ملامح المدرسة الواقعيّة في كتابات “جميل جبر”

0

عنوان البحث: ملامح المدرسة الواقعيّة في كتابات "جميل جبر"

اسم الكاتب: مايا إبراهيم حداد

تاريخ النشر: 2026/07/13

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 44

تحميل البحث بصيغة PDF

ملامح المدرسة الواقعيّة في كتابات “جميل جبر”

Aspects of the Realist School in Jamil Jaber Writings

Maya Ibrahim Haddad مايا إبراهيم حداد([1])

تاريخ الإرسال:1-6-2026                                       تاريخ القبول:13-6-2026

الملخّص                                                                    turnitin:2%

   يتناول هذا البحث ملامح الواقعيّة في كتابات “جميل جبر”، بوصفها إحدى الاتّجاهات الفكريّة التي أسهمت في تشكيل رؤيته الأدبيّة والفكريّة، ولا سيّما في ظلّ التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة والثّقافيّة التي شهدها العصر الحديث.

تنبع أهميّة الدّراسة من محاولة كشف عن كيفيّة تمثُّل الواقع الإنساني والاجتماعي في نتاج “جميل جبر” السّردي والفكري، ومدى تأثّره بالمبادىء التي قامت عليها المدرسة الواقعيّة، سواء على مستوى الموضوعات المطروحة، أو على مستوى نظرته النّقدية الإصلاحيّة التي طبعت أفكاره.

تنطلق الدّراسة من إشكاليّة مفادها: إلى أيّ حدٍّ تجلّت ملامح المدرسة الواقعيّة في كتابات “جميل جبر”؟ وما أبرز الخصائص الواقعيّة التي انعكست في روايتيّ “بعد العاصفة”، و”قلق”، وفي مقالاته الفكريّة؟

يعتمد البحث على المنهج الاستنباطي، إذ يبدأ بتحديد المبادىء العامّة للمدرسة الواقعيّة، ثمّ ينتقل إلى تتبّع تجلّيات هذه الخصائص في كتابات “جميل جبر”، عبر رصد ملامح الواقعيّة في روايتيّ “بعد العاصفة” و”قلق”، وفي مقالاته المنشورة في المجلّات العلميّة، مع التّركيز على القضايا الاجتماعيّة والإنسانيّة والفكريّة التي شكّلت محور اهتمامه الأدبي.

الكلمات المفاتيح: الواقعيّة، الإصلاح، تصوير الواقع، الموضوعيّة…

Abstract

This research tackles the aspects of Realism in the writings of Jamil Jaber, as one of the intellectual trends that contributed to shaping his literary and intellectual vision, particularly in light of the social, political, and cultural transformations of the modern era.

The importance of this study stems from its attempt to reveal how human and social reality is represented in Jamil Jaber’s narrative and intellectual output, and the extent to which he was influenced by the principles upon which the Realist School was founded, both in terms of the themes addressed and his critical and reformist perspective that characterized his ideas.

The study begins with the following question: To what extent are the aspects of the Realist School manifested in the writings of Jamil Jaber? What are the most prominent realist characteristics reflected in both of his novels “After the Storm” and “Anxiety,” and in his intellectual essays?

The research adopts the deductive approach. It begins by defining the general principles of the Realist School, then moves on to tracing the manifestations of these characteristics in the writings of Jamil Jaber, observing the aspects of Realism in his novels “After the Storm” and “Anxiety,” as well as in his articles published in academic journals, with a focus on the social, human, and intellectual issues that formed the core of his literary interest.

Keywords: Realism, Reform, Depiction of Reality, Objectivity…

المقدّمة

يُعدُّ “جميل جبر” واحدًا من أبرز الأدباء والباحثين في العصر الحديث. ومن  الأصوات الأدبيّة اللّبنانيّة المهمّة التي ارتبط إنتاجها الإبداعي والفكري ارتباطًا وثيقًا بقضايا الإنسان والمجتمع. وقد تنوّعت كتاباته بين الرّواية والمقالة والنّقد والتّرجمة…، ومثّلت مرآةً لواقع عصره.

وتتمحور إشكاليّة البحث حول التّساؤل الآتي: إلى أي مدى تجلّت ملامح المدرسة الواقعيّة في كتابات “جميل جبر”؟ ويتفرّع من هذا السؤال عدد من التّساؤلات الفرعيّة، من أبرزها: ما الأدوات الفنيّة التي اعتمدها “جميل جبر” في تصوير الواقع؟ وما أبرز القضايا الواقعيّة التي عالجها في أعماله الأدبيّة والفكريّة؟

ويهدف هذا البحث إلى كشف ملامح المدرسة الواقعيّة في كتابات “جميل جبر”، ومحاولة كشف الآليّات الفنيّة والفكريّة التي وظّفها  في تمثيل الواقع اللّبناني، وبيان علاقتها بمشروعه الإصلاحي والتّنويري، عبر مقاربة روايتيّ “بعد العاصفة” و”قلق”، وتحليل مقالاته العلميّة المنشورة في المجلّات، بغية إبراز التّفاعل القائم بين البنية الفنيّة للنّصوص والرؤية الفكريّة التي يتبنّاها الكاتب.

اعتمدنا في البحث على المنهج الاستنباطي إلى جاني المنهج الوصفي التّحليلي، وذلك لملاءمتهما طبيعة الموضوع وأهدافه. فقد قام المنهج الاستنباطي على الانطلاق من المبادىء العامّة التي تؤسّس لمفهوم الواقعيّة، بوصفها تيّارًا أدبيًّا وفكريًّا، من خلال تحديد أبرز مرتكزاتها النّظريّة وخصائصها الجماليّة والفكريّة، ثمّ الانتقال إلى تحليل النّصوص المدروسة ورصد مدى تجلّي تلك المبادىء فيها.

أمّا المنهج الوصفي التّحليلي فقد وُظِّف في تحليل الظواهر الواقعيّة لكشف بنياتها الدّلاليّة وآليات اشتغالها الفنيّة، وذلك عبر تتبّع تمثّلات الواقع اللّبناني في الشخصيّات والأحداث واللغة السّرديّة، وبيان كيفيّة انعكاس الواقع الاجتماعي والفكري في البناء الفنّي للنصوص المدروسة.

1-الإطار النظري

  أ- تعريف المدرسة الواقعيّة: المدرسة الواقعيّة هي إحدى المدارس الأدبيّة والفنيّة والفكريّة التي ظهرت في القرن التّاسع عشر كردّة فعل على المدرسة الرّومنسيّة. وهي “مذهبٌ في الأدب والفنّ يعتمد على تصوير الطّبيعة والحياة الاجتماعيّة عارية كما هي في الواقع، ومن دون أيّ تجميل أو زخرفة” (م.من الأدباء، 2013، ص1550)، لأنّ الفنّ عندهم يجب أن يخدم الحقيقة والمجتمع.

تأتي كلمة الواقعيّة  في اللغة “بمعنى تصوير الواقع والتّعبير عنه، فهي قديمة قدم الأدب والفنّ، أي أنّها كانت موجودة قبل أن يكون لها أنصار وخصوم، كما أنّ المدلول الاصطلاحي للفظة الواقعيّة، كمذهب أدبي لا ينفصل انفصالًا كليًّا عن المدلول الاشتقاقي المستفاد من كلمة واقع، فالواقعيّة تسعى الى تصوير الواقع وكشف أسراره وإظهار خفاياه وتفسيره” ( مندور، لا ت. ، ص93)

والواقعيّة “مذهبٌ يقوم على ذاتيّة الفرد، وعبقريّته الخلّاقة المبدعة في كلّ المجالات، معبّرًا عن مدى استيعابه للتقدّم العلمي في حلّ مشكلات العصر التي ظهر هناك” (عفيفى، 1992، ص51). وتقوم أيضًا “على ملاحظة الواقع وتسجيله وتصويره بدقّة متناهية، وهي ترفض التّحليق المطلق في تهاويم الخيال، والبعد من عالم البشر بما فيه من مشاكل وقضايا، لأنّ روح العصر ترفض ذلك الترفّع والتعالي والبعد من حقيقة معاناة النّاس، فلا بدّ من تصوير مناظر الحياة مهما كانت منحطّة، ولا بدّ من مراعاة التّرابط والتواكب بين صورة النّتاج الأدبي والحقيقة”.(عفيفى، 1992، ص51).

كما أنّها “تسعى الى الواقع بكلّ ما فيه من خيرٍ وشرٍّ، وتتوغّل فيه وتكشف حقيقته وخباياه، ولكن جانب التّشاؤم هو الغالب، وتفسير الفضائل في الواقع ما هو إلّا مثالب، واستتار وراء الظّاهر، لستر الكوامن الشرّيرة في النّفس البشريّة، فالشرّ عندهم هو الأصل والتّشاؤم هو الأجدر ببنى البشر”.(عفيفى، 1992، ص52).

و”لم يتمكّن أي كاتب كان من كتّاب العالم الواقعيّين كما تمكّن مكسيم غوركي من أن يعكس وبأسلوب أدبي رائع، وبوضوح كامل مسألة الصّراع والتّناقض بين شتّى الطّبقات في المجتمع، ولم يستطع أحد أن يتفهّم بذلك العمق مسألة الإنسان والإنسانيّة.” (علاء الدين، 2015، ص17).

يُعدُّ ميخائيل شولوخوف “أحد المجدّدين في الأدب العالمي، كما يعتبر مكمّلاً عبقريّاً لتقاليد غوركي في مجال تطوير أدب الواقعّة الإشتراكيّة، وتطوير هذا الفنّ الأدبي الى مرحلة عالية في سلّم الأدب العالمي”. (علاء الدين، 2015، ص144).

ويرى عبّاس خضر، في كتابه: الواقعيّة في الأدب، “أنّ الواقعيّة كمذهب أدبي أو فنّي كلمة جديدة، صيغت هكذا لتدلّ عليه، على اختلاف ما أطلقت عليه وما أريد لها من الدّلالات، وهي نسبة الى الواقع. أمّا دلالاتها اللّغويّة بمعنى تصوير الواقع والتّعبير عنه، فهي قديمة قدم الأدب والفنّ، أي أنّها كانت موجودة قبل أن يكون لها أنصار وخصوم، فالإنسان منذ بدأ يعبّر عن وجدانه، إنّما كان يتناول واقعه وواقع من حوله من النّاس والأشياء.”.. ( خضر، 1967، ص3)

وقد تعدّدت اتّجاهات الواقعيّة وانقسمت مناهجها الى:

الواقعيّة النّقديّة: (ومنهم من أسماها “بالواقعيّة الاجتماعيّة” (عفيفى، 1992)، اهتمت هذه المدرسة اهتمام واضح بالنّثر على حساب الشّعر. وتميّزت بالنزعة التشاؤميّة في رؤيتها للحياة والبشر، فنجدها ناقمة على الأوضاع الاجتماعيّة السّائدة، وداعية “الى إصلاح المجتمع وتجديد دور الفرد فيه.” (عفيفى، 1992، ص43). والكتّاب المنتمين الى الواقعيّة النّقديّة انصرفوا الى “التّصوير الأمين للمجتمع الفرنسي بجميع طبقاته، وبكلّ أخلاقه وطباعه، ورسم الطباع البشريّة في محيط البرجوازيّين”(عفيفى، 1992، ص53-54)، وتصوير تفاعل المجتمع مع طبيعة الناس.

والواقعيّة النّقديّة “تحفل بنقد الواقع وإظهار مساوئه”( بدير، 1981، ص140). و”شخصيّات هذا النوع من الرّوايات منتقاة لتخدم الغرض الذي يكمن في خلفيّة فكر الكاتب. وتستطيع بالتالي أن تحمل أفكاره.”(بدير، 1981، ص140).

الواقعيّة الاشتراكيّة: المهمّ الّذي”يميّز المدرسة الواقعيّة الاشتراكيّة هو “الاعتماد على العقل، والوعي كبداية أساسيّة ضروريّة في عالم الإنسان الدّاخلي، وفي تمركزه حول الحياة الاجتماعيّة”، وغالبًا ما نجد هذا في أسلوب غوركي ومذهبه عند الكلام عن الإنسان (علاء الدّين، 2015، ص30). وتؤمن “أنّ الوضع الاقتصادي والواقع المادّي في المجتمعات هما اللّذان يضعان الوضع السياسي لكلّ أمّة”. (عفيفى، 1992، ص61). فتقوم على استقاء مادّتها من واقع حياة الشّعب ومشاكله.

والواقعيّة الإشتراكيّة عندما تختار شخصيّاتها تركّز على شخصيّات الطّبقة العاملة الإيجابيّة. “والشّخصيّة هنا تبدو قويّة ايجابيّة فعّالة مؤثّرة، تؤمن بقضيّتها وتدافع عنها، وتستخدم كلّ الوسائل لتحقيق أهدافها”.( بدير، 1981، ص32-33). “وهي شخصيّة …، تسعى للحقّ والخير والجمال، ولكن بأسلوب عملي ايجابي”(بدير، 1981، ص33).

وترفض “الواقعيّة الاشتراكيّة ، أيضًا الأسلوب المنمّق، ولكنّها تستجيب للأسلوب المعبّر معنى ومبنى،…، وتجد في الكلمات الحيّة المستخدمة يومًا بيوم حياة وحركة قد تعجز معاجم اللغّة عن التّعبير عنها”( بدير، 1981، ص33).

الواقعيّة الطّبيعيّة : هذه المدرسة تعتمد على محاكاة أسلوب العلوم التّجريبيّة والابحاث العضويّة، من ميزاتها: تعدُّ أن الانسان مُتأثّر وليس مؤثر. فالمذهب الطبيعي قائم على التّجربة المؤدّية الى نتائج، فلا بدّ للقصّة أن تمرّ بتجربة ذاتيّة ينشأ عنها العمل.

وهي “تؤكّد على تصوير البيئة الاجتماعيّة، وعاهات الجُبلة البشريّة، ومفاسد المجتمع البرجوازي، وتحاول أن تجعل من الأدب شيئًا صادقًا مهما يكن فظًّا، وتؤكّد على وصف الشّقاء الاجتماعي مهما يكن مؤلماً، ليكون الإبداع وثيقة إنسانيّة. وتستعين في ذلك بالتّجارب والأبحاث العضويّة والإحيائيّة وتحليل الغرائز الأوليّة لمعرفة حقائق الإنسان العميقة، والوقوف على أسرار الحياة” (عفيفى، 1992، ص59).

“وقد مال الطّبيعيّون في أحكامهم الى التّعميم، وتجاهلوا حقيقة النفس الإنسانيّة، وأنّها أبعد غورًا، وأشدّ تعقيدًا بما توصّلوا اليه، ممّا سارع بتلاشي مذهبهم، وإفساحه المجال لظهور اتّجاهات أخرى.” (عفيفى، 1992، ص60).

من روّاد المدرسة الواقعيّة: أنطوان تشيخوف، فيودور دوستويفسكي، ليو تولستوي، بلزاك، غوستاف فلوبير، محمد تيمور، ميخائيل نعيمة، طه حسين وتوفيق الحكيم.

ب-خصائص المدرسة الواقعيّة:

-اعتمدت المدرسة الواقعيّة على الملاحظة والتأمّل لتصوير الواقع كما هو، بعيدًا من التّجميل والمبالغة، ورفضت الإنطواء والإنعزاليّة في دنيا الخيال والأوهام، فنزلت الى أرض الواقع الى دنيا الناس ، لتعبّر عن معاناة الإنسان ومشاكل المجتمع. فاعتنت بالتّرابط  بين صورة الإنتاج الأدبي والحقيقة.

-سعت “الى كشف الحقائق الخفيّة في الواقع المعاصر الموضوعي…وقد يكون في كشفها هذا تكهّنًا استشرافيًّا بما قد يكون ولكن ليس بما يجب أن يكون.”( بدير، 1981، ص74).

-“الاتّجاه الواقعي يشغف بالوصف المدقق التّفصيلي للأماكن والأشياء، والهيئة الخارجيّة بالنّسبة إلى الأشخاص”.( بدير، 1981، ص86).

– الواقعيّة “تمثّل البشر كما هم بنقائصهم ومعايبهم ومخازيهم”.( بدير، 1981، ص78). ومعظم الكتّاب الواقعيين “لا يلجأون الى الشخصيّات الشاذّة والغريبة، أو الشخصيّات المتأزّمة غير المتفاعلة مع بيئتها، ولكنّهم يلجأون الى شخصيّات عاديّة تظهر فيها حركة المجتمع وطبيعة البيئة الحضاريّة المتغيّرة” (بدير، 1981، ص103)، فلا تتبنى هذه الشّخصيات “أفكارًا غريبة عن المجتمع، أو تشذّ عن المألوف المعهود منها”( بدير، 1981، ص103).

– اهتمّت بالمجتمع والناس بمختلف فئاتهم وطبقاتهم. ونقدت الواقع والطبقة البرجوازيّة والرأسماليّة، وسعت الى الإصلاح.

-ظهرت نظرة تشاؤميّة في الأدب الواقعي، من جرّاء ما كانوا يرونه من فساد أخلاقي واجتماعي في عصرهم.

-جاءت كتاباتهم  بلغة بسيطة، قريبة من الواقع، فيشعر القارىء بقرب النصّ من حياته. وذلك لعدِّهم أنّ “الأسلوب وسيلة لا غاية، والأهميّة كلّها للمنطق والطّريقة المتّبعة في ترتيب الأحداث، من هنا فقد استبدلت دقّة التّعبير وإتقان التّصوير بالغموض والتّهويل والإيهام، وآثرت الصّدق على التّمويه والتّضليل” ( الكربولي، 2022).

– غابت عن قصصهم صورة البطل الخارق أو المثالي: فظهر الإنسان كما هو، بخيره وشرّه. وقد وُصِفت الشّخصيّات بملامحها الإنسانيّة الحقيقيّة.

-وجود تسلسل منطقي في الأحداث، ونهايات قريبة من الواقع.

-“اتّجه الواقعيّون الى تجديد القيم الإنسانيّة، ومناصرة طبقة العمّال، والدّفاع عن حقوقهم”.(عفيفى، 1992، ص52 ).

-اتّسم الأدب الواقعي بالموضوعيّة. فالكتّاب الواقعيّون لا يُظهرون تعاطفهم مع جهة معيّنة، عند وصفهم للمجتمع.

-عد الكتّاب الواقعيّون أنّه لا يمكن تصوير الشّخصيّات بمعزلٍ عن المكان الذي تعيش فيه، لأنّ للبيئة تأثير كبير على سلوك الشّخصيّات وتفكيرها، فاهتمّوا بالمكان اهتمامًا خاصًّا.

2-ملامح “الواقعيّة ” في مقالات جميل جبر:

من أبرز ملامح الواقعيّة في مقالات “جميل جبر”، هي اهتمامه الشّديد بالواقع الاجتماعي والثّقافي، والتّربوي، ومحاولته إبراز أسباب الرّكود الثّقافي في المجتمع، فقد قال في مقالٍ له بعنوان “أدب البكالوريا”، أنّه: “من الأسباب الأساسيّة من ركود الأدب عندنا قلّة اهتمام النّاشئة بالنّتاج الأدبي كتابةً ومطالعةً”. وقد يكون الذّنب الأكبر على المدرسة، بل على المنهج الذّي تتقيّد به المدارس”، (جبر، 1960). هذه العبارة تُبرز رؤية “جميل جبر النّقديّة الواقعيّة، التي تربط تدهور الأدب، بالمنهج المُعتمد في التّعليم. وهو لا يكتفي بوصف الظّاهرة، بل يحمّل المؤسّسات التّعليميّة مسؤوليّة هذا الرّكود الأدبي، في دعوةٍ واضحة وصريحة، إلى إصلاح المناهج التّعليميّة.

ويعبّر “جميل جبر” عن حسٍّ واقعيّ حين يتساءل: “أمّا حان لنا، ونحن في عهد جديد، أن نعيد النّظر في الأولويّات التي تكيّف ثقافتنا ومصيرنا الحضاريّ؟ أما حان لنا أن نعايش العصر؟” (جبر، 1960). في هذا التّساؤل النّابض بالحياة يظهر وعيه العميق بمواكبة العصر. فهو يرى أنّ الثّقافة العربيّة يجب أن تعايش التطوّر الكبير الذي يحصل في العالم. وتعبّر هذه الدّعوة عن نزعة واقعيّة إصلاحيّة، تؤمن بأنّ ثقافتنا الفكريّة والأدبيّة، ينبغي أن تكون هادفة  نحو التغيير والتطوّر، لا مجرّد تكرار لتراث جامد.

ويقول “جميل جبر في مقالٍ له أنّ: “الأدب الحيّ، حديثًا كان أم قديمًا، هو ذلك الذي يستقطب الإنسان في شتّى همومه وتجاربه…”(جبر، ت2، 1962). تتجلّى في هذه العبارة فلسفة “جميل جبر” الواقعيّة، التّي تجعل الإنسان محور الأدب وغايته الكبرى. فالأدب، في نظره، يجب أن يتناول الإنسان في شتّى همومه وتجاربه. إنّه أدب يعكس الحياة كما هي، ويعبّر عن هموم النّاس وآلامهم وأحلامهم.

وعدّ”جبر”  في مقالٍ آخرٍ، أنّ الرّواية مرآة المجتمع، ف”الرواية الحديثة صورة العصر، بل صورة المجتمع ككلّ، لا كأفراد، تعكس انفعالاته وأمانيه ومعضلاته في حدود الجماليّة ومن دون قصد. أنّها شهادة على جيل. وأسلوبها الكتابي ينسجم حتمًا مع تطوّر مفهومها.” (جبر، ت2، 1962، ص539). ففي هذا القول نتلمّس ذروة الواقعيّة الأدبيّة عند “جميل جبر”، إذ يرى أنّ الرّواية ليست خيالًا فنيًّا صرفًا، بل وثيقة اجتماعيّة، تدوّن تغيّرات الواقع، وتعكس ملامح العصر وقضاياه.

كما أنّه دعا  الى “حياة أدبيّة متينة، تكرّس الثّقافة في البيت، وتجعل من الأديب قوّة فعّالة تنفع المجتمع بطريقة ايجابيّة منفعة” (قصاصة ورقيّة من جريدة قديمة محفوظة في أرشيف جميل جبر، مرقّمة: JJ-3A-4)، فالأدب في نظره ليس ظاهرة فرديّة معزولة عن العالم، بل هو نتاج تفاعل بين الكاتب وبيئته، بين الفكر والواقع، ولذلك طالب الأدباء أن ينزلوا من عزلتهم، من برجهم العالي، ويصغوا الى آلام وأحلام النّاس، فقال: نحتاج اليوم الى الأديب الذي يترك برجه العاجيّ ويحس الشعب وقضاياه” ” (قصاصة ورقيّة من جريدة قديمة محفوظة في أرشيف جميل جبر، مرقّمة: JJ-3A-4  )، لكي يكون الأدب فاعلًا ومشاركًا في بناء الوعي الاجتماعي والسّياسي…

حمل على عاتقه مسؤوليّة تجديد الأدب العربي، وتوجيهه وجهة واقعيّة، تنبع من مشاكل الحياة اليوميّة، وتعبّر عن الإنسان والمجتمع، حتّى تأتي الكتابات مرآة لهذه المشاكل ف”طلب الدكتور جبر من الأدباء أن يتفهّموا نفسيّة الجماهير ومشاكل الشّعب، حتّى تأتي كتاباتهم مرآة لهذه المشاكل” (قصاصة ورقيّة من جريدة قديمة محفوظة في أرشيف جميل جبر، مرقّمة: JJ-3A-4  ) فالأدب الواقعي عنده لا ينفصل عن الحياة اليوميّة، بل هو انعكاس لها.

ومن أعمق نظرته الواقعيّة، هي وعيه بأنّ المسؤوليّة لا تقع على الأديب وحده، فلم يحمّل الأديب وحده مسؤوليّة النّهوض بالمجتمع، بل وسّع دائرة المسؤوليّة لتشمل العائلة والمؤسّسات التربويّة والاجتماعيّة إذ عدّ أنّ “المسؤوليّة لا تقع فقط على الأديب، إنّما على البيت والمدرسة والمجتمع. يجب أن يخلق الطفل فيجد مكتبة في البيت وقال إنّ الدولة مسؤولة أيضًا” (قصاصة ورقيّة من جريدة قديمة محفوظة في أرشيف جميل جبر، مرقّمة JJ-3A-4  )

فالثّقافة في نظره، تبدأ من الطّفولة وتتجذّر بالتّنشئة، وبالتّربية المنزليّة، ليصبح الأدب جزءًا لا يتجزّأ ولا ينفصل عن نسيج الحياة اليوميّة.

وقد آمن بأنّ الأدب ليس ترفًا فكريًّا، ولا متعة جماليّة خالصة، بل رسالة ثقافيّة واجتماعيّة، هدفها إصلاح المجتمع وبناء الوعي لدى كلّ أفراد المجتمع. “الأدب الصّحيح هو المسلوخ من أعماق الواقع الحياتيّ وهو لحم ودم وعرق ونبض، والأديب كائن اجتماعيّ يعيش في بيئةٍ معيّنة وعليه أن يعكس هموم ومشكلات هذه البيئة، ويعبّر عنها، ويوجّه، أنّ الأدب هو رسالة قبل أن يكون هواية”، (JJ3A-4 )، وهنا تتجلّى ذروة رؤيته الواقعيّة التي تجمع بين الفنّ والالتزام، وبين الجمال والمسؤوليّة، ليصبح الأدب مرآة واضحة تعكس واقع حياة المجتمع.

تُظهر مقالات “جميل جبر” أنّ الواقعيّة لديه، ليست مجرّد اتّجاه أدبي، بل رؤية فكريّة شاملة تنطلق من روحه القلقة الباحثة دائمًا عن الحقيقة في أعمق صورها، وعن إيمانه الكبير بدور الأدب في خدمة المجتمع والإنسان. فالأدب عنده لا ينعزل عن الواقع، بل ينغمس فيه، ليصوغ من مشاكل العصر، فنًّا راقيًا يوقظ الوعي، ويهزّ الضّمائر، ويشارك في إصلاح الواقع المتأزّم…

3-ملامح المدرسة الواقعيّة عند “جميل جبر” من خلال روايتيّ “بعد العاصفة” و”قلق”: حين تتداخل الحقيقة مع الأدب، تولد أدبًا واقعيًّا، كلمته مرآة تعكس واقع الحياة والبشر، بلا مساحيق ولا خيالات ولا أوهام. عالم ينبض بالناس كما نعرفهم على حقيقتهم. فإلى أيّ مدى يظهر تأثّر الكاتب بهذه المدرسة الأدبيّة من خلال الرّوايتين؟

أ- البيئة الواقعيّة

جاءت أحداث رواية “بعد العاصفة”، بين الرّيف والمدينة في لبنان، وأفريقيا. ورواية “قلق” بين الرّيف والمدينة في لبنان، وفرنسا. كما أنّ الكاتب وصف تفاصيل البيوت بدقّة، مع بعض الشوارع والطّرقات المحيطة، من دون مبالغة أو خيال. فالبيوت والمدن والقرى، داخل الرّوايتين، كلّها أماكن حقيقيّة تنبض بالحياة.

كما أنّه وصف الحياة اليوميّة كما هي. وصفٌ دقيق لحياة اللّبنانيين في القرية..”هؤلاء الجيران الذّين يقتصر حديثهم على النّميمة أو على الأكل والشّرب، أفٍّ. ما لي ولمجتمع يضطرّني الى التسطّح لأجاريه”(جبر، 1961، ص12).

وصوّر لنا الواقع اللّبناني على حقيقته، الشّوارع المزدحمة، الترامواي، حياة القرويون في القرية. مما جعل القارىء يعيش أحداث الرواية بكل تفاصيلها. وقد كان لمّاحًا ذكيًّا في وصفه لبعض الأماكن، مثل وصفه المسكن الأرضي حيث تعيش ثريا: “المسكن الأرضي الوضيع بين البنايات الحديثة المتنافسة شموخاً وفخامةً” (جبر، 1961، ص 23).

وهذا التّصوير الحيّ للأمكنة كما هي في الواقع، يمنح الرواية طابعًا واقعيًّا عميقًا.

ب- الشخصيّات

أبطال الرّوايتين ليسوا أبطالًا خارقين، بل أُناس عاديّين من الطبقة الوسطى والفقيرة، ممّا يخلق صدقيّة عالية في البناء الفنّي. رسم لنا الشخصيّات رسمًا واقعيًّا حيًّا، فشخصيّة “نزيه” أي بطل رواية “بعد العاصفة”، راق، نشيط”، (جبر، 1954، ص32)، عيناه عسليّتان، صوته حادّ، مشيته شامخة، ذكيّ، صادق، عفوي، أنيس المعشر، متحرّر من التعصّب الأعمى للأسرة الكبيرة، يسعى الى التّعاون بين العائلات شاب متمرّد، وهو يمثّل جيل الشّباب الجادّ، المرجوّ لمستقبل بلاده.

والشّخصيّة الثّانية نهاد:”شقراء، ربعة، دقيقة الخصر، منموشة الوجه” (جبر، 1954، ص9). “نهدين متمردين، الى شفتيها الكثيفتين المتحديتين ، الى عينيها السّوداوين الذابلتين، الى شعرها المتماوج على كتفيها”، (جبر، 1954، ص10)،”أنيسة العشرة، لينة الأخلاق” (جبر، 1954، ص13).

وشخصيّة “خليل” وهو بطل رواية “قلق”، تمثّل شخصيّة المثقّف القلق على مستقبل وجوده. جعل من قضية الحب قضية حياته الأولى، اذ انطلقت الرواية  بسرد وقائع حبّه القديم.. وقد استسلم لحب ثريّا بطريقة رومنسيّة.

وشخصيّة ثريّا: سمراء، شعرها أجعد، رمشاها وارفان، ساقاها رشيقتان. “إنّها من تلك الطبائع التي لينها الزمان بقسوته” (جبر، 1961، ص84)، “لقد كان في وجهها النّضر ظل من البؤس يقرب النّاس منها على غير تمهيد”(جبر، 1961، ص84). “هي تبدو متناهية الأناقة على خفر”(جبر، 1961، ص15).

وإذا ما حاولنا تتبّع طريقة تصويره لكلّ شخصيّة لفوجئنا بمقدرته في التّصوير وتمكّنه من تلمّس مظاهر التميّز لدى كلّ منها. فلا يضيّع جهده في التطرّق الى تفصيلات عامّة تتّفق فيها كلّ الشخصيّات بلا استثناء، إنّما يركّز على ملامح الشّكل أو السّلوك بحكم ارتباطه بالهدف المرجوّ، بطريقةٍ واقعيّة طبيعيّة.

كما صوّر لنا معاناة الإنسان في سبيل لقمة العيش، كاشفاً عن الظّلم الاجتماعي، الذّي فُرض عليهم، وبخاصّة الظلم ضدّ المرأة.

كلّ شخصيّة من شخصيّات الرّوايتين، تمثّل شريحة واقعيّة في المجتمع. إذ استطاع أن يرسم صورة دقيقة للإنسان الحقيقي بمميّزاته وعيوبه. وهذه الشّخصيّات جميعها تدور في إطار واحد من الأحداث، تتمثّل في الصراع من أجل حياة أفضل.

ج- التّسلسل المنطقي في الأحداث وفي طريقة التفكير

لو تأمّلنا جيّداً هذه العبارات:

“أرى وجهها يحمرّ كلّما شاهدتني، وأحسّ نظراتها تخترق لبّي،…وجم هنيهة ثمّ استأنف تفكيره: لقد لمّحت لها إلى هواي غير مرّة فلم تصدّ عنّي…يجب أن أعالنها صراحة…” (جبر، 1954، ص45).

“إنّها تحبّني، أجل تحبّني،…تحقّقت حبّها من اضطرابها عند مجالستي ومن استمرارها في زيارة سعدى في موعد معروف. أولًا تأتي إليها ساعة أرجع من بيروت؟ ألا تبشّ كلّما رأتني؟… يجب أن أبيّن لها حبّي… أحاول أن أسبر غورها أوّلًا …، أدعوها الى السّينما، إلى فيلم غرامي، فإن لبّت تفاءلت خيراً.” (جبر، 1954، ص45-46).

لأدركنا أنّ الكاتب بدأ بملاحظة دقيقة لمظاهر العاطفة الصّامتة، فرأى وجهها يحمرّ كلّما شاهدته، وتيقّن من حبّها له من خلال اضطرابها عند مجالسته. إنّ هذا التّسلسل في عرض التّفاصيل الدّقيقة يُظهر تدرّج التفكير من الإحساس، الى الاستنتاج الواضح. وينتقل بتفكيره من مرحلة الإدراك الى مرحلة الفعل إذ قرّر دعوتها الى السّينما، فإن استجابت، يكون بذلك قد عزّز يقينه بحبّها. ويكون الكاتب قد انتقل بطريقة تفكيره، من الإحساس، إلى التّحليل، إلى الفعل، فالنّتيجة.

د- القضايا المطروحة التي تعبّر عن الواقع الإنساني والاجتماعي

الرّوايتان تطرحان قضايا اجتماعيّة وإنسانيّة متنوّعة، منها:

– العدالة الاجتماعيّة: “أيجوز لي بعد أن أشكو حظّي من الحياة! أليس حسبي أنّي سليم الجسم وفي زهرة العمر”(جبر، 1961، ص12). “لماذا خلق هذا المسكين أعمى؟”(جبر، 1961، ص12) لو تأمّلنا في هاتين العبارتين، نسمع صوت إنسانٍ يقف أمام مرآة الوجود، لا ليسأل عن عبثيّة وجوده، بل عن عدالة الوجود. إنّه لا يصرخ بمرارة الوجوديّ، ولا يحلّق بخيال الرّومنسيّ، بل يتأمّل بعين واقعيّة وضمير إنسانيّ مرهف. ورغم أنّ ظاهر العبارة واقعيّ، لكنها تحمل دفء القلب الرومنسيّ المرهف الذي يشعر مع من قست عليهم الحياة. فالكاتب هنا لا يكتب ما تراه العين،  بل يكتب بعينٍ ترى وأخرى تبكي.

– اختلاف الطبقات الاجتماعيّة: اهتمّ الكاتب بتصوير أوضاع الطبقات الفقيرة، فصوّر لنا شقاء الإنسان الفقير، وكشف التّفاوت الطبقي والظّلم الاجتماعي.

-وضع المرأة في المجتمع اللّبناني: صوّر لنا الكاتب معاناة المرأة داخل مجتمع تحكمه السّلطة الأبويّة، فتُعامل المرأة بوصفها كائنًا تابعًا لا يملك حقّ الاختيار. وحرص على نقل صورة المرأة كما هي على حقيقتها، من دون تجميلٍ أو تزيين، مع كشف المشاعر الداخليّة للمرأة التي تعاني من جرّاء تدخّل الأهل في اختيار شريك حياتها.

-نقد الواقع الاجتماعي:  تناول قضيّة الحرمان والبطالة والتفاوت الطّبقي. وانتقد العائلات الرأسماليّة، “أسرة الشّماع وزعيمها الشيخ مرعي، وأسرة الشوفاني وعلى رأسها نعوم بك” (جبر، 1954، ص23)، لأنّهما “تتناوآن، دون هوادة، ومن غير سبب جدّي”(جبر، 1954، ص23). فصوّر لنا صورة صادقة عن الصّراعات الطبقيّة، مسلّطًا الضّوء على تطاحن العائلات فيما بينها بفعل الجشع والمصالح الضيّقة، وهي إحدى القضايا المهمّة التي عالجتها المدرسة الواقعيّة.

-الفجوة بين الأجيال: يبرز الصّراع بين الجيل القديم المحافظ، المتمثّل بالشيخ، والجيل الجديد الواعي الذي يحاول تغيير الواقع بالحوار والمنطق. ففي رواية “بعد العاصفة”، أراد “نزيه” أن يناقش” الشّيخ بروية وحجّة وحاول أن يبرهن له خطل ما قرّروه، فغضب الزّعيم الوقور وشنّ عليه وعلى أبناء الجيل الطّالع المغرور حملة جارفة مندّداً بتفلسفهم، ناعيًا عليهم العقائد التي يعتنقون” (جبر، 1954، ص 25).

هذه العبارة تعكس سمات المدرسة الواقعيّة بوضوح، من خلال تصوير الصّراع الحادّ بين العائلات الرأسماليّة، التي تتناحر على السّلطة والمصالح. فقدّم  لنا “جميل جبر” شخصيّة إصلاحيّة شابّة “أي شخصيّة نزيه”، ليحاول بعقلانيّة ورويّة، إقناع هذه العائلة بخطأ نهجها القائم على التعصّب والأنانيّة، مبرزًا لهم فضائل التعاون. لكن رفْض الشّيخ لهذه المحاولة، ونعته للجيل الجديد ب”المتفلسف”، يكشف تشبّث السّلطة التقليديّة بالقيم القديمة، ورفضها لأيّ جديد. هذه العبارة تنسجم مع المدرسة الواقعيّة الاشتراكيّة التي تعتمد على”العقل والوعي” (علاء الدّين، 2015، ص30)، والتي تسعى الى كشف التّناقضات الاجتماعيّة، ونقد التقاليد السّائدة، وتسليط الضّوء على شخصٍ واعٍ، في مجتمعٍ يرفض التّغيير.

– التّصوير الواقعي للمعاناة الإنسانيّة: جسّد الكاتب مشاعر الحرمان، والظلم، والحزن، والألم بلغة واقعيّة مؤثّرة، تُشعر القارىء أنّه يعيش الحدث.

– التّضحية: “التضحية حلوة، أجل، ولكن هل تقوين عليها إذا استمرّت… وإلى متى تستمرّ؟ (جبر، 1954، ص22). فكرة التّضحية في هذه العبارة ليست مرتبطة بالحبّ،  وليست فعلًا حرًّا نابعًا من اختيار فرديّ واعٍ، إنّما هي نتيجة للظروف الاجتماعيّة والأخلاقيّة المفروضة، في مجتمع غير عادل.

– نقد الواقع السّياسي: ارتفعت صرخة مكتومة من بين سطور السّرد، مهمّتها نقد الواقع السّياسي ، وبثّ الوعي الوطني، رأفةً لهذا الوطن المحتضر. وتعبّر العبارتان: “تبًّا لهؤلاء الوطنجيّين. إنّهم يستبيحون حرق بلاد بأسرها في سبيل مصلحة أو كرسيّ، أو نفوذ.” (جبر، 1961، ص 185) و”بنو قومي صاروا جيشين عدوّين. يا للمهزلة!”(جبر، 1961، ص185)، عن ذروة الوعي النّقدي الذي تمارسه الرّواية تجاه الواقع السّياسيّ المحتضر.

ولفظة “الوطنجيّين” التي استخدمها الكاتب، تكشف تزييف الشعارات باسم الوطن والوطنيّة، وتفضح اولئك الذّين يتاجرون ببلادهم ويحرقونها من أجل مصالحم الخاصّة، وهو نقدٌ لاذع لظاهرة توظيف الوطنيّة، في سبيل مصلحة خاصّة أو نفوذ.

وعبارة “بنو قومي صارو جيشين عدوّين”، تصوّر الانقسام الداخلي، والواقعيّ، بين أبناء الوطن الواحد، بوصفه مأساةً جماعيّة تتخطّى السّياسة، الى عمق الهويّة الوطنيّة. وتكشف وجع الكاتب أمام هذا الانقسام الذي أدّى الى حربٍ أهليّة، بين أبناء الوطن الواحد. واستعمال الكاتب عبارة “يا للمهزلة” وبصيغة التعجّب، تُضفي على النصّ نغمة مريرة، تجمع بين السّخرية واليأس، وتعكس سقوط  القيم الوطنيّة، من أجل المصالح الخاصّة.

فمن خلال الكلمة، استطاع الكاتب تصوير واقع وطنه أيّام الحرب، وتشوّهات الواقع الاجتماعي والسّياسي فيه، وتمكّن من كشف عبث السلطة التي تحوّل الوطنيّة من قيمة إنسانيّة وأخلاقيّة،  إلى أداة قمع واستغلال. فالكاتب لم يلوّن الأحداث بألوان مثاليّة، بل قدّم لنا الحقيقة الموجعة كما هي، بلغة تجمع بين السخرية والمرارة.

واستطاع بذلك، أن يحوّل ألمه تجاه الوطن  الى وثيقة أدبيّة شاهدة على عصرها، وإلى سردٍ نابضٍ بالحقيقة، جاعلًا من القصّة ساحة مقاومةٍ صامتة، تصرخ بالحريّة والوطنيّة، ومحوّلًا القلم الى سلاحٍ ضدّ الظلمة.

تجسّد الرّوايتان بعض الملامح الأساسيّة للمدرسة الواقعيّة من خلال تصويرهما الدّقيق للواقع اللّبناني في منتصف القرن العشرين. ومن خلال الشّخصيّات الواقعيّة المتعدّدة، ومن خلال  القضايا المطروحة. إذ قدّمت الروايتان نموذجًا فنيًّا راقيًا للواقعيّة الاجتماعيّة في الأدب العربي، فأظهرت قدرة “جميل جبر” على نقل تفاصيل الواقع بعمق، وبأسلوب أدبيّ سلس. وكان الكاتب يغرف موضوعاته من وقائع حياته اليوميّة ومشاهداته الاجتماعيّة والوطنيّة. شأنه في أبسط تصرّفاته، شأن المجاهدين الصّامتين في سبيل غد أفضل يعيش فيه الإنسان سعيداً في مجتمع حرّ رغيد.

وقد شاء أن يكون مخلصاً لما يراه. لأنّ الأدب بالنّسبة اليه ليس مجرّد نزفٌ ذهنيّ، بل هو بالدّرجة الأولى رسالة جماليّة في خدمة الإنسان.

إذا قلنا أنّ كتابات “جميل جبر” الروائيّة، تحاول تصوير فئة من المجتمع اللبناني، في حقبة من حِقبه التاريخيّة، وتتناول بالتحليل نماذج من شخصيّاته، وبالوصف أماكنه، وهيئة حياته الاجتماعيّة. فهل يمكن أن تحملا تسمية شموليّة بوصفهما روايتين واقعيّتين؟؟ هل يمكننا عدُّ الروايتين تنتميان الى الواقعيّة؟؟

أهمّ نتائج البحث

– سعى الكاتب من خلال كتاباته الى تصوير الواقع اللّبناني بكلّ تناقضاته، كما دعى إلى التغيير والإصلاح.

– كتاباته الرّوائيّة  تجسّد أصدق مرآة لحياة اللّبنانيّين العامّة، لا تعكس الظواهر فحسب بل تبيّن حشد الملابسات والتمخّضات الخطيرة.

-إنّ “جميل جبر” يغرف موضوعاته من وقائع حياته اليوميّة ومشاهداته الاجتماعيّة والوطنيّة؛ اهتمّ بتفاصيل الحياة اليوميّة، وبالتّصوير الدّقيق للأمكنة، وللواقع اللّبناني في منتصف القرن العشرين. فقد شاء أن يكون مخلصًا لما يراه. لأنّ الأدب بالنّسبة اليه ليس مجرّد نزفٌ ذهنيّ، بل هو بالدّرجة الأولى رسالة جماليّة في خدمة الإنسان. فركّز على المضمون أكثر من الزخرفة الشكليّة.

– تُظهر مقالات “جميل جبر” أنّ الواقعيّة لديه، ليست مجرّد اتّجاه أدبي، بل رؤية فكريّة شاملة تنطلق من روحه القلقة الباحثة عن الحقيقة في أعمق صورها، وعن إيمانه الكبير بدور الأدب في خدمة المجتمع والإنسان. فالأدب عنده لا ينعزل عن الواقع، بل ينغمس فيه، ليصوغ من مشاكل العصر، فنًّا راقيًا يوقظ الوعي، ويهزّ الضّمائر، ويشارك في إصلاح الواقع المتأزّم، عبر التعليم والأدب والثّقافة.

وبذلك، يتبيّن لنا، أنّ الواقعيّة في كتابات “جميل جبر” لم تكن خيارًا فنيًّا أو اتّجاهًا أدبيًّا فحسب، بل شكّلت جزءًا من رؤيته الفكريّة الشّاملة، التي جعلت من الأدب أداة لقراءة الواقع ومحاولة تغييره. ومن ثمّ، تبرز كتاباته بوصفها تجسيداً لمشروع إصلاحي نهضوي،  يهدف إلى استشراف آفاق النهوض والتقدّم في المجتمع اللبناني والعربي.

المصادر والمراجع

1-جبر، جميل (1954). بعد العاصفة (ط1). بيروت: دار الروائع.

2-……….، (1960). “أدب البكالوريا”. مجلّة السّنابل(العدد 1).

3-……….، (1961). قلق (ط1). بيروت: منشورات دار الطّليعة.

4-……….، (ك2، 1962). “الأدب الحيّ”. مجلّة السنابل( العدد 1).

5-……….، (ت2، 1962). “الرواية بين القديم والحديث”.  مجلة السنابل (العدد11).

6-بدير، حلمي (1981). الاتّجاه الواقعي في الرّواية العربيّة الحديثة في مصر (ط1). القاهرة: دار المعارف.

7-خضر،عبّاس (1967). الواقعيّة في الأدب. بغداد: دار الجمهوريّة.

8-عفيفى، رفعت زكى محمود(1992). المدارس الأدبيّة الأوروبيّة وأثرها في الأدب العربي. القاهرة: دار الطّباعة المحمدية.

9-علاء الدين، ماجد(2015). الواقعيّة في الأدبين الرّوسي والعربي. دمشق: دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع.

10-الكربولي، أحمد خليفة علي(2022). “الواقعيّة: دراسة نقديّة”. المجلّة الدوليّة للعلوم الانسانيّة والاجتماعيّة (عدد30 من صفحة: 39-50). كان الاسترجاع في( 5شباط 2026 مساءً) من:  https://doi.org/10.33193/IJoHSS.30.2022.370

11-مندور، محمد (لا ت.). الأدب ومذاهبه (ط1). مصر: نهضة مصر للطباعة والنّشر والتوزيع.

12-مجموعة من الأدباء، المنجد في اللغّة العربيّة المعاصرة، دار المشرق، ط4، بيروت،2013.

[1]– طالبة دكتوراه في جامعة الروّح القدس- الكسليك – قسم اللغة العربيّة.

– PhD student at Holy Spirit University of Kaslik – Department of Arabic Language.Email: maya.i.haddad@net.usek.edu.lb

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.