عنوان البحث: الجدليّة حول إلزاميّة الشّورى وإعلاميتها "دراسة مقارنة لأدبيات الشّورى عند بعض قادة الفكر الإسلامي"
اسم الكاتب: د. رابعة فتحي يكن
تاريخ النشر: 2026/07/13
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 44
الجدليّة حول إلزاميّة الشّورى وإعلاميتها
“دراسة مقارنة لأدبيات الشّورى عند بعض قادة الفكر الإسلامي”
(فتحي يكن وسيد قطب)
“The Debate on the Obligatoriness and Advisory Nature of Shura“
“A Comparative Study of the Writings on Shura”
)by Fathi Yakan and Sayyid Qutb(
د. رابــــعة فـتحي يكـــــن[1]Dr.
تاريخ الإرسال:12-6-2026 تاريخ القبول:24-6-2026
الملخّص turnitin:20%
يهدف البحث إلى كشف أوجه الاتفاق والاختلاف في تصوّر فتحي يكن وسيد قطب لمبدأ الشّورى، وعلاقته بمفاهيم عّدة مثل الحرية، والمسؤوليّة، والإمامة، والعمل الجماعي، لذا لا بدّ من تناول قضيّة جدليّة الشّورى بين الإلزام والإعلام، من خلال دراسة مقارنة لأدبيّات الشّورى عند كلا المفكرين، انطلاقًا من فرضيّة أنّ مفهوم الشّورى في الإسلام لا يقتصر فقط على آلية تشاوريّة في الحكم، بل هو منظومة فكريّة وقيميّة تعبّر عن مبدأ المسؤوليّة الجماعيّة في اتّخاذ القرارات، ضمن إطار العبوديّة لله تعالى. ويسعى إلى تحليل رؤية فتحي يكن التي تميل إلى تأطير الشّورى ضمن بنية تنظيميّة سياسيّة، ترتبط بمفهوم العمل الجماعي ضمن الحركة الإسلاميّة، في مقابل رؤية سيّد قطب التي تركّز على البُعدين: العَقدي والتربوي للشورى بوصفهما مظهرًا من مظاهر السيادة لله، كما يدرس البحث كيف تعامل كلٍّ منهما مع ثنائيّة الإلزام والإعلام، وهل تُعدّ الشّورى عندهما مُلزمة لصاحب القرار أم ذات طابع إرشادي إعلامي يهدف إلى إشراك الأمة في المسؤوليّة من دون تقييد القرار النهائي؟
للوصول إلى حلول واضحة تعتمد الدّراسة على منهجٍ تحليليٍّ مقارن يستند لتحليل عددٍ من النصوص الأصليّة؛ والمراجع الفكريّة عند كلٍّ من يكن وقطب. وخلصت النّتائج إلى أنّ الشّورى بفكر فتحي يكن تُمثِّلُ قيمةً مؤسَسيّةً وتنظيميّة تسعى لتحقيق العدالة والمشاركة، بينما تتّخذ عند سيد قطب طابعًا عقديًّا وتعبديًّا قبل كونها آلية حكم، ما يجعل جدليّة الإلزام والإعلام ساحةً للتكامل لا للتناقض بالرؤية الإسلامية المعاصرة.
كلمات مفتاحية : الجدليّة – إلزامية الشّورى – إعلاميتها -أدبيات – قادة – الفكر الإسلامي- فتحي يكن- سيد قطب،
Abstract
This study aims to identify the points of convergence and divergence between the conceptions of shūrā (consultation) advanced by Fathi Yakan and Sayyid Qutb, and to examine its relationship with several key concepts، including freedom، responsibility, leadership (imāmah), and collective action، Particular attention is given to the debated issue of shūrā as either binding or advisory, through a comparative analysis of the literature and intellectual writings of both thinkers.
The study proceeds from the hypothesis that the concept of shūrā in Islam is not merely a consultative mechanism of governance; rather، it constitutes an intellectual and ethical framework that embodies the principle of collective responsibility in decision-making within the broader context of servitude and submission to God.
The research seeks to analyze the vision of Fathi Yakan، who tends to conceptualize shūrā within an organizational and political structure linked to the notion of collective action in the Islamic movement, in contrast to the perspective of Sayyid Qutb، who emphasizes the doctrinal and educational dimensions of shūrā as an expression of God’s sovereignty (ḥākimiyyah). The study also explores how each thinker approached the duality of binding versus advisory consultation and investigates whether shūrā is regarded as obligatory upon the decision-maker or as a consultative and informative process intended to involve the community in responsibility without restricting the final authority of decision-making.
To achieve these objectives، the study adopts a comparative analytical methodology, based on the examination of primary texts and major intellectual sources produced by both Yakan and Qutb. The findings indicate that, in the thought of Fathi Yakan, shūrā represents an institutional and organizational value aimed at promoting justice and participation, In the thought of Sayyid Qutb, however، shūrā assumes a primarily doctrinal and devotional character before functioning as a mechanism of governance, Consequently, the debate between the binding and advisory nature of shūrā emerges not as a contradiction but as a complementary dimension within contemporary Islamic thought.
Keywords: Dialectics; Binding Nature of Shūrā; Advisory Nature of Shūrā; Shūrā Literature; Leaders; Islamic Thought; Fathi Yakan; Sayyid Qutb.
الفصل الأول: الإطار النّظري للبحث
أوّلاً: مقدّمة
خصّ الله سبحانه وتعالى سورة بأكملها عن الشّورى هي سورة – الشّورى – لعظيم مكانتها في الإسلام في الحياة، وأتى لبناء مجتمعٍ يقوم على الآراء الحكيمة المبنيّة على تبيان الحق، وإعمال الفكر وتبادل الآراء بين أفراد المجتمع، إذ إنّ كلّ فردٍ ينظر ويقرأ ويطّلع على أيّ قضيةٍ من زاويةٍ قد لا ينظر إليها فرد آخر، ويستخرج حقيقة أو وجهًا من وجوه الحقّ، هنا تتباين الآراء إذ من الضروري أن تخضع لعمليتي: القَبول أو الرّفض، التّقديم أو التّأخير، فتظهر الحقيقة ناصعة، وقد تخالفت العقول المختلفة على تنقيتها من الشّوائب، فلا يدّعى أي فرد نسبتها إليه لأنّها ثمرة الإجماع.
فالشّورى أصل جوهري في إدارة الشؤون الجماعيّة، ولا بدّ لها من أن تضمن الحريّة في إبداء الآراء ما لم تمسّ أصلًا من أصول الدّين، وقد قرّر الإسلام مبدأ الشّورى لكنّه ترك نظامها من دون تحديد، كي يتيح للناس أن يختاروا في كلّ زمنٍ وبيئة ما تدركه عقولهم، فشؤون النّاس تتعدّد بتعدّد عناصر الحياة وتطوّرها، وليس من الشّورى أن يكون الإنسان منقادًا إلى آراء غيره، بل عليه أن يكون باحثًا وموافقًا عليها على بصيرة ومعرفة، ولا شكّ في أنّ أهل الشّورى هم أولو الأمر من الأمّة الذين عُرفوا بالحكمة من أهل الاختصاص والمعرفة في الشؤون المختلفة، ومن المهم الأخذ بما يتّفقون عليه في المسائل الاجتهاديّة، أو بما يترجّح فيها عن طريق أغلبية الآراء من خلال الاعتماد على قوة الحُجّة والدليل الشرعي. وأولو الأمر في الشّورى كثيرون، منهم الحكّام والعلماء والفقهاء ونواب الأمة، والمؤسّسات التي تتكوّن مجالسها عن طريق الانتخاب الذي يتمكّن فيه كلّ فردٍ من اختيار الممثلين للجماعات والأفراد عن جدارة واختصاص، وقد ورد في كتب التفسير أنّ الحسن البصري رحمه الله قال: ما تشاور قوم قطّ إلا هُدُوا لأرشد أمرهم([2])، فقد كان النّموذج الذي يقتدى به في موضوع الشّورى، إذ كان ينزل على رأي الأكثريّة في الأمور الدّنيويّة التي لم ينزل فيها وحي، وقد سُئل عن العزم في قوله تعالى: ﴿وشاورْهم في الأمر، فإذا عزمتَ فتوكَّل على الله﴾([3])، فقال: “مشاورة أهل الرأي ثمّ أتباعهم”([4]).
ويرى سيّد قطب ” أنّ أمر الله للنبي ﷺ بـ الشّورى جاء على الرّغم من كمال عقله ووحيه من الله وذلك تربيةً للأمة، وتعليمًا لها هذا المبدأ العظيم في إدارة شؤونها، فالشّورى — كما يقول — ليست مجرد وسيلة للحكم، بل هي سمة من سمات المجتمع المسلم، وطابع من طباع الحياة الإسلاميّة التي تقوم على المشاركة لا الاستبداد”([5]). وقد فتح الإسلام أمام المسلمين أبوابًا واسعة حول التطوّر بالتزام مبدأ الشّورى، ولم يحدّد أسلوبًا معينًا، لكنّه أهاب بالفرد أن تكون له حرية الرأي في مشورته، وألّا يكون إمعة تابعًا لغيره تبعيّة عمياء، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في سياق وصيته المشهورة التي ينهى فيها عن التبعيّة العمياء للناس، “لست بإمعة في الرجال يسائل هذا وذا ما الخير”([6]).
تأسيسًا على ما سبق، تُعدّ الشّورى من أبرز المفاهيم المركزيّة في الفكر الإسلامي المعاصر، لما تمثّله من ركيزة في بنية الحكم والإدارة، ومظهرٍ من مظاهر المشاركة في اتخاذ القرار، غير أنّ مسألة إلزاميّة الشّورى أو إعلاميتها بقيت مثار جدلٍ واسع بين المفكرين والباحثين في الفكر الإسلامي، إذ تباينت الرؤى بين من يراها ملزمةً للحاكم أو للأمير أو للجماعة، ومن يعدّها مجرد رأيٍ استشاري غير ملزم. وفي ظِلّ هذا التّباين والجدليّة، تبرز أهمّيّة العودة إلى أدبيّات المفكّرين الإسلاميين الذين تناولوا أدبيّات الشّورى في إطارٍ فكريٍّ وحركيٍّ، وفي مقدّمتهم فتحي يكن الذي قدّم طرحًا متوازنًا يجمع بين النظريّة والممارسة من خلال تجربته الدّعويّة والحركيّة والتّنظيميّة والسياسيّة، فتناول الشّورى بوصفها أسلوب القيادة الإسلاميّة الرشيدة، وركيزة في اتخاذ القرار الجماعي، أمّا سيد قطب، فقد صاغ رؤيته في ظلّ مشروعه الإسلامي الشّامل المرتكز على الحاكميّة والمرجعيّة القرآنيّة. من هنا هدف البحث إلى تحليل الرؤية الفكرية لكلا المفكرين حول مفهوم الشّورى، في إلزاميتها وإعلاميتها، ومقارنة الأسس الشرعيّة والفكريّة التي استند إليها كلاهما، مع استجلاء أثر السّياق التّاريخيّ والحركيّ في تشكيل مواقفهما، كما سعى إلى كشف التحوّلات في فهم الشّورى بين التّنظير الفقهي، والرؤية المعاصرة التي تربط الشّورى بمفاهيم المشاركة والحرية والمسؤوليّة السياسيّة.
أهميّة الدّراسة
تتحدّد أهمّيّة البحث، كونها تسعى إلى معرفة أهمّية الشّورى في الإسلام، ومتى تكون ملزمة؟ ومتى تكون معلمة؟ ومدى اعتماد قادة الفكر الإسلامي – فتحي يكن وسيد قطب – على مبدأ تطبيقها، كما وترجع أهمّيّتها في كونها ليست نظرية سياسية أو قاعدة لدستور الحكم، بل هي الأساس الشرعيّ لنظام المجتمع الذي يلتزم بحقّ الإنسان، من هذا المنطلق، فإنّ دراسة الشّورى ليست محدودة في نطاق نظام حكم إسلامي، ولا مبادئ سياسية عامّة تقيد سلطة الحكام، بل هي أعمق نطاقًا وأوسع، فكما تستمدّ منها الأمّة وحدتها وسلطانها، فإن المجتمع يستمد منها تضامنه وتكافله. وترجع أهميتها بوصفها أَلفة للجماعة وسببًا نحو الرأي الصائب، ويكفي دلالة على أهميتها أنّ رسول الله ﷺ كان كثيرًا ما يشاور أصحابه، ويشهد على ذلك ما ورد في السنّة القوليّة: “ما رأيت أحدًا أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم”([7]). وتأتي أهميتها أيضًا من كونها: تتعلّق بكلّ ما يخصّ محيط الجماعة سواءً المتعلّقة بشؤونها الاجتماعيّة أم السياسيّة أم التّنظيميّة أم الماليّة، فليست الشّورى تخصّ شأنًا واحدًا من الشؤون الحياتيّة. تنبع أهمية هذا البحث من كونه يسعى إلى تأصيل مفهوم الشّورى، ضمن الأطر: الدّينيّة والاجتماعيّة والسياسية، وإبراز الجدليّة الفكريّة بين الإلزام والإعلام في ضوء اجتهادات عدّة، تسهم في تجديد الخطاب الإسلامي، وتوضح العلاقة بين النظريّة والممارسة في الفكر الإسلامي المعاصر. ولأنّ الشّورى في الفكر الإسلامي تُعدّ من المبادئ التي تهدف لمشاركة المجتمع باتخاذ القرارات وضمان العدالة والمساءلة، جاء هذا البحث مسلّطاً الضوء على رؤية فتحي يكن وسيد قطب حول الشّورى، مع مقارنةٍ وتحليلٍ وصولاً للدروس المستفادة من كليهما.
د- جديد الدّراسة الحاليّة
تمثّل الجديد في إضاءتها على اثنين من قادة الفكر الإسلامي فوصّفت أدبيّات الشّورى عندهما، إذ لم تسبقها دراسة علمية من قبل (على حدّ علم الباحثة)، كما تتميّز بجدّتها من خلال مجموعة من الجوانب الفكريّة والمنهجيّة التي تجعلها إضافة نوعية لحقل الدّراسات الإسلاميّة والفكريّة، ويمكن تلخيص هذه الجِدّة كما يأتي:
1- المقارنة بين فتحي يكن وسيد قطب: على الرّغم من كثرة الدراسات التي تناولت فكر كليهما على حدة، إلّا أنّ هذه الدّراسة تُعدّ من أوائل الدّراسات التي تقارن بينهما في تناول مفهوم الشّورى، خاصة من زاوية الإلزامية الجماعية، بما يتيح فهمًا أعمق للتباينات الفكريّة بين المدرستين.
2- إدخال مفهوم “الإلزاميّة الجماعيّة”: سعت الدّراسة إلى إعادة تأصيل مفهوم الشّورى في ضوء الإلزام الجماعي، وهو بُعدٌ لم يُتناوَل بعمقٍ في الدّراسات السّابقة، ما يجعلها تسهم في تطوير النّظريّة الإسلاميّة نحو فهم أكثر مؤسّسيّة للشورى المعاصرة.
3- ربط الفكر الإسلامي بالواقع الاتصالي الحديث: من أبرز مظاهر الجِدّة في هذه الدّراسة أنها تُسقط مفاهيم الشّورى على واقع الإعلام الحديث، في محاولة لإبراز العلاقة بين القيم الإسلاميّة وممارسات الاتصال المعاصر، في الحوار، والمشاركة، والتعددّية، والوعي الجماعي.
منهج البحث: اعتمدت الباحثة على المنهج المكتبي (أو المنهج الوثائقي): “هو أسلوب من أساليب البحث العلمي يعتمد على جمع المعلومات والبيانات من المصادر والمراجع المكتوبة مثل الكتب الدوريات، الدّراسات السّابقة، الوثائق، والتقارير، ومن ثَمّ تحليلها وتحقيقها، واستخلاص النّتائج منها للوصول إلى معرفة جديدة أو توضيح فكرة قائمة، يُستخدم هذا المنهج _عادة_ عندما يكون موضوع البحث نظريًّا أو فكريًا فلا يتطلّب دراسةً ميدانيّةً مباشرة”([8]). فإنّ اعتماد منهج تحليلي مقارن وجدلي وتجمي الذي اعتمدته الدّراسة على منهج تحليلي مقارن يقوم على دراسة النصوص الفكرية للمفكرين ومقارنتها بواقع الممارسة الاتصالية، مع تحليل جدلي يهدف إلى الكشف عن نقاط الالتقاء والاختلاف وتقديم رؤية جديدة تجمع بين الفكر الإسلامي والإعلام.
أهداف الدّراسة: تهدف الدّراسة إلى:
- التعرّف إلى قيمة الشّورى وأهميتها في الإسلام.
- تحليل مفهوم الشّورى عند كلّ من فتحي يكن وسيّد قطب.
- مقارنة أوجه التّشابه والاختلاف بين الرؤيتين.
- معرفة متى تكون الشّورى ملزمة ومتى تكون معلمة.
- تقديم توصيات عملية لتعزيز فاعلية الشّورى في المجتمع.
أسباب اختيار الموضوع: تعود أسباب الاختيار إلى معرفة أهمية الشّورى في الإسلام، بوجود جدليّة لا تزال مستمرة حول الكثير من المسائل المتصلة بها عند المفكرين الإسلاميين، من ذلك: هل الشّورى ملزمة أم معلمة؟ وما مدى إلزام المفكرين بما تنتهي إليه المشاورة بين أهل العلم والخبرة؟ وما هي صفات أهل الشّورى؟ إلى غير ذلك من التساؤلات، بناءً على ذلك، كانت أهمّية طرح هذه الجدليّة على بساط البحث وما يتّصل بها من مسائل، في محاولة للوصول إلى حقيقة فهم الموضوع.
الدّراسة والكلمات المفتاحية والتعريفات الإجرائيّة: ترتكز الدّراسة على مجموعة مصطلحات شكّلت لها الأطر المعرفيّة، وتمسك بيد الباحثة إلى فهم مراميها:
- الجدلية: هي “طريقة في التفكير والتّحليل تعتمد على دراسة التناقضات في الظواهر والأفكار، وكيفيّة تفاعلها وتطوّرها للوصول إلى الحقيقة. لا تعبّر الجدليّة في سياق البحث عن صراع سلبي، بل عن حركةٍ فكريةٍ تسعى إلى إعادة قراءة مفهوم الشّورى في ضوء التحدّيات المعاصرة، كما طرحها مفكران معاصران فتحي يكن وسيد قطب اللذان قدّما رؤيتين تسعيان إلى تعزيز مفهومها كقيمة مضافة في مواجهة الجمود الفكري.
ب. الشّورى: يمكن تعريفها كمجهود فكريّ جماعيّ يهدف إلى تبنّي موقفٍ مشتركٍ بخصوص موضوعٍ سياسيٍّ، اقتصاديّ، دينيّ وغيره، لم تتمّ معالجته بشكلٍ صريحٍ أو ضمني في القرآن الكريم، وعليه فقد اتخذ المسلمون مبدأ الشّورى في شؤون حياتهم، فهي أصل من أصول الحكم في الإسلام، وعرّفها بأنّها طلب الرأي من أهل العلم والرأي”([9]).
ج. الإلزام ( في سياق الشّورى): “أو الالتزام (Obligation)، يُقصد به مدى وجوب التزام المفكرين بنتائج الشّورى وتنفيذ ما تُقرّره الجماعة من رأي، أي البحث في حدود إلزامية الشّورى في النظام الإسلامي بين كونها ملزمة للحاكم أو مجردة من الإلزام وتبقى استشاريةّ([10]).
د. الإعلام (في سياق الشّورى): “يُقصد بـ الإعلام في الشّورى أن تكون المشورة معلِمةً للحاكم، أي أنّها مجرّد استطلاع رأي وإحاطة علميّة به أو تبيان لوجهات النظر من دون أن تترتّب عليها إلزاميّة تنفيذ القرار.
هـ.القادة: يُفهم القائد في السياق الاجتماعي والسياسي على أنّه من يوجّه مسار الجماعة أو الكيان، ويتحمّل مسؤولية قراراته واتجاهاته، مستندًا إلى رؤية واضحة وقيمٍ إيجابية في توجيه الآخرين نحو الطريق الأمثل”([11]).
. الفكر الإسلامي: الفكر الإسلامي هو حصيلة النّشاط العقليّ الواعي الذي يسعى إلى فهم الإسلام فهمًا متجدّدًا وشاملًا، انطلاقًا من مصدريه الأصيلين القرآن الكريم والسنة النبويّة، مع الاستفادة من الاجتهاد العقلي والخبرة الإنسانيّة في تفسير النّصوص وتنـزيلها على الواقع.
الدّراسات السّابقة: تشكّل الدّراسات السّابقة ركيزة علميّة لكلّ دراسة، وهي عنوان ثبات مصداقيّتها، والقياس عليها من أجل تميّزها من خلال تبيان الإضافات العلميّة التي تقدّمها، منها:
- دراسة (جمعة 2024) بعنوان (مبدأ الشّورى في الفقه السياسي الإسلامي): تناولت مسألة إلزاميّة الشّورى أو عدمها من منظور الفقه السياسي الإسلامي، فيناقش الباحث الأثر الدّستوري والسياسي المترتب على أساس الشّورى ملزمة أو استشاريّة. وركّزت الدّراسة على تحليل النّصوص الشّرعيّة والممارسات التّاريخيّة لتحديد الطبيعة الفقهية للشّورى، وإذا كانت تشكّل واجبًا حاكمًا بنظام الحكم الإسلامي أم مجرد وسيلة استشاريّة مرنة، وتكتسب الدّراسة أهمّيّة خاصة؛ لأنّها تمثّل المدخل الفقهي المباشر إلى جدليّة الإلزام والإعلام التي يُعالجها البحث في سياق الفكر الإسلامي المعاصر، فبينما ينطلق جمعة من تحليل فقهي للنصوص، يسعى هذا البحث إلى استكشاف أبعاد الفكرة نفسها من منظور فكري وفلسفي عند فتحي يكن وسيد قطب، وكيف تحوّلت الشّورى عندهما من مفهوم فقهي إلى رؤية فكرية وسياسية متكاملة،”[12]
- دراسة (العتيبي 2019) في رسالته للماجستير بجامعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة بعنوان( مفهوم الشّورى في الفكر السياسي الإسلامي)، تناولت مسألة مفهوم الشّورى من خلال مقارنة بين رؤية أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، مع التّركيز على الاختلاف في التّطبيق العمليّ والمرجعيّة السياسيّة بين الاتجاهين، وتأتي صلتها ببحثي إذ يتناول مسألة “الشّورى بين الإلزام والإعلام” في الفكر الإسلامي المعاصر، والعتيبي يوفر منظورًا تحليليًا لموقفين فكريين مهمّين (المودودي وقطب) حول الشّورى، ما يعزّز البعد المقارن في البحث، من جهة، تضع دراسة العتيبي قاعدة تاريخيّة وفكريّة تُسهم في فهم كيف تطوّرت فكرة الشّورى من مفكّر إلى آخر، ومن جهة أخرى، تهيّئ الأرضيّة للمقارنة بين سيد قطب وفتحي يكن، لإبراز التمَوضع المختلف للشّورى من قيمة أخلاقيّة إلى إلزام تنظيمي”([13]).
- دراسة (فتاح 2016) بعنوان (الشّورى في الفكر السياسي الإسلامي) تناول فيها الشّورى في سياق الفكر السّياسي الإسلامي الحديث، تسلّط الضوء على تطوّر المفهوم، وأبعاده السياسيّة والتّنظيميّة، وتُقيّم كيف يُنظر إليها كآلية حكم أو استشارة، وفي سياقٍ موازٍ لما قدّمه البوطي من رؤية قيميّة للشورى، تناول “مفهوم الشّورى ضمن إطار الفكر السياسي الإسلامي الحديث، مسلّطًا الضوء على تطور المّفهوم وأبعاده السياسيّة والتنظيميّة، وقد ركّز فتّاح على تحليل كيفيّة تحوّل الشّورى من قيمة أخلاقيّة إلى آلية للحكم والإدارة في التّجارب الإسلاميّة الحديثة، مبيّنًا أنّها أصبحت أداةً لقياس مدى التزام الأنظمة السياسيّة بالمبادئ الإسلاميّة.
يكتسب هذ البحث أهمّيته، إذ يُمثّل حلقة وصل بين المنظور القيميّ الذي طرحه البوطي، والرؤية التّطبيقيّة التي قدّمها كلٌّ من فتحي يكن وسيد قطب، فتتيح فهمًا عميقًا لكيفية تبلور الجدل بين الشّورى كقيمة أخلاقيّة والشّورى كإلزام سياسيّ أو إعلامٍ تنظيمي، ما يشكّل جوهر هذا البحث المقارن في الفكر الإسلامي المعاصر”([14]).
- دراسة (الزيد (2014 بعنوان (الفكر السياسي عند سيد قطب): تُعدّ من المصادر الجوهريّة التي تناولت بعمق التصوّر السياسي والفكري لسيد قطب، ولا سيّما موقفه من الشّورى والحاكميّة، فقد ركّز الزيد على تحليل رؤية قطب لجدلية العلاقة بين الشّورى والدّيمقراطيّة الغربية، مبيّنًا أنّ قطب يعدُّ الشّورى واجبًا جماعيًّا لا مجرد مشورة اختياريّة، لكنّها مقيّدة بالضّوابط الشّرعيّة وبالقيادة المؤمنة التي تُجسّد مرجعيّة الإسلام في الحكم، وتكمن أهمّية هذه الدّراسة في بحثي في كونها تُقدّم قراءة تفصيليّة ومنهجيّة لفكر سيد قطب السياسي، ما يجعلها مرجعًا رئيسًا في الجانب الخاص بالمقارنة بين قطب وفتحي يكن، فهي تساعد على تحديد ملامح الإلزام في فكر قطب، وتوضّح كيف انتقل من المفهوم الأخلاقي للشورى إلى الإلزام الشّرعي والسياسي، وهو ما يشكّل أحد محاور البحث الأساسيّة في دراسة جدلية الإلزام والإعلام في الفكر الإسلامي المعاصر”([15]).
- دراسة (أبوعنزة2013) بعنوان (الشّورى والدّيمقراطيّة في الفكر السياسي العربي الإسلامي المعاصر): يحلّل العلاقة بين الشّورى والدّيمقراطية في الفكر الإسلامي المعاصر، إذ يرى أن الشّورى مفهوم أصيل، والدّيمقراطيّة مفهوم منقول، ويُعرّف أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما، مبينًا أنّ الشّورى تُعدّ مفهومًا أصيلًا في المنظومة الإسلاميّة، في حين أنّ الديمقراطية مفهوم منقول من الفكر الغربي، وقد سعى الباحث إلى تحديد نقاط الالتقاء والاختلاف بين المفهومين، مبرزًا كيف حاول المفكرون المعاصرون التوفيق بين الخصوصيّة الإسلاميّة ومتطلبات العصر، تبرز أهمّية هذه الدّراسة في سياق هذا البحث، لأنّها تسهم في توضيح الأبعاد الجدليّة لمفهوم الشّورى بين كونها التزامًا شرعيًّا يوجّه نظام الحكم، أو مجرد آلية إعلامية واستشارية، وهي النقطة التي يشكّل حولها هذا البحث محورًا مقارنًا بين فتحي يكن وسيد قطب في رؤيتهما لطبيعة الشّورى وموقعها من الفكر السياسي الإسلامي الحديث”([16]).
- دراسة (الموصللي (2007 بعنوان (جدليّات الشّورى والديموقراطية: تناولت الديمقراطية وحقوق الإنسان في الفكر الإسلامي) ضمن الإسهامات التي تناولت التحوّلات الفكريّة في مفهوم الشّورى في سياق المعاصرة والتّعددية، يركّز الموصللي على الجدليّة القائمة بين الشّورى والدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان، موضحًا كيف سعى الفكر الإسلامي المعاصر إلى توظيف الشّورى كآليّة حضاريّة تعبّر عن روح الإسلام، وفي الوقت نفسه تتفاعل مع متطلّبات الدولة الحديثة، وتبرز أهمّيّة هذه الدّراسة في إطار هذا البحث لأنها تعمّق النقاش حول الطابع الإلزامي، أو الإعلامي للشورى في ظلّ التّحوّلات السياسيّة والفكريّة المعاصرة، فهي تبيّن كيف تحاول الكتابات الإسلاميّة المحدّثة أن توازن بين الأصالة الإسلاميّة والانفتاح على القيم الحديثة، وهو ما يشكّل صلب المقارنة التي يسعى هذا البحث إلى إبرازها بين فتحي يكن وسيد قطب في موقفيهما من الشّورى كقيمة وكممارسة في الفكر الإسلامي الحديث”([17]).
- دراسة (كامل (2005 بعنوان (الفكر الحركي عند فتحي يكن): تُبرز العمق الحركي والفكري لرؤية يكن في مفهوم الشّورى، إذ ربطها بالممارسة الدّعويّة والتّنظيميّة، مؤكداً أنّ الشّورى ليست مجرد آلية إداريّة، بل عبادة جماعية تعبّر عن طاعة الله والتزام الجماعة بروح الإسلام، وتضمن التّوازن في القيادة وتحقيق المشاركة الجماعيّة في اتخاذ القرار، وتكمن صلة هذه الدّراسة ببحثي في أنّها توضّح كيف انتقل مفهوم الشّورى عند فتحي يكن من مجرد نظريّة إلى تطبيق عملي حركي، فتصبح الشّورى إلزاميّة في إطار الجماعة من ناحية الالتزام الرّوحي والفكري، لا من منطلق قانوني بحت، ويكتسب هذا المعنى أهمّيته في المقارنة مع فكر سيد قطب، إذ يركّز قطب على الشّورى كركيزة عقديّة وتشريعيّة ضمن النظام الإسلامي، بينما يقدّم يكن الشّورى كأداة حركيّة وتنظيميّة تُمارَس يوميًا ضمن الجماعة لضمان التّوازن في القيادة والمشاركة الفعّالة، ومن هنا، تصبح دراسة كامل مصدرًا مهمًا في بحثي لفهم جدلية الإلزام والإعلام في الفكر الإسلامي المعاصر، ولتوضيح الفارق بين البعد التطبيقي عند يكن والبعد العقدي عند قطب([18]).
- دراسة (عمارة(2001 : تناول فيها (الشّورى في الفكر الإسلامي الحديث: دراسة تحليليّة مقارنة تطوّر مفهوم الشّورى منذ عهد النبوة حتى الفكر الإسلامي المعاصر)، مقدّمًا تحليلًا مقارنًا لآراء سيد قطب وأبي الأعلى المودودي وحسن البنا، يرى عمارة أنّ الشّورى في جوهرها نظام سياسي تعبّدي لا يجوز تعطيله أو تجاوزه؛ لأنها تمثل الضمانة الشّرعيّة لسلطة الأمة ومظهرًا من مظاهر العبوديّة الجماعيّة لله تعالى، كما أكّد البعد الجماعي في اتخاذ القرار ورفض الانفراد بالسلطة، عادًّا أنّ الشّورى ليست مجرّد وسيلة بل مبدأ أصيل من مبادئ الحكم الإسلامي، وتتّصل هذه الدّراسة ببحثي اتصالًا مباشرًا من خلال ما تقدّمه من قاعدة فكرية تربط سيد قطب بمدرسة فكريّة متكاملة تضمّ المودودي والبنا، وهي المدرسة التي شكّلت الإطار المرجعي لفكر قطب في مسألة إلزاميّة الشّورى وموقعها من نظام الحكم بذلك تسهم دراسة عمارة في توسيع الأفق المقارن لبحثي، من خلال وضع رؤية سيد قطب في سياقها الفكري الأوسع، ومقارنة موقفه بموقف فتحي يكن الذي استلهم من المدرسة ذاتها مع اختلاف في الأسلوب والتّطبيق([19]).
- دراسة (القرضاوي 1997) بعنوان (الشّورى وأثرها في بناء الدّولة الإسلاميّة): تُعدّ من أبرز الإسهامات التي تناولت البعد الإلزامي للشورى في إطار الفكر السياسي الإسلامي، فقد رأى القرضاوي أنّ الشّورى ركيزة أساسيّة للحكم الإسلامي، وعدّها واجبًا شرعيًّا إلزاميّا لا استحبابيًّا، لأنّ إهمالها يؤدّي إلى فساد نظام الأمّة وانهيار مؤسّساتها، كما قارن بين الشّورى في الإسلام والديّمقراطية الغربيّة في الوسائل والغايات، مبيّنًا أنّ الإسلام سبق في إرساء مبدأ المشاركة السياسيّة على أساس من القيم والضوابط الشّرعيّة، وتكتسب هذه الدّراسة أهميتها في سياق هذا البحث؛ لأنّها تلامس صميم الإشكاليّة المركزيّة حول ما إذا كانت الشّورى ملزمة أو إعلاميّة، وتقدّم منظورًا شرعيًّا مؤصّلًا يمكن من خلاله فهم المواقف الفكرية لكلٍّ من فتحي يكن وسيد قطب.
فالقرضاوي مثّل حلقة وصل بين الاتجاه الفقهي الكلاسيكي والطرح الفكري الحركي، وهو ما يجعل موقفه مرجعًا لفهم تطوّر فكرة الإلزام بالشّورى كما تجلّت في الفكر الإسلامي المعاصر([20]).
- دراسة (البوطي1989) بعنوان: (الشّورى في الإسلام): بحث خلالها المؤلف في الشّورى كمنهج إسلامي شامل، وربطها بمفهوم التّعاون والعبوديّة لله سبحانه، إذ أكّد أنّ الشّورى ليست مجرّد شكلٍ سياسيٍّ، بل هي قيمةٌ أخلاقيّة واجتماعيّة، وقد رأى أنّ الشّورى منهجٌ إسلامي شامل يقوم على العبوديّة لله تعالى، ويعبّر عن التّكامل بين التّعاون الإنساني والمسؤوليّة الجماعيّة، فالشّورى عنده ليست مجرّد آليّة لاتّخاذ القرار أو نظام حكم، بل هي قيمة أخلاقيّة تعبّر عن جوهر التصوّر الإسلاميّ للحياة والعلاقات الاجتماعيّة، ويكتسب هذا التصوّر أهميته في هذا البحث، إذ يشكّل القاعدة الفكريّة التي انطلقت منها الجدليّة الحديثة حول الشّورى بين كونها ملزمة أو إعلاميّة، فبينما قدّم البوطي الأساس القيمي العام للشورى، اتجه كلٌّ من فتحي يكن وسيد قطب إلى معالجة البعد التطبيقيّ والسياسيّ لها في الفكر الإسلامي المعاصر، ما يفتح المجال لمقارنةٍ تكشف كيف تحوّل المفهوم من قيمةٍ أخلاقية مطلقة إلى قضيةٍ إجرائية مرتبطة بالسلطة واتخاذ القرار”([21]).
التعليق على الدّراسات السّابقة: ساعدت الدّراسات السّابقة على سبر أغوار الموضوع والاطّلاع على مفهوم الشّورى ومعانيها وأهميتها في الإسلام، وصولاً إلى العديد من الاستنتاجات ذات الصّلة، ومعرفة أشمل حول مدى اعتماد قادة الفكر على ترسيخ مبدئها إذ استفادت من توظيف تجارب السّابقين في الوصول إلى تشخيص المشكلة. تشير الدّراسات السّابقة إلى أنّ مفهوم الشّورى في الفكر الإسلامي، شهد تطورًا واضحًا من قيمة أخلاقيّة واجتماعيّة إلى مبدأ فقهي وسياسي تطبيقي، وهو صلب هذا البحث الذي يتناول جدليّة الإلزام والإعلام في الفكر الإسلامي المعاصر، فقد وضع البوطي (1989) الأساس النّظري، عادًّا الشّورى منهجًا شاملًا يرتبط بروح التّعاون والعبوديّة لله، ويُبرز بُعدًا أخلاقيًّا واجتماعيًّا قبل أيّ اعتبارٍ سياسيٍّ، وهو ما يوفّر المرجعيّة الأخلاقيّة التي اعتمد عليها مفكرو العصر الحديث، من جانب آخر، ركّز الموصللي (2007) على جدليّة الشّورى مع مفاهيم الديموقراطيّة وحقوق الإنسان ، مستعرضًا كيفيّة توظيفها ضمن سياق التعدديّة والمعاصرة، ما يوضح محاولات الفكر الإسلامي الحديث التوفيق بين الأصالة والاحتياجات المعاصرة للأنظمة السياسيّة.
وفي البعد السياسي والفكري، أبرزت دراسة فتاح (2016) الشّورى كآلية حكم وتنظيم سياسي، مسلّطة الضوء على تطوّر المفهوم ومكانته داخل الفكر السياسي الإسلامي الحديث، بينما جاء أبو عنزة (2013) ليحلّل العلاقة بين الشّورى والديمقراطية، موضحًا أوجه الاتفاق والاختلاف بين المفهومين، وموضّحًا كيف يُنظر إلى الشّورى كمفهوم أصيل مقابل الديمقراطيّة كمفهوم مستورد، وهو ما يضيف بُعدًا مقارنًا مهمًا للبحث. أمّا على المستوى الفقهي، تناولت دراسة جمعة (2024) مسألة إلزامية الشّورى أو استشاريتها، محلّلة انعكاس ذلك على البنيّة الدّستوريّة والسياسيّة، فيما أكّد القرضاوي (1997) على إلزامية الشّورى كأساس للمشاركة السياسية وحفظ نظام الأمة، ومقارنتها بالدّيمقراطية الغربية، ما يعزز الفهم حول العلاقة بين الشّرع والواقع السياسي.
على صعيد الفكر الحركي، قدمت دراسة كامل (2005) رؤية فتحي يكن للشورى بوصفها عبادة جماعيّة تُمارس داخل الجماعة لضمان التّوازن في القيادة وتحقيق المشاركة العمليّة، بينما ركّزت دراسة عمارة (2001) على مقارنة مفهوميّة بين سيد قطب وأبو الأعلى المودودي وحسن البنا، مبيّنة أنّ الشّورى نظام سياسي تعبّدي، لا يجوز تعطيله، مع تأكيد البعد الجماعي في اتخاذ القرار، ودرس الزيد (2014) تفصيلًا موقف قطب من الحاكميّة والشّورى، مع التّركيز على إلزاميّة الشّورى الجماعيّة وخضوعها للضوابط الشّرعيّة، ما يُشكل قاعدة مباشرة لمقارنة قطب مع يكن، كما وفّرت دراسة العتيبي (2019) منظورًا مقارنة بين المودودي وقطب في فهم الشّورى، موضحة الفروقات في التطبيق العملي والمرجعيّة السياسيّة، ما يثري البحث بالبُعد التحليليّ المقارن. بناءً على هذا الاستعراض، يمكن القول: إنّ تلك الدراسات شكّلت إطارًا فكريّا ونظريًّا متكاملًا لفهم تطوّر مفهوم الشّورى، من البُعد الأخلاقي والاجتماعي إلى البُعد الفقهي والحركي والسياسي، مع التركيز على إشكاليّة الإلزام مقابل الإعلام، كما تمهّد هذه الدراسات لإبراز موقع كلّ من فتحي يكن وسيد قطب ضمن هذا السّياق، موضحة الفروقات الجوهرية بين الرؤية العقديّة والفكريّة والتّطبيقيّة، وكذلك كيفيّة تحويل الشّورى من مبدأ نظري إلى ممارسة عمليّة داخل الجماعة والدولة، ما يمثل جوهر البحث الحالي.
1.التقاء الدّراسة الحاليّة مع الدّراسات السّابقة
أ- مكانة الدّراسة بين الدّراسات السّابقة: اتخذت الدّراسة من سابقاتها مكانة علميّة تضاف إليها، إذ إنّها تعالج قضيّة إسلاميّة؛ فقد اختيرت الدّراسات السّابقة بناءً على مبدأ ثابت هو أن الشّورى أمر أساس من مبادئ الإسلام، وهي القاسم المشترك مع كل ما سبق، والتقت مع الدّراسة الحاليّة في تأكيد أهميتها كقيمة إسلاميّة أصيلة وضرورة اجتماعيّة وسياسيّة، كما اتفق الباحثون على أنّها لا تقتصر على كونها آلية سياسيّة، بل تتجاوزها لتكون مبدأً أخلاقيًا وتنظيميًا واجتماعيًا، وتلتقي الدّراسة الحاليّة مع هذه الرؤى في النّظر إلى الشّورى بوصفها واجبًا جماعيًا يضمن المشاركة في القرار ويحمي الأمة من الاستبداد الفكري والسياسي، كما تشترك مع البحوث السابقة في التركيز على الربط بين النظرية والممارسة ضمن إطار الفكر الإسلامي المعاصر.
ب. اختلاف الدّراسات السّابقة مع الحاليّة: تختلف الدّراسة الحاليّة عن الدّراسات السّابقة بالعنوان الدقيق، وطريقة العرض ذو الأداة والنّتائج ومجتمع الدّراسة، فإن توافقت مع أهمية الشّورى إلّا أنّها اختلفت معها في تحديد كيفيّة الاعتماد عليها، فقد تميزت الدّراسة الحاليّة من سابقاتها، بتركيزها على المقارنة بين رؤيتين فكريتين هما فكرتا: فتحي يكن وسيد قطب، إذ لم تتناول الدّراسات السّابقة هذا البعد المقارن بشكلٍ مباشر، كما تنفرد الدّراسة الحاليّة بكيفيّة تجلي الإلزاميّة الجماعيّة للشورى في الخطاب الدّعوي والسياسي، وبذلك تسدّ هذه الدّراسة فجوة بحثيّة في الربط بين الفكر الإسلامي العقائدي والحركي، فتحصيلٌ حاصلٌ أن تكون الاختلافات في النتائج ، التي سترد في خاتمة الدّراسة. وهي دراسات يحتاج إليها الإسلاميون في إعطاء الشّورى المكانة الأساسية، إذ تحتل موقعًا متقدمًا بين البحوث السّابقة كونها تجمع بين التحليل الفكري والمقارنة المنهجيّة، ما يمنحها بُعدًا تكامليًا، فهي لا تكتفي بإعادة عرض مفهوم الشّورى، بل تعيد قراءته في ضوء تطوّر الفكر الإسلامي الحديث عند مفكرين تَرَكَا بصمةً في الحركات الإسلامية المعاصرة، كما أنّ الجمع بين هذين المفكّرين يجعل من هذه الدّراسة إسهامًا نوعيًا في تطوير الأدبيات الإسلامية حول الشّورى والإلزامية الجماعيّة.
بذلك تمثّل هذه الدّراسة جسرًا معرفيًّا يربط بين الأصالة الإسلاميّة في مفهوم الشّورى والمعاصرة الإعلاميّة، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الباحثين لدراسة الفكر الإسلامي في ضوء التحديات الاتصاليّة الراهنة،
تساؤلات الدّراسة
1، كيف تناول كلّ من فتحي يكن وسيد قطب مفهوم الشّورى في فكريهما الإسلامي؟ وما الأبعاد الفكريّة والعقدية والسياسيّة التي حدّداها لهذا المفهوم؟
2، ما أوجه الاتفاق والاختلاف بين فتحي يكن وسيد قطب في تحديد حدود الشّورى وضوابطها؟ وهل عدّها كلٌّ منهما ملزمة أم معلمة؟
3، ما المقصود بالإلزاميّة الجماعيّة في الفكر الإسلامي؟ وكيف يمكن إسقاطها على مفهوم الشّورى عند المفكرين المبحوثين؟
4، ما هو الإطار الجدلي الذي يجمع بين الفكر الإسلامي الكلاسيكي حول الشّورى والممارسات الحديثة؟ وكيف يمكن توظيف هذا الجدال لبناء نموذج إسلامي معاصر للمشاركة المجتمعيّة؟
5، إلى أي مدى استطاع كل من فتحي يكن وسيد قطب تحويل مفهوم الشّورى إلى منظومة عملية في الفكر الحركي والسياسي؟ وهل كان لهذا الطرح تأثير في الحركات الإسلامية المعاصرة؟
فرضيّات إنّ الفرضيّة العامّة التي تنطلق منها الدّراسة هي “أنّ الشّورى في الإسلام تؤثر إيجابًا في اتخاذ القرارات بشكلٍ مدروس، وهي المتغيّر المستقلّ الذي يؤثر على أبعاد أهمية الشّورى، بناءً عليه تنطلق الفرضيات كالآتي:
الفرضيّة الأولى: يُظهر كل من فتحي يكن وسيد قطب اتفاقًا على أن الشّورى مبدأ أصيلًا في الفكر الإسلامي، لكنها ليست مجرد آلية سياسية، بل قيمة عقديّة وأخلاقيّة تعبّر عن وحدة الأمة في اتخاذ القرار.
الفرضية الثانية: يختلف المفكران في مدى إلزامية الشّورى، فبينما يرى سيد قطب أنّها ذات بعد تربوي وروحي يوجّه الجماعة ولا يُقيّد الحاكم قانونيًّا، يميل فتحي يكن إلى عدِّها ملزمة بوصفها جزءًا من البنية المؤسَسية للحكم الإسلامي.
الفرضيّة الثالثة: تمثل الإلزامية الجماعيّة بالفكر الإسلامي جوهر الشّورى الحقيقية، فتتجاوز البعد الفردي إلى بُعد مؤسَسي قائم على التوافق والالتزام الجماعي، ما يجعلها أساسًا للحوكمة الراشدة في الإسلام.
الفرضيّة الرابعة: تفسير العلاقة الجدليّة بين الشّورى والإعلام بوصفها علاقة تفاعل وتكامل، فيسهم الإعلام بتوسيع نطاق الشّورى ليشمل المجال العام، بينما توفّر الشّورى للإعلام مرجعيّة أخلاقيّة تضبط ممارساته.
الفرضية الخامسة: استطاع فتحي يكن وسيد قطب أن يقدّما تصورين حركيين للشّورى: الأول (عند يكن) أكثر تنظيمًا ومؤسّساتيًّا، والثاني (عند قطب) أكثر تربويًّا وروحيًّا، فيعكس اختلاف المنطلقات الفكريّة بين المدرستين.
الفرضيّة السّادسة: تمثّل الدّراسة الحاليّة إضافةً علميةً جديدةً عبر الجمع بين التحليل المقارن والقراءة الاتصاليّة لمفهوم الشّورى، وهو ما لم تتناوله الدراسات السابقة بهذا التكامل، ما يعزّز من قيمتها العلميّة والمعرفيّة.
مفاهيم الشّورى
أ– الشّورى لغة :الشّورى والمشاورة والمشورة: مصادر للفعل شاور وجاء في لسان العرب: يقال: شار العسل يشوره شورًا وشيارة ومشارًا ومشارة: تستخرجه من الوقبة، واجتناه، واستخرجه من موضعه، والشور: عرض الشيء وإظهاره، وقال أبو زيد: استشار أمره: إذا تبين واستنار، وفلان خير شير: أي يصلح للمشاورة. إلخ([22]).
“والمستشار: العليم الذي يؤخذ رأيه في أمر مهم علمي ، أو فني أو سياسي، أو قضائي أو نحوه، المشورة: ما ينصح به من رأي وغيره([23]). والشّورى: إسم مصدر بمعنى المشاورة([24])، ويتّضح مما سبق أن الشّورى تدور حول استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض. ويتبين أنّ أصل الشّورى هو الاستخراج والإظهار، والعرض والتوجيه، والتحسين والكشف، وكلها معانٍ مقصودةٌ تصلح في البحث، فالشّورى تهدف إلى استخراج الرأي والبحث عن الصواب، وتوجيه صنيع القوم وجهة حسنة.
ب– الشّورى اصطلاحًا: يجد المتتبع للمصادر الإسلاميّة تعريفات عديدة “للشورى” فالراغب الأصفهاني يعرّفها بقوله: “الشّورى هي استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض”([25])، وعرّفت أنّها “اتخاذ القرارات في ضوء آراء المختصين في موضوع القرار في كلّ شأنٍ من الشّؤون العامّة اللازمة”([26]). ويرى بعض علماء العصر الحديث أنّ مفهومها ما زال غير واضح المعالم، وأنّ معظم الكتاب لا يتعدّون اجترار ما حوته كتب التراث وبخاصة الأحكام السّلطانيّة والسياسة الشرعيّة من بحوث، ويكتفي غالبيتهم بتأكيد أنّ نظام الإسلام ليس ديمقراطيًّا، ولا دكتاتوريًا وإنما يعتمد الشّورى أساسًا له، ومعظم الكتّاب لا يتقدمون بعد ذلك خطوة أخرى لتنظيم مبدأ الشّورى من ناحية، ولتحويلها إلى مؤسّسة تطبيقيّة من ناحية أخرى، فما زالت المشكلة تُعالَج من زاوية: هل الشّورى ملزمة أم معلمة؟ وما زالت الصورة التطبيقية لمبدأ الشّورى في الأذهان هي الصورة البسيطة القديمة المتمثلة في أهل الحل والعقد أو أهل الشّورى”؟([27]). يبدو أنّ هذه النّظرة لمبدأ الشّورى تجعله جامدًا، ولا يتطوّر مع تطوّر الأحداث، لذلك ينبغي أن تتطوّر الأبحاث التي تهتمّ بالفكر السياسي في الإسلام بعامة، ومباحث الشّورى بصفة بخاصة، حتى تنظر لمبدئها بحيث يجعل منها مؤسّسة تطبيقيّة، ويفصل فيها شروط أهل الشّورى واختصاصاتهم، ثمّ بيان موقع هذه المؤسّسة من بقية المؤسّسات السياسيّة. و”يُعدّ مفهوم القائد في فكر فتحي يكن جزءًا أساسيًّا من بنية الشّورى الإسلاميّة، إذ يرى أنّ القيادة ليست سلطة متفرّدة، بل مسؤوليّة تشاركيّة تقوم على تبادل الرأي والمشورة مع أهل الخبرة، فالقائد الحقّ — كما يصفه يكن — هو الذي يحمل الهمّ العام ويقود بالقدوة، ويستمع إلى آراء من حوله بوصفها أداة وعي وبصيرة لا مجرّد إعلامٍ شكلي، وبذلك، يرتبط مفهوم الإعلام في الشّورى عند يكن بكونه آلية تواصل معرفيّ بين القادة والأمّة، فيطّلع القادة على آراء الناس وأفكارهم فيُقِرُّونَ الصواب منها من دون أن تكون تلك الآراء ملزمة بالضّرورة، إنما مُعلِمة تُعين القائد على اتخاذ القرار الصائب، فالإعلام في الشّورى عند فتحي يكن ليس نقيض الإلزام، بل هو مرحلة معرفيّة تمكّن القائد من تكوين رؤية متكاملة قائمة على وعي الأمّة ومشاركتها الفكريّة، وبهذا تتوازن العلاقة بين القيادة والأمة في إطار شوروي راشد، لا استبداد فيه ولا فوضى”([28]). وتأسيسًا على ما سبق يرى يكن “أن القائد هو المؤتمن على مصلحة الأمة ورعاية شؤونها الدّينيّة والدنيويّة فإن لم يكن جديرًا بولاية شؤون الأمّة الدنيويّة فكيف يكون مؤتمنًا على ولاية أمورها الدّينيّة؟ واختبار القائد المسؤول مهمّة جماعيّة يجب أن يكون الحكم في المفاضلة بين الآراء عندما يُختار لا أن يكون رأيه كرأي غيره سواء بسواء؛ لأنّ المبدأ هو السّمع والطاعة للقائد، والقيادة في الإسلام تكون فردية لا يمكن ـأن تكون موزعة على مجموعة لأن توزيعها من شأنه أن يضيعها”([29]).
ومن المنطلق نفسه، يحسب يكن في كتابه مشكلات الدّعوة والدّاعية “أن توسيع صلاحيات الأمير أو القائد في الإسلام، لا تعني أنّه له مطلق التصرّف، كما قد يتوهّم البعض وللوصول إلى جواب حاسم، هنا يتحتّم معرفة نوعيّة الآراء الموجودة وكيف ينبغي للقائد أن يتصرف حيال كل منها، فهي:
أولًا: إمّا أن تكون حكمًا شرعيًّا فيه نصٌّ واضح، فليس للقائد حيال ذلك إلّا التّنفيذ.
ثانيًّا: وإمّا أن تكون حكمًا شرعيًّا خلافيًّا ويتقيد تصرف القائد حيال هذا النوع من الآراء، بقوة الدليل الذي يمكن الوصول إليه عن طريق المجتهدين من أهل الحلّ والعقد.
ثالثًا: أو أن يكون رأيًا في موضوعٍ طارئ كرسم سياسة أو تحديد علاقة وللقائد حيال هذا النوع من الآراء أن يرجح الصواب بعد الاستشارة بصرف النظر عن موقف الأكثرية أو الأقليّة”([30]).
- أمّا الاستشارة الاختيارية الحرّة: فهي مجرّد طلب الرأي والنّصيحة من ذوي التجربة والخبرة، وتسفر عن رأيٍ غير ملزم، وقد تقدّم الاستشارة تلقائيًا من دون طلبها في صورة نصيحة، بالتالي يكون الرأي استشاريًّا من باب أولى.
- أمّا طلب الفتوى الفقهيّة: فهي نوع من الاستشارة في أحكام الفقه، وهي مشورة اختياريّة، ولكن لها أحكامًا خاصة في كتب الفقه”([31])، فالمرء الذي يجهل حكمًا فقهيًّا يلجأ للفقيه ليستشيره فيما عرض له ليؤدي عبادته عن علم، لتكون عبادته عبادة صحيحة، فهي داخلة في الشّورى بوجه من الوجوه أو بمعنى من المعاني.
وأمّا الشّورى الجماعيّة فعرفت أنها: الوسيلة الجماعيّة الشّرعيّة التي تصدر من خلالها الأمّة الإسلاميّة قرارًا ملزمًا في أيّ شأنٍ من الشؤون العامّة للأمة، بالتالي هي التي لا بد من الالتجاء إليها للحصول على قرار جماعي ملزم في شأن من شؤون الجماعة المهمة”([32]). ومصطلح الشّورى كما يعرّفه الدكتور محمد سليم العوا بقوله: “إنّ الشّورى في الحياة العامّة للأمة تعني صدور الحاكمين فيما يتّخذونه من قرارات، أو يحدثونه من أوضاع وتنظيمات عن رأي أهل العلم والخبرة فيما يحقق مصلحة الأمة، أو يتعارض معها، فما حقّق مصلحة الأمّة وجب إمضاؤه، وما لم يكن كذلك وجب منعه”([33])، ويبدو – مما سبق – أن الشّورى هي استظهار الرأي الصواب من خلال التّحاور بين أهل العلم والخبرة، أمّا الصّدور عنه في قرارات فأمر تالٍ للشورى. ومن باحثي “تلاميذ مدرسة الإصلاح” عبد الرحمن عبد الخالق الذي يعرّف الشّورى بقوله: إنها استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه، للتوصّل إلى أقرب الأمور للحقّ”([34]). ويبدو أن المشورة والاستشارة هي تبادل الرأي في غير إلزام، ويدخل في المشورة والاستشارة : النصيحة، والفتوى، والاستشارة العلمية والقانونيّة.
ج . مفهوم الشّورى في الإسلام: تُعدّ الشّورى من الركائز الأساسيّة في الفكر الإسلامي، ووسيلة لضمان المشاركة الجماعية في اتخاذ القرار، وتحقيق العدالة بين أفراد المجتمع، وردت الشّورى في القرآن الكريم في مواضع عدة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشّورى: 38) وتوضح هذه الآية أن اتخاذ القرارات في المجتمع الإسلامي يجب ألّا يكون فرديًا، بل يجب أن يكون وفق التّشاور بين أفراد المجتمع، وهو ما يعكس مبدأ المشاركة والشفافيّة. وقد أكّد العلماء على أنّ الشّورى ليست مجرد مشورة شكليّة، بل هي أداة لتحقيق المصلحة العامة ومنع الظلم، يقول الغزالي (1982، ص78–79): الشّورى وسيلة لضمان أن تكون القرارات نابعة من العقل الجمعي والعدالة، وليس من رغبات فردية”. عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المستشير معان والمستشار مؤتمن فإذا استشير أحدكم فليشِر بما هو صانع لنفسه”([35]).
دـ . خصائص الشّورى في الإسلام
- الشّرعية: تقوم على نصوص القرآن والسنّة ما يجعلها أداة دينيّة شرعيّة.
- المشاركة: تتيح لجميع المعنيين بالمصلحة العامّة التعبير عن آرائهم.
- العدالة: توازن بين مصلحة الحاكم ومصلحة الأمّة.
- المساءلة: تمكّن المجتمع من متابعة القرارات ومحاسبة المسؤولين.
ه. أبعاد الشّورى: للشورى في الإسلام أبعادٌ متعدّدة تؤثرعلى الفرد والمجتمع والحكم:
البعد السياسي: “الشّورى السياسيّة تهدف إلى ضبط السلطة ومنع الاستبداد، من خلال تمكين أعضاء المجتمع من التّعبير عن آرائهم في القضايا الكبرى، مثل انتخاب القادة أو اتخاذ القرارات الاستراتيجيّة، فالشّورى تعكس الدّيمقراطيّة الإسلاميّة الحقيقيّة، إذ يشارك الجميع في رسم السياسات العامة وفق الشّرع”([36]).
البعد الاجتماعي: “الشّورى تعزّز وحدة المجتمع وتماسكه، من خلال إشراك الأفراد في اتخاذ القرارات التي تؤثّر عليهم جميعًا، وهذا يمنع الاحتقان الاجتماعي ويزيد من الانتماء الجماعي”([37]).
البعد الأخلاقي: “لشّورى تضع المسؤولية الأخلاقيّة على الحاكم والمستشارين، فتكون القرارات متوافقة مع قيم العدالة والصّدق والأمانة، وهي من عناصر الحكم الإسلامي المهمّة”([38]).
و. أنواع الشّورى
- الشّورى الإعلاميّة (Consultative):
- “دورها توجيهي فقط، لا تلزم الحاكم بالقرار.
- تتيح له الاستفادة من آراء الآخرين قبل اتخاذ القرار النهائي.
- مثال: بعض القرارات اليومية في المؤسّسات التعليمية الإسلاميّة”([39]).
- الشّورى الملزمة (Binding);
- “يلزم الحاكم بتنفيذ نتائج الشّورى.
- تضمن مشاركة حقيقيّة ومسؤوليّة جماعيّة.
- مثال: القرارات الاستراتيجيّة للجماعات الإسلاميّة في مؤسّساتها المركزيّة”([40]).
ز. دور الشّورى في تحقيق العدالة والمساءلة: الشّورى تُسهم بشكل كبير في:
– تحقيق العدالة: لأنّ القرارات نابعة من جماعة وليس فرد واحد مما يقلل من الظلم.
– المساءلة: يمكن للمجتمع مراقبة القرارات والمطالبة بالتصحيح عند الخطأ.
– تنمية الفكر الجماعي: فيُستفاد من الخبرات المتعددّة للأعضاء.
يقول الغزالي: “الشّورى وسيلة لتقويم القرارات وتصحيح مسار الحكم؛ لأنّها تجمع بين العقل الفردي والجمعي، وتحقّق مصلحة الأمّة”([41]).
ح. دلالة الشّورى في الإسلام
لقد أمر الله تعالى نبيه صل الله عليه وسلم بالمشاورة في الأمر الذي يحتاج بعد إلى المشاورة، “فإذا عزم قلبه على الفعل وعلى إمضائه بعد المشاورة، كما تدل عليه الفاء الدّالة على الترتيب والتفريع، فليمضِ وليتوكّل على الله تعالى”([42])، كما أنّ مبدأ الشّورى في الإسلام يدلّ على أمورٍ عدة، منها:
1- النزعة الجماعيّة في التشريع الإسلامي، فتكون السياسة أمرًا يشترك فيه الحاكم والمحكوم، إذ تنشأ بينهما علاقات قويّة، وتكافل سياسي في تسيير شؤون الدّولة.
2- يحقق مبدأ الشّورى استفادة الأمة من كلّ طاقات أبنائها، ولا سيما إدارة شؤون الحكم والسياسة، فالشّورى تعدّ من خصائص المسلمين؛ ولذلك كانت واجبة من حيث اتخاذها ابتداء، وواجبة التقيد بنتائجها انتهاء.
3- يدلّ مبدأ الشّورى على أنّ الطاعة في الإسلام ليس مصدرها “فكرة الحقّ الإلهي” التي كانت سائدة في أوروبا بالنسبة إلى الملوك، في القرن السّابع عشر والثامن عشر، وهذا يعني أنّ الحاكم لا يُطاع لذاته ولا لشخصه، وإنما يطاع إذا كان مطيعًا أولًا([43]). ومعروف أنّ طاعة الحاكم تكون في المعروف وفي غير معصية، وليس صحيحًا أنّ الحاكم لا يطاع إلّا فيما جاء به الشرع أمرًا، بل يجب طاعته فيما وراء ذلك من أوامره المتعلقة بالمصالح، ويطاع الحاكم في كلّ أمر لا يخالف تعاليم الإسلام.
ط. أهمية الشّورى: إذا نظرنا في المجال السياسي، فالشّورى فيه واجبة على الحكّام وحقّ للمحكومين، وترجع أهميتها إلى أنّها “ألفة للجماعة، وسبب إلى الصواب، وما تشاوَر قومٌ إلا هُدُوًا”([44])، فمبدأ الشّورى حصن يجب أن يحتمي به نظام الحكومة الإسلامّية وأحكام الإمامة، ويجب أن يستظلّ بظلّها ولا سيما في عصرنا الحاضر.
ي. مجالات الشّورى: اتفق العلماء على أنَّ الشّورى ضرب من الاجتهاد واستثارة الآراء بحثًا عن الحكم في مسألة حادثة، فإذا كانت المسائل منصوصًا عليها مقطوعًا بحكمها، فلا اجتهاد ولا شورى بموضع النص، لأنّ الاجتهاد عندئذٍ اعتداء على النص المعصوم، وهو التقدّم بين يدي الله ورسوله المنهي عنه بقوله تعالى: “﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾”([45]). وقد وردت عن صحابة رسول الله ﷺ كثيرٌ من الآثار التي تدلّ على عدم التفاتهم إلى الشّورى إذا كان في المسألة نص، ومن مجالات الشّورى المهمّة:
1- اختيار الإمام أو الرئيس وتنصيبه وطرق ووسائل تحقيق ذلك.
2 – قضايا الثقافة والدّعوة الإسلاميّة والبحث في سبلها ومناهجها.
3 – الأمور الدّاخليّة المصلحيّة التي يراد الوصول لكشف القيمة المصلحيّة فيها، أو يراد تعرف درجة التي تقف عندها بسلم الأولويات التي تصنف بموجبها مصالح الأمة (حفظ النّفس والعقل والدين والعرض والمال).
4- سائر الأحكام القضائيّة التي تنهض على البيّنات في الدرجة الأولى، وعلى قرائن الأحوال في الدرجة الثانية، فهذه الأحكام وإن كانت مبادئها الكليّة منصوصًا عليها ولا يجوز الخروج عنها ولا التّشاور في ذاتها، إلّا أنّ تطبيقاتها على الأفراد عند الترافع والدعاوى تحتاج إلى بصيرة نافذة وإلى كثير من النّظر في حال المترافعين والتدقيق في دعاويهم.
5 – استخراج الحكم الشرعي من نص غير واضح الدلالة، أو نص يحتاج إلى التأكد من ثبوته.
ك. طرق اختيار أعضاء مجلس الشّورى: جاءت نصوص الشّورى في الإسلام عامّة مرنة لم تُلزم المسلمين بعددٍ معين لرجال الشّورى، ولا بطريقة بعينها لكيفيّة اختيارهم، ولا بنظامٍ خاصٍّ للاقتراع بينهم، بل أمرت هذه النصوص بالشّورى، وألزمت المسلمين بألّا يصدروا في أمورهم جميعها إلّا عن شورى، أمّا عن كيفيتها وتنظيمها فقد وُكِّلَ هذا إلى عرف الجماعة ومستواها وظروفها في العصور المتعاقبة. وفي الحقيقة فإنه لم يحصل في العصور المتتاليّة للإسلام أي انتخابات لمجلس الشّورى بالطريقة المعروفة اليوم، ولو حصل لما اختير غير الذين كانوا يستشارون بالفعل، فعلمهم وسابقتهم في الإسلام، وجهادهم في سبيله أهَّلَهُم بطبيعة الأمور لتلك المنزلة وهذه المكانة. وعلى ذلك فإنّ اختيار أهل الشّورى يمكن أن يكون بطريقتين:
الأولى: إشراك الأمّة في اختيارهم، فالحاكم الآن، لا يستطيع بمفرده الوصول إلى خيار الناس وفضلائهم وأهل الخبرة فيهم، فالانتخاب في الإسلام شهادة للمرشح بالصلاحية.
الثانية: أن يكون للحاكم حق باختيار عدد محدودٍ من الأفراد ليكونوا من رجال الشّورى وأهل الحلّ والعقد فيهم.
فتفويض الأمة الكامل لانتخاب مجلس للشورى جائز شرعًا، وجعل عدد محدود باختيار الإمام جائز شرعًا، ويقدّر هذه المصالح جمهور علماء الأمة، وللظروف والملابسات دخل عظيم في اختيار الأسلوب المناسب لتطبيق هذه الأحكام.
ل. إلزامية الشّورى وأدلة على مشروعيتها: ذهب جمهور العلماء وبعض العلماء المعاصرين إلى أنّ الشّورى معلمة في حق الحاكم وليست ملزمة فلا يلزم برأي الأغلبيّة، ومن العلماء الذين قالوا إنّ الشّورى معلمة: ابن تيميّة، والقرطبي، ومن المعاصرين: الطّاهر بن عاشور، وعبد الكريم زيدان، وحسن هويدي، ومحمد سعيد رمضان البوطي، وقد ذهب كثير من العلماء المعاصرين إلى أنّ الشّورى ملزمة، فعلى ولي الأمر أن يقول برأي الأغلبيّة، وإن خالف رأيه، ومنهم أبو الأعلى المودودي والشّيخ محمود شلتوت وعبد القادر عودة ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا وسيد قطب ومحمد البهي ومحمد الغزالي وطه سرور وأحمد شلبي وكثير من العلماء المعاصرين. ثم إنّ القول بِملزمة الشّورى تقتضيه المصلحة العامّة للأمّة، وحيثما كانت المصلحة فثمّ شرع الله، يقول القرضاوي في كتابة (من فقه الدّولة): “مهما يكن من خلاف فإذا رأت الأمّة أو جماعة منها أن تأخذ برأي الإلزام في الشّورى؛ فإنّ الخلاف يرتفع ويصبح الالتزام بما اتُفق عليه واجبًا شرعًا، فإنّ المسلمين عند شروطهم، فإذا اختير رئيس أو أمير على هذا الأساس وهذا الشّرط فلا يجوز له أن ينقض هذا العقد ويأخذ بالرأي الآخر، فإنّ المسلمين، كما قلت، ولما جاء في الحديث على شروطهم، والوفاء بالعهد فريضة، والخلاف في مسألة الشّورى وإلزاميتها إنما يكون عند وجود الحاكم الذي توافرت فيه الشّروط كاملة من اجتهاد وعلم”([46])، وتأسيسًا على ماسبق، توجد العديد من الأدّلة الشّرعيّة التي تدلّ على مشروعيّة الشّورى، ومن هذه الأدّلة:
1 – القرآن الكريم: يوجد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تدلّ على مشروعيّة الشّورى، ومن هذه الآيات وقول الله عز وجل: “﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾”([47])، ففي هذه الآية نجد النّص قد جاء بصيغة الأمر الذي يتمثّل في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فقد أمر الله تعالى رسوله عليه السّلام أن يشاور قومه في الأمر وفي المشاورة فائدتان:
الأولى: تأليف قلوبهم وإشاعة المودة بينهم نتيجة للمشاورة.
الثانية: تعويد المسلمين على هذا النهج في معالجة الأمور لأنّ الرسول عليه السلام الأسوة الحسنة لهم، فإذا كان يلجأ إلى المشاورة فهم أولى أن يأخذوا بها.
ويلاحظ أنّ السّورة نفسها حملت اسم “سورة الشّورى” فقد ورد ذكر الشّورى في هذه الآية منها، وهي قوله تعالى: “﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾”([48]) وفي هذه الآية يبين الله تعالى أنّ الشّورى هي إحدى الدّعائم المهمة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، وما حملت السّورة هذا الاسم إلّا لبيان العناية بالشّورى والتنبيه إلى عظيم أهميتها، وربما سميت بهذا الاسم؛ لأنّها السّورة الوحيدة في القرآن الكريم التي قرت الشّورى عنصرًا من عناصر الشخصيّة الإيمانيّة الحقّة. ويؤكّد سيد قطب أنّ الشّورى من صفات الجماعة المسلمة فيقول عن أهمّية الشّورى وخطورتها: “إنّ وضع الشّورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن يكون نظامًا سياسيًّا للدولة، فهو طابع أساسيّ للجماعة كلها، يقوم عليه أمرها كجماعة، ثمّ يتسرّب من الجماعة إلى الدولة”([49]).
2 – في السنّة النبويّة: جاءت مؤيّدة لما ورد في القرآن، من الإشادة بشأن الشّورى والدّعوة إلى اتّباعها، والتنويه بفضلها، فقد حفلت السّنة النّبويّة بكثير من النّصوص التي تدلّ على التزام رسول الله ﷺ نهج المشاورة قولًا وعملًا حتى صارت الشّورى صفة لصيقة به على الرّغم من أنّه معصوم، ويحْسُن بالبحث أن يذكر أمثلة من السنة القولية، وأخرى من السنة الفعليّة.
أ – ففي السنة القوليّة:
1- روي أنّه قال ﷺ”إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه”([50])./ 2 – وقال ﷺ: “المستشار مؤتمن”([51])./
3 – وقال ﷺ: “من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه”([52])./ 4 – وروي عنه ﷺأنّه قال: “ما شقي قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأي، وما خاب من استخار ولا ندم من استشار”([53])./ 5 – وروي عنه ﷺ أنّه قال: “إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها”([54])./ 6 – وعنه ﷺ قال: “البكر تستأمر والثيب تشاور”([55])./ 7 – وقال ﷺ: “لو كنت مؤمرًا أحدًا من غير مشورة لأمرت ابن أم عبد”، وفي رواية “لو كنت مستخلفًا أحدًا من غير مشورة لاستخلفت ابن أم عبد”([56]) فلا يجوز أن يولى على المسلمين والٍ أو يستخلف خليفة بغير مشورة المؤمنين”([57]).
ب – أمّا السُّنة الفعليّة: فهناك العديد من أحداث السيرة النبويّة التي تدلّ على مشروعيتها: منها:
1- مشاورة النّبي ﷺ لأصحابه يوم بدر في التوجه إلى قتال المشركين([58]).
2- مشاورة النّبي ﷺلأصحابه قبل غزوة أحد: أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو([59]).
3- في أسرى بدر([60]).
4- مشاورة النّبيﷺلأصحابه في عقوبة المنافقين الذين آذوه في أهله، فقال: “ما تشيرون عليّ في قوم يسبون أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط”([61]).
ذ. فوائد الشّورى والحكمة منها: جاءت الشّريعة الإسلاميّة مقررةً لمبدأ الشّورى، وذلك في قوله تعالى: “﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾”([62])، ولا شكّ في أنّ مبدأ الشّورى يحمل الأمة على المشاركة في الشؤون العامة والاهتمام بها، وتهيئ الأمة للمشاركة في الحكم ولو بطريق غير مباشر، ثم تؤدّي الشّورى إلى مراقبة الحكام ومحاسبتهم.
وجدير بالذّكر أنّ الحكمة من مشروعيّة الشّورى مختلف وضعها بالنسبة إلى النّبي ﷺعنها بالنسبة إلى الخلفاء والرؤساء من بعده، فقيل بالنسبة إلى النّبي ﷺ عن الحكم من مشروعية مشاروته لأصحابه: إنّما ذلك ليستنّ به من بعده فالله سبحانه قد علم أنّ النّبي ﷺ ما به إلى أصحابه حاجة، ولكن أراد أن يستنّ به من بعده، وقيل: بل هو لتطييب نفوس أصحابه، وتأليف قلوبهم؛ لأنّ سادات العرب إذا كانوا لم يشاوروا في الأمر شقّ عليهم، فأمر الله رسوله ﷺ بمشاورة أصحابه؛ لئلا يثقل عليهم استبداده بالرأي دونهم”([63]).
وتُرجح الباحثة أنّ هذا القول الأخير ينطبق على الأمور الدّنيويّة والمعارك الحربيّة، لقوله ﷺ: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”([64]). ومن فوائد الشّورى أنها تقي الأمة الكثير من الشّرور، ويأتي على رأسها ما يلي:
1 – تعدُّ الشّورى من الوسائل التي تمنع الاستبداد، لأنّ أكثر وظيفة مهمّة في الدّساتير وفي توزيع السّلطات وتحديدها وفي أحكام الشّورى؛ وضبط موازينها هي “منع الحاكم من أن يستبد برأيه أو يقيم من نفسه جبارًا على الناس، فإن الشّورى مبدأ فوق المجادلات، وإذا لم تكفلها المواد الصّريحة والتّطبيقات الصّحيحة فليست هناك شورى ولا دساتير، وإن زعم الزاعمون”([65]).
يُرجع معظم علماء العصر الحديث فشل النّظم الدّيكتاتوريّة والدّيمقراطيّة إلى أنّ أصحاب هذه المذاهب يؤْثرون المنافع الشّخصيّة والعصبيّات الحزبيّة على المصالح العامّة؛ ولأنّهم يسمحون للأقلية بأن تناقش الرأي الذي أقرته الأغلبيّة في الوقت الذي انتهى فيه دور النّقاش، وأن يشكّكوا في قيمة الرأي وصلاحيته أثناء تنفيذه، وأحيانًا يحدث أن تمتنع الأقليّة عن تنفيذ القوانين التي تسنّها الأغلبية، فعدم التعاون وفقدان الثقة بين الأحزاب يؤدّي إلى فشل هذه النّظم. أمّا النظام الإسلامي فيقوم أساسًا على الشّورى والتّعاون، ولا تسمح قواعد النّظام الإسلامي بتسلّط فريق على فريق، وبهذا جمع النّظام الإسلامي بين الفضائل التي تنسب إلى الدّيمقراطيّة والمزايا التي تنسب إلى الدّيكتاتورية، وفي الوقت ذاته يبرأ النّظام الإسلامي من المساوئ التي تنسب إلى الدّيمقراطيّة والدّيكتاتوريّة معًا”([66]). ومن الباحثين الذين أفاضوا في الحديث عن فوائد تطبيق الأمة لمبدأ الشّورى الأستاذ سعيد حوى فذكر منها:
1- وعي الأمة بقضاياها حتى تصبح السياسة علمًا للجميع.
2- تجعل الشّورى الأمة مطمئنة لسلامة السير على المنهج السليم.
3- الأمن من ندم الاستبداد بالرأي الظاهر خطؤه.
4- تحتاج أحكام التدبير إلى الشّورى.
5- التّجرّد بالشّورى عن الهوى الساترة حجبه عن الحق.
6- بناء التدبير بها على أرسخ أساس، والعكس بالعكس.
7- وجدان الصواب بها عند إشكاله([67]).
ق. نطاق الشّورى: أمّا عن نطاق الشّورى: فهي المسائل التي يمكن أن تكون محلًا لها، فذلك ما لا نجد له في النّصوص المقررة لوجوب الشّورى تحديدًا قاطعًا، وورد الأمر بالشّورى بأنها الشّورى في “الأمر”، وفي هذه الكلمة من العموم والإطلاق ما يجعلها تشمل كل شؤون الجماعة المسلمة في كل نواحي حياتها، غير أن مثل هذا الإطلاق – في الواقع – لا يمكن أن يكون مرادًا من النصوص التي تأمر بالشّورى، ذلك أنه يوجد قيدان يجب التّقيد بهما في هذا الخصوص:
أولهما: أن الشّورى لا تكون في مسألة ورد فيها نصّ تفصيليّ قطْعيّ الدّلالة في القرآن أو السنة التي تعدّ تشريعًا عامًا.
ثانيهما: أنّه حين تعرض مسألة ما على الشّورى، فإنّه لا يجوز أن ينتهي رأي المستشارين إلى نتيجة تخالف نصًّا من النّصوص التّشريعيّة”([68]). ويلاحظ أنّ المسائل التي يمكن أن تكون محلاًّ للشورى لا نجد نصوصًا تحدّدها تحديدًا قطعيًّا، ولذلك ورد الأمر بالشّورى في القرآن الكريم بأنّها الشّورى في “الأمر” وهذه الكلمة تدخل في العموم والإطلاق إذ تشمل كلّ شؤون الجماعة المسلمة في كلّ جوانب الحياة، ولكنّ هذا الإطلاق لا بدّ من أن يتقيّد بقيدين:
أولهما: أن الشّورى لا تكون في قضيّة ورد فيها نصّ تفصيلي، قطعيّ الدلالة في القرآن أو السّنة، فموضوع الشّورى هنا يقتصر على تفسير النص، أو طرق تنفيذه.
ثانيهما: لا يجوز أن تنتهي نتيجة المشاورة إلى نتيجةٍ تخالف نصًّا من النّصوص الشّرعيّة الواردة في القرآن أو السُّنة([69]).
وقد تناول محمد الغزالي طبيعة الشّورى فبيّن أنّها في الأمور التي تتفاوت العقول في إدراكها ووزن ما يرتبط بها من نفعٍ أو ضررٍ، وما ينتج عنها من نتائج دقيقة أو جليلة، وفي الشؤون التي يصحّ للجماعة أن تختار ما تميل إليه من بين آراء عديدة، ثمّ أخرج محمد الغزالي من نطاق الشّورى حقائق العلوم فهي ليست موضعًا للجدل تتغلب فيه الكثرة وتتأخر القلة، وكذلك قواعد الدين فليست موضع أخذ ورَدّ، فإذا قال الوحيُ كلمته في قضيّة فيجب قبوله من غير توقّف([70]). يتبين مما سبق، أنّ الأمور التي ستعرض على الشّورى هي كلّ ما يتصل بمصلحة الجماعة، تحتاج في الوصول إلى قرار بشأنه إلى إعمال فكر ونظر، ولكن هناك أمورًا بحكم طبيعتها تحتاج إلى حسم وسرعة، وهذه تتصل بأمور الإدارة اليوميّة للجهاز التنفيذي والإداري للدولة، فهذه الأمور لا تحتمل العرض على الشّورى خاصة إذا كانت غير مهمة ولا تمسّ مصالح الأمّة([71]).
رأيان في الأخذ بالشّورى: إنّ عامة العلماء من الفقهاء والمفسرين وغيرهم ـ يستفاد من كلامهم أن الأمير إذا استشار مع أهل شوراه، فإنّه يأخذ من ذلك بما يراه صوابًا، وما يبدو له راجحًا، وبما هو في نظره حقّ أو أقرب إلى الحقّ، فالمرجع في النهاية هو رأيه وتقديره ، وهذا هو معنى “الشّورى المعلمة”. وأمّا المعاصرون من علماء ومفكرين، فيميل أكثرهم بشكلٍ متزايدٍ، إلى ضرورة التزام الأمير المستشير بما اتفق عليه مستشاروه، كلّهم أو أكثرهم، وهذه هي “الشّورى الملزمة”، والحقّ يُقال، إنّ العلماء المتقدّمين من مفسرين وفقهاء وغيرهم، لم يناقشوا هذه المسألة نقاشًا حقيقيًّا، ولم يستعرضوا أدلّة على الإلزام أو الإعلام إلا بما يتعلق بالشّورى النبويّة، إذ يذكر بعضهم أنّه ﷺ كان في غنىً أصلًا عن المشاورة وعن آراء المشاورين ، فكيف يكون ملزما بآرائهم.
الفصل الثاني: الإطار الميداني للدراسة
أولًا: طبيعة الدّراسة ومنهجها
تُعد هذه الدّراسة من الدّراسات الوصفيّة التّحليليّة المقارنة، إذ تهدف إلى تحليل مفهوم الشّورى في الفكر الإسلامي تحليلًا علميًا دقيقًا، ومقارنته بتجليّات الإلزاميّة الجماعيّة وارتباطه بممارسات الإعلام المعاصر، وهي دراسة فكريّة ذات طابعٍ نظريٍ تقوم على جمع المادة العلميّة من المصادر والمراجع الأصليّة، وتحليلها بمنهج علمي موضوعي، لكشف أوجه التشابه والاختلاف بين رؤيتَيْ كلٍّ من فتحي يكن وسيد قطب في تناول مفهوم الشّورى. وقد اعتمدت الدّراسة على المنهج المقارن التّحليلي الجدلي الذي يجمع بين المقارنة الفكريّة والتحليل الجدلي، بغية الوقوف على طبيعة العلاقة الجدلية بين الفكر الإسلامي والإعلام من جهة، وبين الإلزاميّة الجماعية والشّورى من جهة أخرى، واتّخذت الدّراسة من النصوص الفكريّة والمؤلّفات الأصليّة لكلّ من فتحي يكن وسيد قطب ميدانًا للتحليل والمقارنة، مع الاستعانة بمصادر فكريّة وإعلاميّة مساندة لتوسيع الإطار النّظري للدّراسة وربطها بالواقع المعاصر. واعتمدت الباحثة كذلك المنهج الاستقرائي التّحليلي في تتبّع النصوص واستقراء مواقف المفكرين، والمنهج المقارن في بيان التّباين أو التقاطع بين رؤيتيهما، والمنهج الجدلي في تفسير العلاقة بين الشّورى والإعلام في ضوء الإلزام الجماعي. بذلك يمكن القول: إنّ هذه الدّراسة ذات طبيعة فكريّة تحليلية مقارنة، تجمع بين الأصالة الإسلاميّة في مفهوم الشّورى وبين المعاصرة الاتصاليّة في أدوات الإعلام الحديث، في محاولة لتأصيل نموذج يربط بين الفكر الإسلامي ومتطلّبات التّواصل الجماهيري.
ثانيًا: صعوبات الدّراسة
واجهت الدّراسة عددًا من الصّعوبات الفكريّة والمنهجيّة التي كان لها أثرٌ واضحٌ في مسار البحث، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
- تشعّب موضوع الدّراسة: يُعدّ مفهوم الشّورى من المفاهيم المركّبة في الفكر الإسلامي، إذ يتداخل فيه البعد العقدي مع السياسي والاجتماعي والإعلامي، ما استدعى جهدًا كبيرًا في تحديد الإطار المفاهيميّ الدقيق الذي يمكن من خلاله ضبط المصطلحات.
- ندرة الدّراسات المقارنة المباشرة: تبيّن أثناء البحث أنّ الدراسات التي تناولت فتحي يكن وسيد قطب في إطارٍ مقارنٍ حول مفهوم الشّورى قليلة جدًا، وغالبًا ما عالجت فكر كلٍّ منهما بشكل منفصل، ما صعّب عملية إيجاد أرضيّة مشتركة للمقارنة المنهجيّة بينهما.
- تداخل المرجعيّات الفكريّة: واجهت الباحثة صعوبة في تحليل الخلفيّات الفكريّة والعقديّة لكلا المفكرَيْن، نظرًا لتباين السّياقات التي نشأ فيها فكرهما (اللبناني الحركي عند يكن، والمصري الإحيائي عند قطب)، ما تنطلب قراءة معمّقة للمصادر والسياقات التاريخيّة.
- قلّة المراجع الحديثة في الربط بين الشّورى والإعلام: لم تتناول أغلب الدّراسات السّابقة العلاقة الجدليّة بين الشّورى والإعلام بشكلٍ مباشر، ما اضطر الباحثة إلى الاعتماد على إسقاطات فكريّة ومنهجية لتقريب المفهومين ضمن رؤية واحدة.
- التّحدي في المزج بين الفكر الإسلامي والعلوم الاتصاليّة: تطلب الربط بين مفاهيم من حقول معرفية مختلفة (الفكر الإسلامي، الإعلام، المشاركة المجتمعيّة) مجهودًا خاصًّا لتجاوز التناقضات المنهجية وجعل الربط علميًا ومنطقيًا ومتسقًا.
- صعوبة الوصول إلى بعض المؤلّفات الأصليّة: واجهت الباحثة صعوبة في الحصول على بعض الإصدارات القديمة أو الطبعات الأولى لمؤلفات المفكرين، وخصوصًا الكتب غير المتوفرة إلكترونيًا، ما استدعى البحث في مكتبات متخصّصة ومصادر بديلة.
- الحياد الفكري في المقارنة: نظرًا للمكانة الفكريّة والرمزيّة لكلا المفكرين، شكّل الحفاظ على الموضوعية في المقارنة تحديًّا بحدّ ذاته، لتجنّب أي انحياز فكريّ أو تقييم شخصيّ.
ثالثًا: أدوات جمع البيانات
لتحقيق أهداف الدّراسة والإجابة عن تساؤلاتها، اعتمدت الباحثة على المراجع النّظريّة؛ والدراسات السّابقة من خلال تحليل المحتوى لتكوين الإطار النّظري للدّراسة وربط النتائج الحالية بالبحوث السّابقة.
رابعًا: مجتمع وحدود الدّراسة
الحدود الموضوعيّة: اقتصرت الدّراسة على جدلية الشّورى في الإلزاميّة الجماعيّة وعلاقتها بالإعلام الإسلامي، من دون التّوسع في بقية المفاهيم السياسيّة أو الاجتماعيّة الأخرى في فكر المفكرين محلّ الدّراسة.
الحدود البشريّة: ركزت الدّراسة على كتابات كلٍّ من فتحي يكن وسيد قطب، ولا تشمل بقية المفكرين الإسلاميين إلّا بالقدر الذي يخدم المقارنة والتّحليل.
الحدود الزّمانيّة: اعتُمِدت الدّراسة ضمن الإطار الزمنيّ لظهور الفكر الإسلامي المعاصر خلال القرن العشرين، مع التركيز على المرحلة التي نشط فيها المفكران في إنتاجهما الفكري والسياسي (من أربعينيات إلى تسعينيات القرن العشرين).
الحدود المكانيّة: تمحورت الدّراسة في نطاق البيئة العربيّة والإسلاميّة، بما في ذلك لبنان (موطن فكر فتحي يكن) ومصر (موطن فكر سيد قطب)، نظرًا لتأثير السّياقات السياسيّة والاجتماعيّة في تكوين رؤيتهما حول مفهوم الشّورى.
خامسًا: الشّورى في فكر فتحي يكن
الخلفيّة الفكريّة: فتحي يكن (1933–2009) مفكرٌ إسلاميّ وسياسيّ بارز ضمن جماعة الإخوان المسلمين، ركّز على بناء مؤسّسات قويّة قائمة على مبادئ الشّريعة (يكن، 1995، ص، 23–27)، كان له دورٌ محوريّ في الفكر السياسي للجماعات الإسلاميّة، وركّز على تطبيق الشّريعة كأساس لبناء مؤسّسات المجتمع.
- وُلد في مدينة طرابلس، وانخرط في النّشاط السياسي منذ صغره ، وكان من أبرز قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وركّز على أهمية التنظيم والمؤسسات كأساس لتحقيق الحكم الرّشيد والعدالة الاجتماعيّة، ورأى أن الشّورى الملزمة هي الوسيلة الأمثل لضمان مشاركة الجماعة في اتخاذ القرارات، وهي تختلف عن الرؤية الإعلامية التي عدَّها قطب.
مفهوم الشّورى عند فتحي يكن
1– الشّورى الملزمة: تُعرف الشّورى عنده أنّها ملزمة لضمان مشاركة أعضاء الجماعة: الشّورى في الإسلام ملزمة، وهي تعبير عن إرادة الأمة في اتخاذ القرارات المهمة، ولا يجوز للحاكم تجاوزها” (يكن، 1995، ص، 112).
2– أهداف الشّورى عند يكن
- تحقيق العدالة الاجتماعيّة: من خلال إشراك الجميع في اتخاذ القرار.
- منع الاستبداد: فلا يسيطر فرد واحد على الحكم.
- ضمان المساءلة: فيُحاسب المسؤولون وفق نتائج الشّورى.
- تعزيز ثقافة المشاركة: تشجع على النقاش الهادئ والمعقول قبل اتخاذ القرار.
- – أبعاد الشّورى عند فتحي يكن
1– البعد السياسي: الشّورى الملزمة تتيح هيكَلة السلطة بطريقة تشاركيّة، وتمنع التسلّط الفردي، وتفرض آليات واضحة لاتخاذ القرار. وفق يكن (1995، ص، 115–118)، فإنّ وظائف الشّورى المهمّة الملزمة هي اختيار القادة، وضع السياسات الاستراتيجية، وحلّ النزاعات الداخليّة.
2– البعد الاجتماعي: يسهم الالتزام بنتائج الشّورى في تعزيز الثقة بين أعضاء الجماعة، ويوفّر شعورًا بالمساواة والإنصاف، ويحدّ من الاحتكاكات الاجتماعيّة.
3-البعد الأخلاقي: يضمن التزام الجميع بالقيم الإسلاميّة، ويعكس المسؤوليّة الجماعيّة، ويمنع القرارات الفرديّة الظالمة، ويعزّز الأمانة والشّفافيّة في الحكم (يكن، 1995، ص، 120–123).
4- تطبيقات الشّورى وفق فتحي يكن
1– التّطبيقات التّاريخيّة
- اعتمد يكن في جماعة الإخوان المسلمين، على الشّورى الملزمة في اختيار القادة ووضع سياسات الجماعة. مثال: المؤتمر العام للجماعة، فتُعرض القضايا الاستراتيجيّة ويُصوَّت، وتصبح القرارات ملزمة للجميع.
5- النقد والتّحليل: أوْجُه القوّة في فكر فتحي يكن
- يضمن مشاركة حقيقيّة وملزمة لكل أعضاء الجماعة، ويوفّر آليات واضحة للمساءلة،ويحمي المجتمع من الاستبداد الفردي،ّ ويعزّز ثقافة النقاش البنّاء قبل اتخاذ القرار.
6- أوجه الضعف أو القيود: الشّورى الملزمة قد تبطئ عملية اتخاذ القرار في المواقف الطارئة، إذ تحتاج إلى ثقافة تنظيميّة عالية لضمان الالتزام، ويتطلب تطبيقها مؤسساتٍ قويّةً وبنية إدارية متماسكة، وإلّا قد تفشل في تحقيق أهدافها (الغنوشي، 2001، ص، 66–69).
7- التّحليل: توفّر الشّورى الملزمة عند يكن عدالة ومساءلة أكبر مقارنة بالشّورى الإعلاميّة عند قطب،
- تهدف إلى تقليل سلطة الفرد وتعزيز المشاركة الجماعيّة.
سادسًا: الشّورى في فكر سيد قطب
- الخلفيّة الفكريّة: سيّد قطب (1906–1966) أحد أبرز المفكرين الإسلاميين في القرن العشرين، تركّزت أفكاره على تطبيق قيم الإسلام في المجتمع والسياسة، درس في الولايات المتحدة الأمريكيّة الغربيّة بين 1948 و1950، فقد تأثر بالحداثة ، لكنّه رأى أنها تفتقر للقيم الروحيّة والأخلاقيّة، فركز على ضرورة تطبيق الأحكام الشّرعيّة والأخلاقيّة في كلّ جوانب الحياة [72]، تأثّر قطب في كتاباته بمبادئ الإصلاح الاجتماعي والسياسي.
وعدَّ أن الإسلام يوفر البيئة المثاليّة للحكم الرشيد، بشرط الالتزام بالقيم والمبادئ القرآنية، ووفقًا لقطب، فإنّ الشّورى أداة لضمان معرفة الحاكم بمصلحة الأمة، لكنّها ليست ملزمة بشكلٍ كاملٍ، أي أنّ الحاكم يمكنه الاستماع للآراء والاستفادة منها دون إلزامه باتباعها حرفيًا[73] .
- مفهوم الشّورى عند سيد قطب: يرى قطب أن الشّورى أداة استشاريّة لتوجيه الحاكم، لكنها ليست إلزامية: الشّورى في الإسلام ليست إلزامية، بل هي وسيلة لضمان معرفة الحاكم بما فيه الخير للأمة…” [74].
الشّورى كأداة استشاريّة: يرى قطب أن الشّورى وسيلة إعلاميّة تساعد الحاكم على اتخاذ القرار الصّائب، فهي إعلاميّة بالدرجة الأولى وليست إلزاميّة، وتوفر للحاكم خبرات وآراء متنوعة لتوجيه قراراته بما يخدم المصلحة العام، كما يرى أن الشّورى في الإسلام ليست إلزاميّة، بل هي وسيلة لضمان معرفة الحاكم بما فيه الخير للأمة، وهي تتيح استشارات متجدّدة من دون إلزام بالحكم”[75].
- أهداف الشّورى عند قطب
- توجيه الحاكم: لتجنّب اتخاذ القرارات الفرديّة الخاطئة.
- إشراك المجتمع: السماح للمعنيين بالتعبير عن آرائهم وأفكارهم.
- تأصيل الحكم بالقيم الإسلاميّة: ضمان أن تكون القرارات متوافقة مع الشّريعة الإسلاميّة.
- الشّورى الإعلاميّة مقابل الشّورى الملزمة
- الإعلاميّة: يُستمع للآراء، والحاكم حر في القرار النّهائي.
- الملزمة: نتائج الشّورى تلزم الحاكم بالتّنفيذ. يركز قطب على أن الشّورى الإعلاميّة كافية إذا التزم الحاكم بالقيم الأخلاقيّة والشّرعيّة[76].
- أبعاد الشّورى عند قطب
البعد السياسي: تهدف الشّورى عند قطب إلى إشراك النّخب الفكريّة والأمّة في توجيه الحكم من دون المساس بسلطة الحاكم، هذا يضمن أن تكون القرارات متوازنة، لكنّه لا يفرض التزامًا صارمًا على الحاكم[77].
البعد الاجتماعي: يسهم تطبيق الشّورى في تعزيز الانسجام الاجتماعي؛ وتقليل الاحتكاكات بين أفراد المجتمع، إذ يتيح لهم التعبير عن آرائهم وملاحظاتهم، ما يعزّز الشّعور بالانتماء والمسؤوليّة الجماعيّة،
البعد الأخلاقي: يرى سيد قطب أن الشّورى وسيلة لضمان الالتزام بالقيم الإسلاميّة والأخلاقيّة، مثل العدل والصدق والأمانة، وهي ضرورية لمنع الفساد واستبداد السّلطة[78].
5-تطبيقات الشّورى وفق قطب: على الرّغم من أن سيد قطب لم يطبّق الشّورى عمليًا بنفسه، إلّا أنّ أفكاره أثّرت على الجماعات الإسلاميّة الحديثة:
- في بعض المدارس الإسلامية، يُستخدَم الشّورى الإعلاميّة في اتخاذ القرارات اليوميّة الصغيرة.
- القرارات الكبرى، مثل إنشاء مؤسسات تعليميّة أو إصدارات فكريّة، تعتمد على الاستشارة مع النخب مع الحرية التامة للقيادة في الاختيار النّهائي[79].
- النّقد والتّحليل: أوجه القوّة في فكر قطب
- يركز قطب على الأخلاق والقيم الإسلاميّة في توجيه القرارات. يعزّز مرونة الحاكم في اختيار ما يراه مناسبًا من دون التقّيد الصارم بالاستشارة، ويسمح بـ استغلال خبرات المجتمع من دون فرض قيود معقدة.
أوجه الضّعف أو القيود: عدم إلزام الحاكم قد يؤدي إلى استبداد محتمل إذا لم يكن ملتزمًا بالقيم الأخلاقيّة، ويفتقر إلى آليات ضمان المساءلة الفعليّة من المجتمع. صعوبة تطبيقه في المؤسّسات الحديثة التي تتطلب قوانين واضحة وملزمة [80]
سابعًا: مقارنة تطبيقية بين قطب ويكن
الجوهريّة بين الشّورى الملزمة والإعلاميّة
| الخاصية | الشّورى الملزمة (يكن) | الشّورى الإعلامية (قطب) |
| إلزامية التنفيذ | نعم | لا |
| دور الحاكم | الالتزام بنتائج الشّورى | حرية الاختيار |
| الهدف | العدالة والمسائلة | توجيه الحاكم |
| التطبيق العملي | استراتيجي وشامل | استشاري يومي |
| العنصر | سيد قطب | فتحي يكن |
| نوع الشّورى | إعلامية | ملزمة |
| إلزامية الحاكم | لا | نعم |
| الهدف | توجيه الحاكم | العدالة والمساءلة |
| سرعة القرار | سريعة | قد تكون أبطأ بسبب الالتزام |
| التأثير على المجتمع | محدود | قوي، يعزز المشاركة والمسؤولية |
تحليل: يركز قطب على توجيه الحاكم بالقيم الأخلاقية دون إلزامه بالقرار النّهائي، ويضمن يكن التزام الجميع ونتائج الشّورى، ما يعزز العدالة والمساءلة. الجمع بين النظامين قد يكون مثاليًا: اعتماد الشّورى الإعلاميّة للقرارات اليوميّة ، والشّورى الملزمة للقرارات الاستراتيجيّة.
المقارنة والتّحليل بين قطب ويكن
أوجه التّشابه: الاهتمام بالشّورى كأداة شرعيّة، وتعزيز القيادة المسؤولة والمشاركة الفكريّة[81].
أوجه الاختلاف:
| فتحي يكن | سيد قطب | النقطة | |||
| ملزمة | إعلاميّة | نوع الشّورى | |||
| ملزم بنتائج الشّورى | حرّيّة الاختيار | دور الحاكم | |||
| استراتيجي وشامل | استشاري يومي | التطبيق العملي | |||
ثامنا: المقارنة والتحليل بين قطب ويكن
أوجه التشابه:على الرغم من الاختلاف في منهجيّة الشّورى، هناك عدة نقاط مشتركة بين قطب ويكن:
- التّمسك بالقيم الإسلاميّة: كل من قطب ويكن يعدّ أن الشّورى يجب أن تكون متوافقة مع الشّريعة الإسلاميّة ومبادئ العدالة والأخلاق.
- أهمّيّة المشاركة المجتمعيّة: كلا المفكرين يُقرّ بأنّ مشاركة الأفراد في صنع القرار تعزز الانتماء والشّفافيّة.
- مكافحة الاستبداد:على الرغم من اختلاف درجة إلزاميّة الشّورى، إلّا أنّ الهدف الأساسي هو حماية المجتمع من القرارات الفرديّة الاستبداديّة.
أوجه الاختلاف
| فتحي يكن | سيد قطب | العنصر |
| ملزمة | إعلامية (استشارية) | نوع الشّورى |
| ملزمة | غير ملزمة | إلزامية الحاكم |
| أبطأ أحيانًا بسبب الالتزام | أسرع | سرعة اتخاذ القرار |
| قوي، يعزز المساءلة والمشاركة | متوسط | التأثير المجتمعي |
| استراتيجي وشامل | استشاري يومي | التطبيق العملي |
| قانونية، إلزامية | قيمية، توجيهية | المقصود بالعدالة |
تحليل: يركز قطب على القيم الأخلاقية والتوجيهية للحاكم، ويركز يكن على التنظيم والالتزام الجماعي لضمان العدالة والمساءلة، ويمكن الجمع بينهما: استخدام الشّورى الإعلامية للقرارات اليوميّة، والملزمة للقرارات الاستراتيجيّة.
تاسعًا: التحديات والحلول
التّحديات
- الاختلاف بين النّظريّة والتّطبيق: قد يؤدي دمج الشّورى الإعلامية والملزمة إلى صعوبة التوفيق بين سرعة القرار والدّقة.
- ثقافة المجتمع والمؤسّسة: تحتاج الشّورى الملزمة إلى وعي وثقافة تنظيميّة عالية.
- المساءلة والتقييم:قد يواجه القائمون على الشّورى صعوبة في تطبيق آليات متابعة الالتزام بالقرارات.
الحلول: وضع إجراءات واضحة تحدد نوع الشّورى لكلّ قرار، تدريب القادة على آليّات الشّورى المختلفة،”وضع مراجعات دوريّة لضمان التزام الحاكم بنتائج الشّورى الملزمة”([82]) استخدام نظم إدارة حديثة لتسهيل جمع الآراء ومتابعة تنفيذها.
نموذج مقترح لتطبيق الشّورى المدمجة
| آلية التنفيذ | الشّورى المستخدمة | نوع القرار |
| الاستشارة | الحاكم يقرر ويطبّق | يومي / تشغيلي إعلامية |
| التصويت أو الموافقة الجماعية | التنفيذ إلزامي | ملزمة /استراتيجي كبير |
| استشارة أولية إعلامية | ملزمة للقرارات النهائية | مزيج مشاريع مؤسّسية |
تحليل: هذا النموذج يوازن بين سرعة القرار والعدالة، ويتيح للمؤسّسات تطبيق مبادئ قطب ويكن بطريقة متكاملة، ويمكن تطويره بحسب حجم المؤسّسة ونوعية القرارات المطلوبة.
المقترحات العمليّة لتطبيق الشّورى
1– تحديد نوع الشّورى حسب القرار
- القرارات اليومية: شورى إعلامية لتسهيل سرعة التنفيذ.
- القرارات الاستراتيجية: شورى ملزمة لضمان العدالة والمساءلة.
2– إنشاء هيكل تنظيمي للشورى
- تشكيل مجلس استشاري : يتكون من خبراء وأعضاء ذوي خبرة في المجال المعني.
- تحديد دور الحاكم أو المدير: الالتزام بتوصيات الشّورى الملزمة، وتوجيه الشّورى الإعلاميّة.
3– تطوير آليات المساءلة والمتابعة: إنشاء تقارير دورية لمتابعة تنفيذ القرارات، وإجراء مراجعات سنوية لتقييم أداء مجلس الشّورى.
4– تدريب الأعضاء: برامج تدريبية لتعزيز ثقافة النقاش والحوار البناء، وتدريب على مهارات التقييم والتحليل لضمان فعالية المشاركة في الشّورى.
الدّروس المستفادة من يكن وقطب
- من فتحي يكن: أهمية الشّورى الملزمة لضمان العدالة والمساءلة، ووضع آليات واضحة لتنفيذ القرارات ومتابعتها.
- من سيد قطب:أهمية الشّورى الإعلامية لتوجيه الحاكم بالقيم الأخلاقيّة، تعزيز المشاركة المجتمعيّة بشكل غير ملزم لتسهيل اتخاذ القرار اليومي.
3- التّطبيق المتوازن: يضمن الجمع بين الشّورى الإعلامية والملزمة حسب طبيعة القرار التوازن بين سرعة القرار والعدالة، ويوفَّر نموذجًا عمليًّا يمكن استخدامه بالمؤسسات الحديثة (انظر الجدول في الفصل الرابع).
نتائج الدّراسة: توصلت الدّراسة إلى مجموعة من النتائج الرئيسة، أهمها:
اتفق كلٌّ من فتحي يكن وسيد قطب على مركزيّة مبدأ الشّورى في النظام الإسلامي، عادّين إياه من المقاصد الأساسيّة التي تحفظ توازن السلطة وتضمن مشاركة الأمة في القرار، وقد اختلفا في تحديد مدى إلزاميّة الشّورى.
استنادًا لما سبق، يرى فتحي يكن أن الشّورى تمثل واجبًا شرعيًّا وإلزامًا جماعيًّا لا يجوز تجاوزه، وهي من صميم الممارسة السياسيّة في الدّولة الإسلاميّة، بينما ذهب سيد قطب إلى أنّ في الشّورى مبدأً أخلاقيًا وتربويًّا يعبّر عن روح النظام الإسلامي أكثر من كونه آلية إلزاميّة ذات طابع مؤسّسي، عادًّا أنّ الحكم في النهاية لله. أظهرت الدّراسة أنّ العلاقة بين الشّورى والإعلام وثيقة، فالإعلام في نظر المفكّرين يجب أن يكون وسيلة لتفعيل المشاركة الشعبيّة في القرار، لا أداة لتوجيه الرأي العام فقط، وأبرزت أن فتحي يكن كان أكثر اهتمامًا بالتّطبيق العملي والتّنظيمي للشورى، بحكم خلفيته الدّعويّة والسياسيّة في لبنان، بينما ركّز سيد قطب على الجانب القيمي والتّربوي المرتبط بتهذيب الأمة فكريًّا قبل ممارستها الشّورىز. بيّنت أن كلا المفكرين ينطلق من رؤية إصلاحيّة واحدة، تهدف إلى إقامة مجتمع إسلامي عادل، لكنهما يختلفان في الوسائل والآليات التي تترجم الشّورى من مبدأ فكري إلى ممارسة واقعيّة.
مدى تحقق فرضيات البحث: بعد تحليل محتوى أدبيات الشّورى لدى كلٍّ من فتحي يكن وسيد قطب، ومقارنة المفاهيم النّظريّة بالتصوّرات التّطبيقيّة، خلصت الدّراسة إلى ما يلي فيما يتعلق بفرضياتها الأساسيّة:
- تحقّقت الفرضيّة العامّة: القائلة أن الشّورى تؤثّر إيجابًا في اتخاذ القرارات المدروسة، وأنّ الإعلام يشكّل وسيلة فعّالة لتفعيل المشاركة الجماعيّة، إذ أثبتت النتائج أنّ العلاقة بين الشّورى والإعلام علاقة تكامل وجدليّة، تجمع بين التوجيه القيمي والتّطبيق العملي.
- تحققت الفرضية الأولى كليًّا: وقد اتّضح اتفاق كلّ من فتحي يكن وسيد قطب على أصالة مبدأ الشّورى في الإسلام، بوصفها قيمة عقَديّة وأخلاقيّة تعبّر عن وحدة الأمّة.
- تحقّقت الفرضية الثانية جزئيًّا: إذ تبيّن وجود اختلاف في مدى إلزاميّة الشّورى؛ فـيكن عدَّها واجبة مؤسسيًا، بينما جعلها قطب مبدأً تربويًا توجيهيًا.
- تحققت الفرضيّة الثالثة جزئيًّا: إذ برزت الإلزاميّة الجماعيّة كجوهر الشّورى في الفكر الحركي، لكنّها لم تتجسّد عند قطب بالصيغة التنظيميّة ذاتها.
- تحقّقت الفرضيّتان الرابعة والخامسة كليًّا: فقد أظهرت الدّراسة أنّ ثمة تشابهًا جوهريًا بين الشّورى والإعلام في التعدّدية والمشاركة، وأن العلاقة بينهما علاقة تفاعل وتكامل، إذ يسهم الإعلام في توسيع نطاق الشّورى بينما توفّر الشّورى مرجعيّة أخلاقيّة للإعلام.
- تحقّقت الفرضية السّادسة كليًّا: فقد ثبت أن يكن قدّم تصورًا مؤسسيًا عمليًا للشورى، بينما قدّم قطب تصوّرًا تربويًا روحيًا، ما يعكس تباين المنطلقات الفكرية بين المدرستين.
- تحقّقت الفرضيّة السّابعة كليًّا: إذ تميّزت الدّراسة الحاليّة بدمج التّحليل المقارن مع القراءة الاتصاليّة لمفهوم الشّورى، وهو ما لم تتناوله الدّراسات السّابقة بهذا الشكل المتكامل.
بناءً على ذلك، يمكن القول إنّ نتائج البحث أثبتت صحّة معظم الفرضيّات بدرجاتٍ متفاوتة، ما يعزّز أهمية المقاربة التي تجمع بين الفكر السياسي الإسلامي والدّراسات الإعلامية الحديثة.
خاتمة الدّراسة: خلصت الدّراسة إلى أن الشّورى في الفكر الإسلامي المعاصر ليست مسألة شكليّة بل قضيّة جوهريّة ترتبط بطبيعة العلاقة بين الحاكم والأمّة، وبين الفكر والعمل، وبين المبادئ والممارسة، وقد مثّل كلٌّ من فتحي يكن وسيد قطب نموذجين متكاملين في بناء التصوّر الإسلامي للشورى :سيد قطب قدّم رؤية روحيّة وفكريّة تؤصّل مفهومَ الشّورى كقيمة إيمانيّة، بالمقابل فإنّ فتحي يكن قد نقل هذا المفهوم إلى حيّز العمل الجماعي والسياسي والإعلامي، مؤكّدًا أنّ الشّورى واجبة في كلّ مستويات القرار الإسلامي، وبذلك تبرز جدليّة الإلزاميّة والإعلام في فكريهما ميدانًا خصبًا لإعادة بناء مفهوم الشّورى المعاصر بما يُواكب تحدّيّات العصر، من دون أنْ يفقد أصالته الشرعيّة،
التوصيات: توصي الدّراسة بـ:
- تطوير سياسات مؤسّسيّة واضحة تحدّد نوع الشّورى لكلّ قرار.
- تعزيز ثقافة النقاش والحوار البنّاء بين الأعضاء.
- إنشاء هيكل تنظيميّ للشورى مع آليات متابعة واضحة.
- وضع إجراءات تقييم دوريّة لضمان الالتزام بالقيم والمبادئ.
- توفير برامج تدريبيّة للأعضاء لتعزيز مهارات التّحليل والمشاركة.
- الجمع بين الشّورى الإعلاميّة والملزمة يوازن بين سرعة القرار والعدالة.
- تحديد نوع القرار، مراجعة دوريّة، تدريب القيادات، تطوير نظم إدارة حديثة، تشجيع الدّراسات المستقبليّة.
المصادر والمراجع
1- ابن تيمية، تقي الدين، (1990) مجموع الفتاوى،القاهرة: دار المعرفة.
2- الزيد، عبد الله محمد (2014)، الفكر السياسي عند سيد قطب، المدينة المنورة: الجامعة الإسلاميّة 3- جمعة، محمد أحمد محمد (2024)، مبدأ الشّورى في الفقه السياسي الإسلامي، مجلة أكاديميّة جامعة الأسمريّة.
4- العتيبي، عبد الله بن فهد (2019)، مفهوم الشّورى في الفكر السياسي الإسلامي: دراسة مقارنة بين المودودي وسيد قطب، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة.
5- عماد عزيز فتاح، (2008) الشّورى في الفكر السياسي الإسلامي، القاهرة: دار الفكر المعاصر.
6- عمارة، محمد (2001)، الشّورى في الفكر الإسلامي الحديث: دراسة تحليلية مقارنة، القاهرة: دار الشروق.
7- أبو عنزة، محمد عمر أحمد (2013)، الشّورى والديمقراطية في الفكر السياسي العربي الإسلامي المعاصر، عمّان: دار النفائس.
8- الغنوشي، محمد، (2001) الديمقراطية والشّورى في الفكر الإسلامي، تونس: المركز العربي للأبحاث،
9-الغنوشي، راشد، (2001) الإسلام والديمقراطية: رؤية مقارنة،، دار الفكر المعاصر، تونس
10- القرضاوي، يوسف (1997)، الشّورى وأثرها في بناء الدولة الإسلامية، القاهرة: دار الشروق،
11- قطب ، سيد (1982)في ظلال القرآن،دار الشروق،القاهرة.
12- قطب، سيد (1982)معالم في الطريق دار الشروق، القاهرة.
13- كامل، عبد العزيز مصطفى (2005)، الفكر الحركي عند فتحي يكن، بيروت: دار البيان العربي.
14- الموصللي، أحمد (2008)، جدليات الشّورى والديمقراطية: الديمقراطية وحقوق الإنسان في الفكر الإسلامي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة.
15- يكن، فتحي، (1995) مشكلات الدعوة والداعية، دار المعارف، القاهرة.
جمعيات ومجامع
- الأزهر الشّريف، (2020) تقرير الشّورى في إدارة الجامعات الإسلامية، القاهرة: مكتبة الأزهر.
- الجامعة الإسلاميّة في غزة، (2019) آليات اتخاذ القرار في الجامعات الإسلاميّة، غزة: دار الجامعة الإسلاميّة.
- جمعية الإغاثة الإسلاميّة العالميّة، (2021) تقرير نشاطات الشّورى في المشاريع الخيرية، لندن: الجمعية.
[1] – دكتوراه في الصحافة والاعلام من جامعة الجنان. أستاذ محاضر برتبة أستاذ مساعد. لدي عدد من الأبحاث العلمية المنشورة. عضو في مجلس ضمان الجودة في اتحاد الجامعات الدولي.
PhD in Journalism and Media from Al-Jinān University. Lecturer holding the rank of Assistant Professor. Author of several published research papers. Member of the Quality Assurance Council at the International Association of Universities. E mail: rabea.yakan@hotmail.com
[2]– تفسير الجامع لأحكام القرآن لـ القرطبي عند تفسير الآية: «ما تشاور قومٍ قطّ إلا هدوا لأرشد أمورهم.» (ج 16، ص 36-37).
[3]– سورة آل عمران، الآية رقم 159.
[4]-تفسير الجامع لأحكام القرآن ( مصدر سابق).
[5] -قطب، سيد( 1982) في ظلال القرآن، دار الشروق، تفسير سورة آل عمران، الآية 159.
[6] – ورد هذا القول منسوبًا لعمر بن الخطاب في كتب الأدب والحكم: ـ ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج2، ص259. ـ ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج2، ص35.
[7] – ابن كثير. (1998). السيرة النبوية. (تحقيق مصطفى عبد الواحد). بيروت: دار المعرفة، جـ 4، صـ 249.
[8] – الخالدي، محمد ( (2015 مناهج البحث العلمي: أسسها وتطبيقاتها. عمّان: دار وائل للنشر، ص 112 ( بتصرف).
[9]– الماوردي، أبو الحسن (1996). الأحكام السلطانية والولايات الدينية.القاهرة: دار الحديث. ص 21.
[10]– الجرّاح، محمد.(2015) المعجم السياسي. عمّان: دار أسامة للنشر والتوزيع. ص 112.
[11] – الشناوي، حسن أحمد(2006) . القيادة الإدارية: المفهوم، المهارات، الأنماط. القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر. ص 27.
[12] – دراسة (جمعة 2024) بعنوان (مبدأ الشورى في الفقه السياسي الإسلامي). محمد أحمد محمد جمعةـ مقال منشور في مجلة أكاديمية.
[13] – دراسة (العتيبي 2019) بعنوان (فهوم الشورى في الفكر السياسي الإسلامي: دراسة مقارنة بين المودودي وسيد قطب). عبد الله بن فهد العتيبي رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
[14] – فتّاح، عماد عزيز (2016). دمشق: دار أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع .عدد الصفحات 474.
[15] – الزيد، عبد الله محمد (2014). الفكر السياسي عند سيد قطب.المدينة المنورة :الجامعة الإسلامية.
[16] – أبو عنزة، محمد عمر أحمد (2013). الشورى والديمقراطية في الفكر السياسي العربي الإسلامي المعاصر. عدد الصفحات 128.
[17] – الموصللي، أحمد (2007). الديمقراطية وحقوق الإنسان في الفكر الإسلامي. بيروت :دار مركز دراسات الوحدة العربية. ص 200.
[18]– مصطفى كامل، عبد العزيز (2005). الفكر الحركي عند فتحي يكن. بيروت: دار البيان العربي، ص 250.
[19]– عمارة، محمد (2001) الشورى في الفكر الإسلامي الحديث: دراسة تحليلية مقارنة. القاهرة: دار الشروق. ص 190.
[20]– القرضاوي،يوسف (1997) الشورى وأثرها في بناء الدولة الإسلامية. القاهرة :دار الشروق. ص 198.
[21] – البوطي، محمد سعيد رمضان (1989( الشورى في الإسلام. دمشق: دار الفكر.عدد صفحات 28.
[22] – لسان العرب: مادة (ش و ر) باب الراء فصل الشين 4/ 434-435، دار صادر بيروت.
[23] – انظر: المعجم الوسيط 1/ 518-519 مادة: (ش و ر)، مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
[24] – القاموس القويم للقرآن الكريم: إبراهيم عبد الفتاح – مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة ج1/ 361.
[25] – الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوود. الراغب المفردات. دمشق: دار القلم، (ط2). 1418هـ. ص 270.
[26] – العوا، محمد سليم (1989). في النظام السياسي للدولة الإسلامية . (ط1)، دار الشروق ص 179.
[27] – م. س، ص 179.
[28] – يكن، فتحي – مشكلات الدعوة والداعية. بيروت: دار المعرفة. ص 45–46 .(بتصرف).
[29] – يكن، فتحي – أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي. بيروت: 296 – 297 (بتصرف).
[30] – يكن، فتحي.مشكلات الدعوة والداعية. ص 177. (مصدر سابق).
[31] – الشّاوي، توفيق (1992). فقه الشورى والاستشارة. (ط2). القاهرة: دار الوفاء. ص 116.
[32] – مصدر سابق: ص 117.
[33] – محمد سليم العوا. ص 180. (مصدر سابق).
[34] -عبد الخالق، عبد الرحمن (1975). في ظلّ نظام الحكم الإسلامي.الكويت: الدار السلفية ودار القلم. ص 4.
[35] – الحسيني، عبد الله سراج الدين. سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم شمائله الحمديدة خصاله المجيدة. حلب: مكتبة دار الفلاح ص 348 634.
[36] – الغنوشي، راشد (2012). الديموقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام.قطر:الدار العربية للعلوم. ص. 45–48. (بتصرف).
[37] – فتاح،عماد عزيز (2008). الشورى في الفكر السياسي الإسلامي. الأردن: دار أمل الجديدة للطباعة والتوزيع. ص 52–56. (بتصرف).
[38] – الغزالي، أبو حامد (1982). إحياء علوم الدين.بيروت: دار الكتب العلمية. ص. 82–85. (بتصرف).
[39] – الأزهر الشريف (2020). ص. 34–36.
[40] – يكن، فتحي (1995). مشلات الدعوة والداعية. مرجع سابق. ص. 112- 113. (بتصرف).
[41] – الغزالي، أبو حامد (1982). مرجع سابق. ص. 88.
[42] – الحسيني، عبد الله سراج الدين. مرجع سابق. ص 364.
[43] – الدريني، فتحي (1987). خصائص التشريع الإسلامي في السياسة والحكم. (ط2). بيروت: مؤسسة الرسالة، ص 414.
[44] – ابن العربي، أحكام القرآن مج 4/ 1668. تحقيق:علي محمد البجاوي. بيروت: دار المعرفة.
[45] – الحجرات: 1.
[46]– القرضاوي,يوسف: (من فقه الدولة).
[47] – سورة آل عمران: 159.
[48] – سورة الشورى: 38.
[49] – قطب، سيد (1985). في ظلال القرآن (ط11). بيروت: دار الشروق. ص 3160.
[50] – ابن ماجه. الأدب، باب: المستشار مؤتمن ح رقم 3747 ج2. ص1233. بإسناد ضعيف.
[51] – ابن ماجه – ك الأدب – ح 3745-3746، وأحمد 5/274 عن ابن مسعود، والدارمي ج2 ص219، مجمع الزوائد: ج8 ص99، ورواية أبي مسعود عند ابن ماجه بإسناد صحيح.
[52] – أحمد 2/321، 365.
[53] – رواه الطبراني في الأوسط والصغير بإسناد ضعيف، انظر: مجمع الزوائد، ج8 ص99.
[54] – الترمذي – ك الفتن ح2368 ج3 ص361، وقال: هذا حديث غريب.
[55] – أحمد 2/299 من حديث أبي هريرة.
[56] – أحمد 1/76-95، ابن ماجه – المقدمة – مناقب ابن مسعود، ج1 ص49، ح رقم 137.
[57]– الترمذي – أبواب الجهاد – باب ما جاء في المشورة ج3 ص129 بدون إسناد.
[58] – سيرة ابن هشام 2/177، ط1، مكتبة الإيمان بالقاهرة، 1416هـ/1995م.
[59] – المرجع السابق 3/16.
[60] – صحيح مسلم بشرح النووي 12/70 كتاب الجهاد والسير – باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، الحديث رقم 1763.
[61] – فتح الباري بشرح صحيح البخاري (1998): كتاب الاعتصام، باب: وأمرهم شورى بينهم 13/417 (ط1) القاهرة، دار الحديث.
[62] – سورة الشورى : 38
[63] – الكشاف: الزمخشري 1/459. (1994). بيروت: دار إحياء التراث العربي (ط1).
[64] – صحيح مسلم بشرح النووي: باب: وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي، والحديث رقم: 2363.
[65] – الغزالي، محمد (1965). في موكب الدعوة. (ط3). القاهرة: دار الكتب الحديثة بالقاهرة . ص 169-170.
[66] – انظر كلاًّ من: أ – عودة، عبد القادر (1986). الإسلام وأوضاعنا السياسية (ط7). بيروت ص207-208./ ب – عودة،عبد القادر (1977). التشريع الجنائي مقارناً بالقانون الوضعي: 1/41. القاهرة: دار التراث41.
[67] – حوى، سعيد (1983). فصول في الإمرة والأمير (ط1). دار السلام. ص120-122.
[68] – عودة، عبد القادر: الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص 195-196، انظر: د. محمد سليم العوا: في النظام السياسي. ص 180.
[69] – العوا، محمد سليم: في النظام السياسي للدولة الإسلامية، ص 185. (مصدر سابق).
[70]– الغزالي، محمد: الإسلام والاستبداد السياسي. ص 53. (مصدر سابق).
[71] – العوا، محمد سليم: في النظام السياسي للدولة الإسلامية. ص 186. (مصدر سابق).
[72]– (قطب، 1982، ص 12–15).
[73]– قطب، 1982، ص، 123–125.
[74]– قطب، 1982، ص، 123.
[75]– قطب، 1982، ص، 123.
[76]– قطب، 1982، ص، 124–127.
[77]– قطب، 1982، ص، 130.
[78] – قطب، 1982، ص، 135–138.
[79] – عماد عزيز فتاح، 2008، ص 75–78.
[80] – الغنوشي، 2001، ص، 66–69.
[81] – عماد عزيز فتاح، 2008، ص، 75–78.
[82] – الغنوشي, 2001, ص. 66–69.