أثر العرفُ في الأحكام الشّرعيّة (العباديّة والمعاملات) عند مشهور المذاهب الإسلاميّة

0

عنوان البحث: أثر العرفُ في الأحكام الشّرعيّة (العباديّة والمعاملات) عند مشهور المذاهب الإسلاميّة

اسم الكاتب: الشّيخ د. محمد علي النّمر

تاريخ النشر: 2026/07/13

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 44

تحميل البحث بصيغة PDF

أثر العرفُ في الأحكام الشّرعيّة (العباديّة والمعاملات) عند مشهور المذاهب الإسلاميّة

The impact of custom on Devotional and Transactional Rulling in Islam

Mohamad el elnemer الشّيخ د. محمد علي النّمر([1])

تاريخ الإرسال: 13-6-2026                                   تاريخ القبول: 10-7 -2026

الملخَّص                                                                             turnitin:19%

 إنَّ العُرف عند الإماميّة هو السّيرة العقلائيّة،وعند المذاهب الأربعة هو ما إستقر في نفوس النَّاس قولًا أو فعلًا تحت ملاكات المصالح والمفاسد العقلائيّة. وأنَّ العربيّة هي لغةُ العرب، وأنَّ من ذاتياته العرفيّة، وهي ما كانت مقرونةً في عصر النَّص، وأنّه المرجعُ في العادات، وأنَّ العادةَ في العرف كالنّص في الشّرع،وقد تعرضنا لمسائل تسع؛ أولُها إرثُ الزوجانِ وأنّ الزّوجة تأخذ الثّمن مع وجودِ ولدٍ وهو الرأيُّ المتفق؛ فلا تأخذُ عقارًا إلّا عند الشّافعيِّ،ومع تعددِهن يُقسم عليهن بالتّساوي؛ وذكرنا مشهور الأقوال في إرث البنتِ الواحدة أنّها تأخذُ النِّصف مع إختلافهم في إرجاع الباقي،وعند الإمامية يرجع الباقي لها عند عدم العُصبة؛ والثّانية في إستعمال الحقّ في غير المعتاد والمال والإجارة والمساقاة وشرطُ الكفاءة في عقد الزواج وفي مقدار نفقة الزّوجة على زوجها.

الكلمات المفتاح: أثر العرفُ – أثُر العرفِ عند السُنّة في الأحكام العبادية والمعاملات – أثر العرفُ في الأحكام العبادية والمعاملات عند الشّيعة.

Summary

The concept of custom in the Imamiyyah school is understood as rational conduct, whereas in the four Sunni schools of jurisprudence it refers to what has become established among in speech or practice based on considerations of benefits and harms. Arabic is recognized as the language of the Arabs and among its customary characteristics are those practices associated with the era of the revealed texts. Thus, custom serves as the primary reference in matters of social practices and habits, and customary practice holds a position in social dealings similar to that of textual evidence in Islamic law.

This study addressed seven issues, the first being inheritance between spouses. It explained that a wife inherits one-eighth of the estate when descendants are present which is the agard to inheriting real estate, differences emerge as the shafii school allows such inheritance. incases of multiple wives, the inheritance share is distributed equally among them. The study also examined the predominant opinions regarding the inheritance of a single daughter, who receives one half of the estate, while jurists differ concerning the disposition of the remainder according to shii jurisprudence, the remainder returns to her in the absence of agnatic heirs. This discussion further addressed the exercise of rights in non customary ways, issues related to property, lease contracts, musaqat agreements, the requirement of compatibility inmarriage contracts, the determination of spousal maintenance obligation, and finally the issue of receiving the dowry.

Keywords: Custom – The impact of custom on Devotional and Transactional Rulling in shii Jurisprudence.

المقدمةُ

إنَّ الأثرَ الفقهي الذي يَترُكُه العُرف في مسائل الفْقه بشكلٍ عام أمرٌ كبير، إذْ يَشمُل أبَوابه كُلَّها فهو لبيان مفاهيمه ومصاديقه، ومصطلحاته، لذا نُجمل تارةً ونقتصر أخرى وفقًا للِحاجةِ؛ وإخترت مسائلَ سبع لِعلمِي أنَّها مسَائلُ تَجمع الفْقه، ولا داعٍ للتفصيل، فكما ذكر لي أحَد الأساتذة في بَحث الخارج أنَّ الفْقه مفتاحُه الإرث، وأنَّ العلم لا يأتي إلّا بالمشقّة.

إشكاليّة البحث

إنَّ آرَاء الفُقهاء تختلفُ في المسائل الفقهيّة بإعتمادِ العُرف مع أنَّ حجيته لقولِ، وفعل وتقريرِ النّبي ﷺ وآله وللنَّص ﴿خُذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجأهلين([2]).

وكلامنا في مسائل سبع منتقاةٍ، كمَا في شرط الكفَاءة لَدى الزوجين مَع عَدم فَرض الخِّلافِ.

أهميةُ البحث

  • . إنَّ النُّكاتَ العرفيّة من أهم مايبنى في أخذ الحكم الشرعيكما في مسْألَة إستعمالِ الحقّ في غير المعتاد، المَال، وأيضًا في بيان المسائل على نحو الموجبة الجزئيّة، وخطابُه للعُرف بحال العرف.
  • . الإستقراء المورديِّ، والإعتمادُ على النّمط التّفسيري.
  • . بيانه لمسائل غامضةً في عصْرنَا الحَاضر،وخُصوصًا معَ إعْتماد المُقَارنَة بين الفِرق الإسْلامية كمَا فِي المَال.

منهجيّةُ البحث: إنَّ المنهج المتّبع وفق المُقارنة بالفتاوى على المذاهب المشْهُورَة:

  • المنهجُ التّحليليُّ،وهو المَنهجُ فِي تَحليلِ ألآراء بَين المَذاهب كافةً؛ فالتّحليل في الأدلة أولًا وثانيًا التحليلُ في الدّلالة أدلة العرف ومدى دلالته.
  • الاسْتِدلاليُّ والترقي في الإستدلال،مع ملاحظةُ مرتبة الدّليل.

فرضيّةُ البحث

  • جريانُ العُرفِ في كلِّ المسائل الفقهية المذكورةِ سواءٌ في مستوى بيَانها، أو تحديدِ مصداقها ولوازمها.
  • إنَّ المسائلَ السّبع هي مسائلُ وردَ فيها الدّليل؛ وهناك نصوص واضحةٌ تبيّن ماهيتها ووجودها.
  • استخدامُ العرف يجري في مسائل غير توقيفية، فهو يَجْري فِي مَكاسب محلّلةٍ.

أهدافُ البَحثِ: تَكمن الأهداف في:

  • النّظر إلى أذْواقِ الفْقه، وتَشعبها عِنْد مَشهور المذاهب الإسلاميّة.
  • إنّ الهدفَ منها هو الاختلاف قبل النظرية ووفي نفس الوقت الإتحاد بعد ثبوتها.
  • بيانُ الأحكام المرتبطةِ بهذه المسائل السبع ومدى تأثيرِ العرفِ فيها.

الدّراسات السّابقة

وهي كثيرةٌ إلّا أنَّها منقوصةٌ، ولا يُعتمد عليها لنقصها وضعف بيانها، وما نريده هو الثمرة فيها فأقسامُ العرف كثيرةٌ والمُثمر ما هو منتج ويحقق المطلوب:

_ حكيم، محمد تقى بن محمد سعيد، الأصول العامة في الفقه المقارن، الطبعة 2، 1418ه ق ص 410.

لم يَذكر تَمام مسائِل الفقه، وإنَّما أعْطى نَماذجَ مَحدودةٍ في تأثير العرف فيها مع أنّه أشارَ لها بِالجملة، اللَّهم أنْ يُقالَ إنَّه ليس في مقامِ بيانِ تَمام مسائله.

_ محمد أمين أفندي المعروف بإبن عابدين، رسالة نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف العام 1243 ه، ج2، ص 114.

اعْتَمد فِي هذا الكِتاب على تأصِيل العُرف ؛ ولَم يُكمل بَيان مصاديقه في الفقه كما اعتادوا بيان مسائل الفقه ابتداءً من الطهارة.

أقوال الفقهاء في العرف: إنّ الفقهاء بينوا العرف:

إنّ أقوال الفقهاء متحدةٌ في الاستنباط بجعل العرف كاشفاً للحكم الشرعي، وهو بنفسه عرف، لذا نبدأ بالسيد الشهيد الصدر، فقال العرف هو من المرتَكزات العُقلائية، وهو حُجة كما لَم يَردْع عنْه الشّارع،ومُراده من المُرتكزات الثَّابتة لَدى العُقلاء فيما تَغيرت كانت لمصلحةِ تغير الزمان والمكان،ولعَدم وجُودها فِي بَعض الأحيان،مثل شرب الخمر بين المسلمين([3]) ثُّم قولُ قال السّيد الخوئي أنَّ العُرفَ العَام هو الحُّجة،ومَهامُه بَيانُ مرادِ المَفاهيمِ،والحَقائق الشَّرعية،ومِنَ المذاهب الأربعةِ قولُ الشّافعيّ حَيث جَعلَه دليلاً في الإستنباط الشَّرعيّ،وقال علي مودودي إنّ الفرقة تقوم الاستفادة من العرف،ومن تبعه قولُ الحَنفي ومنَ الحنيفية العَلامة السُّرخسي،والمجدد إبن عابدين، حيثُ إعتمدوا بالعرف كونه العادة المحكمة وأصلها،والدليل عليه هو ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسنٌ، لذا العُرف في هذا المَذهب لَه جَهتينِ في الإسْتِفادَة الآلية والإسْتقلالية، فيذكر إلى جَانِب العَقل والقُرآن والسُّنة. أمّا الحنبلي فلم يذكر العرف ضمن منابع الاجتهاد فعن احمد بن حنبل ومن جاء بعده جمودهم على ظواهر النصوص حصراً([4]) ومن قول الشّاطبي في الموافقات والإعْتصامُ وإبْنِ عَابدين في نشر العرف، وابن نجيم في الأشباه والنّظائر ثُّم مذهبُ المَالكي يعني مالك والمالكيّة وأحمد بن إدْريس القَرافي بإعْتبار العرف، مع أنَّ مالك ذهب في تخصيصِ محكمات القرآن الكريم ﴿والوالدات يرضعن أولادهم حولين كاملين([5]) وابن عربي المعروف فأناطوه جنبًا لجنب القرآن والسنة.

إرث الزوجان والبنت ِ

قال تعإلى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ…. حَلِيمٌ﴾([6]).

قال الحنبلي عن ابن قدامه في المغني واجماع العلماء في نصيب الزوجة انها ترث الثمن، ان كان للزوج ولد سواءٌ أكان منها أو من غيرها،ومن جاء بعده كالبهوتي أنّ إجماع العلماء على أنّ الزوجة ترث الثمن ان كان للزوج ولد من اي زوجة كانت. ثُّم الشّافعي فكماعَن النّووي فاذا مات الرجل وترك ولداً فللزوجة الثمن فرضاً منصوصا في القرآن الكريم. وما جاء عن الماوردي ان الزوجة تاخذ الثمن من جميع التركة لا فرق بين المنقول و الثابت.([7]) ثم مذهب الحنفية قال العلامة السّرخسي أنّ المرأة اذا كان لزوجها ولد من أي زوجة كانت نصيبا الثمن،وهو قول الجمهور،وعن المجدد إبْن عابدين، فلا فرق بين ان يكون لزوجها ولد من أي زوجة كانت وهو قول الجمهور، وللمالكية أيضاً رأيٌ في الثمن فان كان لها ولد فلها الثمن، ومن الاقوال الخرشي فلا إختلاف في إرْث الزَّوجة لِلثُمن بينَ كونكون المال نقداً أو عيناً.

ومن أقوال الشيعة الإمامية قول الشيخ الطوسي، بإسناده عن أحمد بن محمد عن محسن بن أحمد… عن أبي جعفرٍ عليه السّلام في زوجٍ وأبوين قال: “للزوج النّصف وللأم الثلث وللأب ما بقي وأيضًا أنَّ المرأة تأخذ الثُمن إن كان للزوج ولد؛ فلا ترث من الأرض شيئًا بل تأخذ من قيمة البناء والأشجار.

وورد في الخَبر عَن محمد بِن الحَسن بإسنادِه عن الفَضل ِبن شَاذان… عَنْ عَليّ بِن أبِي طَالبٍ عَليه السَّلام في حديثه “ولا يُزادُ الزَّوج عَلى النّصف،ولا يَنقصُ مِنَ الرّبع،ولا تُزاد المرأةُ على الرُّبع،ولا تنقص من الثمن،وإنْ كُن أربعاً أو دونَ ذلك فَهن فيه سواء”([8])

مسألةُ تركةِ البنتِ الوحيدة

وهذه من المسائل الشّائكة التي وردت فيها أخبارٌ متشعبةٌ، وإنقسمت مذاهب وِفقَها، فإنَّ المالكية والحنابلة يقولون أنّ البنت الواحدة تأخذ النّصف، وأنّ الباقي يُرد عليها إنْ لم يكن هناك عصبة تمنع، واما قول الحنيفية فإنّ الباقي يذهب إلى الأرحام وليس من الضروري يرجع إلى البنت، وأما الشافعية فيقولون أنّ البنت الوحيدة ترث النصف والباقي يذهب لبيت المال مع عدم وجود عصبة.

أمّا مذهَب الإِماميّة، فقال بأنّ البنت ترد النصف عليها، وإنْ كانَ هُناك عصبة فيرجع إليهم،وإلاَّ تَأخذ نصفها،والمال المردود،وبالتالي تأخذ كامل التركة.

وأمّا الرأي المخالف: فإنَّ البنت ترث النّصف فرضًا وفي حال عدم وجود عصبةٍ تستحق البنت بقية التركة بالرد.

استعمالُ الحقّ في غير المعتاد

إنَّ استعمال الحق يجب أنْ يكون وفق ما يقتضيه العرف العام، وما يخرج عنه يكون ضامناً في حالة التلف، أكان جزءً أو عاماً. ومنه رفع صوت المذياع والتي يترتب عليه أذية الجيران للمسجد و الحسينيات، ومنه استئجار مركبة يستعمل فيها غير المعتاد. وهذه نماذج حيةٌ في العرف لدى النّاس قد لا ينتبهون إلى القاعدة أنّ النّاس عند عهودهم والاستعمال اليسير جائز. فهو يمنع من الاستعمالات الزائدة، وغير المعتادة، فإذا ظهر الضرر عاجلاً أم آجلاً يلحق بأصل المعاملة، كالدكتور الذي يتصرف في الجراحة أثناء العملية، فيموت المريض بين يديه، فلا يكون ضامناً، وأيضاً من يشعل فرناً ويتأذى الجيران من دخانه، ومع هذا فلا ضرر موجوداً في العرف فلا بأس به والعرف يحكم بذلك، والمعيار كله في العرف الذي يحدد كون التصرف غير معتاد أو معتاداً. فالأصل عند الإمامية أنّ النَّاس مُسلطُون عَلى أمْوالهم، ولأنفسهم لكن هذا الحق ليس مطلقاً من دون قيدٍ ولا شرطٍ بل هو مضمونُ القواعد القهية فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام([9])

والطوسي يرى أن استعمال الحق موجود في الاسلام ومشرع ما دام لا يخرج عن دائرة العرف، فَإذَا اسْتُعمَل على وجه غَير معتاد وأدّى إلى ضرر سواءٌ في نفسه او غيره كان ضامناً. وأنَّ الحِلي قال بأن الاستعمال إذا أدى إلى إضرار أو إيذاء للغير يكون حراماً، ما لم يكن هناك ضرر للغير([10]). ومن الأقوال للمُحَقِق النَّجفي بأنَّ حق الملكية وهو استعمال ما يملك مقيد بالعرف فإذا لم يضرّ بالغير لم يكن ضامناً على أيّ حال.

آراءُ المذاهب الأربعة

فقال الحَنفي إنَّ المَالِك مُسَلَط ٌعلى نَفْسه، ومُلكه حق من حقوقه شَرعاً، ولكنَّه مُقرر بعدم وجودِ ضَررٍ فِي البَين، ثم قال الكاساني أنّ الإنسان يستطيع ان يتصرف في حقه كيفما شاء من دون إضرارٍ بالغير أو بتصرف في حقوق الآخرين. وأما مالك فيرى أن الحق مقيد بالعرف أيضاً، ومن أقوالهم لابن الرشد ان التصرف في الحق مباح كيفما يشاء إلاً أنْ يؤدي للضرر بالغيرر.([11]) وأمَّا الشافعية فيقولون بأنَّ إستعمال الحق مشروع وهو مقيد بالعرف أيضاً وبالاطلاق يُعرف الحق وتعرف حدوده، ثُمَّ الحَنابِلة فكما قال مشهورهم أن الانسان يتصرف بحقعه كما يشاء وتصرفاته في ملكه إلا أنه مقيد بالعرف ما لم يشكل ضرراً على الآخرين. فيخلص إلى أنَّ الآراءَ جُلها مقيدةٌ بالعرف، ولا يُتصرفُ بِها كَيفما يَشاءُ البتة، ومقيدة بأمورٍ أخر.

المالُ والمالية

المالُ شرعًا كلُ ما يستطيع الإنْسان حيازته والتصرف به لمصلحته، وعلى وجه معتاد. وقد أدْخل الشَّافعيّة والمالكيّة المَنافع في بيان ماهية المَال،فكل ما لم يمكن حيازته لا يعتبر مالاً وليس له مالية كحق الاختصاص والسبقة ؛ وما يمكم الإنْتفاعُ بِه كالهَواء، أشعةِ الشّمس، فَإنْ أمْكن حيازته عُد مالًا. والعرفُ هو الذي يحدد ما يُعد مَالًا شرعًا كما أنَّ السيرة العقلائية هي الملاك، واختلاف الفقهاء فيما يكون مالًا أو لا يكون هو خلاف إجتهادي مبناه على العرف. وترى الحَنيفيّةُ يبينون المال بأنه ما يمكن إدخاره لوقت الحاجة، وهو ان المال هو مادرة يمكن إحرازها باليد، وما لا يمكن حيازتها كحق الحضانة وحق المؤلف. فذَهبت الشَّافعيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنَّ المنافع عرفاً أموالاً. المَنافع يمكن أن تُحاز محلُّها ومصادرها فإن من يستأجر بيتًا فيدخل فيه ويسكنه يكون قد حازه ذاتًا، ومن استأجر مركبةً فإنّه يكون قد حازَها، فمنع غيره من الانتفاع بها. وبَنى الشّافعيّة والمالكيّة والحَنابلة رأيَهم عَلى عُرف النَاس في بيان المالية.

فالمالُ عند المذهب الامامية

أمّا رَأيُّ المَذهب الامامي الجعفري قال أنَّ المَالَ مَا يَكون لَه مَنفعة محلَّلةٌ مُعتدٌّ بِها عنْد العُقلاء، ويمكن حيَازَته،والتَّصرف فِيه،والاعتبار للعقلاء والعرف السائد الذي يكون قائماً على نكات عقلائية، فما تَعارف عليه، فهو مال([12]). ففي كتاب شَرائع الإسلام الذي يعد الكتاب الثاني بعد الجواهر قال أنَّ المَال هو مَا كان لَه قِيمةٌ، وأمّا الحلي فالمال ما ينتفع به منفعة محللةً بنظر العرف،ومن الأقوال للسّيد الخوئي أنّ المالية تابعةٌ للمنفعة العقلائية المحللة.

الإجارة

وهي التي أجازها الشّارع مبنيًّا على العرف في كيفية إجراءها دون الشروط التي تتعلق باللغة العربية،ولأنَّها تَمليك المنفعة في الحال بِعوض، وإنَّما جُوزَت لِحَاجَة النَّاس إليْها، وقْد تَعارفُوا العَمل وفقها والأدلة عليها قوله ﴿فإنْ أرْضعَن لَكم فآتوهن أجورهن([13]) ولقوله﴿ ليتَخذ بَعضهم بعضًا﴾.

وأمّا السُّنة لقوله ﷺ مَنْ إسْتأجَر أجِيرًا فَليعلمه أجْره، وأنَّ السنة ذكروا من مجمل أدلتهم كقول البُخاري “فأعطوا الأجير حقَه قبلَ أن يَجف عرقه، وبعث النبي ﷺ النَّاس يتعاملون بها عليها وعليه الاجماع([14]).

ومن هنا يتضح أنَّ إباحة الإجارة إنّما شرعت بالنَّص والدليل واضح في اعتمادها؛ ومنْه إقْرَارُ النّبي ﷺ النّاس على عرفهم في الإجارة، وتعامُلهم بها، والإجماع بُنِي على ذلك، فكانت الإجارة في مشروعيتها مبنيّة على العرف،وكذلك في كثير من أحكامها الفرعيّة.  قال صاحب البدائع الاجارة جائزةٌ عند العلماء وقال الأصم أنّها لا تجوز وأنّ القياس ما قاله لما في الاجارة بيع المنفعة والمنافع للحال معدومة وان الذي يكون معدوما لا يحنمل البيع فيكون باطل مع عدميته، إضَافة إلى البيع ما يؤخذ في المستقبل، كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل فإذن لا سبيل إلى تجويزها ؛ولا باعتبار المآل فلا جواز لها رأسًا لكنّهم استحسنوا الجواز بالكتاب و السُّنة.  ومن الأدلة أنَّ رسول الله ﷺ مرّ على رافع بن خديج، وهو في حائط فأعجبه، فقال: “مِن هذا الحائط”. فقال لي يا رسول الله استأجرته. فقال النّبي: “لا تستأجره بشيء منه” خصّ النّبي ﷺ النّهي باستئجاره ببعض الخارج منه؛ ولو لم تكن الإجاره جائزة أصلًا لعمَّ النَّهي إذ النَّهي عن المنكر واجب؛ وكذا بعض النَّبي والنّاس يؤاجرون، ويستأجرون فلم ينكر عليهم فكان تقريرًا منه والتّقرير أحد وجوه السُّنة.  فلقد اعتَمد الفُقَهاء عَلى العَادة والعرف في استنباطات كثيرةٍ مِنَ الأحكام الفرعيّة، وللإجارةِ واحدةٌ منها كما في بَيانِ الأشْياء التي يصح استئجارها، والتي لا يصح، فقَد جَعلوها علّة مقصود العادة([15]). فالإجارة عَقدٌ على منفعةٍ محلّلة مقصودة بعوضٍ معلوم قال تعإلى ﴿إنّي أريدُ أنْ أنْكحك إحْدى ابنتي هاتين على أنْ تَأجُرني ثَمانيّ حجج﴾([16]). أمّا رأيُّ ثقة الإسلام الكليني قال لا بأس أن يستأجر الرجل البيت أقل بأجرة معلومة([17]). وأمَّا الشيخ الأنصاري قال: “الإجارة هي تمليك منفعة بعوض سواء أكانت المنفعة متعلقة بالأعيان أو الأشخاص؛ فيجب تعيين المنفعة وتعيين الأجرة وأن تكون محلّلة الانتفاع. أمّا رأي صاحب الجواهر: والإجارة من العقود اللازمة لا تبطل إلا بالتقايل أو الفسخ.

آراء المذاهبِ الأربعة في الإجارة

فلقد ذهب الحنفي فاعتمد على الاجارة كونها عقد لازم وهي على منفعة محللة بعوض،وأنّ المالكية ذهبت إلى كونِ الإجارة تمليك منفعةٍ بعوضٍ وهي ملزمة للطرفين.

وأنّ الشّافعي ذَهب إلى كَون الإجارة تمليكُ منفعةٍ بعوضٍ، ويجوز إستئجارُ الأَعيان،والأشْخاص بِعوضٍ معلوموأنّ الحَنبلي عرَّف الإجارة بأنَّها تمليكُ منْفَعةٍ بِعوضٍ،وهي عَقدٌ لازِم لِلطرفين بعْد إنْعقاده

المساقاة

فالرجوع إلى العرف في المساقاة عند عدم الاتفاق الصريح مثل ساقيتك على هذا النّخل بثلث، ولو ساقاه عنْد الشّافعيّة بلفظ الإجارة لم يصح، لأنَّ لفظَ الإجارة صريحٌ في عقد آخر. وتصح عند الحنابلة بلفظِ المساقاة، وبلفظ الإجارة، لأنّ القصد هو المعنى، فإذا أتى به بأي لفظ دلَّ عليه صح العقد كالبيع.

ويشترط عند الشّافعيّة القبول لفظًا من الناطق للزومها كإجارة وغيرها،وتصحّ بإشارة الأخرس المفهمة ككتابته من دون تفصيل الأعمال فيها، إذ المرجع في مثله إلى العرف. وقال الحنابلة لا تفتقر المساقاة ويكفي الشروع في العمل قبولًا كالوكالة. وأنّ المالكيّةأجازوا المُساقاة وعدُّوها منَ العقود الصّحيحة،ومنَ الشّروط أن تكون معلومة المدة والعدة. وأنّ الشّافعيّة أجَازوا المُساقاة على النّخل، والشّجر بشرط أن يكون للأجير جزءُ مشاعٍ معلوم منَ الثمرة. وأنّ الحنابلةجوزوها مطلقاً على النخل والشجر.

آراءُ الطائفة الإماميّة

قال الشَّيخ الطُّوسي: المساقاة عقد مُلزم يصح على الأشجار، وقال الحليُّ أنَّ المُساقَاة هي من العقد اللاَّزمة، وهي دَفعُ المال للعامل بنسبة له منَ الثَّمرة. وأمّا صاحب الجواهر فهي من العقود التي لا تبطل الا بانتهاء الزمان او وفق تراضي الطرفين،ومن أنّ الّشيخ الأنصاري الذي اعتمد بالقول على أنّ المساقاةَ عَقْدٌ ملزمٌ.

فالنتيجة: إنَّ المذهب الجعفري جوّزَ المساقاة وهي عقد والاستدلال فيه على السُّنة والإجماع، و الروايات

شرط الكفاءة في الزواج.

 لغةً: فهي المُماثلة في القوّة والشّرف والكفؤ هو المُساوي

اصطلاحًا: فهي كونُ الزوج نظيرٌ للزوجة وهنا لم يشترطوا الأكثر وإنّما وقع الكلام في البنت بالنسبة للرجل دون العكس.

فالاية تدل على حفظ النفس من الطرفين كما في﴿فلا جُناح عليكم فيما فعَلن في أنفسهن بالمعروف([18]) وهو دلالة على الاختيار مع عدم خِيار الغبن في المسألة، وفي مسائل عدم الأخْلاقية أنْ تَضَعَ الشَّريفة نَفسها عنْد زنْجيّ وهو من المنكر في أخلاق الإسلام. وما روي عن النبيﷺ قوله فالعرب بعضهم أكفاء بعض بمعنى الطبقية ورويَّ أيضاً عن النّبيﷺ ان الاولياء هم الذين يزوجونهن من ما يرونه مناسباً لهنَّ.

فالأول: يرى الكفاءة شرطًا كما عن الحَنفيّة والمالكيّة ورواية عن الإمام أحمد وايضا ذكر في المبتديفإذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء فللأولياء بيان العقد.

المذهب الثاني: إنّ الكفاءة ليست شرطًا في صحّة النكاح وبه قال الشّافعيّة؛ والرواية الثَّانية عن الإمام أحمد بما استدلوا بقوله تعإلى ﴿إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليمٌ خبيرٌ([19]). وقالت عائشة إنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبَنّى سالمًا؛ وأنكحه ابنة أخيه هند ابنة الوليد بن عتبة؛ وهو مولى لامرأة من الأنصار، الذي يظهر كون الكفاءة ليست شرطًا في صحّة النّكاح، وذلك لقوة أدّلتهم والمعول عليه في ذلك إنّما هو العرف في كل زمان ومكان.

النتيجة

يقول الحنفي إنَّ الكفاءة ليست شرطًا لصحّة الزَواج، ولكن تُؤخذ في الحسبان عند تفضيلِ الأزواج ؛وأنَّ المالكي يعدُّ أنَّ الكفاءة مهمةٌ وخاصةٌ في النّسب والدّين، ولكنّها ليست شرطًا أساسيًّا لصحّة العقد ؛وأمّا الشّافعي فيقول بالكفاءة التي تعدُّ من الشّروط المهمّة في الزواج خصوصًا في الدّين والنّسب ؛والحنبلي يقولُ أنَّ الكفاءة تُعدُّ أساسيةً في الزواج، ويجب أن يكون الزوج متساويًا مع الزوجة في النّسب والدين.

أمَّا رأي الشّيعة

ذُكِر في بابِ استحبابِ اختيار الزّوجة الكريمة الأصل المحمودة الصّفات؛ وتزويج الأكفياء والتّزويج فيهم عن محمد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن عثمان بن عيسى عن عبد الله بن مسكان عن بعض أصحابه قال: “سمِعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: “إنَّما المرأة قلادة فانظر إلى ما تقلّده”. قال وسمعته يقول: “ليس للمرأة خطرٌ لا لصالحتهن ولا لطالحتهن أمَّا صالحتهن فليس خطرها الذَّهب والفضة بل هي خير من الذّهب والفضة“.

مقدارُ نفقة الزوجة على زوجها

النّفقة اصطلاحًا وهي كفاية من يعولُه عرفاً قوتًا من كسوة ومسكن، فإنَّ نفقة الزَّوجةِ مِن زوجها واجبةٌ.

أمّا في الكتاب: فقد قال تعإلى ﴿وعلى المولودِ له رزقهم وكسوتهن بالمعروف([20]).

والمعروف الكفاية ولأنَّه ساوى بين النفقة والكسوة على قدر حالها فكذلك النفقة ولقوله ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قُدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله([21]).

رأيُّ الإماميّة

ذكر الحر العاملي أنّ النفقة بقْدر كفايتها من المأكل، والملبس لقوله تعإلى: ﴿قدَر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله([22]) قال أنْ أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة. قال الحنفي الإطعام يشمل الطعام والشّراب للزوجة،وأمّا المالكي قال فيجب على الزّوج أنْ يُطعم زوجتَه إذا كانت في حاجة لذلك. وأنّ الشّافعي يقول بالإطعام فيُشترط على الزوج إطعام زوجته، كما أنَّ الزوج ملزم بإطعام زوجته حتّى لو كانت غنيّة بشرط أن تكون النفقة واجبة عليه، والمذهب الحنبليّ قال بالإطعام على الزوج يجب أنْ يكون على قدر الحاجة.

خاتمة

إنَّ ما يمكن استنتاجه أنَّ العرفَ هو مفهومٌ ذو مصداقٍ في أبوابِ الفقه؛ وهذه النّماذجُ السّبعة هي عينةٌ أنَّ المذاهبَ الأربعة ليست فقط ؛بل واعتمدوه طريقًا في الإستنباط، وفي بعض الأحيان هو المنحصر في تصديرِ الحُكم الشرعي، وامَّا الإماميّة فجهلوه مُبَينًا للحقائق الشّرعيّة، وفي ضَبطِ مفاهيمها وحدودها،وأنَّ هذه المقالة تعَبر وتشرِّح مسائلَ شَائكةٍ، كما في إرث البنت الواحدة.

المصادر

  • القرآن الكريم
  • المحقق الحلي، شرائع الاسلام، انتشارات استقلال،طهران، الطبعة الثانية، غير معلوم.
  • المجلسی، محمد باقر، بحارالأنوار، بيروت، النسخه الثانيه، مؤسسة الوفاء، غير معلوم.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، قم، الطبعه الاولى، انتشارات دار الحديث، 1395 ه. ش.
  • القطب الراوندي، سعيد بن هبة الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، قم المقدسه، الطبعه الثانيه، انتشارات دار العلم، 1386ه ق.
  • الفيومي، أحمد بن محمد المقري الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، غير معلوم، دار الفكر للطباعة والنشر، غير معلوم.
  • العلامه الحكيم، السيد محمد تقي، الأصول العامه للفقه المقارن مدخل إلى دراسة الفقه المقارن، بي جا، المجمع العالمي لأهل البيت،2006م.
  • عاملی، محمد بن حسن، وسائل الشيعه، قم، النسخه الثانية، موسسة آل البيت لإحياء التراث ۱۴۱۴ ه ق.
  • الطوسي، الشيخ،الامالي، قم، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، غير معلوم.
  • طباطبائی، سيد محمد حسين، الميزان فی تفسيرالقرآن، بي جا، الطبعه الثالثه، موسسة مطبوعاتی اسماعليان، ۱۳۹۴ق.ه
  • الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، معاني الاخبار، العراق كربلاء، العتبة الحسينيه، 2014م.
  • صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام في ثوبه الجديد، قم، الطبعه الاولي، موسسه دائره المعارف فقه اسلامي، 1421 ه ق.
  • الشيخ الصدوق، من لايحضره الفقيه، ايران، مؤسسه النشر الاسلامي، غير معلوم.
  • الشيخ البهائي، محمد بن الحسين بن عبد الصمد العاملي، كشكول الشيخ البهائي، بيروت لبنان، الطبعه السادسه، موسسه الاعلمي للمطبوعات، 1983 م.
  • راغب أصفهانی، حسين بن محمد، المفردات فی غريب القرآن، قم، النسخة الخامسة، ذوی القربی، 1426 ه ش.

[1]. طالبُ دكتوراه في الجامعة الإسلاميّة سنة ثالثة، درست في الحوزات العلميّة المعروفة داخل لبنان وخارجه، حائزٌ على الإجازة والماجستير من وزارة التربية والتّعليم العالي في فلسفة التربية الإسلاميّة، لدي العديد من المقالات.

PHD student at the Islamic University and a religious scholar who studied in well-known Hawzas (Islamic seminaries) both inside and outside Lebanon.he holds an accredited Bachelors and masters degree from an international university recgnised by the Ministry of Education and Higher Education and translate to Philosophy of Education  gmail: mohamadnimree@gmail.com

 

[2] . الأعراف، الآية 199.

[3]. محمد رضا المظفر، اصول الفقه ؛ محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القران، ج15، ص 322

[4]. هو أحمد بن عبد الرحمن القرافي أبو العباس انتهت اليه رياسة المالكيّة، وهومن صنهاجا من برابرة المغرب عالمًا في زمانه وهو تلميذ عبد السلام النجيب (ت 1285 م) هو أشعري العقيدة.

.[5] البقرة، الآية 233.

[6] . النساء، الآية 12.

[7] . الماوردي، الحاوي الكبير، ج 6، ص 82 .

[8] . الحر العاملي، وسائل الشيعة،ج 26، ص 196.

[9] . محمد بن يعقوب الكليني، الكافي في الاصول و الفروع، ج5، ص 294.

[10] . العلامة الحلي، قواعد الاحكام، ج 2، ص 201.

[11] . ابن رشد، بداية المجتهد، ج2، ص 292.

[12] . المحقق الحلي، شرائع الاسلام، ج 2، ص 12.

[13] . النساء، الاية 24 ؛ الزخرف، الاية 32.

[14] . علاء الدين ابو بكر الحنفي، بدائع الصنائع، ج 5 ص2554 .

[15] . علي خفيف، مختصر احكام المعاملات ، ص 187.

[16] . القصص، الآية 27.

[17] . محمد بن يعقوب الكليني، الكافي في الأصول والفروع، ج 5، ص 20.

[18] . البقرة ، الآية 234.

[19] . الحجرات، الاية 13.

[20] . البقرة،الايه 233.

[21] . الطلاق، الايه 7.

[22] . الطلاق، الآية 7.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.