كفاءة الموارد البشريّة في الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة ودورها في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة دراسة ميدانيّة على الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في يحمر الشّقيف- النّبطية
عنوان البحث: كفاءة الموارد البشريّة في الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة ودورها في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة دراسة ميدانيّة على الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في يحمر الشّقيف- النّبطية
اسم الكاتب: د. محمد جابر، ناصر حسن عليق
تاريخ النشر: 2026/07/13
اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية
عدد المجلة: 44
تحميل البحث بصيغة PDFكفاءة الموارد البشريّة في الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة ودورها في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة
دراسة ميدانيّة على الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في يحمر الشّقيف- النّبطية
The efficiency of human resources in agricultural cooperative associations and its role in the sustainable agricultural development planning process
Dr. Mohammed Jaber د. محمد جابر([1])
Naser Hassan ileik ناصر حسن عليق([2])
تاريخ الإرسال:5-6-2026 تاريخ القبول:17-6-2026
الملخص turnitin:6%
هدفت هذه الدّراسة إلى تشخيص وتحليل دور كفاءة الموارد البشريّة في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة في الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة، شملت الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في يحمر الشّقيف – النّبطية في لبنان، انطلقت الإشكاليّة المركزيّة من وجود فجوة بين الدّور التّنموي المتوقع لهذه الجمعيّات وبين أدائها الفعلي والذي غالبًا ما يقتصر على أنشطة خدميّة روتينيّة، مع ضعف واضح في قدرتها على التّخطيط الاستراتيجي الطويل الأمد.
اعتمدت الدّراسة على منهجيّة بحثيّة كميّة وصفيّة، من خلال تصميم استبيان شمل عيّنة من أعضاء ومتخذي القرار في الجمعيّة لقياس بعدين رئيسين للكفاءة البشريّة (المعرفيّة، المهنيّة) وعلاقتهما بممارسات التّخطيط للاستدامة، حُلِّلت البيانات باستخدام الأساليب الاحصائيّة الوصفيّة (المتوسط الحسابي، الانحراف المعياري).
وقد أكدت النّتائج وجود علاقة إيجابيّة بين الكفاءة البشريّة والتّخطيط، ولكن بشكل متفاوت وغير متكامل. فالكفاءة المعرفيّة أظهرت وعيًا نظريًّا عاليًا بمبادئ الاستدامة، لكن مع ضعف حاد في المعرفة التّطبيقيّة (كيفية وضع مؤشرات أداء، والتّخطيط طويل المدى).
الكلمات المفتاحيّة: التّعاونيّات الزّراعيّة، التّخطيط، دور، التنمية المستدامة.
Abscrat
This study aimed to diagnose and analyze the role of human resource efficiency in the planning process for sustainable agricultural development in agricultural cooperatives, focusing on the Agricultural Cooperative Association in Yahmour Al-Shaqeef – Nabatieh in Lebanon. The central issue stemmed from a gap between the expected developmental role of these cooperatives and their actual performance, which is often limited to routine service activities, with a clear weakness in their capacity for long-term strategic planning.
The study adopted a quantitative descriptive research methodology, employing a questionnaire administered to a sample of association members and decision-makers to measure two main dimensions of human efficiency (cognitive and professional) and their relationship to sustainable planning practices. Data were analyzed using descriptive statistical methods (mean, standard deviation).
The results confirmed a positive relationship between human efficiency and planning, but in a variable and non-integrated manner. Cognitive efficiency demonstrated a high theoretical awareness of sustainability principles, but with a severe weakness in applied knowledge (such as how to set performance indicators and engage in long-term planning).
Keywords: Agricultural cooperatives, Planning, Role, Sustainable development.
تعد الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة ركيزة أساسية في هيكل الاقتصاد الرّيفي والزراعي في العديد من البلدان، لا سيما في المناطق التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيس للعيش والتنمية، وتستند فكرة التّعاونيّات الزّراعيّة بشكل عام إلى مبدأ التّجمع الطوعي للمزارعين وأصحاب الحيازات الصغيرة بهدف تعزيز قوتهم الاقتصاديّة والتّفاوضيّة من خلال تنسيق الجهود في مجالات الإنتاج والتّسويق والتّوريد والتّصنيع الزّراعي، وتقديم الخدمات الدّاعمة مثل الإقراض والتأمين ونقل المعرفة، وهذا المفهوم يتجاوز الجانب الاقتصادي البحت ليلمس أبعادًا اجتماعيّة وتنظيميّة تهدف إلى تمكين المجتمع المحلي وتقليل الفوارق. أمّا التنمية الزّراعيّة المستدامة، فهي عمليّة شاملة تهدف إلى زيادة الانتاجيّة الزّراعيّة وتحسين الأمن الغذائي، مع الحفاظ على قاعدة الموارد الطبيعيّة للأجيال القادمة، وضمان الربحيّة الاقتصاديّة للمزارع، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة. وهذا النّوع من التنمية يتطلب تخطيطًا محكمًا يراعي الاعتبارات البيئيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة على المدى الطويل، وليس مجرد زيادة غلّة المحصول في الموسم الحالي (الزين، 2020).
وعند الربط بين مفهومي كفاءة الموارد البشريّة والتنمية الزّراعيّة المستدامة، نجد أنّ الدّور يتجلى بشكل واضح في عمليّة التّخطيط التي تعد المرحلة الأساسية والأكثر حسمًا في رحلة التنمية المستدامة، فالتّخطيط الفعال يحتاج إلى عناصر بشريّة قادرة على تحليل الواقع الزراعي المحلي بدقة في خصائص الأراضي والموارد المائيّة، وأنماط المحاصيل، والتّحديات المناخيّة والبيئيّة، ونقاط القوّة والضّعف في السّلسلة الإنتاجيّة، إضافة الى استشراف المستقبل وتحديد الرؤية الاستراتيجيّة للجمعيّة وأعضائها، بما يتوافق مع مبادئ الاستدامة، ووضع الخطط والبرامج التّنفيذيّة الواقعيّة، سواءً أكانت لتحويل ممارسات الأعضاء إلى الزّراعة العضويّة، أو لترشيد استخدام المياه عبر أنظمة الري الحديثة، أو لتنويع المحاصيل وإدخال أصناف ذات قيمة سوقيّة عالية وقدرة على مواجهة التّغير المناخي، أو لإنشاء وحدات تصنيع بسيطة تضيف قيمة للمنتجات الأوليّة والقدرة على تعبئة الموارد الماليّة والفنيّة، ومتابعة وتقييم تنفيذ الخطط وقياس أثرها، وتقديم التغذية الرّاجعة المستمرة . فمن دون كفاءة بشريّة عالية، يتحول التّخطيط إلى مجرد وثائق نظريّة لا صلة لها بواقع المزرعة والحقل.
ولاختبار هذه العلاقة النّظريّة على أرض الواقع، تأتي هذه الدّراسة الميدانيّة التي تركز على الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في بلدة يحمر الشّقيف في قضاء النبطية بجنوب لبنان إذ تُعد هذه المنطقة جزءًا من الحزام الزّراعي اللبناني الذي يواجه تحديات متعددة، منها ندرة الموارد المائيّة، وتفتت الحيازات الزّراعيّة، وتقلبات السوق، إضافةً إلى التحديات الاقتصاديّة العامة التي يمر بها البلد.
على الرغم من الاعتراف العالمي المتزايد بدور الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة كأداة حيوية لتحقيق التنمية الزّراعيّة المستدامة والأمن الغذائي، فإنّ المؤشرات والتقارير العلمية تشير إلى وجود فجوة تنموية واضحة. فبحسب تقرير منظمة الأغذية والزراعة (FAO, 2022)، لا تتجاوز نسبة الجمعيات التعاونية الزراعية في المنطقة العربية التي تمتلك خططاً استراتيجية طويلة الأمد للاستدامة 15%، في حين تشير دراسة (عبد العال، 2021) إلى أن أكثر من 70% من هذه الجمعيات تركز أنشطتها على خدمات روتينية (كالتسويق والتوزيع) دون تخطيط استراتيجي حقيقي. وفي السياق اللبناني، تؤكد تقارير وزارة الزراعة اللبنانية (2023) أن أقل من 10% من الجمعيات التعاونية الزراعية النشطة تطبق مؤشرات أداء قابلة للقياس مرتبطة بالاستدامة. أما على مستوى المنطقة المستهدفة (النبطية ـ يحمر الشقيف)، فتشير إحصاءات اتحاد التعاونيات الزراعية في الجنوب (2024) إلى أن الجمعية التعاونية الزراعية هناك لم تنفذ أي خطة تنموية مستدامة متكاملة خلال السنوات الخمس الماضية، وأن أداءها يقتصر على خدمات موسمية روتينية، وعليه تطرح الدّراسة السؤال الإشكالي الرئيس الآتي:
الى أي مدى تؤدي كفاءة الموارد البشريّة بأبعادها (المعرفيّة، المهنيّة) دورًا في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في يحمر الشّقيف- النبطية ؟
ويتفرع من السؤال الإشكالي الأسئلة الفرعيّة الآتية:
- هل يوجد دور ذو دلالة معنويّة للكفاءة المعرفيّة في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة؟
- هل يوجد دور ذو دلالة معنويّة للكفاءة المهنيّة في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة؟
- أهداف البحث: تتجلى أهداف الدّراسة في:
- تقييم واقع كفاءة الموارد البشريّة في الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في يحمر الشّقيف، من خلال قياس أبعادها الأساسيّة (المعرفيّة، المهنيّة) لدى مجلس الإدارة والكادر الفني والأعضاء النشطين.
- تحليل واقع عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة داخل الجمعيّة قيد الدّراسة، من خلال وجود خطة استراتيجيّة، ومدى شمولها للأبعاد الاقتصاديّة والبيئيّة والاجتماعيّة، وآليات المتابعة والتقييم المعتمدة.
- فحص وقياس العلاقة الاحصائيّة والتأثير بين كل بعد من أبعاد كفاءة الموارد البشريّة (المعرفي، المهني) وبين فعاليّة عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة في الجمعيّة.
- فرضيّات الدّراسة
- الفرضيّة الرئيسة: تؤدي كفاءة الموارد البشريّة بأبعادها (المعرفيّة، المهنيّة) دورًا في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في يحمر الشّقيف- النبطيّة.
- الفرضيّة الفرعيّة الأولى: قد يوجد دور ذو دلالة معنويّة للكفاءة المعرفيّة في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة.
- الفرضيّة الفرعيّة الثانية: قد يوجد دور ذو دلالة معنويّة للكفاءة المهنيّة في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة.
- أهمية البحث: تكمن الأهمّيّة النّظريّة لهذا البحث في كونه يلامس نواة إشكاليّة بحثية متطورة، وهي فحص العلاقة التّبادليّة والسّببيّة بين رأس المال البشري كعامل ديناميكي داخلي، وقدرة المؤسسات المجتمعيّة على تبني نماذج تنموية مستدامة معقدة وتنفيذها. تقدم الدّراسة إطارًا تكامليًّا يربط بين متغيرات كانت تُدرس غالبًا في مسارات منفصلة؛ فالأدبيّات الغنيّة حول التنمية الزّراعيّة المستدامة تركز عادةً على الأبعاد الفنيّة والبيئيّة والاقتصاديّة، بينما تتركز أدبيات التّعاونيّات حول الهيكل الحوكمي والفوائد الاقتصاديّة الجماعيّة. ومن هنا، فإنّ اقتران “كفاءة الموارد البشريّة” بـعمليّة التّخطيط للاستدامة داخل نموذج الجمعيّة التّعاونيّة، يقدم نموذجًا نظريًّا جديدًا يسد فجوة في الأدبيّات، ويحول الكفاءة البشريّة من مجرد متطلب مساعد إلى متغير مستقل مركزي في معادلة التنمية المحليّة.
أمّا على المستوى العملي، يمكن أن تخدم نتائج الدّراسة المؤسسات الدّاعمة، إذ إنّ أي تحسن في كفاءة الجمعيّة وقدرتها على التّخطيط سينعكس على أرض الواقع من خلال خدمات أفضل، وزيادة في الرّبحيّة، وتعزيز لصمودهم أمام التّحديات الاقتصاديّة والبيئيّة، وبذلك تتحول الدّراسة من بحث أكاديمي إلى استثمار عملي في تنمية القدرات المحلية، يساهم في تحقيق أمن غذائي ورفاه اقتصادي أكثر استدامة للمجتمع الرّيفي في منطقة النبطية وما يشابهها.
- مراجعة الأدبيّات: تشكل الدّراسات السّابقة ركيزة أساسيّة لفهم الإطار النّظري والتّطبيقي لعلاقة كفاءة الموارد البشريّة بعمليّة التّخطيط للتنمية المستدامة في القطاع التّعاوني الزراعي، وفي هذا السّياق تقدم مجموعة من الدّراسات العربيّة والأجنبيّة رؤى متباينة ومتكاملة.
فعلى المستوى العربي، أجرى الحميدي (2019) دراسة في المملكة العربيّة السّعوديّة بعنوان “دور الكفاءات الإداريّة في تطوير الأداء بالجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة”. هدفت هذه الدّراسة إلى قياس تأثير المهارات الإداريّة (كالتّخطيط والتنظيم) على تحسين خدمات الجمعيّات التّعاونيّة. توصلت إلى وجود ارتباط إيجابي قوي، وأوصت بتعزيز البرامج التّدريبيّة للإدارات التّعاونيّة.
أمّا دراسة عبد العال (2021) في مصر بعنوان “معوقات تطبيق التنمية الزّراعيّة المستدامة في التّعاونيّات الرّيفيّة: دراسة ميدانيّة”، فانصب تركيزها على التّشخيص أكثر منه على الحلول. هدف البحث إلى تحديد العوائق الهيكليّة والبشريّة التي تحول دون تبني ممارسات مستدامة. من أبرز نتائجها أن ضعف الوعي البيئي ونقص الخبرة الفنيّة بين المزارعين والإداريين يشكلان حاجزًا رئيسًا، إلى جانب محدوديّة الموارد الماليّة.
وعلى المستوى الدّولي، تقدم دراسة Rey et al. (2017) تحليلًا مقارنًا هدفت إلى استكشاف كيف تؤثر مستويات التّعليم والمهارات القياديّة على جودة التّخطيط الاستراتيجي في تعاونيّات عدّة دول أوروبيّة. خلصت إلى أنّ التّعاونيّات التي تستثمر في التّدريب المستمر وتجذب قيادات ذات خلفيّات تعليميّة متنوعة تكون أكثر قدرة على صياغة واستباق التّحديات المستقبليّة، بما في ذلك التحول نحو الاستدامة.
في حين ركزت دراسة Mendoza and Ortiz (2020) على السّياق التنموي في أمريكا اللاتينية، وقد هدف إلى تحليل العلاقة بين الأنماط السّلوكيّة للقادة (كالتّشاركيّة والدّيمقراطيّة مقابل الأوتوقراطيّة) ومستوى دمج مبادئ الاستدامة في الخطط التّنفيذيّة. أظهرت النّتائج أنّ السّلوك القيادي التّشاركي هو العامل الأكثر حسمًا في تبني خطط زراعية متكاملة تراعي الأبعاد البيئيّة والاجتماعيّة.
من هنا، تستفيد الدّراسة وتتموضع في الفجوة التي تجمع بين عمق التّحليل الغربي وخصوصيّة الواقع العربي. فهي لا تكتفي بتأكيد وجود علاقة بين الكفاءة والتّخطيط، كما فعلت دراسة العتيبي والحميدي، بل تحلل طبيعة هذه العلاقة عبر أبعاد الكفاءة، وتتجاوز دراسة عبد العال في التّشخيص العام للمعوقات إلى قياس تأثير محدد وتقييمه، وتقدّم إسهامًا تطبيقيًّا بتطبيق هذا الإطار التّحليلي المتطور على حالة دراسيّة دقيقة ومحددة (الجمعيّة في يحمر الشّقيف)، وهو ما يضيف معرفة جديدة حول كيفيّة تفاعل هذه المتغيرات في سياق يعاني من ضغوط متعددة، مما يثري الأدبيّات العالميّة بمنظور من الجنوب.
- منهج الدّراسة: من أجل الإجابة على إشكالیّة الدّراسة واختبار صحّة الفرضیّات، اعتُمِد المنهج الوصفي من أجل وصف الظاهرة محل الدّراسة، وكذلك المنهج التّحلیلي بهدف تحلیل مختلف المعطیات والبیانات المتعلقة بالدّراسة التّطبیقیّة.
- مجتمع الدراسة وعينتها: يتكون مجتمع الدراسة من جميع العاملين وأعضاء مجالس الإدارة والأعضاء النشطين في الجمعيات التعاونية الزراعية العاملة في محافظة النبطية بجنوب لبنان، والتي يبلغ عددها 12 جمعية تعاونية زراعية مسجلة لدى وزارة الزراعة اللبنانية واتحاد التعاونيات الزراعية في الجنوب (حسب إحصاءات 2024-2025).
تم اختيار عينة طبقية عشوائية من 3 جمعيات تعاونية زراعية في محافظة النبطية، هي:
الجمعية التعاونية الزراعية في يحمر الشقيف، الجمعية التعاونية الزراعية في كفر تبنيت، الجمعية التعاونية الزراعية في عربصاليم
وبلغ حجم العينة الإجمالي 150 مفردة (50 مفردة من كل جمعية).
تُفسر العلاقة بين كفاءة الموارد البشريّة في الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة وقدرتها على التّخطيط للتنمية المستدامة من خلال عدسات نظريّة متعددة، تقدم كل منها إطارًا تحليليًّا مكمّلًا للآخر، فتقدم نظريّة رأس المال البشري الأساس الاقتصادي الأكثر مباشرة، إذ تفترض أنّ المعرفة والمهارات والخبرات التي يكتسبها الأفراد (سواءً من خلال التّعليم الرّسمي أو التّدريب أو الخبرة العمليّة) تشكل شكلًا من أشكال رأس المال الاستثماري، كما تقدم نظريّة الاعتماد على الموارد منظورًا مؤسسيًّا يفسر لماذا وكيف تدفع الكفاءة البشريّة الجمعيّة نحو التّخطيط الاستراتيجي للاستدامة، وهنا تُعد الكفاءة البشريّة نفسها المورد الأكثر قيمة ونُدرة، وتضيف نظريّة الفعل التواصلي بعدًا اجتماعيًّا وسوسيولوجيًّا حاسمًا، وخاصة في سياق المؤسسات التّعاونيّة القائمة بالأساس على المشاركة والدّيمقراطيّة.
- إجراءات الدّراسة: لتحقيق أهداف الدّراسة طُبِّق استبيان على عيّنة من صحاب العلاقة بما يتلاءم مع الفرضيّات المطروحة وتحليلها وفق ما يلي:
| المتغير | عدد العبارات | قيمة Cronbach’s Alpha | مستوى الثبات |
| الكفاءة المعرفية | 5 | 0.873 | عالٍ جداً |
| الكفاءة المهنية | 5 | 0.891 | عالٍ جداً |
| التخطيط للتنمية المستدامة | 5 | 0.902 | عالٍ جداً |
| الاستبيان ككل | 15 | 0.915 | عالٍ جداً |
للتأكد من ثبات وموثوقية أداة الدراسة (الاستبيان)، تم حساب معامل كرونباخ ألفا Alpha Cronbach’s لكل متغير من متغيرات الدراسة وللاستبيان ككل. أظهرت النتائج أن قيم معامل كرونباخ ألفا تراوحت بين 0.873 و 0.915، وهي قيم مرتفعة جداً وتتجاوز الحد الأدنى المقبول وهو 0.70 وفقاً لما أوصت به الأدبيات العلمية (Nunnally, 1978). فقد سجل متغير الكفاءة المعرفية قيمة ألفا بلغت 0.873، مما يشير إلى درجة ثبات عالية جداً لعبارات هذا المحور. كما بلغت قيمة ألفا للكفاءة المهنية 0.891، وهي أيضاً قيمة مرتفعة جداً تعكس اتساقاً داخلياً قوياً بين عبارات هذا البعد. أما متغير التخطيط للتنمية المستدامة فقد حقق أعلى قيمة بين المتغيرات منفردة، حيث بلغت 0.902، وهو مستوى ثبات ممتاز. وعند حساب الثبات للاستبيان ككل بجميع عباراته الخمس عشرة، بلغت قيمة كرونباخ ألفا 0.915. هذه النتيجة تعكس درجة عالية جداً من الاتساق الداخلي والتجانس بين فقرات أداة القياس. وبناءً على هذه النتائج، يمكن القول إن الاستبيان يتمتع بدرجة ثبات وموثوقية عالية تسمح بالاعتماد عليه في جمع البيانات وتحليلها إحصائياً. كما أن هذه القيم تمنح ثقة أكبر في النتائج التي سيسفر عنها التحليل الاستدلالي اللاحق، وتدعم إمكانية تعميم نتائج الدراسة على مجتمع البحث. وبذلك يكون مطلب الثبات الإحصائي للأداة قد تحقق بشكل كامل ومقبول علمياً
الانحرافات المعياريّة والمتوسطات الحسابيّة للفرضيّة الفرعيّة الأولى: قد يوجد دورا ذو دلالة معنويّة للكفاءة المعرفيّة في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة.
| N | Minimum | Maximum | Mean | Std. Deviation | |
| يتفهم مجلس الإدارة العلاقة بين الممارسات الزّراعيّة التقليدية وتأثيرها السلبي على البيئة على المدى الطويل | 30 | 1 | 2 | 1.31 | .465 |
| درك الأعضاء فوائد تبني ممارسات زراعية مستدامة (مثل الزراعة العضوية أو ترشيد المياه) | 30 | 1 | 1 | 1.00 | .000 |
| يوجد فهم واضح لمفاهيم مثل “الأمن الغذائي” و”التكيف مع التغير المناخي” بين الأعضاء | 30 | 1 | 3 | 2.14 | .739 |
| يعرف المسؤولون كيفية وضع مؤشرات أداء قابلة للقياس لمتابعة الخطط | 30 | 1 | 2 | 1.19 | .394 |
| يدرك الأعضاء أهمية التّخطيط طويل المدى مقابل التركيز على الحلول الآنية | 30 | 1 | 2 | 1.48 | .502 |
| Valid N (listwise) | 100 |
مصدر الجدول: من إعداد الباحث
يقدم الجدول تحليلًا إحصائيًّا لاستجابات عيّنة قوامها 30 فردًا (N=30) حول خمسة مؤشرات حاسمة تعكس جوانب من الكفاءة المعرفيّة وعلاقتها بالتّخطيط طويل المدى في سياق الدّراسة. تكشف النّتائج صورة واضحة تُظهر وجود مستوى مقبول من الوعي العام بمبادئ الاستدامة، ولكن مع ضعف خطير في المعرفة الإجرائيّة والتقنيّة اللازمة لتحويل هذا الوعي إلى تخطيط فعال وممنهج.
تشير نتائج المؤشرات إلى اتساق داخلي في الرؤية العامة للقضايا البيئيّة. إذ يسجّل مؤشر “إدراك فوائد الممارسات المستدامة” أعلى مستوى إيجابي على الإطلاق، بمتوسط حسابي (Mean) يساوي 1.00 وانحراف معياري (Std. Deviation) صفري (0.000)، ما يعني أن أفراد العيّنة جميعهم (30 فردًا) أجابوا بالإجابة الأكثر إيجابيّة (“أوافق بشدة”). وهذا مؤشر قوي جدًا على وجود إجماع ووعي تام بين المبحوثين (سواءً أكانوا أعضاء أو مسؤولين) بالمكاسب الأساسيّة الناتجة عن التحوّل نحو الزّراعة المستدامة. كما أنّ المؤشر المتعلق بفهم مجلس الإدارة للعلاقة بين الممارسات التّقليديّة، وتأثيرها السّلبي سجل متوسطًا منخفضًا (1.31) يشير إلى اتجاه إيجابي عام، وإن كان بدرجة أقل من المؤشر السّابق، مع وجود بعض التّباين الطّفيف في الآراء (انحراف معياري 0.465).
تحلّل النّتائج فرضيّة وجود دور للكفاءة المعرفيّة في التّخطيط المستدام إلى مكونين: كفاءة “قيميّة-توعويّة” عالية، وكفاءة “تقنية-إجرائيّة” ضعيفة. هذا التفكيك يفسر لماذا قد تبدو الجمعيّة متحمسة للاستدامة نظريًّا ولكن أداؤها التّخطيطي متواضع، بمعنى آخر، الوعي شرط لازم ولكنّه غير كافٍ لضمان تخطيط فعال. تتطلب التّنمية المستدامة فهمًا عميقًا للمفاهيم وإتقانًا لأدوات الإدارة الحديثة، وهذان العنصران هما نقطة الضّعف الرّئيسة التي كشفها الجدول. لذلك، فإنّ أي تدخل لتعزيز دور الكفاءة المعرفيّة يجب أن يرتكز بشكل عاجل على سد هذه الفجوة من خلال برامج تدريبيّة مكثفة تركز على صياغة الاستراتيجيّات، وبناء مؤشرات الأداء الرئيسة، وإدارة المشاريع المستدامة، مما يمكن الجمعيّة من تحويل قناعاتها الإيجابيّة إلى خطط عمل ملموسة وقابلة للتحقيق.
الانحرافات المعياريّة والمتوسطات الحسابيّة للفرضيّة الفرعية الثانية: قد يوجد دور ذو دلالة معنويّة للكفاءة المهنيّة في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة.
| N | Minimum | Maximum | Mean | Std. Deviation | |
| يمتلك العاملون في الجمعيّة المهارات التقنية الكافية لتطبيق ممارسات الزراعة المستدامة (مثل التحكم بالري الحديث، المكافحة المتكاملة للآفات) | 30 | 1 | 2 | 1.45 | .500 |
| يستطيع الكادر الفني للجمعية تقييم الحالة الصحية للتربة والمحاصيل وتقديم التوصيات المناسبة للمزارعين بناءً على ذلك. | 30 | 1 | 2 | 1.26 | .441 |
| 8.توجد مهارات كافية لدى المسؤولين لتحديد وتقييم المخاطر البيئية والاقتصاديّة المحتملة التي قد تواجه الخطط المستدامة (مثل تقلبات الأسعار، الأمراض النباتية). | 30 | 1 | 2 | 1.34 | .476 |
| توجد آلية مهنية محكمة داخل الجمعيّة لمتابعة تقدم تنفيذ الخطط وقياس الانحرافات عن الأهداف المخططة. | 30 | 1 | 1 | 1.00 | .000 |
| 7. يمتلك كادر الجمعيّة الكفاءة في إدارة الموارد المالية للمشاريع المستدامة (مثل تتبع المصروفات، ضمان الاستدامة المالية للمشروع). | 30 | 1 | 1 | 1.00 | .000 |
مصدر الجدول: من إعداد الباحث
يكشف تحليل الجدول لخمسة مؤشرات رئيسة للكفاءة المهنيّة في الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة، بناءً على استجابات عيّنة قوامها 30 فردًا (N=30)، عن صورة متناقضة مقلقة: فهناك إجماع تام على وجود كفاءة مهنيّة في العمليّات الإجرائيّة والماليّة الأساسيّة، ولكن هذا يقابله ضعف واضح في الكفاءات المهنيّة المتقدمة والمتخصصة التي تشكل عماد التّخطيط الاستراتيجي الفعّال والمتكامل للتنمية المستدامة.
من ناحية، تُظهر البيانات قوّة ملحوظة في الجوانب الإجرائيّة والماليّة المباشرة. إذ سجل المؤشران المتعلقان بوجود “آلية مهنيّة محكمة للمتابعة والقياس” و”كفاءة إدارة الموارد الماليّة للمشاريع” متوسطًا حسابيًا (Mean)كاملًا يساوي 1.00 مع انحراف معياري (Std. Deviation) صفري (0.000). وهذا يعني أن أفراد العيّنة جميعهم أجابوا بالإيجاب التّام (“أوافق بشدة”) على هذين البندين. يشير هذا الإجماع إلى ثقة عالية في وجود أطر إداريّة وماليّة روتينيّة منظمة داخل الجمعيّة، ما يعكس درجة من الاحترافيّة في التّعامل مع المتابعة اليوميّة والشؤون الماليّة الأساسيّة، وهو أمر إيجابي يشكل قاعدة إداريّة سليمة.
من ناحية أخرى، يكشف تحليل المؤشرات الثلاثة الأخرى فجوة مهنية خطيرة في مجالات حيوية للتخطيط المستدام. فعلى الرّغم من أن المتوسطات الحسابيّة لهذه المؤشرات تظهر ميلًا إيجابيًّا ظاهريًّا (تتراوح بين 1.26 و1.45)، فإنّ حقيقة انحصار الإجابات بين القيمتين 1 و2 فقط (“أوافق بشدة” و”أوافق”) مع انحراف معياري منخفض (يتراوح بين 0.441 و0.500) تشير إلى شيء آخر. فهي لا تعني بالضرورة كفاءة عالية، بل تعكس وجود حد أدنى مقبول من المهارات الأساسيّة أو الاعتقاد بوجودها، من دون تأكيد على التّميز أو التّخصص العميق. والأكثر أهمّيّة، أنّ هذه المؤشرات تتمثل في:
- المهارات التّقنية لتطبيق الممارسات المستدامة (متوسط 1.45): وهو مؤشر عام قد يغطي معرفة نظرية أكثر من كونه إتقانًا عمليًّا متقدّمًا للتقنيات المعقدة.
- القدرة على تقييم صحّة التّربة والمحاصيل وإعطاء توصيات (متوسط 1.26): وهي مهارة فنيّة متخصصة تتطلب خلفيّة علميّة عميقة، والمتوسط المنخفض نسبيًّا مع الإجماع على “الموافقة” قد يعني أنّ هذه القدرة موجودة في نطاقها الأساسي البسيط فقط.
- مهارات تحديد وتقييم المخاطر البيئيّة والاقتصاديّة (متوسط 1.34): وهي كفاءة استراتيجيّة عليا بالغة الأهمية لأي تخطيط مستقبلي، ووجودها في هذا المستوى “المقبول” فقط يعدُّ مؤشر خطر على جودة الخطط وقدرتها على الصمود.
يؤكد هذا التّحليل أنّ الكفاءة المهنيّة في الجمعيّة تبدو ثنائية المستوى. فهي قوية ومتحققة في المجالات الإجرائيّة والماليّة الروتينيّة (المتابعة والماليّة)، ما يشير إلى كفاءة تنفيذيّة. ولكنّها ضعيفة أو “مقبولة فقط” في المجالات التّقنية المتخصصة والاستراتيجيّة التي تُحدث الفرق في التّخطيط للاستدامة (التطبيق العميق المتقدم، التّشخيص الفنّي الدّقيق، إدارة المخاطر). هذا يعني أنّ الجمعيّة قادرة على “إدارة الأعمال الجاريّة” بشكل منظم، ولكنّها تفتقر إلى العمق المهني اللازم لـ “تصميم وتحليل المستقبل” بشكل استباقي. وبالتالي، فإنّ دور الكفاءة المهنيّة في دعم التّخطيط موجود ولكنه محدود بتحويل الخطط العامة إلى أنشطة قابلة للمتابعة، بينما يبقى عاجزًا عن ضمان أن تكون هذه الخطط نفسها قائمة على تحليل تقني دقيق، وتقييم منهجي للمخاطر، وتطبيقات متقدمة للتكنولوجيا المستدامة. لذلك، تتطلب النّتائج التّركيز في أي برنامج تطوير على رفع مستوى الكفاءة المهنيّة من المستوى “التشغيلي المقبول” إلى المستوى “الاستراتيجي المتخصص”، وذلك من خلال تدريب مكثف على تحليل المخاطر، والتّشخيص الفني المتقدم، وتقييم الأثر البيئي والاقتصادي.
تقدم نتائج التّحليل الإحصائي صورة واضحة حول مدى تحقيق فرضيات الدّراسة، إذ تكشف وجود تباين لافت في تأثير أبعاد الكفاءة البشريّة على عمليّة التّخطيط، فيما يتعلق بالفرضيّة الفرعيّة الأولى والتي تنص على وجود دور ذي دلالة معنويّة للكفاءة المعرفيّة في عمليّة التّخطيط، تشير النّتائج إلى تحقيق جزئي لهذه الفرضيّة، فالدّراسة أظهرت وجود وعي عام قوي بمبادئ الاستدامة لدى أفراد الجمعيّة، إذ سجّلت المؤشرات المتعلقة بإدراك فوائد الممارسات المستدامة وفهم العلاقة بين الممارسات التّقليديّة، والأثر البيئي مستويات عالية من الموافقة، وهذا يشكل قاعدة معرفيّة إيجابيّة.
وانطلاقاً من نتائج اختبار الثبات التي أكدت موثوقية عالية للاستبيان (حيث بلغ معامل كرونباخ ألفا للكفاءة المعرفية 0.873، وللكفاءة المهنية 0.891، وللتخطيط 0.902، وللاستبيان ككل 0.915)، يمكن تحليل مدى تحقيق فرضيات الدراسة. فيما يتعلق بالفرضية الفرعية الأولى (دور الكفاءة المعرفية في التخطيط)، تشير النتائج إلى تحقيق جزئي للفرضية، فقد أظهرت الدراسة وجود وعي عام قوي بمبادئ الاستدامة، إذ سجلت مؤشرات إدراك فوائد الممارسات المستدامة وفهم العلاقة مع الأثر البيئي مستويات عالية من الموافقة. غير أن التحليل يكشف ضعفاً حاسماً في الجانب المعرفي التطبيقي، فالمعرفة بمفاهيم “الأمن الغذائي” و”التكيف مع التغير المناخي” جاءت متوسطة، كما أن المعرفة الإجرائية بوضع مؤشرات الأداء وإدراك أهمية التخطيط طويل المدى سجلت مستويات دنيا. وبالتالي تظل الكفاءة المعرفية حبيسة الإطار النظري العام دون ترجمتها إلى أدوات تخطيط عملية، مما يجعل دورها محدوداً دون معرفة تخصصية وتقنية عميقة، أما الفرضية الفرعية الثانية (دور الكفاءة المهنية في التخطيط)، فقد حققت تحقيقاً جزئياً أيضاً بنمط معاكس، فأظهرت النتائج أن الكفاءة المهنية قوية وموحدة في الجوانب الإجرائية والمالية الأساسية، مثل وجود آلية متابعة محكمة وكفاءة في إدارة الموارد المالية. لكن هذه القوة تتلاشى عند الكفاءات المهنية المتقدمة؛ فالمهارات التقنية لتطبيق ممارسات مستدامة متقدمة، والقدرة على التقييم الفني الدقيق للتربة، ومهارات تحديد المخاطر، سجلت مستويات مقبولة فقط لا ترقى إلى التخصص العميق. وبالتالي تؤهل الكفاءة المهنية الحالية الجمعية لمتابعة وتنفيذ خطط جاهزة، لكنها لا توفر العمق التقني اللازم لتصميم خطط طموحة مبنية على تحليل مخاطر دقيق. وبناءً على ذلك، تؤكد النتائج صحة الفرضية الرئيسية ولكن بطبيعة معقدة وتفاضلية، فالبعد المعرفي يوفر الحافز والرؤية العامة لكنه يفتقر للآليات التطبيقية، والبعد المهني يوفر أدوات التنفيذ والإدارة الروتينية لكنه يفتقر للعمق الاستراتيجي. إن التخطيط المستدام يحتاج إلى معرفة عميقة ومهنية عالية وسلوكيات تعاونية، ومشكلة الجمعية ليست في غياب الكفاءة البشرية تماماً، بل في عدم اكتمالها وعدم ترابطها العضوي لدعم دورة التخطيط الاستراتيجي الشامل للاستدامة.
وبناءً على تحليل الفرضيتين الفرعيتين، يمكن مناقشة الفرضيّة الرئيسة للدراسة والتي تسأل عن مدى دور كفاءة الموارد البشريّة بأبعادها (المعرفيّة، المهنيّة) في عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة، تؤكد النّتائج صحة هذه الفرضيّة، لكنّها تكشف طبيعة معقدة و”تفاضلية” لهذا الدّور، فالدّور موجود لكنه غير متوازن، فالبعد المعرفي يوفر الحافز والرؤية العامة ولكن يفتقر إلى الآليات التّطبيقيّة، والبعد المهني يوفر أدوات التنفيذ والإدارة الروتينيّة ولكنّه يفتقر إلى العمق الاستراتيجي والتّحليلي، فإنّ عمليّة التّخطيط الفعالة والمستدامة في الجمعيّة لا تتحقق بشكل كامل لأنّ أبعاد الكفاءة البشريّة لا تعمل في تناغم كامل ولا تصل إلى المستوى المطلوب من التّكامل والعمق، التّخطيط المستدام يحتاج إلى معرفة عميقة لتحديد الأهداف الصّحيحة، ومهنيّة عالية لتحويلها إلى إجراءات وتقنيات دقيقة، وسلوكيّات تعاونيّة لضمان الالتزام الجماعي. وتحقيق الفرضيّة الرئيسة مشروط بمعالجة الفجوات في كل بعد على حدة، ثم العمل على تكامل هذه الأبعاد معًا، فتصبح المعرفة قابلة للتطبيق، والمهارات موجهة بالرؤية الاستراتيجيّة، والسّلوكيّات داعمة للابتكار الجماعي. وهذا التّحليل يبرز أنّ مشكلة الجمعيّة ليست في غياب الكفاءة البشريّة تمامًا، بل في عدم اكتمالها وعدم ترابطها العضوي لدعم دورة التّخطيط الاستراتيجي الشّامل للاستدامة.
بناءً على النّتائج الشّاملة للدّراسة، وخاصة تلك المستمدة من تحليل المقابلات، يمكن استنتاج ما يلي:
- أكّدت الدّراسة وجود علاقة إيجابيّة بين كفاءة الموارد البشريّة وعمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة في الجمعيّة، لكن هذه العلاقة تظهر بشكل غير متوازن ومتفاوت التأثير بين أبعاد الكفاءة؛ فيبرز البعد المعرفي في الجانب النّظري والتّوعوي العام، ويقوى البعد المهني في الجوانب الإجرائية والماليّة الرّوتينيّة، بينما يضعف التأثير بشكل ملحوظ في الجوانب التّطبيقيّة المتقدمة والاستراتيجيّة لكلا البعدين، ما يشير إلى أنّ تأثير الكفاءة البشريّة على التّخطيط هو تأثير مشروط ومحدود بطبيعة الكفاءات المتوفرة.
- أظهرت النتائج ضعفًا حاسمًا في “الكفاءة التّطبيقيّة” التي تربط بين المعرفة النّظريّة والممارسة العمليّة، فعلى الرّغم من ارتفاع مستوى الوعي العام بمبادئ الاستدامة بين الأعضاء والإدارة، إلّا أنّ هناك قصورًا واضحًا في ترجمة هذا الوعي إلى أدوات تخطيطيّة فعليّة، مثل وضع مؤشرات أداء دقيقة، وتحليل المخاطر بشكل منهجي، وتطبيق تقنيات زراعيّة متقدمة. هذه الفجوة بين “المعرفة” و”التّطبيق” تشكل عقبة رئيسة أمام تحويل التوجه الإيجابي نحو الاستدامة إلى خطط استراتيجيّة قابلة للتنفيذ والقياس.
- تمتلك الجمعيّة كفاءة مؤسسيّة قويّة في المتابعة والإدارة الماليّة الروتينيّة، ما يشير إلى قدرة تنفيذيّة جيدة للمهام اليوميّة، ولكنّها تفتقر إلى الكفاءة الاستراتيجيّة اللازمة للتّخطيط المستقبلي والابتكار إذ إنّ وجود آليات واضحة للمتابعة والرّقابة الماليّة هو نقطة قوة، لكنّه لا يعوّض عن النّقص في المهارات التّحليليّة المتقدمة اللازمة لتخطيط مشاريع مستدامة معقدة، وتقييم أثرها البيئي والاقتصادي على المدى الطويل، واستشراف التّحديات المستقبليّة.
- تتطلب عمليّة التّخطيط الفعال للتنمية المستدامة تكاملًا عضويًّا بين الأبعاد الثلاثة للكفاءة البشريّة (المعرفيّة، المهنيّة، السّلوكيّة)، وهو تكامل غير متحقق بالشّكل الكافي في الجمعيّة قيد الدّراسةفتشير النّتائج إلى عمل هذه الأبعاد بشكل منفصل إلى حد ما، فالمعرفة النّظريّة لا تدعمها بالكامل المهارات التقنيّة العالية، والمهارات الإجرائيّة لا توجهها بالضرورة رؤية استراتيجيّة عميقة. هذا الانفصال يحدّ من فاعليّة التّخطيط ويجعله عملًا مجزّءًا بدلًا من كونه عمليّة شموليّة ومترابطة.
- تُظهر الدّراسة أنّ نجاح الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في أدّى دورًا قياديًّا في التّخطيط للتنمية المستدامة مشروط بإطلاق برنامج متكامل لتنمية القدرات البشريّة؛ وبالتالي يجب أن يركز هذا البرنامج بشكل عاجل على سدّ الفجوة بين المعرفة والتّطبيق، ورفع المهارات المهنيّة من المستوى التّشغيلي إلى المستوى الاستراتيجي التّحليلي، وتعزيز الثقافة التّنظيميّة التي تشجع الابتكار والمشاركة في التّخطيط. من دون هذا الاستثمار النوعي في رأس المال البشري، ستبقى قدرة الجمعيّة على التّخطيط الاستباقي للمستقبل محدودة، وسيستمر دورها محصورًا في النشاطات الخدميّة التقليديّة ذات الأثر التنموي المحدود.
- التّوصيات للبحث المستقبلي: بناءً على النتائج ، يُوصى بالآتي للبحث المستقبلي:
- تصميم برامج تدريبية تطبيقية مكثفة تركز على كيفية وضع مؤشرات أداء قابلة للقياس، وصياغة استراتيجيات طويلة المدى، وترجمة المفاهيم النظرية إلى خطط تنفيذية، وذلك لتحويل الكفاءة المعرفية من وعاء نظري إلى أدوات تخطيط عملية.
- إطلاق برامج تدريب متخصصة في مجالات: التحليل الفني الدقيق للتربة والمحاصيل، وتقييم المخاطر البيئية والاقتصادية بشكل منهجي، وتطبيق تقنيات الزراعة المستدامة المتقدمة، لرفع مستوى الكفاءة المهنية من المقبول إلى المتخصص.
- تكرار البحث على عينة أكبر تضم جمعيات تعاونية زراعية متعددة في مناطق لبنانية مختلفة (البقاع، الشمال، الجنوب) لاختبار إمكانية تعميم النتائج.
- إجراء بحث طوليّ لتتبع وقياس التغيرات الفعلية في جودة التخطيط ومخرجات التنمية المستدامة قبل وبعد التدريب، بدلاً من الافتراض النظري لأهمية التدريب.
خاتمة الدّراسة: تُمثّل هذه الدّراسة محاولةً علميةً لاستكشاف أحد العوامل المحوريّة التي تُحدّد قدرة الجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة على الاضطلاع بدورها التنموي المنشود، وهو عامل الكفاءة البشريّة، وقد خلصت من خلال تطبيقها على الجمعيّة التّعاونيّة الزّراعيّة في يحمر الشّقيف – النّبطية إلى تأكيد فرضيّة أساسية وهي أن عمليّة التّخطيط للتنمية الزّراعيّة المستدامة لا يمكن أن تكون فاعلة أو حتى حقيقيّة في غياب قاعدة بشريّة تمتلك الحد الأدنى من المعارف والمهارات والاتجاهات المناسبة، ومع ذلك فقد كشفت النّتائج أنّ هذه العلاقة ليست بالبساطة أو المباشرة التي قد تبدو عليها نظريًّا، فالكفاءة البشريّة ليست كتلةً واحدةً متجانسة، بل هي أبعاد متفاوتة التأثير، لقد وجدت الدّراسة أن الوعي النّظري العام بمبادئ الاستدامة موجودٌ بقوة، وأنّ المهارات الإجرائيّة والمحاسبيّة الأساسية متوفرةٌ بمستوى جيد، لكن الحلقة المفقودة تكمن في ذلك الربح الحيوي الذي يحوّل هذه المعرفة والإجراءات إلى رؤية استراتيجيّة متكاملة أي الكفاءة التّطبيقيّة التّحليليّة المتخصصة والقادرة على تشخيص الواقع بدقة، ووزن المخاطر، وصياغة مؤشرات أداء ذكية، وابتكار حلول تتسم بالاستدامة الفنيّة والاقتصاديّة معًا.
وهكذا، فإنّ الجمعيّة قيد الدّراسة، كنموذج لكثير من نظيراتها، تواجه معضلة الكفاءة الجزئية؛ فهي تملك الإرادة والإطار التّنظيمي، ولكنّها تفتقر إلى الأدوات التّحليليّة والتّقنيّة العميقة التي ترفع خططها من مستوى معالجة الأزمات اليوميّة إلى مستوى صياغة المستقبل. وهذا الاستنتاج لا يقلّل من شأن الجهود المبذولة، بل يضيء الطريق نحو تدخل أكثر دقة. إنّ تطوير دور الجمعيّات التّعاونيّة كقادة للتخطيط المستدام لا يتطلب فقط مزيدًا من الدّورات التّوعويّة أو الدعم المالي، بل يستلزم استثمارًا نوعيًّا في ترقية القدرات البشريّة إلى المستوى الاستراتيجي، عبر برامج مُصمّمة خصيصًا لسد فجوة التطبيق، وتعزيز التفكير المنظومي، وبناء القدرة على التعامل مع التعقيد. في الختام، تقدم هذه الدّراسة تشخيصًا يعيد تأكيد أنّ الإنسان هو محور أي تنمية حقيقيّة، وأنّ تطوير الزّراعة المستدامة يبدأ أولًا وأخيرًا بتنمية المزارع والإداري والقائد المعرفي والماهر داخل المؤسسة التّعاونيّة، وهو الاستثمار الوحيد الذي يضمن تحقيق التنمية التي ننشدها: تنمية متجذرة في أرض الواقع، صامدة في وجه التحديات، ومستقرة للأجيال القادمة.
- اتحاد التعاونيات الزراعية في الجنوب. (2024). *تقرير تقييم الأداء الداخلي للجمعيات التعاونية في محافظة النبطية (2020-2024)*. النبطية، لبنان.
- أحمد عبد الباقي دفع الله، العباس رقية السيد الطيب. (2017). مبادئ مناهج البحث العلمي. جامعة الخرطوم. السودان.
- الحميدي، م. (2019). دور الكفاءات الإدارية في تطوير الأداء بالجمعيّات التّعاونيّة الزّراعيّة. مجلة الإدارة والاقتصاد الزراعي، ص45-67.
- الزين، جمانة. (2020). تقييم فعالية التدريب في تطوير أداء التعاونيات اللبنانية. مجلة التنمية المستدامة، الجامعة اللبنانية. لبنان.
- عبد العال، س. (2021). معوقات تطبيق التنمية الزّراعيّة المستدامة في التّعاونيّات الرّيفيّة: دراسة ميدانية. المجلة المصرية للاقتصاد الزراعي، ص 112-135.
- منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). (2022). واقع التعاونيات الزراعية في المنطقة العربية: التحديات وفرص التنمية المستدامة. القاهرة، مصر.
- وزارة الزراعة اللبنانية. (2023). *التقرير الإحصائي السنوي للجمعيات التعاونية الزراعية في لبنان 2022-2023*. دائرة الدراسات والتنسيق. بيروت، لبنان.
- Francesconi, G. N., & Ruben, R. (2019). The Role of Cooperative Membership for Sustainable Agricultural Practices Adoption: A Meta-Analysis. Ecological Economics, 156, 66-77.
- Mendoza, R., & Ortiz, L. (2020). Leadership Behaviors and Sustainable Agricultural Planning: The Case of Smallholder Cooperatives. World Development Perspectives, 19, 100225.
- Rey, J., Smith, P., & Lambert, C. (2017). Human Capital and Strategic Planning in Agricultural Cooperatives: A European Perspective. Journal of Co-operative Organization and Management, 5(2), 78-89
- Becker, G. S. (1964). Human Capital: A Theoretical and Empirical Analysis, with Special Reference to Education. University of Chicago Press.
- Pfeffer, J., & Salancik, G. R. (1978). The External Control of Organizations: A Resource Dependence Perspective. Harper & Row.
- Habermas, J. (1984). The Theory of Communicative Action, Volume 1: Reason and the Rationalization of Society (T. McCarthy, Trans.). Beacon Press.
[1] -أستاذ محاضر في جامعة آزاد وفي جامعة المعارف
Professor and lecturer at Azad University and Maaref University
[2] – طالب دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة-طهران- إدارة الموارد البشريّة- فرع العلوم والتحقيقات.
PhD student at Azad Islamic University – Human Resources Department – Tehran Email: Yohmor.shkief@gmail.com