رَوْنَقًا وَسِحْرًا مِنْ نَوعٍ آخَر؟ كُلُّ تِلْكَ التَّأَمُّلاتِ عَصَفَتْ في رَأْسيَ الصّغير وَزادَتْ مِنْ إصْراري على فَكِّ لُغْزِه.. فَعَزَمْتُ على انْتِظارِهِ غُروبَ الْيَوْمِ التّالي. ما إنْ وضَعْتُ رَأْسي على وِسادَتي حَتّى غَرِقْتُ في بَحْرِ أفكاري، وبَيْنما أنا كذلِك رَنَّتْ في أُذُني نَبْرَةَ “ذلك الفلّاح” وكأنّها تَنْبَعِثُ من زمانٍ غير زماننا. وأنتَ أمامَها تَخالُ نفسَكَ تَتَفَوّهُ بِكُلِّ ما يَخْطُرُ في بالِكَ من كلامٍ. وما بين هذه النّبرةِ العميقةِ، وذلك الجمالِ الغريبِ، وتلك الرّاحةِ العَجيبةِ، لَمَعَ في رأسي الصَّغيرِ سؤاليَ المُنْقِذُ. فَتَنَفَّسْتُ الصُّعَداءَ، ونِمْتُ مِلْءَ جُفوني. ما إنْ لاحَ الفَجْرُ، حَتّى جَهَّزْتُ نفْسي وأسْرَعْتُ إلى ذلك الفلّاحِ، وبادَرْتُهُ بالتَّحِيَّةِ، فَرَدَّ بِأحْسن منْها. ثُمَّ سَأَلْتُهُ: “كيفَ يُمْكِنُني أنْ أُصْبِحَ سَعيدةً مِثْلَك؟” ارْتَسَمَتْ على وَجْهِهِ ابْتِسامةٌ تَحْمِلُ كُلَّ مَعاني الرِّضا، ثُمَّ أَجابَ:” غدًا، سَأَصْطَحِبُكِ عِنْدَ الفَجْرِ، بِرِفْقَةِ عائِلَتي إلى الحَقْل، وأَظُنُّكِ سَتُدْرِكينَ الإجابَةَ بِنَفْسِكِ”. عُدْتُ إلى البيتِ وقلبي يَقْفِزُ أمامي، الكلُّ لاحَظَ فَرْحتي، لا سيّما أُمّي الّتي اسْتَغَلَّتْها، وطلبتْ مِنّي القِيامَ بالكَثيرِ منَ الأعمالِ، ومِنها شِراءُ بَعْضِ اللَّوازم من دُكّانِ الحَيِّ، وأنا أُنفِّذُ المطلوبَ بِكُلِّ حَماسَةٍ ونَشاط. كانَ دُكّانُ الحَيِّ ضَيِّقًا، لا يَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ مِن شخصَيْن، لِذا كُنْتُ أنْتَظِرُ دَوْري في الخارِجِ، وأسْتَمِعُ إلى حِواراتِ أهالي الضّيْعةِ معَ صاحِبِ الدُّكّانِ أبي فؤادٍ، الّذي كانَ كَعادَتِه يُرَغِّبُهُم بِشراءِ الثّمارِ مِنْ عِنْدِه، وفي كُلِّ مَرَّةٍ، كانَ يَسْمَعُ الجَوابَ نَفْسَه: “نحنُ لا نشْتري الثّمارَ إلّا منْ عِنْدِ أبي مُحَمّدٍ، لِأنَّ فيها بَرَكَةٌ عجيبَة”. وهذا الجوابُ لم يكُنْ يُعْجِبُ صاحِبَنا ولا غيره من أصْحابِ مَحالِّ الخُضارِ والفاكِهةِ على الإطلاق. في طريقِ عودتي، تذكَّرْتُ كَلامَ أُمّي المُعْتادَ والمُشابِهَ لِكلامِ أهالي الضَّيْعَةِ، وأحسستُ بِشُعورٍ قَويٍّ أَنَّ أبا محمّدٍ هو نفْسُهُ فلّاحُنا الّذي نَتَحَدَّثُ عَنْه. فهلْ هو حَقًّا نفسُهُ؟ كانَ بَيْنَ الفَيْنَةِ والأُخرى يَرْفعُ طَرْفَهُ نَحْوَ تِلْكَ السّماءِ الرَّحيمَةِ، عِندَ ذَلِكَ الأفُقِ الرّحبِ، فتَرى عَيْنَيْهِ العَسَلِيَّتَيْنِ تَلْمَعانِ تَحْتَ أشِعَّةِ تلك الشّمْسِ المُحْرقةِ. ثُمَّ يُحَرِّك شَفَتَيْهِ بِكَلِماتِ عِشْقٍ لا يَفْقَهُها أحَدٌ غَيْرُه. وتَرْتَسِمُ على شَفَتَيْهِ ابْتِسامةٌ تَحْمِلُ كُلَّ معاني الرِّضا. فَيَزْدادُ إلى جَمالِهِ جَمالًا. ثُمَّ يَعودُ فَيُقَلِّبَ ترابَ أرْضِهِ بِيَدَيْهِ الحانِيَتَيْن، فلاتُدْرِكُ حينها إن كان يُحِبُّهُ أكْثَرَ منْ أَوْلادِهِ. هؤلاء الأَوْلادُ الّذين يُشْبِهونَ الماءَ في عُذوبَتِهِ، ويَتَحَلَّقونَ حَوْلَهُ كَالْحَوارِيّين. ثُمَّ يُساعِدونَهُ في جَنْيِ الثِّمارِ المُبارَكَةِ، وتَدْليلِها، ووَضْعِها في تِلْكَ السِّلالِ القَديمَةِ، الّتي تَتَّسِعُ للكَثيرِ منْها. لِيَبَيْعُها إلى أَهالي القَرْيَةِ بِأسْعارٍ زهيدةٍ تَكْفيهِمْ لِعَيْشِ حَياةٍ زهيدةٍ بسيطة. وتَوْزيعِ قُسْمٍ كَبيرٍ منها لِلفُقَراءِ والأيْتامِ. في وَسَطِ النّهارِ، فَتَحَتْ زَوْجَتُهُ الصُرّةَ القَديمَةَ النّظيفةَ، لِنَتناولَ معًا ما لَذَّ وطابَ مِمّا حَضَّرَتْهُ يداها الرّقيقَتان. كُلُّ ذلك ونَبْرَةُ صَوْت فلّاحِنا العميقةُ، تَبْدو وكأنَّها تَنْبَعِثُ من زمانٍ غَيرِ زمانِنا، وتُرافِقُنا في كُلِّ لَحظاتِنا.

لمْ تُعْلِنُ الشّمسُ مَغيبَها، إلّا وقد اكْتمَلَ المَشْهَدُ أمامَ عَيْنَيَّ اللّتيْنِ لَمَعَتا حينَ بادَرْتُهُ:”الحُبُّ”. اِبْتَسَمَ ذلِك الفلّاحُ ابتسامته السّاحرةَ، وهو يَهُزُّ بِرأسِهِ بِكلِّ مَحَبّة. ثُمّ قال: “الحُبّ”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.