عنوان البحث: بين الجذور التّاريخيَّة والازدواجيَّة: أهمّيَّة التَّمسُّك بالعامّيَّة!
اسم الكاتب: د. جوزيف مرسال مقصود
تاريخ النشر: 2026/07/13
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 44
بين الجذور التّاريخيَّة والازدواجيَّة: أهمّيَّة التَّمسُّك بالعامّيَّة!
Between Historical Roots and Diglossia: The Importance of Preserving the Vernacular!
Dr. Joseph Marcel Maksoud د. جوزيف مرسال مقصود([1])
تاريخ الإرسال:16-6-2026 تاريخ القبول:28-6-2026
مُلخَّص turnitin:4%
تتناول هذه الدّراسة اللغة العربيَّة الفصحى، بِوَصْفِها وعاءً حضاريًّا جامعًا للهُوِيَّة الثّقافيَّة للأُمَّة، فهي ليست مجرّد وسيلة للتّواصل، بل هي كِيان حيّ قادر على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وقد أبرز البحث أنَّ الفصحى استطاعت عبر تاريخها الطّويل أن تكون لغة الدِّين والأدب والعلم، وأنْ تُحافظ على تماسكها على الرّغم من اختلاف البيئات وتنوُّع اللهجات، الأمر الَّذي جعلها لغة معياريّة جامعة للأمَّة العربيَّة.
كما ركّز البحث في ظاهرة الازدواجيَّة اللغويَّة بين الفصحى والعامّيّة، مُوضحًا أنَّها ليست ضعفًا أو تهديدًا، بل هي انعكاس لِتَعدُّد مُستويات التّعبير وحيويّة اللغة، فالعامّيّة ليست منفصلة عن الفصحى، بل هي امتداد لها في الحياة اليوميَّة، تحمل الكثير من مفرداتها وتراكيبها، وتُعبِّر عن ثقافة المجتمع وطباعه، وقد بَيَّنَ البحث أنَّ علاقة الفصحى بالعامّيَّة هي علاقة تكامُل، وأنَّ تجاوُز الصِّراع بينهما يفتح أُفقًا جديدًا لِفَهم اللغة العربيَّة بوصفها لغة الماضي والحاضر والمستقبل.
اعتمدت الدِّراسة مناهج مُتعدِّدة: المنهج الوصفيّ التّحليليّ لرَصْد مظاهر الازدواجيَّة، والمنهج المقارن لتوضيح أوجُه التَّشابُه والاختلاف بين الفصحى والعامِّيَّة، والمنهج النَّقديّ لتقويم الطّروحات السّابقة، وقد خلصت النّتائج إلى أنَّ العامّيَّة ليست خطرًا على الفصحى، بل رافدًا من روافدها، وأنَّ التَّعايُش بينهما ضرورة حضاريَّة لِضمان استمرار اللغة العربيَّة في أداء وظائفها المُتعدِّدة.
الكلمات المِفتاحيَّة: الفصحى، العامِّيَّة، اللهجات، الازدواجيَّة اللغويَّة، الهُوِيَّة الثَّقافيَّة.
Abstract
This study explores Classical Arabic as a civilizational vessel that embodies the cultural identity of the Arab nation. It is not merely a means of communication but a living entity capable of combining authenticity with modernity. The research highlights how Arabic has historically served as the language of religion, literature, and science, maintaining its cohesion despite diverse environments and dialects, thus becoming a unifying standard language for the Arab world.
The study also focuses on the phenomenon of linguistic diglossia between Classical Arabic and colloquial dialects, showing that it is not a weakness or threat but rather a reflection of the multiplicity of expression levels and the vitality of the language. Colloquial Arabic is not separate from Classical Arabic but an extension of it in daily life, carrying many of its words and structures while reflecting the culture and habits of society. The research demonstrates that the relationship between Classical and colloquial Arabic is one of complementarity, and overcoming the perceived conflict opens new horizons for understanding Arabic as the language of the past, present, and future.
The study employed multiple methodologies: the descriptive-analytical method to observe diglossia, the comparative method to highlight similarities and differences between Classical and colloquial Arabic, the critical method to evaluate previous approaches. The findings conclude that colloquial Arabic is not a threat to Classical Arabic but rather a vital source, and coexistence between them is a civilizational necessity to ensure the continuity of Arabic in fulfilling its diverse functions.
Keywords: Classical Arabic, Colloquial Arabic, Dialects, Diglossia, Cultural Identity.
المقدّمة
لا شكَّ في أنَّ اللغة العربيَّة واحدة من اللغات الحيَّة المرتبطة بالهُوِيَّة الحضاريَّة للأُمَّة العربيَّة على اختلاف بلدانها وشعوبها وقبائلها، ذاك أنّ اللغة العربيّة ليست وسيلة تواصل فحسب، على أهمّيّة التّواصل، لكنّها ناقلة للتّراث، حافظة للقِيَم والعادات، مُجدِّدةً إيّاها عبر تعاقُب الأجيال، وبذلك شكَّلت اللغة العربيَّة، في تاريخها الطّويل، وسيلة رئيسة من وسائل التّعبير عن الفكر والوجدان، ونقل العلوم والمعارف، وهي مجال للإبداع الأدبيّ والفنّيّ، فهي لغة القرآن الكريم، ومن قبله هي لغة الشِّعر الجاهليّ، ومن بعده هي وسيلة الأشعار في العصور الأدبيّة اللاحقة، ولغة الفلسفة والطبّ والفلك وسواها من العلوم.
ومع كلّ ما قدّمته اللغة العربيّة الفصحى، برزت إشكاليَّة الصّراع ما بين الفصحى والعامّيّة، وهي قضيّة شغلت الدّارسين والباحثين، بالنّظر إلى ما يترتَّب عليها من آثار معرفيّة وثقافيّة واجتماعيّة، هذه القضيّة تتخطّى إطار النّقاش اللغويّ والحوار الفكريّ، إلى الجدال الحضاريّ بِما يَمَسّ هُوِيَّة الأُمَّة بأكملها ووَعْيها الجَمعيّ، طارحًا أسئلة جوهريّة عن مستقبل اللغة العربيَّة في ظِلِّ التَّحوُّلات العِلميَّة والتَّطوُّرات العالميَّة.
الإشكاليّات
تُعدّ ظاهرة الازدواج اللغويّ بين الفصحى والعامّيّة من أعقد القضايا الّتي واجهت اللغة العربيّة؛ كونها قضيّة تَمَسّ هُوِيَّة الأُمَّة العربيَّة، الثّقافيَّة والمعرفيَّة. ومن هنا تنبثق إشكاليَّة البحث المِحوريَّة: “كيف يُمكن فَهْم علاقة الفصحى بِالعامّيّة: هل هي علاقة صراع يُهدّد وحدة اللغة، أم علاقة تكامُل تعكس حيويَّتها وتطوُّرها”؟
وتتفرَّع عن هذه الإشكاليَّة المِحوريَّة مجموعة من الأسئلة الفرعيَّة:
– هل تُمثِّل العامِّيَّة خطرًا على الفصحى أم أنَّها امتداد طبيعيّ لها؟
– هل الازدواجيَّة اللغويَّة ضعف في البنية اللغويَّة، أم هي انعكاس لتعدُّد مستويات التّعبير؟
– ما أثر هذا التّداخل بين الفصحى والعامّيّة في هُوِيَّة الأُمَّة العربيَّة، ثقافيًّا ومعرفيًّا؟
أهمِّيَّة البحث
تتمثَّل أهمّيَّة هذا البحث في أنّه يعالج قضيّة تَمَسُّ جوهر الهُوِيَّة العربيَّة، ويكشف ديناميكيَّة اللغة وقدرتها على التّكيُّف مع التَّحوُّلات الحضاريَّة، كما أنَّه يفتح المجال أمام فَهم جديد لطبيعة اللغة بوصفها كِيانًا حيًّا يتطوَّر مع الزَّمن، ويُتيح للباحثين النَّظر إلى الفصحى والعامِّيَّة بحسبانهما وجهَين لعملة واحدة، لا خصمَين مُتنافرَين، ويكسب البحث أهمّيّته كذلك مِن كَوْنِه يربط بين الماضي والحاضر، إذ يدرس اللهجات القديمة بوصفها جذورًا للفصحى، ثُمَّ ينتقل إلى العامِّيَّة بِوَصْفِها امتدادًا لها في الواقع المعاصر.
أسباب الاختيار
اختيار هذا الموضوع كان نتيجة إدراك أهمّيّة قضيّة الازدواج اللغويّ في الواقع العربيّ المعاصر، فهذه الظّاهرة تكاد تتجلّى في تفاصيل الحياة اليوميَّة بأكملها، من الإعلام إلى التَّعليم، ومن الأدب إلى الخطاب السِّياسيّ، فاللغة العربيَّة تُواجه اليوم تحدِّيات كبيرة، منها هيمنة اللغات الأجنبيَّة في مجالات العِلم والتّكنولوجيا، ومنها ضعف الاهتمام بالفصحى في الحياة اليوميَّة لمصلحة العامِّيَّة، دراسة هذه القضيّة قد تتيح لنا فَهمًا أوسع لطبيعة اللغة العربيَّة، كونها أداة للتّجديد الحضاريّ، سواء بمنطوقها الفصيح وبمنطوقها العامّيّ معًا.
الفرضيّات
– يبدو أنَّ العامِّيَّة تُشكِّل نوعًا من الخطر على الفصحى، إِذْ إنَّها تُسيطر على معظم تفاصيل الحياة اليوميَّة الّتي يعيشها أبناؤنا، منذ الولادة.
– لا تُشكّل الازدواجيَّة اللغويَّة أيَّ نوع من الضّعف في البنية اللغويَّة، بل دليل على حيويَّة اللغة وقدرتها على التّكيُّف مع حاجات المجتمع.
– التّداخُل بين الفصحى والعامّيَّة لا يُهدِّد الهُوِيَّة الثَّقافيَّة، بل يعكس عمقها التّاريخيّ وقدرتها على الجمع بين الأصالة والمعاصرة.
أهداف البحث
يهدف هذا البحث من دراسة صُوَر اللهجات الفصيحة القديمة، بوصفها الجذور التّاريخيَّة الّتي أسهمت في تكوين الفصحى المعياريّة، ثُمَّ يسعى إلى تحقيق بعض الأهداف الفرعيَّة، كتناوُل ظاهرة الازدواج اللغويّ بين الفصحى والعامِّيَّة، بحسبانها قضيَّةً معاصرةً تَمَسُّ حاضر اللغة ومستقبلها، فاللغة العربيَّة لم تكن يومًا كِيانًا جامدًا، بل هي نتاج تفاعُل مُستمرّ بين مستويات التَّعبير المختلفة، وهو ما يجعلها قادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ودراسة اللهجات القديمة تكشف أنَّ الفصحى ليست لغة مُصطنعة، بل هي حصيلة طبيعيَّة بديهيَّة لتطوُّر طويل في مسار التّعبير اللغويّ، وتُبيِّن أنَّ اللغة العامِّيَّة بِتعدُّد لهجاتها ليست خروجًا على الفصحى، بل هي امتداد لها في الحياة اليوميَّة.
المناهج البحثيَّة المُعتمدة
يعتمد البحث مجموعة من المناهج العِلميَّة المُتكاملة، ومنها:
– المنهج الوصفيّ التّحليليّ: لوصف الظّاهرة اللغويَّة وتحليل مظاهرها المختلفة، سواء أكان في النُّصوص التُّراثيَّة أم في الاستعمال اليوميّ المعاصر. هذا المنهج يُتيح الانتقال من مُجرَّد الوصف إلى تفسير الظَّاهرة ورَبْطِها بِالسِّياق الاجتماعيّ والثَّقافيّ.
– المنهج المقارن: لِمُقارنة الفصحى بالعربيَّة العامِّيَّة، وبيان أَوجُه التَّشابُه والاختلاف بينهما، مع التّركيز في الألفاظ والاشتقاقات والتّراكيب. هذا المنهج يُوضح أنَّ الفروق بين المستويَين ليست جوهريَّة دائمًا، بل هي شكليَّة في كثير من الأحيان.
– المنهج النّقديّ: لتقويم الطُّروحات السّابقة الّتي تناولت علاقة الفصحى بِالعامّيّة، وكشف مَواطِن القُوَّة والضّعف فيها، ثمّ تقديم رؤية جديدة تتجاوز الطّرح التّقليديّ. هذا المنهج يضمن أصالة البحث ويمنحه إضافة عِلميَّة حقيقيَّة.
الجديد في البحث
أمّا الجديد في هذا البحث فهو أنّه لا يكتفي بِجَمْع المعلومات المُتكرِّرة عن الفصحى والعامِّيَّة، بل يسعى إلى مُحاولة تقديم قراءة أصيلة للظّاهرة، من خلال الجَمْع بين المُعطيات التّاريخيّة والواقع المعاصر، ويتخطَّى مسألة الازدواجيَّة ويرفض حصرها في أنَّها قضيَّة لُغَوِيَّة، إنَّما هي قضيَّة حضاريَّة تتعلَّق بِالهُوِيَّة والانتماء، كما نحاول في هذا البحث تقديم رؤية جديدة تتجاوز الطّرح التّقليديّ، وتكشف أنَّ اللغة العربيَّة قادرة على أن تكون لغة الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد، كما أنَّه يُوضح أنَّ الحفاظ على الفصحى لا يعني إقصاء العامّيَّة، ولا حتَّى الدَّعوة التَّقليديَّة إلى التَّعايُش بينهما، بل ينظر إلى العامّيَّة بنظرة حذر، هل تتعرَّض هي الأخرى للخطر مثل الفصحى، أم أنَّها في أمان؟
الدّراسات السّابقة
تطرَّق إلى هذا الموضوع بحّاثةٌ كُثُرٌ، وخاضوا في بحوثهم دراسة ثُنائيَّة الفصحى والعامّيَّة، وازدواجيَّة اللغة بين الفصحى والعامِّيَّة، قديمًا وحديثًا، ومن تلك الدّراسات: دراسة أحمد عبده عوض، في السّنة 2000، بعنوان: “في فضل اللغة العربيَّة: تعلُّمًا وتحدُّثًا والتزامًا: مُعالجة قرآنيَّة ونبويَّة وتراثيَّة، الصّادرة من مركز الكتاب للنشر”، وهي دراسة جيِّدة مُفصَّلة، لكنَّها تنحو بعض الشّيء ناحيةً دينيَّةً، لها مُسوِّغاتها من ناحية أنَّ اللغة العربيَّة الفصحى هي لغة القرآن الكريم، وكُتُب الأحاديث النّبويَّة، ولا نشكُّ للحظة في أنَّ صاحب الدِّراسة قد نجح في رَبْط اللغة العربيَّة ومكانتها بالثقافة الإسلاميَّة، ولكنْ ما لم نلحظْه في هذه الدِّراسة هو الازدواجيَّة الثُّنائيَّة ما بين الفصحى والعامّيَّة، أو تقديم حلول تُساعد على الحدِّ من هذا التّداخُل اللغويّ.
ومن الدِّراسات القديمة، دراسة نهاد الموسى، الصّادرة في سنة 1987، بعنوان: “قضيَّة التَّحوُّل إلى الفصحى”، منشورات دار الفكر، وينحو فيها الكاتب كذلك منحى إضفاء صفة القدسيَّة على اللغة العربيَّة، كونها لغة القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة المُشرِّفة، ولكنَّه يقول إنَّ اللغة العامّيَّة القديمة هي لهجات لم تكن بعيدة تمامًا من الفصحى، كما أنَّ الدَّعوة إلى التّحدُّث بالعامّيّة الآن، بدلًا من الفصحى، فأمرٌ يرفضه الكاتب، لا مِن مبدأ التّمسُّك بالفصحى كونها لغة التُّراث، وإِنَّما لأنَّ اللغة العامّيَّة هي لغات مُتنوِّعة تختلف ما بين الرّجال والنّساء، والصّغار والكبار، وتتبدَّل عبر الأجيال، الأمر الَّذي يعني أنّنا لو اعتمدنا العامّيَّة اليوم، فإنَّنا سنُغيِّر لغةَ الكتابة كُلَّ خمسين سنة، أو كُلَّ قرن في أفضل الحالات.
هذا، وخلص الكاتب في دراسته إلى توصية تقضي بضرورة وضْع تخطيط لغويّ- نحْويّ يُساعد في إيجاد دعامة تُمكِّن النَّشْء من امتلاك قواعد اللغة، وتاليًا استخدام الفصحى، شفاهًا وكتابةً.
المبحث الأوَّل: الفصحى في بعض جذورها التاريخيَّة
من المعلوم أنَّ اللغة هي أداة راقية للتّعبير عن الهُوِيَّة الخاصَّة بِكُلِّ أُمَّة، إِذْ إِنَّها تربط الجيل الحاليّ بتراثه وتاريخه في التَّعبير الأدبيّ، الذّاتيّ والموضوعيّ، ثُمَّ إنَّها تكسب من مُقوّمات العصر وتطوُّرات الحياة لترتقي بأساليبها ورُقيِّها وتنتقل بشكلها المُطوَّر إلى الجِيل المُستقبليّ، الأمر الَّذي يفرض العناية بها إلى أقصى حدّ، ومن الخطأ أنْ نعتقد في هذا الصَّدد أنَّ اللغة هي مُجرَّد وسيلة لِتَّواصُل النّاس، بعضهم مع بعض، فهي ركيزة مجتمعيّة مهمّة، لا ينمو مجتمع من دونها، وبِما أنَّها تُكْسِب المجتمع هُويَّته الفريدة، فإنَّها تاليًا تُكْسِب كُلَّ فرد تلك الهُوِيَّة وتبني شخصيَّته بأفضل ما يُمكن (غازي، 2018)، فاللغة العربيَّة الفصحى حفظت القيم والمعتقدات، وأعادت إنتاجها من جيل إلى آخر، فكانت الوسيط ما بين الماضي القديم والحاضر المُتجدِّد، ونقطة ارتكاز إلى المستقبل القادم، ويُمكن القول إنَّها كذلك أداة تنمويَّة، فلا يُمكن لأيِّ مشروع حضاريّ أنْ ينهض مِن دُون لغة قادرة على استيعاب المفاهيم الجديدة وصياغتها في قوالب أصيلة، بِما يمنح الإنسان شعور الانتماء ويُحدِّد ملامح شخصيَّته الفكريَّة والوجدانيَّة ويُجدِّدها.
وهذا الكلام عن اللغة في العموم، واللغة العربيَّة واحدة من اللغات العالميَّة، لغة كسبتِ الكثير من الأهمّيّة بما فيها من غنى أدبيّ واسع، بخاصَّةٍ في القصائد الَّتي تطوَّرت عبر العصور المُتنوِّعة، الجاهليَّة والأُمويَّة والعبّاسيَّة والأَندلُسيَّة، وهي لغة مِطواعة مَرِنَة، تُواكب التَّطوُّرات العالميَّة لِتتواءم مع حركة النُّهوض العِلميّ الدّائمة، لكنَّها تُعاني مُشكلة رُبَّما لا تُعانيها لغة أخرى، ذاك أنَّها لغة فريدة لا مثيل لها (معمري، 2021)، وتتجلَّى فرادة هذه اللغة في قدرتها على الجمع بين الأصالة والمُعاصرة، فهي لغة التُّراث والقرآن من مئات السِّنين، وكذلك هي لغة البحث العِلميّ الحديث في العصر الرّاهن، ثُمَّ إنَّها لغة ذات نظام صرفيّ ونَحْوِيّ مُعقَّد يمنحها قدرة هائلة على الاشتقاق والتّوليد، الأمر الَّذي يجعلها قادرةً على استيعاب المفاهيم الجديدة، وهي تحافظ في الوقت ذاته على هُوِيَّتِها، وهذا التوازُن بين الثّبات والمرونة هو ممَّا يُميِّز العربيَّة من غيرها من اللغات العالميَّة.
لقد شكَّلتِ اللغة العربيَّة الفصحى عبر تاريخها الطويل وعاءً جامعًا للعلوم والآداب، إذِ استطاعت أنْ تكون لغة الفلسفة والطِّبّ والفلك والرّياضيّات في المشرق العربيّ، وأنْ تستوعب الفِكر اليونانيّ وغيره من الفلسفات العالميَّة من دون أنْ تفقد أصالتها أو تضعف بنيتها، فأثبتت بذلك قدرتها على التّكيُّف مع مختلف المعارف، وظلَّتْ متينة وقويَّة برغم ما مرَّتْ به من عصور مُظلمة وضغوط حضاريَّة ()؛ وهذا التَّفاعُل مع الفلسفات الأجنبيَّة دليل على انفتاح اللغة العربيَّة الفصحى ومرونتها، فهي لغة قادرة على أن تُعيد صياغة المفاهيم في إطارها الخاصّ، ومن هنا، فإنَّ العربيَّة هي لغة المستقبل، لقدرتها على أنْ تستوعب العلوم الحديثة وتُعبِّر عنها بثراء ووضوح، والحفاظ على هذه اللغة هو حفاظ على ذاكرة الأُمَّة وهويّتها، وهو شرط أساس لاستمرارها في إنتاج المعرفة والإبداع. ذاك أنَّ الدّعوات تنطلق اليوم، حتَّى من أبناء اللغة العربيّة عينها، إلى إلغاء اللغة الفصحى، لجفاف بعض مُصطلحاتها وتعقيدها، والتَّكلُّم بالعامّيَّة فحسب؛ كونها الأقرب إلى الإنسان، بِما فيها من مفردات مألوفة، ولا تستدعي الإلمام بقواعد النَّحْوِ الجافَّة، لكنَّ تلك الدّعوة تُنافي المنطق الواقعيّ، ذاك أنَّ لغتنا العربيَّة لغة غنيَّة بمفرداتها، بمعانيها ومُشتقّاتها ومُترادفاتها، وهذا كنز لغويّ ليس من الصَّواب أنْ ندعو إلى تدميره بأيدينا، فاللغة العربيَّة الفصحى تحتوي الهُوِيَّة الثَّقافيَّة والحضاريَّة، وإلغاؤها يعني قَطْع الصِّلة مع التُّراث المكتوب الّذي يُشكِّل أساس الوعي الجَمعيّ، ثُمَّ يُمكن القول إنَّ العامِّيَّة عينها تستمدُّ قوَّتها من الفصحى، فهي ليست بديلًا منها بل هي مُتفرِّعة منها، وتاليًا إنَّ العامِّيَّة هي فُصحى مُبسَّطة، كما أنَّ الدّعوة إلى إقصاء اللغة العربيّة الفصحى فيها نوع من إضعاف العامِّيَّة.
ثُمَّ إنَّ مصطلح اللغة، لا يُنافي اللهجات العامِّيَّة، وِفاقَ ابْنِ جنّيّ، اللغة هي “أصوات” ولم يحصرها بأنَّها فصحى أو عامِّيَّة، أو تتبع قبيلة عربيَّة ولا تتبع قبيلة أخرى، المهمّ فيها أنْ تؤدّي وظيفتها الَّتي “يُعبِّر بها كُلُّ قومٍ عن أغراضهم” (2006)، وباستقراء هذا التّعريف اليوم، نجد أنَّه يشمل كُلَّ كلام نتكلَّم به، بِما في ذلك الألفاظ الأجنبيَّة الّتي اكتسبت صفة العربيَّة، نظرًا إلى أنَّها قد صارت جزءًا من حياتنا اليوميَّة وكلامنا، وهذا التَّعريف يفتح المجال أمام فَهم اللغة بوصفها كِيانًا حيًّا يتطوَّر مع الزَّمن، فهي ليست لغة جامدة ولا مُغلقة، بل تستوعب المفردات الجديدة وتُعيد إنتاجها في سياقها الخاصّ، فدُخول الألفاظ الأجنبيَّة إلى العربيَّة وامتزاجها بها لا يعني ضعف اللغة العربيَّة، بل هو دليل على قدرتها على التَّفاعُل مع الثّقافات الأخرى، وهكذا تَظلُّ العربيَّة لغة قادرة على أداء وظيفتها الأساسيَّة المُتمثِّلة في التّعبير عن حاجات الإنسان في كُلِّ زمان ومكان، سواء بمفردات عربيّة أصيلة، أم بمفردات أجنبيّة دخيلة أو معرّبة.
وحتّى النّظر إلى الوظائف الّتي يُؤَدِّيها المعجم نجد ضمنها معلومات استعمال اللغة، ومن ذلك المعلومات المُتعلِّقة بِكُلِّ لفظ من ناحية قِدَمِه وحداثته، الأمر الَّذي يُؤَكِّد مدى استيعاب اللغة العربيَّة ألفاظًا حديثة لم تكن معهودة عندهم من قبل (المالكي، 2000)، وكذلك بأنَّه يَشْمل المُستويَين الثَّقافيّ والاجتماعيّ معًا، ومن ذلك لغة المثقّفين واللغة العاديَّة (عمر، 1988)، وما هي اللغة العاديّة الّتي تختلف عن لغة المثقّفين إن لم تكن هي عينها اللغة العامّيّة أو امتدادًا لها، أو حتّى أساسًا قد كوّن مفرداتها وتعابيرها؟ وأيًّا يكن من أمر، فإنَّ المعجم بكلّ ما يحتويه من الألفاظ بتنوُّع لغاتها ومفرداتها، لا يُصنّف من ناحية قوّته أو ضعفه بحسب احتوائه على الألفاظ الرّاقية أكثر من الألفاظ العامّيّة، أو بحسب خلوّه من هذه الألفاظ العاديّة الّتي لها ارتباط بالعامّيّة، بل يكون تصنيفه وَفْقَ توظيفه الجَيِّد أو السَّيِّئ (أمحدوك، 2021).
ممّا سبق، يُمكن لنا أنْ نتبنّى الرّأي الّذي يرفض مبدأ حصر اللغة بكونها وسيلة التَّواصُل بين المُتكلِّم والسّامع، فاللغة هي التّعبير الإنسانيّ عن العاطفة، عن المشاعر، عن حادثة موضوعيَّة، تتخطَّى الجانب الوجدانيّ إلى الجانب التَّعليميّ، والجمع بين الأمرَين في هذه اللغة نوع من الكمال، أمّا حصر اللغة بأنّها قصائد بمصطلحات جافّة من العصور الجاهليّة؛ لذا لا بُدَّ من الخلاص منها الآن، فهذا قصور عن استقراء واقع اللغة العربيَّة الحقيقيّ، فاللغة العربيَّة فضاء يحتوي التَّجربة الإنسانيَّة بأبعادها كافَّة، فهي لغة الشِّعر والفِكر والعِلم، والدِّفاع عن اللغة العربيَّة الفحصى هو دفاع عن قدرة الإنسان على التّعبير عن ذاته وحضارته، وهو رَفْض لأيِّ مُحاولة لتقزيمها أو حَصْرها في نطاق ضَيِّق لا يليق بتاريخها العريق.
أمّا متى نشأت هذه اللغة العربيَّة، فهذا أمر خِلافيّ ولا تُوجد له إجابة قاطعة، لكنَّ المُتَّفق عليه أنَّها من اللغات السّاميَّة، تتفرَّع إلى شرقيَّة وغربيَّة، ومنها إلى جنوبيَّة وشماليَّة، ويبدو أنَّ اللغة العربيَّة الجنوبيَّة قد انقرضت أو تلاشت (الصّالح، 1986)، واللغة العربيَّة الشّماليَّة هي الّتي كُتبت لها الشُّهرة أكثر من غيرها، كونها لغة قبيلة قريش الّتي خرج منها آخر الأنبياء، وبها نزلت لغة القرآن الكريم؛ لذا تُعَدُّ لغة قريش هي اللغة العربيَّة الأكثر شهرةً واستمرارًا، والأكثر فصاحةً وصفاء (حمادة، 2014)، ويتبيَّن لنا من هذا الامتداد التّاريخيّ أنَّ اللغة العربيَّة نتاج مسار طويل من التّطوُّر اللغويّ والثّقافيّ، وارتباطها بالقرآن الكريم منحها مكانةً خاصَّةً أسهمت انتشارها واستمرارها على الرّغم من مرور مئات السّنين، ولنْ يكون من السَّهل محوها من الأذهان لإحلال اللغة العامّيَّة مكانها. وممّا لا يخفى على أحد أنَّ اللغة العربيَّة الفصحى الّتي وصلت إلينا اليوم، ليست وليدة عصر واحد، بل هي حصيلة تراكُم طويل من لغات العرب ولهجاتهم عبر أزمنة مُتعاقبة، إذِ استوعبت خصائص بيئات مُتنوِّعة وحضارات مختلفة، فغدت مرآةً حيَّةً لتجارب الإنسان العربيّ في الصَّحراء والجبال والسُّهول والمدن، واللغة بطبيعتها انعكاس للحياة، فهي تتأثَّر بحضارة الأُمَّة النّاطقة بها، وبعاداتها وتقاليدها واتّجاهاتها العقليَّة والثّقافيَّة؛ ولذلك تختلف لغة الشّعوب الَّتي يغلب عليها النّشاط الاقتصاديّ عن لغات الشُّعوب الأخرى، فليس من المنطقيّ القول إنَّ لغة الصّحراء مثل لغة الجبال، في مفرداتها وتعابيرها، لكنَّ هذا التَّنوُّع مصدر قُوَّة للُّغَة العربيَّة، إِذْ إِنَّه ينعكس في ثراء المُصطلحات، لنتجاوز ما نراه سطحيًّا فيها، ويتجاوز ذلك إلى تنوُّع الأصوات وصفات مخارج الحروف (حكمت، 1982).
لقد منح هذا الامتزاج التّاريخيّ اللغة العربيَّة الفصحى قدرة فريدة على التّكيُّف مع التَّحوُّلات الحضاريَّة، فهي لغة قادرة على أن تكون وعاءً للتُّراث، وفي الوقت عينه هي أداة للتَّجديد، ومِن المدهش أنْ تتمكَّن من المحافظة على وحدتها وتماسُكها على الرّغم من اختلاف البيئات، وهو ما جعلها لغة جامعة للأُمَّة العربيَّة بتنوُّع البلدان، هذا التَّنوُّع الصَّوتيّ والدَّلاليّ يُفسِّر غِنى اللغة العربيَّة وقدرتها على التّعبير عن أدقّ المشاعر وأعمق الأفكار، لذلك تظلُّ الفصحى لغة معياريَّة ومشروعًا حضاريًّا مُتكاملًا يختزن ذاكرة الأُمَّة بِما يعكس هُوِيَّتها الثَّقافيَّة وقُوَّة استمرارها عبر العصور؛ وذلك نتيجة الوعي الجَمعيّ بأهمّيَّة هذه اللغة الثّقافيَّة، والاجتماعيَّة والسِّياسيَّة، والأدبيَّة والعِلميَّة، في آنٍ واحدٍ، إِذْ إِنَّها تستوعب المفاهيم الحديثة ولا تفقد أصالتها الفريدة. إنَّ الدّراسات الّتي تناولت اللهجات القديمة وقفت غالبًا عند حدود الوصف أو الاستشهاد بها لتفسير بعض مفردات القرآن الكريم، من دون أن تتعمّق في تحليل بنيتها الصَّوتيَّة والدّلاليَّة، أو أثرها المباشر في تكوين الفصحى المِعياريَّة، وهذا قصور منهجيّ واضح، لأنَّ اللهجات ليست مُجرَّد روافد جانبيَّة، بل هي مُكوِّن أصيل في البنية الكلّيَّة للفصحى، إنَّ إغفال هذا الجانب يُضعف القدرة على فَهم كيف استطاعت الفصحى أنْ تستوعب خصائص بيئات مُتعدِّدة، وتتحوَّل إلى لغة جامعة للأُمَّة، قادرة على أن تجمع بين التّنوُّع الصَّوتيّ والدّلاليّ في إطار واحد مُتماسِك. ولعلَّ النَّظر في اللهجات الفصيحة القديمة يكشف لنا مدى ثراء اللغة العربيَّة الفصحى وتنوُّعها، كونها جمعت مجموعة واسعة من اللهجات التّي تفاعلت لتتكوَّن منها الفصحى هذه، فحملت كلُّ لهجة خصاص بيئتها ومجتمعها، وانعكس ذلك في ثراء أصواتها ومفرداتها وتراكيبها، الأمر الَّذي أدَّى باللغة العربيَّة إلى أنْ تكون لغة مُتعدِّدة المُستويات وواسعة الإمكانات، ويُظهر لنا هذا التّنوُّع أنَّ الفصحى ليست نِتاجًا مُصطنعًا، بل حصيلة طبيعيَّة لتطوُّر تاريخيّ طويل، كما أنَّه يُفسِّر قدرة العربيَّة على استيعاب مختلف الثّقافات والبيئات الّتي دخلت في نطاقها، لكنَّ دراسة هذه اللهجات القديمة تُتيح لنا فَهمًا أعمق لبِنية الفصحى الحاليَّة، وتكشف مرونتها في مُواجهة التَّحوُّلات الحضاريَّة، بيد أنَّ ذلك رُبَّما لا يكون متاحًا بالقدر الكافي، ذاك أنَّ الدّراسات اللغويّة القديمة لم تُوْلِ اللهجات العربيَّة المُتنوِّعة الاهتمام الكافي، الأمر الَّذي يُصعب دراسة الخصائص الصّوتيّة الّتي تميّزت بها كلّ لهجة منها دراسة وافية، إذ يبدو أنّ تلك الدّراسات اقتصرت على الآثار الأدبيّة الّتي يريدون تفسير بعض مفردات القرآن بناءً عليها، مع اعترافهم بأنّ تلك اللهجات متساوية في الاحتجاج بها، لكن مع ترجيح بعضها على بعض (صياح، 1995).
هذا، ولا شكّ في أنّ حصر نشأة الفصحى في لهجة قريش وحدها يُعدّ تبسيطًا مخلًّا باللغة العربيّة، ذاك أنّ الفصحى لم تكن وليدة لهجة واحدة، بل هي حصيلة امتزاج طويل بين لهجات مُتعدِّدة لقبائل عربيَّة مُتنوِّعة، صحيح أنَّ لهجة قريش قد كسبت مكانة خاصّة بسبب نزول القرآن بها، لكنّها لم تكن المصدر الوحيد، بل استفادت من تفاعُل واسع مع لهجات أخرى، وهو ما منحها قوّتها ومرونتها، هذا الامتزاج هو الَّذي يُفسِّر قدرة الفصحى على الاستمرار والتَّجدُّد، ويكشف أنَّها ليست لغة مُصطنعة، إنَّما هي نتاج طبيعيّ لمسار تاريخيّ طويل، يعكس تنوُّع البيئات والثّقافات التّي شكَّلتها.
المبحث الثّاني: الازدواجيَّة اللغويَّة: جدل الهُويَّة والتَّطوُّر
ظلّت ظاهرة الازدواج اللغويّ قائمة عبر العصور، إذ تمايزت لغة النُّخبة والمجتمع الرّاقي الّتي تشكّلت فيها لغة العِلم والأدب، من لغة عامّة النّاس الّتي يستخدمونها في حياتهم اليوميَّة، ولم يكن هذا الأمر جديدًا على العربيّة، بل عرفته منذ الجاهليّة حين وُجدت لغة الشّعر والبيان إلى جانب لغة السّوق والشّارع، وقد مثّل تمجيد الشّاعر والاحتفاء ببلاغته وفصاحته تأكيدًا لرسوخ هذه الازدواجيّة في التّعبير الفرديّ والقبول المُجتمعيّ، ومن الطّبيعيّ أن تسود العامّيّة في التّداول اليوميّ، بينما تبقى الفصحى النّموذج الأمثل، وإن كانت أقلّ انتشارًا (غنيمي، 1987)، ويكشف هذا التّمايُز وعي المجتمع بأهمّيّة اللغة المِعياريّة في حِفْظ التُّراث، مقابل الحاجة إلى لغة الحياة اليوميَّة في التَّواصُل المباشر، كما أنَّه يُوضح أنَّ الازدواجيَّة ليست ضعفًا، بل هي انعكاس لِتَعدُّد مستويات التّعبير، إنَّ وُجود الفصحى والعامِّيَّة معًا يُتيح للعربيَّة أنْ تجمع بين الأصالة والواقعيَّة، ومن هنا، فإنَّ دراسة هذه الظّاهرة تكشف ديناميكيَّة اللغة وقدرتها على التّكيُّف مع حاجات المجتمع المختلفة.
ما تقدَّمَ صحيح، إذا احتسبنا العامِّيَّة لهجة، فهي جُزء من الفصحى تتكامل معها وتُغنيها، أمّا إذا نظرنا إلى العامّيَّة بوصفها تصحيفًا أو تحريفًا ولحنًا، فإنَّ الأمر يختلف، إذ تُصبح خروجًا على قواعد الفُصحى وقوانينها، وعلى الدَّارسِين أنْ يُميّزوا العامّيَّة بوصفها لهجة طبيعيَّة، من العامِّيَّة بوصفها انحرافًا لغويًّا (كشلي، 1982)، ويُظهر هذا التّمييز أنَّ العامّيَّة ليست بالضّرورة تهديدًا للفصحى، بل قد تكون مصدر إثراء لها، كما أنَّها تُمثّل انعكاسًا لثقافة المجتمع وطباعه، وهو ما يجعلها جزءًا من الهُوِيَّة اللغويَّة، والخلط بين العامّيَّة بوصفها ظاهرة طبيعيّة، والعامّيّة بوصفها خطأ لغويًّا، يُؤدِّي إلى سوء فَهم لطبيعة اللغة، ومن هنا، فإنَّ الفصل بين المفهومَين ضروريّ لِفَهم العلاقة الحقيقيّة بين الفصحى والعامّيّة، قبل أن نتبنّى الدّعوة إلى إلغاء الفصحى لإحلال العامّيّة مكانها، أو نرفض هذه الدَّعوة.
وعليه، إنَّ الخلط المعتاد، ما بين العامّيّة بوصفها لهجة طبيعيّة، والعامّيّة بوصفها خطأ لغويّ، يُعَدُّ من أبرز الإشكالات الّتي أربكت الدّراسات اللغويَّة، فالعامّيَّة لغة لها مكانتها وتأثيرها، وليست لحنًا أو تحريفًا، وإنْ أردنا الإصرار على هذا التّوصيف، فإنَّنا بذلك نُقصي جانبًا مُهِمًّا من الواقع اللغويّ، ويُغفل أنَّها انعكاس لثقافة المجتمع وطباعه، الأمر الَّذي يُؤدّي إلى أحكام مُسبقة لا تخدم البحث العِلميّ، ويحول دون إدراك أنَّ العامّيَّة قد تكون مصدر إثراء للفصحى، وليست بالضّرورة تهديدًا لها، فالفصل بين هذَين المفهومَين ضرورة عِلميَّة لِفَهم العلاقة الحقيقيَّة بين الفصحى والعامّيّة، بعيدًا من التّعميمات غير الدّقيقة.
وبناءً على ما تقدّم، لا تُعدّ العامّيّة تراجُعًا عن الفصحى، ولا تستدعي مطاردة أو ملاحقة لتنقية الفصحى من آثارها، بل هي في نظر الباحثين وجه من وجوه التّطوُّر والتَّحديث، وقناة من قنوات عبور الحياة (صيّاح، 1995)، ومن الممكن القبول بهذه الازدواجيّة والخروج من أجواء الصّراع العقيم، إِذْ إِنَّ ما يجمع بين الفصحى والعامِّيَّة أكثر مِمّا يُفرّق، والعلاقة بينهما عميقة ومتينة، وتتبيَّن في هذا الموقف رؤية أكثر واقعيَّة لطبيعة اللغة، فهي كِيان حَيّ يتطوَّر مع الزَّمن، فالفصحى والعامّيّة ليستا لغتَين مُتناقضتَين تتنافسان بينهما على بقاء إحداهما مُقابل إفناء الأخرى، والقبول بالازدواجيَّة بينهما يفتح المجال أمام فَهم أوسع لدور اللغة في المجتمع، وتجاوُز الصّراع بين الفصحى والعامّيَّة، هو خطوة نحو تعزيز مكانة اللغة العربيَّة في حاضرها ومستقبلها.
يرى بعض الدّارسين أنَّ أَصْلَ كُلِّ فصيح عامّيّ، انطلاقًا من نظرة فلسفيَّة مُرتبطة بفقه اللغة ونشأتها، فاللغة ثمرة المجتمع البشريّ والتّواصُل الإنسانيّ، تتأثَّر بالطّبيعة وبثقافة النّاس وطباعهم، وينعكس ذلك على وسائلها من توليد واشتقاق، وعلى صفاتها من خشونة وليونة أو قوّة وضعف. ولعلّ هذا ما جعل بعضهم يُصرِّح بأنَّ العامّيّة تُشكّل رافدًا حيويًّا للفصحى (صياح، 1995)، في حين ذهب آخرون إلى أنّ العامّيّة ليست إلّا ألفاظًا فصيحة طرأ عليها بعض التّغيّرات، الأمر الَّذي يُؤكِّد أنَّ العامّيَّة ليست مُنفصلة عن الفصحى، بل هي امتداد لها في سياق الحياة اليوميَّة، كما يُوضِّح أنَّ اللغة بطبيعتها تتأثَّر بالبيئة وتُعيد إنتاج نفسها وَفْق الظُّروف، واستقراء اللغة العامّيّة انطلاقًا من كونها رافدًا للّغة للفصحى، يفتح المجال أمام فهم جديد للعلاقة بينهما، فالاهتمام باللغة العامّيّة ودراستها، يكشف ديناميكيّة اللغة العربيَّة عمومًا، وقدرتها على التَّكيُّف مع المجتمع.
أمّا الرّأي القائل إنّ الفصحى هي أصل العامّيّة، فيرى أنّ العامّيّة متفرّعة عنها وليست سابقة لها (الصالح، 1986)، وهذا ما ذهب إليه الدّكتور صبحي الصّالح حين أكّد أنّ العامّيّة انسلاخ عن الفصحى (1986)، وقد مرّت بأطوار كثيرة على مدار اثني عشر أو ثلاثة عشر قرنًا (الرضا، 1981)، ويكشف هذا الرّأي أنّ الفصحى كانت دائمًا اللغة المعياريّة الّتي انطلقت منها اللهجات، ويوضّح أنّ العامّيّة ليست إلّا تطوّرًا طبيعيًّا للفصحى في سياق الحياة اليوميّة، هذا الامتداد التّاريخيّ يُفسّر استمرار الفصحى على الرّغم من التّحوُّلات الاجتماعيّة والتّطوّرات الحياتيّة والحضاريّة على مدار مئات السّنين.
لقد أدرك علماء اللغة، قديمًا وحديثًا، أنّ التّعايش بين الفصحى والعامّيّة أمر ضروريّ لا غنى عنه، وأنّ محاربة العامّيّة أو الدّعوة إلى إلغاء الفصحى لا جدوى منها؛ لذلك انصرفوا إلى جهود علميّة كبيرة لتأصيل هذا التّعايُش، فكان من ثمارها إصدار عدد من المعاجم الّتي تُميّز بين الفصيح والعامّيّ، وتكشف الألفاظ الدّخيلة، وتفصّل في الحكم على الاستعمالات المختلفة، وتعكس هذه الجهود وعيًا عميقًا بطبيعة اللغة بوصفها كِيانًا حيًّا يتطوّر مع الزّمن ويستجيب لحاجات المجتمع، فالعلماء لم ينظروا إلى العامّيّة بحسبانها خطرًا، بل تعاملوا معها بوصفها جزءًا من الواقع اللغويّ، كما أنَّهم سَعَوا إلى توثيقها وحصرها ضمن إطار عِلميّ يضمن بقاء الفصحى معيارًا أصيلًا. إنّ إصدار المعاجم بهذا الشّكل يعكس رغبة في ضبط العلاقة بين المستويَين اللغويَّين، لا في إقصاء أحدهما مقابل جوهرة الآخر، ومن هنا، فإنَّ التَّعايُش بين الفصحى والعامّيّة ليس مجرّد خيار، بل هو ضرورة حضاريّة لضمان استمراريّة اللغة العربيّة في أداء وظائفها المتعدّدة.
إذًا، ازدواجيّة اللغة بين الفصحى والعامّيّة ليست ظاهرة طارئة، بل هي قديمة ممتدّة، ولا يمكن أن تزول اليوم، فالنّظرة المتأنّية إلى العامّيّة تكشف أنّها ليست لغة أخرى منفصلة عن الفصحى، بل ترتبط بها ارتباطًا وثيقًا، إذ تشترك معها في كثير من الألفاظ والأفعال والاشتقاقات، وهذا يبرهن على أنَّ الفصحى مُتجذّرة في العامّيّة أصالة وتداخلًا، وأنَّ الفروق بينهما في كثير من الأحيان لا تتجاوز حدود الوهم؛ لذلك رأى كثير من الباحثين في العامّيّة شكلًا من أشكال التّطوُّر والتّجديد ومماشاة العصر، ينبغي الحفاظ عليها وتطويرها (صيّاح، 1995)، فالعامّيّة امتداد للفصحى في الحياة اليوميّة، وانعكاس لثقافة المجتمع وطباعه، وهو ما يمنحها شرعيَّةً في التّداوُل. أمّا مَن هاجموا اللغة الفصحى، ودعوا إلى إلغائها، فمنهم من طلبوا بأن تحلّ اللغة العامّيّة محلّ اللغة الفصحى، على أن تكون كتابتها بالحروف العربيّة التّقليديّة، ومِن شعراء العرب مَن نظم بالفصحى لكنَّه كان يُوافق هذه الدعوة ويتنكّر للّغة العربيّة إلى درجة أن يدعو إلى كتابتها بالأحرف اللاتينيّة! ومِن هؤلاء سعيد عقل الّذي أسّس مجلَّة “ملكارت” وقد اختار لها اسم واحدة من آلهة الفينقيِّين، ودعا إلى قطع كلّ ما له علاقة بالعرب والعربيَّة، ومنهم كذلك عبد العزيز فهمي الّذي كتب قصّة “يارا” بلغة أسماها اللغة اللبنانيّة، وبالحرف اللاتينيّ، لكنّ هذه الدّعوات ليست بهدف الارتقاء باللغة العامّيّة وتأصيلها؛ كونها لغة منطوقة يوميَّة، ولغة الأدب الشّعبيّ والنّكتة والطّرفة وحكايات الجدّات، بل إنّها دعوات تزعم بأنّ العامّيّة تترقّى هكذا تلقائيًّا مع الأيّام حتَّى تندثر بسببها اللغة الفصحى تمامًا، بيد أنَّ الدِّراسات الجدّيَّة الّتي تتناول اللغة العامّيَّة في مختلف حالاتها، من شِعر وحكايات وأدب شعبيّ، وتستقرئ إرهاصاتها الاجتماعيَّة والسّياسيَّة، تعترف أنَّ العامّيَّة دليل على وُجود فِكر عامّيّ، واللغة الفصحى دليل على وجود فِكر فصيح، ولا بُدَّ من ازدواجيّة الفصحى والعامّيّة، ولا يجوز الدّعوة إلى الاستغناء عن أيٍّ منهما (القاسم، 1982).
الخاتمة
لقد انتهى هذا البحث إلى أنَّ علاقة الفصحى بِالعامّيَّة ليست علاقة صراع كما يُصوَّر في كثير من الطّروحات، بل هي علاقة تكامُل تاريخيّ واجتماعيّ، إذ تُمثّل العامّيّة الامتداد الطّبيعيّ للفصحى في الحياة اليوميَّة، بينما تظلّ الفصحى اللغة المِعياريَّة الّتي تحفظ التُّراث وتُؤسِّس للهُوِيَّة الثّقافيَّة، وقد أثبتت المُناقشة أنَّ الازدواجيَّة اللغويَّة ليست ضعفًا، بل هي انعكاس لحيويّة اللغة العربيّة وقدرتها على التّكيّف مع حاجات المجتمع، وأنّ ما يجمع بين المستويَين أكثر ممّا يُفرّق. وبالعودة إلى الفرضيّات، فقد تبيَّن أنَّ العامّيَّة ليست خطرًا على الفصحى، بل هي رافد من روافدها، وأنَّ الفصحى قادرة على استيعابها وإعادة إنتاجها في إطارها المِعياريّ، كما ثبت أنَّ الازدواجيَّة اللغويَّة ليست ظاهرة سلبيَّة، بل هي دليل على ديناميكيّة اللغة، وأنَّ علاقة الفصحى بِالعامّيّة علاقة تكامُل لا تنافُر. كذلك، فإنَّ التّداخُل بينهما لا يُهدِّد الهُوِيَّة الثّقافيَّة، بل يعكس عمقها التّاريخيّ وقدرتها على الجَمْع بين الأصالة والمعاصرة.
ولكن، كلّ هذا لا ينفي وجود خطر حقيقيّ في دعوات مشبوهة تدعو إلى إلغاء الفصحى، بل إلى إلغاء اللغة العربيَّة بأكملها للكتابة بحروف لاتينيَّة، كأنَّه من المنطقيّ أنْ نقبل بإلغاء هُوِيَّتنا التّاريخيَّة والمُجتمعيَّة، لِمُجرَّد كلمات عاطفيَّة يخطُّها بعض أقلام مَن تملَّكوا موهبة التّعبير والحجاج المنطقيّ، فالواقع يعرض لنا أنّ هناك تنافرًا واضحًا بين الفصحى والعامّيّة في مرحلة تكوُّن اللغة الأولى عند النّاطقين بها، وكم مِن مُتعلِّم وَجَدَ صعوبةً في إتقان بعض مفردات اللغة الفصحى، نظرًا إلى أنّه لم يسمع بها من قبل في بيته وبيئته، وتمتدّ هذه الآثار السّلبيَّة لاحقًا في سنوات التّعليم، ونلحظ الضّعف الفادح في النَّحْو، وفي فَهْم بعض المفردات البسيطة، ولكنّ هذا لا ينفي التّكامُل بين اللغتَين الفصحى والعامّيّة من جهة أخرى، إنَّما ينبغي الاهتمام بهذا التّكامُل وبلورته دائمًا، بيد أنَّ الإشكاليَّة الحقيقيَّة أن هل اللغة العامّيّة نفسها في أمان؟ نرى أنَّها ليست بمعزل عن الخطر، فأيَّة دعوة إلى إلغاء الفصحى وإحلال العامّيَّة مكانها، هي في الواقع تمهيد لدعوة لاحقة إلى إلغاء العامّيَّة عينها وتدميرها مقابل حروف أجنبيَّة وكلمات فرنكو عربيَّة.
وبناءً على كُلِّ ما تَقَدَّم، تُوصي هذه الدِّراسة الباحثين بضرورة تجاوُز النِّظرة التَّقليديَّة الّتي ترى في العامّيَّة خطرًا على الفصحى، والانتقال إلى دراسة العلاقة بينهما من منظور اجتماعيّ وثقافيّ، والاهتمام بِكُلٍّ من اللغتَين، والدَّعوة إلى إحيائه وتطويره، ومن هنا يَنطلق التَّساؤُل: هل يُمكن إعداد معاجم عصريَّة تُوثِّق التَّداخُل بين الفصحى والعامّيَّة، بِما يكشف غِنى اللغة العربيَّة في مُستوياتها المختلفة المُتنوِّعة؟
مراجع البحث
1- أمحدوك محمد. (2021). المعجم بين التَّداوليَّة والتَّعليميَّة – إضاءات مصطلحيَّة ومنهجيَّة. الجزائر: مجلَّة اللِّسانيَّات التَّطبيقيَّة، المجلَّد 5، العدد 2.
2- ابن جنّي، عثمان. (2006). الخصائص. القاهرة: الهيئة العامَّة لقصور الثَّقافة، دار الكتب المِصريَّة.
3- الرِّضا، أحمد. (1981). قاموس ردّ العامّيّ إلى الفصيح. بيروت: دار الرَّائد العربيّ.
4- الصَّالح، صبحي. (1986). دراسات في فقه اللغة. ط11. بيروت: دار العِلم للملايين.
5- صيّاح، أنطوان. (1995). دراسات في اللغة العربيَّة الفصحى وطرائق تعليمها. بيروت: دار الفكر اللُّبنانيّ.
6- عمر، أحمد مختار. (1988). البحث اللغويّ عند العرب مع دراسة لقضيَّة التَّأثير والتَّأثُّر. ط6. القاهرة: عالم الكتب.
7- غازي، التوبة. (2018). اللغة العربيَّة ودورها في بناء الأُمَّة. مُدوّنات موقع الجزيرة الإلكترونيّ.
https://www.aljazeera.net/blogs/2018/2/5/
8- غنيمي، هلال محمد. (1987). النَّقد الأدبيّ الحديث. بيروت: دار العودة.
9- القاسم، رياض. (1982). اتِّجاهات البحث اللغويّ الحديث في العالم العربيّ. بيروت: مؤسَّسة نوفل.
10- كشلي، حكمت. (1982). المعجم العربيّ في لبنان. بيروت: دار ابن خلدون.
11- المالكي، مجبل لازم مسلم. (2000). المراجع – التَّطوُّرات الحديثة في أساليب الخدمة المرجعيَّة واتِّجاهاتها. عمان: مؤسَّسة الوراق للنَّشر والتَّوزيع.
12- معمري، جميلة؛ وزبيري، نعيمة. (2021). الامتزاجات اللغويَّة في شمال أفريقيا عبر التَّاريخ. الجزائر: مجلَّة أفكار وآفاق.
[1] – أستاذ مُحاضر في كلِّيَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة بالجامعة اللبنانيَّة- قسم اللغة العربيّة وآدابها.
Assistant Professor and University lecturer, Faculty of Arts and Humanities, Lebanese University. Email:
Josephmaksoud01@gmail