الظّاهراتيّة في وصف المكان عند “جان توما” كتاب “كما الإعصار” أنموذجًا

0

عنوان البحث: الظّاهراتيّة في وصف المكان عند "جان توما" كتاب "كما الإعصار" أنموذجًا

اسم الكاتب: د. ريما عزمي الأحدب

تاريخ النشر: 2026/07/13

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 44

تحميل البحث بصيغة PDF

الظّاهراتيّة في وصف المكان عند “جان توما”[1]

كتاب “كما الإعصار” أنموذجًا

La phénoménologie dans la description du lieu chez Jean Touma:

 Le cas du livre “Comme l’ouragan”

 د. ريما عزمي الأحدب[2] Dr. Rima Azmi EL.Ahdab

تاريخ الإرسال:17-6-2026                                    تاريخ القبول:29-6-2026

ملخّص                                                                      turnitin:0%

يقوم هذا البحث على دراسة كيفيّة إدراك ذات الأديب “جان توما” ظاهرة التّغيّر الطّارئة على الأمكنة التي تشكّل جزءًا حميمًا من ذاكرته. فنظرته إلى الأمكنة منطلقة من الوعي الإدراكيّ الذي جعله يرفض واقعًا لم يرَ فيه إلّا هدمًا للماضي الجميل. وقد ناقـش البحث جدليّة العمار والقفار النّاتجة عن ظاهرة التّغيّر، ومدى ارتباط الكاتب بالمكان الذّهنيّ الذي تشكّلت فيه طفولته وشبابه، كما تناول البحث تأثّر ذات المتلقّي(القارئ) بالظّاهرة التي تحدّث عنها الأديب في نصوصه مظهرًا قدرة الكاتب على جعل القارئ يتفاعل مع النّص ويشاركه التأثّر، سواء أعاش التّجربة أمْ لم يعشها.

وخلص البحث إلى أنّ ما كتبه “توما” انطلق من الذّات ، ولم يكن بالإمكان فهم جوهر ما كتبَه إلّا من خلال العودة إلى الذّات.

اعتمدت الدّراسة المنهج الظاهراتيّ ، وهو منهج يركّز على التّجربة الذّاتيّة، ويهدف إلى فهم الظاهرة وتحليلها كما تفاعلت معها ذات الأديب وليس كما هي في الواقع الموضوعيّ، واعتمد البحث أيضًا المنهج النفسيّ لدراسة العلاقة التّفاعليّة مع الظّاهرة ، وكيفيّة تلقّي القارئ للنّصوص.

الكلمات المفتاحيّة: الظاهراتيّة – الظاهرة – المكان

 Résumé

Cette recherche examine comment l’ écrivain Jean Touma perçoit le phénomène de changement affectant des espaces qui constituent une part intime et précieuse de sa mémoire. Sa vision de ces espaces decoule d’ une conscience perceptive qui l’ a conduit à rejeter une réalité qu’ il considérait comme la destruction d’un passé idyllique. La recherche analyse la dialectique de construction et de désolation résutant de ce phénomène de changement, ainsi que l’ intensité du lien qui unit l’écrivain à l’ espace mental où se sont forgées son enfance et sa jeunesse. La recherche explore également l’ impact de ce phénomène sur le lecteur, démontrant la capacité de l’ écrivain à captiver ce dernier par son texte et à partager son impact émotionnel qu’ il l’ ait vécu personellement ou non.

La recherche a conclu que l’ écriture de Touma puisait son inspiration dans le moi, et que son essence ne pouvait être comprise qu’ en se reconnectant à ce moi. L’étude a adopté l’ approche phénoménologique, qui met l’accent sur l’ expérience subjective et vise à comprendre et à analyser le phénomène tel que le moi de l’écrivain interagit avec lui plutôt que tel qu’ il existe dans la réalité objective. La recherche a également eu recours à l’approche psycologique pour examiner la relation interactive avec le phénomène et la manière dont le lecteur reçoit les textes.

Mots-clés: phénomènologie- phénomène- espace

المقدّمة

إنّ عمليّة تكوين المعاني في نصٍّ ما تأتي من خلال عمليّة تفاعليّة تحدث داخل وعي المتلقّي، أيْ بين الذّات والعالم الخارجيّ. والأديب من جهته لا يبدع إلّا عندما تحدث بين ذاته والأشياء المحيطة به عمليّة تفاعليّة تجعله يدرك بالوعي والشّعور ما يحدث حوله، فينتج أدبًا نابعًا ممّا تكرّس في داخله. ينطلق البحث من فكرة الظّاهراتيّة القائمة على أنّ لا وجود للظّاهرة من دون ذات تتفاعل معها. فهي – أي الظّاهراتيّة – تؤمن أنّه لا وجود للظّاهرة خارج الذّات المتأثّرة بها. والظّاهراتيّة ترتبط بالمتلقّي لكن ما نبحث عنه هنا ليس كيفيّة تلقّي القارئ نصوص “توما” فحسب ، بل نبحث، أولًّا، عن كيفيّة تلقّي الأديب ظاهرة التّغيّر التي طرأت على الأمكنة، ومدى تفاعله مع الحالة الحاضرة. فالإنسان يتعلّق بالمكان الذي حفظته الذّاكرة، ويرفض أيّ تغيير قد يطرأ عليه ، لأنّ هذا التّغيير قد يعبث بالذّكريات ، ويحدث شرخًا فيها، ويلوّث مسرحها. فالإنسان الذي يرفض الذّوبان في حركة الزّمن يرفض التّخلّي عن المكان الذي شهد آلامه وآماله.

إشكاليّة البحث

تتلّخص الإشكاليّة التي ينطلق منها البحث في ما يلي:

كيف تفاعل “توما” مع ظاهرة التّغيّر التي طرأت على الأمكنة؟ وكيف تفاعل قارئ ” كما الإعصار” مع نصوص الكتاب؟ ويتفرّع عنها الأسئلة الآتية: ما علاقة الظّاهراتيّة بالمكان؟ كيف ترجم “توما” في نصوصه علاقته مع الأمكنة؟ وهل توحّدت الاستجابة الشّعوريّة عند القرّاء؟

 أهميّة البحث

سعى هذا البحث إلى دراسة علاقة “جان توما” بظاهرة التّغيّر التي طرأت على الأمكنة بفعل الزّمن، تلك الأمكنة التي أحاطت بالأديب وشكّلت جزءًا من ذاكرته. كما سلّط الضّوء على انفعال القارئ وتفاعله مع نصوص الكتاب، ومدى ارتباطه بالظّاهرة التي أثارت وعي الكاتب.

وتتلّخص أهميّته بالنقاط الآتية:

1- العلاقة بين “جان توما” والمكان علاقة جدليّة، فالمكان عنده كائن حيّ، ومصدر إلهام ، لكنّ الحضور المكانيّ في كتاب “كما الإعصار” (المدوّنة) حضور لافت ومؤثّر. فقد شكّل البيئة الحاضنة لذكريات الأديب، ومنح النّصوص أبعادًا عاطفيّة وجدانيّة. تحدّث الأديب عن تفاصيل دقيقة مرتبطة بالأمكنة. فهو قد يرمز إلى المكان بالحديث عن شجرة (شجرة الأكّي دنيا)، أو عن قنطرة، أو عن الأبواب والنوافذ، مشيرًا من خلالها إلى السّكينة والهدوء النفسيّ. واستطاع أنْ يجعل القارئ يعيش التجربة وكأنّه داخلها. وفي هذا الكتاب نجد أنّ الزّمن الذي يُعَدّ وعاءً للحدث الجاري في المكان ترك بصمات عميقة عند “توما“.

2- اتجهت الدراسات التي تناولت المكان موضوعًا لها إلى دراسة شعريّة المكان، جماليّات المكان، رمزيّة المكان. واهتمّت بالبعد النفسيّ ، والبعد الاجتماعيّ، ودور الأماكن الصّديقة والمعادية، والأماكن المفتوحة والأماكن المغلقة… أمّا هذا البحث فلا يدرس أهميّة المكان عند توما كبعد متّصل بالهُويّة، ولا يدرس دلالاته أو رمزيّته، بل يبحث في مدى تأثّـر ذات الكاتب بالظّاهرة التي ألمّت بالمكان وكيفيّة تعامله معها . فالبحث يناقش موضوع المكان من زاوية جديدة ومختلفة، ألا وهي الظّاهراتيّة.

3- ومن الأسباب التي جعلت البحث يتّسم بالأهميّة والجدّة أنّه يتحدّث عن نوعين من التلّقي:

 أ- تلقّي الأديب ظاهرة تغيّر روح المكان.

 ب- تلقّي القارئ نصوص “كما الإعصار” التي تظهر تفاعل الأديب مع الظّاهرة.

فرضية البحث

انطلق البحث من فرضيّتين:

1- تأثّر الأديب بظاهرة التغيّر التي طرأت على الأمكنة لم يكن ناتجًا عن حالة شعوريّة، بل عن حالة وعي الحاضر الحزين الذي تعيشه الأمكنة، وحالة الوعي هذه جعلته يرفض ذوبان ذكرياته.

2- تفاعل القارئ مع نصوص” كما الإعصار” أتى في أعلى مستوياته،لأنّه عاش مع الأديب تجربة فقدان صورة الأمكنة الّتي نحبّ.

وتتلّخص أهداف البحث في أمرين اثنين:

1- تحليل وعي الكاتب لظاهرة التّغيّر، وكشف مدى ارتباطها بتجاربه الشخصيّة.

2- إظهار كيفيّة تفاعل القارئ مع نصوص ” كما الإعصار”.

الدّراسات السّابقة

تنقسم الدّراسات السّابقة إلى ثلاثة محاور:

أوّلًا: دراسات تتعلّق بكتابات الأديب “جان توما”.

1- د. هدى علي عيد (2025). “جدليّة التّاريخ والذاكرة وإشكاليّة التّجنيس”. تناول البحث تجلّيات انصهار التّجربتين الحياتيّة والفنيّة في كتاب “كما الإعصار”. وتركّزت إشكاليّة البحث على مدى انعكاس مركزيّة الذّات في الكتابة الأدبيّة.وقد طرحت الكاتبة مفهوم الهُويّة على صعيد الكتابة الذاتيّة، ومدى أهميّة هذا النوع من الكتابة.

2 – نيفرت دالاتي غريغوار (2023) كما الإعصار في زمن الزلازل والهزّات..يتناول البحث أربعة محاور: -المكان والزّمان في مجرى التغيّر العمرانيّ – أوضاع الوطن والوجوه الضائعة – الهجرة وافراغ الوطن، والشّعور بالوحدة.

– أهمّية البيئة بين الماضي والحاضر.

3- إيمان ريداني (2022). الالتزام في أدب جان توما”-قراءة في كتابي “يوميّات مدينة ، ووجوه بحريّة” . تناولت الدراسة مسألة الالتزام في أدب “جان توما” المتناغم مع خلفيّته الثقافيّة والاجتماعيّة.

ثانيًا: دراسات تتعلّق بأهميّة المكان في الأدب العربيّ.

1- د. عمارة الجداري (2018) المكان والبعد النفسيّ في الشّعر العربي القديم (المفضليات نموذجًا) ركّزت الدراسة على الأبعاد النفسيّة التي يمكن أن ينهض بها المكان في النص الشعريّ القديم، مؤكّدا علاقته بالذات الشاعرة.

2- د. حسان ملاح أوغلو (2014) جماليّات المكان في الشعر الجاهلي. دراسة علميّة هدفت إلى رصد جماليات المكان في الشعر الجاهلي: مكوّناته وعلاقته بالإنسان.

3- زينب حافظ فرغلي (2010). جماليّات المكان في الرواية العربية المعاصرة. “عمارة يعقوبيان” نموذجًا. هدف البحث إلى كشف المظاهر الجمالية الظاهراتيّة المهمّة في الرواية العربيّة العربيّة المعاصر.

ثالثًا: دراسات تتناول العلاقة بين الظاهراتيّة والأدب.

1- عيسى جعفر الحركاني (2019). ملامح الظاهراتيّة في الشعر العباسيّ. تناولت الدراسة الإيقاع وأساليب النظم، وظاهراتيّة الألفاظ والأساليب، وظاهراتيّة ّالصورة الشعريّة. وخلص البحث إلى أنّ الشاعر العباسيّ اعتمد التلقائيّة في التعبير ، منطلقًا من وعيه المتّصل بالروح ، ومبتعدًا عن الوعي المتّصل بالعقل.

2- فوزية دندوقة (20027). النصّ الأدبيّ والوصف الظاهراتي. هدفت الدراسة إلى رصد الجوانب التي توضّح للقارئ كيفيّة الاستفادة من المنهج الظاهراتيّ في النقد الأدبي.

منهج البحث

اعتمد هذا البحث المنهج الظّاهراتيّ، وذلك لفهم التّجربة الإنسانيّة التي عاشها الكاتب. والمنهج يركّز على فهم التّجربة الذاتيّة للأفراد، ويهدف إلى فهم الظاهرة كما تظهر للوعي وليس كما هي في الواقع الموضوعيّ. فالبحث هو دراسة الظّاهرة التي أدركتها ذات الكاتب وعاشها في وعيه، فكان لا بدّ أوّلا من رصد الظّاهرة، ومن ثمّ تحليل الصورة الذهنيّة للظّاهرة التي تفاعل معها الكاتب وعبّر عنها في نصوصه.

وكان لا بدّ من المنهج النفسيّ، وهو مقاربة نقديّة تربط الإبداع الأدبيّ بالحالة النّفسيّة للأديب. فهذا البحث يعمل على إظهار مدى تأثّر ذات الكاتب بظاهرة التّغيّر، ويحاول كشف الدّوافع الخفيّة التي حرّكت مشاعره وجعلته يرفض هذه الظاهرة. ولأنّ العمليّة الإبداعيّة لا تكتمل إلّا بالمتلقّي ، فقد استفاد البحث من هذا المنهج لكشف العمليّات النّفسيّة التي رافقت تفاعل القارئ مع النّصّ.

المبحث الأول: علاقة الظّاهراتيّة بوصف المكان

يناقش هذا المبحث الظّاهراتيّة في وصف المكان انطلاقًا من كون “توما” هو المتلقّي لظاهرة التّغيّر الّتي طرأت على الأمكنة التي يعرفها وعاش فيها وتشكّلت فيها ذكرياته . فما الظّاهراتيّة وما علاقتها بالمكان؟

 1- ماهيّة الظّاهراتيّة: لا بدّ أوّلًا من شرح مدلول كلمة الظّاهرة، لنصل بعدها إلى ما تعنيه الظّاهراتيّة. المعنى العام لكلمة الظّاهرة هو ما يظهر أمامي. ” لكنّها تقال على ثلاثة أصناف من الأشياء:

أ- الأشياء الماديّة القائمة فعلا في الواقع، ب- الانطباعات الحسيّة أو الحدوس الحسيّة…، ج- خصائص الشيء الماديّ الظاهر لي…” (زيدان، 1977، ص 66).

وفي المعجم الفلسفيّ، الظّاهرة تعني” الواقع الخارجيّ المؤثّر في الحواس ، مثل الظّواهر الفيزيائيّة، والكيميائيّة، وكذلك الواقع النفسيّ المدرك بالشّعور مثل الظّواهر الانفعاليّة والإراديّة” (صليبا، 1981، ص30). غير أنّ معنى الظّاهرة في الفلسفة الظّاهراتيّة مختلف عن معناها الطبيعيّ المعجميّ، فالظّواهر الّتي تدرسها الظّاهراتيّة ليست ظواهر العالم الخارجيّ، أي الظّواهر الطبيعيّة، فالفينومينولوجيّا (الظّاهراتيّة) تدرس ظواهر الوعي، فهي دراسة الوعي بالظّواهر، وطريقة إدراكها، وكيفيّة حضور الظّواهر في خبرته أو ما يسمّى الإعطاء. والظّاهرة هي المعطى المقدّم إلى الشّعور بصفة مطلقة. (الدّيدي،1985، ص50). والشّعور “هو دائما شعور بشيء، إذ لا معنى لفعل فكريّ من دون أن تكون هناك أفكار.” (زيدان، ص67). وتلك الأفكار. هي محتوى الأفعال الشّعوريّة، أو الأفعال العقليّة من إدراك وتخيّل وتذكّر ورغبة وإصدار أحكام.

والظّاهراتيّة أو الظّواهريّة كما وردت في الموسوعة الفلسفيّة هي نظريّة في المعرفة تقوم على أساس مسلَّمة بأنّ الأحاسيس وحدها هي الموضوع المباشر للمعرفة. (روزنتال ويودين، ص288).

وقد طرح ادموند هوسرل[3] نظريّته القائلة ” إنّ المعرفة الحقيقيّة للعالم لا تتأتّى بمحاولة تحليل الأشياء كما هي خارج الذات (نومينا). وإنّما بتحليل الذّات نفسها وهي تقوم بالتّعرف إلى العالم، أي بتحليل الوعي وقد استبطن الأشياء الّتي تحوّلت إلى ظواهر. (الرويلي، والبازعي، 2002، ص 321). فالوعي عند هوسرل لا يكون مستقلًّا بل هو دائما وعي بشيء ما. والظّاهراتيّة التي هي علم الظّواهر استعمِلت أولًا في ميدان علم النّفس لتدلّ على الظواهر السيكولوجيّة (الرّغبة، الإدراك، الإحساس) ومظاهر الوعي في محتواه النفسي…” (الزين، 2015، ص50). وفي الإطار الفلسفيّ والأنطولوجيّ هي “تحديد بنية الظّواهر وشروطها العامّة بمعنى مشكل الظّهور أو الانبثاق الذي يتّصل لأوّل وهلة اتّصالا مباشرا بالوعي” (مرجع. نفسه، ص50).

فالظّاهراتيّة أسلوب للتـّفكير في الظّواهر من خلال ربطها بالوعي الإنسانيّ. ويعدُّ هوسرل الظّاهراتيّة “فلسفة القصد والوعي بامتياز” (الديهاجي، 2014، ص 46). فهي دراسة الواقع كما تجلى في وعي الإنسان.

يتبيّن لنا مما تقدّم أنّ الظّاهرتيّة قائمة على أنّه لا وجود للظّاهرة من دون ذات تتفاعل معها، فالذّات تتفاعل مع الموضوع، تتواصل معه، حتى يصبح من الصّعب الفصل بينها وبين الموضوع. والذّات هنا مرتبطة بالوعي ومدى تفاعله مع الظّاهرة. فالعودة إلى الذّات من أهمّ مرتكزات الظّاهراتيّة، فهي ترى أنّ معرفة حقيقة الظّواهر والعمل على تحليلها لا يكون إلّا من خلالها.

2- ظاهرة تغيّـر حال المكان في “كما الإعصار”

المكان لغويـًّا: هو الموضع الذي يحلّ فيه الشيء(ابن منظور،1992، مادّة م.ك.ن). وفي النّصّ السرديّيمثّل المكان مكوّنًا محوريًّا في بنية السّرد، فلا يمكن تصوّر حكاية من دون مكان، فلا وجود لأحداثٍ خارج المكان، ذلك أنّ كلّ حدثٍ يأخذ وجوده في مكانٍ محدّد وزمانٍ معّيّن. (بوعزة، 2010، ص 99).

لكنّ المكان لا يظهر إلاّ من وجهة نظر الشّخصيّة، فهي التي تعيش فيه وتتأثّر به، وترسم أبعاده، وبذلك يصبح المكان وسطًا حيويًّا تتجسّم من خلاله الأشخاص والأحداث. (جنداري، 2013، ص 20، 173، 174). ويبقى المكان هو السّبب الرئيس والحقيقيّ في تمظهر الأحداث التي يصبّها الكاتب في نسيج من خيال مبدع، ويتشكّل منها رؤى وإيديولوجيّات وطبقات شعوريّة ذات مستويات متعدّدة، إنّه بشكل أو بآخر يعبّر عن مقوّمات خاصّة مُرتبطة بالهُويّة والكينونة والوجود. فالمكان كائن حيّ، لأنه يحمل روح الأشخاص الذين يسكنونه أو يشغلون إطاره الجغرافيّ، وله شخصيّته التي تميّزه، وهو غير مستقـّلّ عن موجوداته، وحيويّـته تنبع من العامل البشريّ الذي يسكنه، والأشياء الّتي تشكله، وبذلك يزدهر، أو يندثر.

كثرت الدّراسات التي تناولت المكان في النّص الأدبيّ، وتناول الباحثون المكان من زوايا مختلفة فدرسوا المكان النفسيّ والمكان الرمزيّ، وصنّفوا الأمكنة بين معادية وصديقة ، مغلقة ومفتوحة… إلّا أنّ هذا البحث يتناول مسألة تأثّر الأديب بظاهرة التغيّر التي أصابت المكان وعبثت بروحه. ولم يكن إدراك المكان مجرّدا من زمانيّته الإدراكيّة، ذلك أنّ ظاهرة التغيّر حدثت بين الماضي والحاضر.

يقول باشلار ” الظّاهراتيّة وحدها – أي دراسة بداية الصورة في الوعي الفرديّ – تستطيع معاونتنا في استعادة ذاتيّة الصورة وفي قياس مدى اكتمالها وقوّتها وعبر ذاتيّتها (باشلار، 1984، ص19)، أي دراستها من خلال تأثر الذات بها. في كتاب “كما الإعصار” بدا الكاتب متأثّرًا بظاهرة التغيّر التي عصفت بالأمكنة. وهذه الظاهرة لم تكن خرساء، بل كان لها حوار صامت مع ذات المرسل الّتي أدركت دلالاتها الجوهريّة ، وهذا الحضور جعله يعي دلالاتها الجوهريّة. إنَّ ذاكرة المكان ترسم المشهد التّذكاريّ المكتوب في العقل والقلب والجسد. وهذا ما حدث مع “توما”، فهو لم يستطع تجاهل مشهد الأمكنة المنقوش في الذّاكرة ، ولم يستطع التّعايش مع الواقع الحاضر، لذلك طبعت ظاهرة التّغيّر ذاته. ذلك أنّ” معايشة الإنسان للمكان وتآلفه معه، أو مُعاداته له يشكل خلفيّة ارتكازيّة لكلّ تصوّر أو توجّه فنيّ”. (عقاق، 2002، ص17).

تآلف “توما” مع المكان بصورته القديمة، أمّا الحاضر المكانيّ فهو يعاديه، لأنّه يشعر أنّ الصورة الجديدة سرقت منه ذكرياته. لقد شكّل المكان عنده الكيان والوجود، وارتبط بالدفء والألفة والحماية، وحمل السّلوك والعادات إلى جانب الأحلام والأمنيات. فنفسه تنظر بشغف وحبّ إلى ماضي الأمكنة، وتستحضر اللّحظات السعيدة فيها، وهي لحظات مفعمة بالأمل والطمأنينة وخالية من الإحباط والقلق. فهناك، في أمكنة الطفولة، لا شيء يحول دون تحقيق الفرح. وإذا سلّمنا أنّ المكان ممارسة وفعاليّة، وتفصيل لا يمكن فهمه إلّا عبر الذاّت ، فالمشاعر التي يكنّها “توما” تجاه الأمكنة ليست التزام العقل، بل هي التزام الرّوح التي عايشت هذه الأمكنة. “والوعي المتصل بالرّوح أكثر استرخاء… من الوعي المتصل بظاهرة العقل” (باشلار، 1984، ص21). لذلك نجده يصف الظّاهرة كما رأتها ذاته، وأدركها وعيه. لم يكتب “توما” بالحديث عن المكان دائمًا بضمير المتكلم العائد إليه، بل نراه يستخدم أحيانًا الغائب المذكّر أو الغائب المؤنّث، أو المتكلّم العائد إلى أحدهم، فهو يرى أنّ ما حصل لا يعنيه وحده بل هو شعور الجماعة، هو شعور كل من عاش في المكان وعايشه.

“بقي لي من هذه الأرض بعض الرضى، وبعض صفحات دفتر الذكريات” (ص166) (الكلام هنا على لسان الوطن) ضاع المكان بسبب الحروب والقلاقل والبحث عن فرص العمل” (ص 155) نلاحظ مما تقدّم أن ظاهرة التغيّر التي طرأت على الأمكنة هي المعطى المقدّم إلى وعي “توما”، وما حصل هو إحالة متبادلة بين الفعل الشعوريّ والواقع الخارجيّ، فكان لهذه الظّاهرة حضور مباشر في ذاته ، وهذا الحضور المباشر شكّل النقطة الأساس.

والجدير ذكره أنّ توما لم يبتعد من الواقع، فقد ظلّ يرى الأشياء كما في واقعها، ولكن ما حفظته الذّاكرة كان أقرب إلى الذّات وأعمق أثرا وأكثر رسوخا، وما أدركه الوعي في الحاضر جعل الأديب يعود إلى ما حفظته الذاكرة وحملته المشاعر. أخيرًا، إنّ لحظات الوعي الانفعاليّ التي عاشها الكاتب أمام ظاهرة التّغيّر التي عصفت بالمكان حملت متناقضات وجدانيّـة تتراوح بين واقع يراه وصورة يحملها في ذهنه مستمدّة من الماضي. فكيف تفاعل “توما” مع الظاهرة؟

المبحث الثاني : تفاعل الكاتب مع ظاهرة التغيّر

تمرّ علاقة الإنسان بالمكان بتحوّلات نوعيّة تعيد تعريف المكان عنده. فيحمل المكان دلالات جديدة ، أو ينتقل من معنى إلى آخر ومن قيمة إدراكيّة إلى أخرى.

1- المكان من العينيّ إلى الذهنيّ : تتحوّل الأماكن مع مرور الزّمن من النّفعيّة إلى ألفة شعوريّة، وقد تبلغ هذه الألفة حدًّا يصبح الانفصال الذهنيّ عنها عمليّة صعبة، وتصبح مع الوقت رمزًا لمشاعر معيّنة. فيصبح التّغيّر الذي يطرأ على الأمكنة حدَثًا يصيب المشاعر ، فيتحوّل المكان إلى محور شعوريّ.

مرّ معنا أنّ تعريف المكان من الناحية اللغويّة هو أنّه حيّز جغرافيّ يمارس فيه الإنسان علاقاته المعاشيّة. ولكن كلّما ارتبط بهذا المكان وتجذرّت علاقته به أصبح المكان مرادفًا لمعانٍ ثقافيّة أو وجدانيّة عاطفيّة. ويحدث أنْ يغادر الإنسان مكانه مفارقة اختياريّة أو قسريّة فيتحول المكان شيئا فشيئًا إلى أثر أو علامة أو إيحاء، وتسقط عنه الصفة العينيّة ليصبح وجودا ذهنيًّا لا يُحدّد بأطر أو جدران أو هياكل. “أخبروني أن تلك التلة التي كانت جلول عنبها وتينها ملاعبنا في طفولتنا، قد تحوّلت إلى أبنية وفيلات. استعدت بفرح بعض طفولتي، ولم أقو على زيارة المربع الريفي القديم… ولم أقوَ على مواجهة عمران تلّة “الضهر”. (ص112(

الساحات والبيوت والأسواق والشوارع وكل ما يرتبط بها من شبابيك وبوابات وأبواب وعربات لبست حلة الحاضر وغادرها من كان يصنع ضجيج حياتها. لم يستطع “توما” مفارقة الأمكنة التي أحبّها فبقيت موجودة في ذهنه يبحث عنها ويستحضرها، ويتمنى العودة إليها. والمكان الذي يتحدّث عنه ويصفه تحوّل إلى وجود ذهنيّ بعدما كان وجودًا عينيًّا، وأصبح ذاكرة تسكن الذّهن. فالإنسان يستطيع أنْ ينفصل عن وجوده العينيّ في مكان ما، ولكن مقابل هذا الانفصال يبقى موجودا فيه ذهنيًّا. وقد شكّلت نصوص “توما” خطابات متداخلة حوّلت المكان من واقع محسوس إلى صورة وجدانيّة مجرّدة . لم يعد واقع المكان يرضيه بعدما اندثر كلّ ما يعطيه روحًا وحياة، وتحوّلت الأمكنة وتغيّرت عينيًّا مع مرور الزمن، وهذا التغيّر هو عند الكاتب قسريّ وقهريّ، هو عُدوان على روح المكان والإنسان.

هنا كان الشارع العتيق يكتظّ بالمارّة ، فجأة لم تعد ترى إلا الحقائب المهاجرة. (ص202)

هنا كانت العجقة التي لا تنتهي…، عند مصطبة البيت الذي لا يتعب من استقبال العابرين (ص203). ولكن رغم الفراغ الذي طرأ على الشارع العتيق، يعلن “توما” أنّه باقٍ. “لم يبق غيرنا في هذا الحي ص203.

نعم، لقد انتُهِكت روح المكان لكنّ الذاكرة بقيت وفيّة للكاتب. فالأمكنة ظلت منقوشة في ذهنه كالوشم، وتحولت الأماكن إلى أطلال بعد رحيل من صنعوا وجودها. فالقنطرة ما زالت موجودة، ولكنها بانتظار من يعيد لها الحياة. “تنتظر القنطرة عودة الروح…” (ص216). أراد أن يقول لها “لا تهلكي أسًى وتجلّدي”، لكنّ الكاتب يعلم أنّ ما مضى لن يعود. ولأنّنا نتحدّث عن ذاكرة المكان، فالقنطرة بحدّ ذاتها ليست مكانًا، لكنّ موقعها هو المكان الذي ترك أثرًا عند الكاتب. لقد خلا المكان من التفاصيل التي ارتبطت بحياته وتحولّت إلى طللٍ، فراح الكاتب يبحث عن الوجود الذهنيّ لهذا المكان الذي ارتبط به روحيًّا، فهو لا يريده على حالته الآنيّة يريده كالصورة التي يختزنها في ذهنه، يريده عامرًا بالناس والحكايا والبخور. “هنا كانوا يخبرون الياسمينة حكاياتهم، فتفوح ببساطة وعفويّة المصطبات التي كانت ترتاح عند عتبات البيوت…” (ص 217).

ويذكر الكاتب على لسان السّيدة العجوز البيت الوالديّ (ص 74). “في ذلك الزمان كنا كثيرين في البيت الوالديّ، أمّا اليوم فأحيا وحيدة، أتأمّل صور الأبناء والأحفاد على حيطان البيت…”.

والبيت الوالديّ هو البيت العتيق الذي يستدعي الحلم، وهنا نتذكّر باشلار الذي لفتته كلمة “الأعشاش” في الأدب الفرنسي كونها تشير إلى البيت الوالديّ البيت العتيق. (باشلار، 1984، ص 100- 110). فالعصافير ما إن تزهر وتشتدّ حتى تطير، ويبقى البيت ليتحول إلى طلل، ولكن تبقى الصورة الذهنيّة مرتبطة بالبيت العامر، ويرفض صاحبها الواقع العينيّ، وبيت الطفولة لا نعود إليه فقط، بل نحلم بالعودة إليه. من الصّعب أن تبتعد عن خزانة الذكريات في حيّك القديم (ص80). والقديم اسم مشترك: “بين القديم بحسب الذات والقديم بحسب الزمان” (الغزالي، 2013، ص 323). وصور الأمكنة التي يتحدث عنها الكاتب قديمة بحسب الزمان، وغلّفها رماد هذا الزّمن، إلّا أنّها ما زالت حيّة فتيّة في ذهنه وقلبه. وهنا نجد أنّ التحوّل لم يكن عند “توما” إلّا اندثارًا للأمكنة التي يحمل صداها في قلبه، فكان من البديهيّ الوجدانيّ أنْ تتأثر ذاته وتنفعل أمام هذه الظاهرة التي أصابت أمكنته. والمكان يتّصل بالأثر الذي يتركه في الذّات، ويصبح هو القيمة الصّانعة لهذا المكان. والأثر كما ورد في لسان العرب (ابن منظور، 1992، مادّة أ. ث. ر) هو بقية الشيء. وفي التعريفات (الجرجاني، 2003، ص 13). “الأثر له ثلاثة معان: الأوّل بمعنى الّنتيجة، وهو الحاصل من الشّيء، والثاني بمعنى العلامة، والثّالث بمعنى الجزء”. وقيمة الأثر الّتي حملها المكان كانت بؤرة اهتمام الكاتب. فهو لا يصف واقع الأمكنة، بل ينقل صورة الأشياء التي تشكّلت في ذهنه. وهو لا يتحدّث عن الأمكنة إلّا في إطار التغيـّر الذي طرأ عليها بفعل الزّمن أو بما تحمله من ذكريات طبعت ذاكرته. وهذا التغيّر الذي طرأ على الأمكنة اتّخذ أشكالًا عدّة، لكنّ الصفة الملازمة كانت تغيّر روحيّة المكان، ذلك أنّ علاقة الكاتب بالأمكنة على درجة عالية من الإحساس. وكلّ الأماكن التي عاش فيها، وشهد ضجّتها سكنت وجدانه وأشعرته بالألفة، وكيف لا؟، و”كلّ الأماكن المأهولة حقا تحمل جوهر فكرة البيت” (باشلار، 1984، ص 36). خلاصة القول، إنّ الكاتب في وصفه لهذه الأمكنة عاد لماضٍ ما زال حيًّا في ذاكرته. لقد تحوّلت الأماكن عند “توما” بفعل الزّمن إلى طلل، أوعلامة، وكلّ ما يذكره الكاتب من ماضي المكان هو علامات تُظهر العلاقات التي يقيمها الإنسان مع المكان.

2- جدليّة العمار والقفار (التضاد الزمكاني)

لم يحمل التّطوّر الذي طرأ على الأمكنة في الزّمن الحاضر نعمة أو فضلًا. فالسعادة التي ارتبطت بالأمكنة في الزّمن الماضي تلاشت لتحلّ مكانها مشاعر مؤلمة ناتجة عن وجود عائق يحول دون تحقيق هذه السّعادة. وفي حين ارتبط العمار بالماضي الجميل اقترن القفار بالحاضر، فالحاضر هو زمن الأرقام ، وفيه يرى الكاتب وطنه سجنًا تغيب فيه ملامح الإنسان ويتحول إلى رقم. في نص “زمن الأرقام ولى” ص69 إشارة إلى فقدان الإنسان الصّفات التي تميّزه وتصنع خصوصيـّته. “في زمن الأرقام يتّسع سجن الوطن”. وتبرز “جدليّـة العمار والقفار” في غياب الأشخاص الذين لطالما كانوا سبب الوجود وسعادته، وغيابهم يعني غياب الأمكنة وضياعها. ويقول في نصّ “غربة في وطن” (ص73)على لسان سيّدة عجوز إنّ الهجرة تقطع طريق الفرح . وهنا تبرز مشاعر الغربة والحسرة على الأيام الجميلة التي مضت إلى غير رجعة ” راحت المياة ونشفت العروق”، والقلب يسكنه الوجع بعدما مضت وجوه إمّا إلى بارئها وإمّا إلى ما وراء البحار. والنتيجة واحدة: ألم الوحدة ولوعة الغربة. فالغربة تنادي الأبناء بعدما تجلّت أمام عين المهاجر بثوب الاستقرار وراحة البال تاركة أوجاعها ومآسيها على من فارقوهم. “كانوا هنا ورحلوا ….مدّ الخراب يده إلى علبة الألوان، وأعاد وجوه الراحلين، وأودعها قلوب الناظرين.(ص195-160). تغيّرت الأرصفة تبدلت أحوال الساحات ، غابت أحاديث المصطبات ولم يعد يزهر ياسمبن أسوار البيوت العتيقة… (ص161).

لم يستطع “توما” في هذا النص ترك الحاضر الذي يراه متصحّرا دون مقارنته بالماضي ، وفي مقارنة تغلّـفها التّورية، يصف جمال الماضي على الرّغم من بساطة الحياة “لا كهرباء ، ولا ماء، ولا كسرة خبز ولا دواء، لكنّنا في ذلك الزّمان كنّا كثيرين في البيت الوالدي.” (ص 73).

كانت الهناءة هنا ، وفرح الأيام في زمنيْ السلم والحرب (ص 148). هنا ، في هذا المكان، عاش “توما” لحظات سعيدة ، لكنّ المكان لم يعد كما كان ، فالفرح انسحب وحل مكانه القلق. “لم يبق غيرنا في هذا الحي ، وقد غابت عنه حبال الغسيل على الشرفات ، وضاعت عند أبوابه مفاتيح الأقفال …”غادر أهل الرّبع المكان. (ص 203).

خلت الأمكنة من الأشخاص الذين كانوا روح الأمكنة، فجفت مياهها وتصحرت ، وعلى الرّغم من أنّ الماضي خلا من الكماليّات التي تجعل الحياة أيسر، إلّا أنّ الأمكنة كانت ترقص فرحًا وتتمايل طربًا لأنّها كانت عامرة بناسها. في “زهريار- الأكي دنيا” ص75 يبرز ضمير الغائب للمجهول معبّرا عن غربة القلب وألم الروح في حاضر أكثر ما يميّزه هو الفراق. “تركوا ديارهم وبيوتهم وأشياءهم الصغيرة ومضوا مع دمع العينين..” ويُطلّ الماضي بين السّطور معبّرا عن الماضي العامر بالحياة ، وفي مقارنة لا تبدو خفيّة بين الماضي والحاضر تظهر الأمكنة وقد تحوّلت في الحاضر إلى حالة من القفر. فقد انقلب الفرح حزنا، واندثر كلّ ما كان جميلًا، رحلت عنها السّكينة التي طبعت الماضي وحلّت مكانها الجروح والدّموع. ولم يكن المقصود شجرة الأكي دنيا بحدّ ذاتها، بل المحيط المكاني لهذه الشجرة. فقد كانت تزرع في فناء البيت وتأخذ نصيبها من الاهتمام، سواء من أصحاب المنزل أو من الأشخاص الذين يتجمعون حولها، أمّا الآن فقد أصبحت “حكاية وجع”. وشجرة الأكّي دنيا كونٌ كامل ، فهي تحمل صفة المأوى لأنّها الشجرة التي تزرع أمام البيت ” كانت تقوم شجرة “أكي دنيا” في تلك الحديقة الصغيرة المجاورة للبيت…”، والبيت هو الكون الأوّل، والكون الحقيقيّ، وهي شجرة مزروعة في ذاكرة كلّ من عاصر الكاتب، لذلك لم يجد “توما” نفسه مضطـرًّا لتسويغ اختيار هذه الشجرة. ومن لا يعرف ما تحمله هذه الشجرة من إيحاءات، له أن يتخيّل ويؤلّف ما يشاء من حكايا، أمّا الكاتب فلم يشرح لأنّه يعرف قيمتها عند القارئ. “وتقف أشجار الشّارع حزينة”(توما،ص83) الشّارع ” الذي كان في الماضي مأهولًا بالعاشقين ورواد المقهى، لم يعد كما كان. والمكان المأهول يحمل صفة البيت. ” كلّ الأماكن المأهولة حقًّا تحمل جوهر البيت.” (باشلار،1984، ص36). لكنّ الشّارع كما هو معروف، ليس المكان المأوى بالمعنى العريض، إنّه يحمل أقلّ صفات المأوى وأضعفها، لأنه يأوي لفترة محدودة من يبحث عن التسلية والفرح، لكنّ “توما” أدرك بنظرة ظاهراتيّة ، أي من خلال وعي الذات أنّ الحزن لا بدّ أن يكون قد أصاب كلّ من فيه.

“كانوا هنا ورحلوا. بعضهم ودّع “حيّ الخراب[4] ومضى” ص159.

لم يعد الحيّ كما كان بعد رحيلهم، فقَـدَ المكان روحه، كما فقدت الحياة ألوانها الزّاهية.

وفي نصّ “المكان” ص155 يبدأ الكاتب نصّه بعبارة “ضاع المكان“، هذه العبارة تلخّص نزوع الوعي والإدراك نحو موضوع التغيّر، وتبرِز نظرته إلى الأمكنة في الزّمن الحاضر. فالمكان فقد سكانه بسبب الحروب وقلّة الرزق، والمكان هنا كما في كلّ نصوص الكتاب هو الانتماء والوجود والهويّة، إنّه الحضور الإنساني. يقول: ” ضاع مكان الولادة، لم يعد مسقط الرأس يعني الانتماء، ضاع جيل لبنان في المكان البعيد والمختلف”. (توما، ص156)

يحمل حاضر المكان في هذا النّصّ كلّ صفات الزّوال والفناء والموت، في حين أنّ ماضيه يشعّ فرحًا وحياة وسكينة. ونجد حقل الزّوال منتشرا في الكتاب عند وصفه حاضر الأمكنة، بإشارة واضحة إلى أنّ المكان في الزمن الحاضر هو نقيض الأمس، وصورة الحاضر هي انعكاس لصورة الاندثار والرحيل، مقابل الاستقرار والبقاء والدّوام في الزّمن الماضي.

ويروي الكاتب في نصّ “غربة في وطن” (ص73) حكاية الخيبة والأنين والجراح، لفقد المكان روحه عندما فقد سكانه، وأغلقت أبواب البيوت، غادرته السّكينة وحلّ مكانها السكون. “من هذا الحي القديم غادرت وجوه إلى باريها، وأخرى إلى ما وراء البحار السبعة… والسكون كما عرفّه الغزالي “هو عدم الحركة فيما من شأنه أن يتحرك”، (الغزالي، 2013، ص 345)، وهنا أمكنة “توما” التي كانت تضجّ بالحياة والحركة تصحّرت بعدما هجرها أشخاصها. ويستحضر الكاتب قول قيس بن الملوح : (ص74)

“وما حبّ الدّيار شغفن قلبي               ولكن حبّ من سكن الديار”

هذا التّناص ناتج عن حالة التّشابه بين مشاعر قيس الذي فقد حبيبته ولم يعد يراها، وهو يعلم أنّه لن يراها مجدّدا، وحالة المرأة التي ابتعد منها أبناؤها، وهي تعلم أنّها ربما لنْ تراهم مجدّدا، والبيت لن يعود كما كان، فالبيت العامر تحوّل إلى قفر. والمكان إذا خلا من أشخاصه فقد روحه وسلك طريق الزّوال، ومن ثمّ يتحوّل إلى قفار.الكثير من ذكرياتنا محفوظة بفضل البيت…، في مسرح الماضي الذي هو ذاكرتنا، يحافظ الديكور المسرحي على الأشخاص في أدوارها الرئيسة. (باشلار، 1984، ص39).

المبحث الثالث:تفاعل المتلقّي مع نصوص ” كما الإعصار”

يهدف هذا المبحث إلى دراسة مدى تفاعل المتلقّي مع نصوص “توما” في ” كما الإعصار” . والتلقّي الذي نتحدث عنه هنا هو التلقّي القائم على دمج وعي القارئ بالنص.

ترتكز نظرية التلقّي على أنّ النّصّ الإبداعيّ يقوم على أربعة عناصر “المؤلّف – النّصّ – المتلقّي – المجتمع” (بو حسن، 2019، ص25)، وقد كان اهتمام الدراسات النقديّة في البداية منصبًّا على المؤلّف كونه صاحب العمليّة الإبداعيّة. ثم ظهرت دراسات واتّجاهات نقديّة صبّت اهتمامها على المتلقّي. ولسنا هنا في معرض الحديث عن بدايات نظريّة التلقّي وعلاقاتها بالمدارس النقديّة، ما يعنينا هو أنّ هذه النظريّة اهتمّت بالقارئ وجعلته محور اهتمامها وعنصرًا أساسيًّا في نظرتها للأدب.

يرى ياوس أن التلقّي “عمليّة ذات وجهين. أحدهما: الأثر الذي ينتجه تاعمل في القارئ. والآخر: كيفيّة استقبال القارئ لهذا العمل (أو استجابته له).” (ياوس، 2016، ص110).

ويعرّف حبيب مونسي التلقّي بقوله: التلقّي نزوع إدراكيّ يتهيّأ لاستقبال الموضوع الجماليّ، عبر تحويلات ضروريّة، تتحقّق من خلالها عمليّة التّلقّي في أبعادها المختلفة. ذلك أنّ أولى خطوات الاستقبال تقوم على إعادة إنتاج الأثر، من خلال تمريره في المنظومة القرائيّة للقارئ. وعندها يكون “النّاتج” شيئًا ذا خصوصيّة ترتبط بالذّات لا بالموضوع“. (مونسي، 2002، ص212).

  • الظاهراتيّة وعمليّة التلقّي في نصوص “توما”

لا وجود للظاهرة من دون ذات منفعلة بها. فالظاهراتيّة تتطلّب التّفاعل مع الظاهرة، ولا بدّ للمتلقّـي من أن يختبر الأشياء بنفسه. المتلقّي الأوّل هنا هو الكاتب، فما رآه من تغيّرات أصابت الأمكنة ليس سوى دلائل ومؤشّرات لحدث ألمّ بهذه الأمكنة. هذه الدّلائل لم تتحوّل إلى ظاهرة إلّا عندما استطاع قراءتها، وتفاعل معها، وأدرك مفهومها. ما يعنينا في هذا المبحث هو كيفيّة تلقّي القارئ نصوص “توما”.

وجود القارئ المتلقّي في العمليّة الإبداعيّة أمر بدهيّ، لكنّ القراءة التي تعنينا في هذا المقام هي القراءة التي تقوم على دمج وعي القارئ بالنّصّ. من وجهة نظر الظاهراتيّة القراءة تبقى سلبيّة ولا تحقّـق شيئًا ما لم يعش المتلقّي التجربة، ويختبر المواقف التي يقرأها أو يراها، ولا سبيل إلى الإدراك خارج نطاق الذّات المدركة لها. هذه الأفكار اتّخذت طريقها في النّظريّات المتّجهة نحو القارئ، ولا سيّما نظريّة التلقّي.

وهنا تلتقي الظّاهراتيّة مع نظريّة التلقّي الّتي ترى أنّ القارئ يتقبّل آثار النّص في شكل استجابات شعوريّة (ارتياح – غضب – …)، وهذا ما يجعل النصّ الأدبيّ يرتكز على الملفوظ اللغويّ (النص) والتأثير الشعوريّ، ممّا يؤكّد أهميّة التّفاعل الحميميّ والوجدانيّ بين النصّ والقارئ، أي بين الذّات والموضوع.

يعيش “توما” حالة من التأمّلات الشاردة أمام ظاهرة التغيّر، إذ إنّ العالم من حوله لم يعد كما كان، فيجد نفسه على منحدر الذكريات. وعندما تحدّث عن أمكنة الطفولة أشعل من جديد طفولة القارئ وأنعش ذاكرته الّتي كانت قد عطّلتها الحياة، فإذا بروح القارئ تنفتح على عالمين، عالم الطّفولة وعالم الواقع. لكنّ المقارنة التي أقامها “توما” بين دفء المكان في الأمس وصقيع الأمكنة في الحاضر وحّدت نظرة المتلقّي للنّص وأزالت الاختلافات، وجعلته يعيش مجدّدا عالمه الذي مضى. “إنّ ثمّة طفولة كامنة موجودة فينا، وحين نذهب لإيجادها في تأمّلاتنا الشّاردة، أكثر منه في واقعها، نعيشها ثانية في إمكانيّاتنا” (باشلار، 1991، ص88). وتبرز ذكريات الطّفولة حين وصل إلى رحاب القرية العكّاريّة حيث تحوّلت أماكن اللعب إلى أبنية وفيلات. “سألت أهل الجوار عن حي البيت القديم حيث كانت تقع ساقية… أخبروني أن تلك التلة التي كانت جلول عنبها وتينها ملاعبنا في طفولتنا قد تحولت إلى أبنية وفيلات”. (ص111- 112).

وفي نص: “أمّي: 14 سنة من الحضور” (ص122). لم يصف الأديب التغيّر الحاصل في مكان معيّن، فكلّ الأماكن أصبحت فارغة بعد رحيل الأمّ، وتنتابه رغبة شديدة للعودة إلى أجمل الأماكن، ألا وهو حضن والدته. لقد فقدت الأمكنة روحها بعد رحيلها، وأصبحت “محطات عبور. “ما زلت تتنقل في محطات العبور”.

ومعلوم أنّ عالم الطفولة واسع جدًّا وكبير إلى درجة أنّ الّذي يقدّمه الواقع لا يسعه. فالطّفولة هي أساس العالم الواسع، لأنّ الطفل يرى بعين كبيرة. وحين نتذكّر أماكن اللعب نكتشف أنها كانت مكانًا لا إطار له، لكنّ الزمن عبث بها وغيّر معالمها. وهو لم يضع لها حدودًا في الحاضر بل أزالها من عالم الواقع.

ما شعر به “توما” يمكن إسقاطه على قارئ كتاب ” كما الإعصار”. والمواقف الوجدانيّة التي أثارها الكاتب خلقت جوًّا من التفاعل مع النصّ، فالقارئ لا يعيد بناء النص عن طريق النقد والتأويل بل عن طريق إعادة اختبار الموقف الذي عاشة “توما” أمام التّغيّرات الحاصلة.

لقد استطاع “توما” أنْ يبني من خلال صوره الفنيّة جسرًا بينه وبين القارئ، فالعناصر المكانيّة التي يتحدث عنها تجعل القارئ يستعيد في ذهنه مكانه الأليف والآمن، وإن كان هذا المكان لا يشبه أمكنة الأديب، ولكن ما يجمع بينهما هو الشّعور بالطمأنينة . وهنا يتوقّف القارئ لحظات ليستعيد ذكرياته في أماكنه الخاصة، ثم يتابع رحلة الذّكريات مع النّصّ . والبيت القديم بيت الطفولة هو مكان الألفة ومركز تكثيف الخيال . فالبيت عند باشلار هو المكان الذي تشعر فيه بالأمان (باشلار، 1984، ص36)، وعندما نقرأ نجد أنّ كل الأمكنة التي تحّدث عنها “توما” يجمع بينها شعور السعادة والهدوء النفسي. كانت الحارات ملاعبنا قبل أن تجتاحها السيارات… (ص35).

أمام أبواب البيوت القديمة… هنا كانت تتلى الحكايات والأدعية والصلوات… (ص26).

كم قصة حب روتها الأحياء القديمة… (ص28).

  • مستويات التفاعل بين القارئ ونصوص “كما الإعصار”

كيف تفاعل القارئ مع نصوص “توما”؟

العلاقة بين النّصّ والقارئ قائمة على التّفاعل، وهذا التّفاعل قد يكون انتصارًا لإبداع الكاتب الّذي أنتج النّصّ، أوْ قد يكون ناتجًا عن العلاقة النفسيّة مع النّصّ. لكنّ النّصّ لا يمكن أن يتكيّف مع كلّ قارئ يدخل في اتّصال معه، لأنّ القارئ قد يجد نفسه أحيانا غريبًا عنه، فتنشأ فجوة لا يملؤها إلّا الأسلوب، وهنا يكون إبداع الكاتب قد انتصر دون أنْ تحدث علاقة نفسيّة مع النّصّ.

إنّ نقطة الانطلاق عند “آيزر”[5] هي السؤال عن كيفيّة أن يكون للنصّ معنى عند القارئ، … المعنى المقصود هنا ليس المعنى المختبئ في النص بل المعنى الذي ينشأ نتيجة للتّفاعل بين القارئ والنّصّ.، (هولب، 2000، ص16)، أي بوصفه أثرًا وليس موضوعا. وهنا نطرح السّؤال: كيف كان لنصّ “توما” معنى عند القارئ؟ وبتعبير آخر، ما الأثر الذي مارسه النّصّ وجعله يخلق التّفاعل بينه وبين القارئ؟

القارئ مع “توما” يشعر بالتّجربة التي عاشها الكاتب أمام ظاهرة التغيّر. فالنّصّ أتاح للقارئ تخيّل ما يقرأه على أنّه حقيقة واقعة معه، حقيقة ناشئة عن تجربته الخاصة ، وإنْ لم تكن قد وقعت بالمعنى الحرفيّ، لكنّه استطاع إدراكها، وأسقط ما تحمله من وجدان على وقائع مرّت معه، وبذلك تكون عمليّة الاتّصال بين نصّ “توما” والقارئ قد وصلت إلى حدّ المثاليّة. ولأنّ التّلقّي عمليّة ذاتيّة ، فهي تختلف من قارئ لآخر، وهذه الذاتيّة يمكن قياسها بالنّظر في ردود الفعل المصاحبة لها.

في نصوص “توما” نجد أنّ مفهوم المشاركة، أو مفهوم التّفاعل مع النصّ يتفرّع إلى حالتين:

الحالة الأولى: يحاول القارئ المعاصر للكاتب، أيْ الذي عايش ظاهرة التغيّر وشاهد الأماكن وتفاعل مع

الزمنين الماضي والحاضر، العبور إلى العالم الّذي يتحدّث عنه “توما“، وذلك بناء على معطيات وقرائن خارجيّة يستطيع أنْ يدركها. وحين يندمج النّصّ والقارئ بهذه الطريقة في موقف واحد فإنّ الفصل بين الذّات والموضوع يصبح أمرًا شبه مستحيل ، ومن ثمّ فإنّ المعنى ليس موضوعًا يتمّ تعريفه، بل تأثير يُخضَع له. فالقارئ أثناء القراءة …يتحتّم عليه هو نفسه أنْ يدخل بأفكاره الخاصّة في عمليّة التواصل(آيزر، 1978، ص73)، وهو في هذه الحالة لا يبحث عن تأويل للمعنى لأنّه يعيش الظّاهرة ويخضع لتأثيرها بعد أنْ جسّدها الكاتب. فالمتلقّي عندما يواجه النّصّ في “كما الإعصار” ولديه معرفة سابقة بطبيعة المكان الذي يصفه الكاتب وما كان يدور فيه من أحداث، يعلّق القراءة ليعيش ما يقرأه في ذهنه أو ليدخل ذهنيًّا عالم النّصّ. فالتّجربة التي عاشها الكاتب تشبه ما عاشه القارئ ، ولكن تجارب هذا الأخير في حالة من السكون، فهي مدفونة في الذاكرة، وما إنْ يقرأ النّصّ حتى ينفض عنها رماد النسيان فترتعش الذاكرة من جديد، وهنا ترتفع قدرته على التفاعل مع النّصّ إلى أعلى درجة وتضيق المسافة بينه وبين النّصّ ليتوحّد مع الكاتب.

“ساحة النبع ص111، البيت العتيق ص142، العرزال ص144، الشارع العتيق ص151.

الحالة الثانية: تتعلّق بالمتلقّي الذي لم يعاصر الكاتب، ولم يعشْ ظاهرة التغيّر. هذا المتلقّي لا يوجد أمامه إلا العمل على تأويل مقصديّة الكاتب، فيحاول أنْ يصل إلى أعماق النص من خلال تجارب مشابهة عاشها.

والسؤال: ماذا لو لم يستطع القارئ القيام بعمليّة المشابهة أو المماثلة؟

هل يبتعد من النص كون المقصديّة غامضة ولم تصل إلى المتلقّي؟

في الواقع إنّ كتابات “توما” تنبثق من الحياة اليوميّة ، وبمعنى أدقّ من الحياة الإنسانيّة. هذه الحياة، وإنْ خضعت للتطوّر وتبدّلت أهدافها وغاياتها، يبقى الحسّ الوجدانيّ الإنسانيّ يقود مسيرتها. فالقارئ هنا يتفاعل مع النّصّ عن طريق الوعي الوجداني. فكتابات “توما” تتيح للقارئ استيعاب الانفعالات والمشاعر الخفيّة، حتى لو لم يكن قد عاش التجربة أو ما يشبهها. هذا القا رئ الذي تفاعل مع النّصّ رغم أنّه لم يعش تجربة الكاتب يعلّق القراءة أيضًا، لا ليستذكر الأمكنة التي يتحدث عنها الكاتب بل ليواجه النّصّ المفعم بالأحاسيس والمشاعر.

في نص “سلم الولّادة” (ص 116) يصف الكاتب درج بيت الولاّدة، والتقسيم الهندسي للبيت. الوصف في ظاهره واقعيّ موضوعيّ، لكنّ الغاية منه أبعد من ذلك. لقد أراد التعبير عن طفولة تشعر بالأمان والطمأنينة في كنف الأم والأهل، “السلم الحجريّ يقودك إلى بيتك، إلى جمهوريّتك” ولم يتطرق إلى تغيّر المكان إلا في السطور الأخيرة: ” صار اليوم آليّا يقودك إلى العالم لتبقى وحيدًا… في عزلة…”.

ولكن في النهاية تتّضح للقارئ أسباب كينونة النّص. فالكاتب لم تكن غايته وصف التغيّر العينيّ الذي حصل للمكان، لكنّه من خلال الوصف سلّط الضوء على حالة الوحدة التي يعيشها الإنسان في ظلّ التكنولوجيا. القارئ هنا ليس لديه معرفة سابقة عن بيت الولّادة، ولا يعرف شيئا عن سلّمه الحجريّ، ولم يسمع عن “السهرة على ضوء القناديل والفتيلة المتنوّعة الأرقام”، ولم تطبع ذاكرته القصص التي كانت تروى، لكنّ التفاعل بين الذّات والموضوع حصل في أعلى درجاته، واستطاع في إطار عمليّة انسجام الذّات مع النّصّ أنْ يستدلّ إلى مقصديّة الكاتب. وهكذا يمكن القول إنّ “توما” لم يستحضر مستويات المتلقّي عند كتابة النّصّ، فلغته الشعريّة تفيض بالمشاعر، وخياله الشعريّ يتيح للمتلقّي قراءة وعي الذّات المبدعة وعلاقتها بالمكان الذي يحيط بها . كما أنّه لم يحاول استبطان أفق الانتظار عند المتلقّي، فقد تكون نظرة القارئ غير موحّدة، لكنّ الوجه التأثّريّ كان العنصر المشترك بين القرّاء.

الخاتمة

الظاهراتية لا تهتمّ بالوقائع ، إنما بالماهيّات. “فالوعي بالموضوع…هو إدراك ماهيّة هذا الموضوع.”(الزين، 2015، ص53) وصاحب “كما الإعصار” لم ينقل الواقع، بل عبّر عن الأثر الذي تركه هذا الواقع في نفسه. لم يستطع “توما” فصل المكان عن الزّمان، فالمكان هو المقصورة المغلقة التي تشهد الذّكريات، هو يعلم أنّه لن يستطيع أنْ يعيش مجدّدا تجارب المكان، ومع ذلك لم يقبل الذّوبان في حركة الزّمن. فكان يقارن دائما بين حاضر الأمكنة وماضيها. ولم تكن المقارنة وصفيّة، بل كانت دائمًا تنطلق من موقعها الإدراكي والشعوري. إنّ رؤية الأديب للأمكنة هي رؤية ذهنيّة تنطلق من داخل النّفس. لقد وصف الظّاهرة كما أدركها وعيه، لأنّ ما حدث لا يمكن فهمه إلّا عبر الذّات الّتي أقامت حوارًا بين الماضي والحاضر. فهو عندما صوّر الأماكن تعامل مع زمنين منفصلين (الماضي والحاضر)، لكنّ الماضي هو المنتصر دائمًا. فهو يرفض حالة التّصحّر التي أصابت أمكنته في الزمن الحاضر، وظلّ يبحث عن روح الأمكنة التي تدنّت إلى حدّ التّلاشي، والصوت أصبح أشبه بهمهمة مرتبكة عديمة الفائدة. هذه اللّحظات الانفعالية ليست مجرّد ردود أفعال، بل هي جوهر تفاعل “توما” مع الظّاهرة، وقد استطاع القارئ إدراكها، وأقام حالة من المعايشة مع النّصّ جعلته يظنّ ظنّ اليقين أنّ صفحات الكتاب تخصّه.

المصادر

توما، جان عبد الله. (2022) كما الإعصار. (ط1) منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء. بيروت ط1.

المراجع

1- آيزر، فولفانج. (1978) فعل القراءة نظرية في الاستجابة الجمالية، ترجمة عبد الوهاب علوب، المجلس الأعلى للثقافة.

2- باشلار، غاستون، (1984). جماليات المكان. ترجمة غالب هلسا. (ط 2) المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت.

3- ………….. (1991). شاعرية أحلام اليقظة. علم شاعرية التأمّلات الشاردة ترجمة جورج سعيد. (ط1) المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت.

4- بوعزّة، محمد. (2010). تحليل النّصّ السردي تقنيات ومفاهيم. (ط1). الدار العربيّة للعلوم ناشرون. بيروت.

5- الجرجاني، الشريف أبو الحسن علي بن محمد بن علي. (2003). التعريفات. (ط2) تح محمد باسا عيون السود، دار الكتب العلمية. بيروت.

6- جنداري، إبراهيم. (2013). الفضاء الروائي في أدب جبرا إبراهيم جبرا (ط 1). بيروت.

7- الديدي، عبد الفتاح. (1985). الاتجاهات المعاصرة في الفلسفة.(ط2).الهيئة المصرية العامة للكتاب.

8- الديهاجي، محمد. (2014). الخيال وشعريات المتخيل بين الوعي الآخر والشعرية العربية. (ط1) منشورات محترف الكتابة. فاس.

9- راي، وليم. (1987). المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية. (ط1). دار المأمون للترجمة والنشر. بغداد.

10- روزنتال، مارك. ويودين بافل. الموسوعة الفلسفية. ترجمة سمير كرم. دار الطليعة للطباعة والنشر. بيروت. 11- الرويلي، ميجان، والبازعي، سعد. (2002). دليل الناقد الأدبي. (ط3). المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء، المغرب.

12- زيدان، محمود. (1977). مناهج البحث الفلسفي. الهيئة المصرية العامة للكتاب. الإسكندرية.

13- الزين، محمد شوقي. (2015). تأويلات وتفكيكات فصول في الفكر الغربي المعاصر. (ط1) منشورات ضفاف. بيروت.

14- صليبا، جميل. (1981). المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، لبنان.

15- عقاق، قادة (2002). جماليات المكان في النثر العربي المعاصر، جدل الزمان والمكان (ط1). وهران: دار العرب والنشر والتوزيع.

16- الغزالي، أبو حامد. (2013). معيار العلم في المنطق. (ط2)تحقيق أحمد شمس الدين. دار الكتب العلميّة. بيروت.

17- ابن منظور. جمال الدين محمد بن مكرم. (1992) لسان العرب. (ط2). دار صادر. بيروت.

18- مونسي، حبيب: فلسفة القراءة وإشكاليّات المعنى من المعياريّة النّقديّة إلى الانفتاح القرائي المتعدّد، دار الغرب للنشر والتوزيع.

19- ياوس، هانس روبيرت. (2016). جمالية التلقّي من أجل تأويل جديد للنّصّ الأدبيّ. ترجمة رشيد بنحدو. (ط1). منشورات الاختلاف، الجزائر. منشورات ضفاف، بيروت.

المواقع الإلكترونية

https://arab-ency.com.sy

www.babelio.com

 

[1] – أ. د جان عبد الله توما. أديب وراوٍ. مواليد الميناء طرابلس. يشغل حاليًا منصب رئيس قسم اللّغة العربيّة في جامعة الجنان، طرابلس لبنان. من مؤلفاته: “إذا عدت يوم”،”صباحك سيّدي”، ” كما الإعصار”، “والعمر شراع مسافر” ، “يوميّات مدينة”.

[2] – أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانيّة كلّية الأداب والعلوم الإنسانيّة، قسم اللّغة العربية.

Professeur Assistant à l’Université Libanaise,département de langue arabe.Email: rima_ahdab@yahoo.fr

 

[3]ادموند هوسرل فيلسوف ألماني ومؤسس الظّاهريّات ) 1859– 1938).

Edmund Husserl –  https://arab-ency.com.sy

[4] – هانس روبرت ياوس ،مؤرخ وفيلسوف ألماني وأحد مؤسسي نظرية التلقي(1921- 1997)

Hans Robert Jauss “www.babelio.com

[5] – فولفغانغ آيزر (1926-2007) فيلسوف ألماني، يعدّ أحد مؤسسي “نظرية التلقي” Wolfgang Iser.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.