دور القيم الحُسينيّة في التّخفيف من اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين بعد حرب 2024

0

عنوان البحث: دور القيم الحُسينيّة في التّخفيف من اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين بعد حرب 2024

اسم الكاتب: أ. د. فوزي أيوب، هدى أحمد مسلماني

تاريخ النشر: 2026/07/13

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 44

تحميل البحث بصيغة PDF

دور القيم الحُسينيّة في التّخفيف من اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين بعد حرب 2024

 The Role of Hussaini Values in Mitigating Post-Traumatic Stress Disorder Among Displaced Persons After the 2024 War

Dr. Fawzi Abed El Hussein Ayoub أ. د. فوزي أيوب([1])

 Houda ahmad muslmani هدى أحمد مسلماني([2])

تاريخ الإرسال:13-5-2026                                تاريخ القبول:26-5-2026

الملخصturnitin:5%                               

 هدفت هذه الدّراسة إلى تحليل دور القيم الحُسينيّة في التّخفيف من اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين اللبنانيين جراء حرب 2024، واعتمدت على المنهج الوصفي التّحليلي، أظهرت النّتائج وجود علاقات ارتباطيّة سلبيّة قوية ودالة إحصائيًّا بين تبني القيم الحُسينيّة وشدة أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة، إذ بلغ معامل الارتباط -0.68. كما أظهرت النّتائج أنّ التّمثيلات المعرفيّة للسّرديّة الحُسينيّة تفسر وحدها 41% من التباين في انخفاض المخططات الذّاتية السّلبيّة (معامل انحدار -0.53)، وأن الممارسات الطّقسيّة الحُسينيّة تؤدي إلى تخفيض أعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة بنسبة 46%، مع فروق دالة إحصائيّا بين مرتفعي ومنخفضي الممارسات (F = 27.34, p < 0.001). كما أظهرت نمذجة المعادلة البنائيّة أن القيم الحُسينيّة تعمل كمتغير وسيط جزئي بنسبة وساطة 43%، وبلغ التأثير الكلي المعياري -0.64. في ضوء هذه النتائج، أوصت الدّراسة بضرورة تطوير برامج تدخليّة نفسيّة مستجيبة ثقافيًّا تدمج التّمثيلات المعرفيّة للسّرديّة الحُسينيّة والممارسات الطّقسيّة المنظمة، وإدراج هذه القيم في مناهج تدريب الاختصاصيين النّفسيين، وتفعيل شبكات الدّعم الاجتماعي القائمة على الجماعات الطّقسيّة، لضمان تحويل القيم الحُسينيّة من مورد رمزي إلى أداة علاجيّة وقائيّة تخفف معاناة النّازحين وتعزز صمودهم النّفسي.

الكلمات المفتاحيّة: القيم الحُسينيّة، اضطراب ما بعد الصّدمة، النّازحون اللبنانيون، حرب 2024، التّمثيلات المعرفية، الممارسات الطّقسيّة، التكييف الثقافي.

Abscrat

 This study aimed to analyze the role of Hussaini values in mitigating post-traumatic stress disorder (PTSD) among Lebanese displaced persons following the 2024 war, and adopted a descriptive analytical approach. The results revealed strong, significant, negative correlational relationships between the adoption of Hussaini values and the severity of PTSD symptoms, with a correlation coefficient of -0.68. The results also showed that cognitive representations of the Hussaini narrative alone explain 41% of the variance in the reduction of negative self-schemas (regression coefficient of -0.53), and that Hussaini ritual practices lead to a 46% reduction in hyperarousal and re-experiencing symptoms, with statistically significant differences between high- and low-practice groups (F = 27.34, p < 0.001). Structural equation modeling (SEM) further revealed that Hussaini values act as a partial mediator with a mediation rate of 43%, and a total standardized effect of -0.64. In light of these findings, the study recommended the development of culturally responsive psychological intervention programs that integrate cognitive representations of the Hussaini narrative and organized ritual practices, the inclusion of these values in the training curricula of psychologists, and the activation of social support networks based on ritual groups, in order to transform Hussaini values from a symbolic resource into a preventive therapeutic tool that alleviates the suffering of displaced persons and enhances their psychological resilience.

Keywords: Hussaini values, post-traumatic stress disorder (PTSD), Lebanese displaced persons, 2024 war, cognitive representations, ritual practices, cultural adaptation.

المقدمة

انطلاقًا من العام 2024، الذي شهد واحدة من أكثر الحروب دمارًا في تاريخ لبنان الحديث، إذ دمّر العدو الإسرائيلي مناطق واسعة من البلاد، تاركةً خلفها موجات نزوح غير مسبوقة، بدأت تتبلور معاناة نفسيّة عميقة لدى النّازحين، تجسدت في اضطراب ما بعد الصّدمة (PTSD) بأعراضه المتنوعة من كوابيس، وتجنب، ويقظة مفرطة، وشعور دائم بالخطر. ومع ازدياد أعداد النّازحين الذين فقدوا بيوتهم وأحباءهم وذاكرتهم المكانيّة والزّمنيّة، برزت الحاجة الملحة إلى استراتيجيّات علاجيّة تتجاوز النّماذج التّقليديّة في علم النّفس السريري، لتشمل الأبعاد الرّوحيّة والثقافيّة التي تشكل جزءًا جوهريًّا من هُوية الفرد والمجتمع، وفي هذا السّياق بدأت الدّراسات الميدانيّة تستكشف فعاليّة المتغيرات الثقافيّة والدّينيّة في تعزيز الصّمود النّفسي، ومن بين هذه المتغيرات ظهرت القيم الحُسينيّة كنموذج فريد مستلهم من واقعة عاشوراء، التي تمثل في التّراث الإسلامي رمزيّة النضال من أجل العدالة والتّضحية والفداء، فمن خلال الانتقال من الحرب والنّزوح إلى التّجربة الفرديّة للنازح  يمكن ملاحظة أن القيم الحُسينيّة، مثل الصبر، والثبات على المبدأ، وإحياء الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والتّسامح بعد القدرة، وإعادة بناء الذّات بعد الانهيار، تشكل موردًا رمزيًّا ومعرفيًّا يساعد النّازح على إعادة تفسير معاناته، وتجاوز الشّعور بالعجز والضّياع، إذ تعمل هذه القيم كإطار دلالي بديل يُحدث تحوّلًا في السّرد الدّاخلي للمأساة، فيتحول النّازح من ضحيّة إلى فاعل أخلاقي يمتلك نموذجًا بطوليًّا يُحتذي به، وقد أشار الباحث والطبيب النّفسي الأمريكي روبرت جيه. ليفتون في كتابه “Broken Connection” إلى أنّ الشّفاء من الصّدمة لا يحدث عبر نسيان الحدث، بل عبر دمجه في قصّة ذات معنى، وإعادة بناء الشّعور بالارتباط بالحياة. هنا تتجلى القيم الحُسينيّة كآلية ثقافيّة متعلقة بنماذج أخلاقيّة يمكن أن يخفضا من شدّة أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة، خصوصًا عندما ترتبط هذه النّماذج بقصص نجاح في تجاوز المحن، وعليه تنطلق هذه الدّراسة من فرضيّة أساسيّة مفادها أن تفعيل القيم الحُسينيّة في برامج الدّعم النّفسي الاجتماعي الموجهة للنازحين بعد حرب 2024 يمكن أن يسهم في التّخفيف من اضطراب ما بعد الصّدمة، وذلك من خلال تعزيز معنى الحياة، وإعادة بناء الثقة بالذّات وبالآخرين، وتوفير لغة رمزيّة مشتركة للتّعبير عن الألم الجماعي، كما تسعى الدّراسة إلى تقديم توصيات لصنَّاع السِّياسات والمنظمات الإنسانيّة حول كيفيّة دمج هذه القيم في برامج الإغاثة وإعادة التّأهيل النّفسي، مع مراعاة خصوصيّة كل مجتمع نازح. وفي النّهاية، تؤكد الدّراسة أنّ الشّفاء الحقيقي من صدمة الحرب لا يتم فقط عبر استعادة الأمن المادي، بل عبر استعادة القدرة على المعنى والارتباط بإرث إنساني يتجاوز حدود الزّمان والمكان

  • إشكالية الدّراسة

تنطلق إشكاليّة هذه الدّراسة من مفارقة عميقة في مجال الصّدمات النّفسية الجماعيّة بعد حرب 2024، إذ لوحظ أنّ مجموعة من النّازحين الذين تعرضوا لخسائر فادحة وأحداث عنيفة استمرت لأسابيع طويلة، أظهروا مستويات من الصّمود النّفسي وإعادة التنظيم الانفعالي تجاوزت التّوقعات التي تستند إلى النّماذج التّقليديّة لعلم نفس الصّدمة، بينما أظهرت مجموعة أخرى ذات خلفيّة صدميّة مشابهة أعراضًا حادّة ومزمنة لاضطراب ما بعد الصّدمة (PTSD) شملت إعادة الخبرة المتطفلة، والسّلوكات التّجنبيّة المكثفة، والتّغيرات السّلبيّة في الإدراك والمزاج، وفرط الإثارة الفسيولوجيّة المستمر، هذا التّباين الملحوظ في الاستجابات للصّدمة نفسها دفع إلى التّساؤل عن العوامل الوسيطة، والمعدلة التي يمكن أن تفسر الفروق الفرديّة في مسار الاضطراب بعد التّعرض لحدث صادم ذي أبعاد جماعيّة وكارثيّة، ومن هنا بدأت تتشكل فرضيّة أوليّة مفادها أنّ المتغيرات الثقافيّة والروحيّة، وخصوصًا تلك المرتبطة بالقيم المستمدة من سرديّات التّضحية والفداء كالقيم الحُسينيّة المستلهمة من واقعة عاشوراء، قد تؤدي دورًا محوريًّا في إعادة بناء التّمثيلات المعرفيّة للصدمة، وتحويلها من حدث عارم لا يمكن استيعابه إلى خبرة يمكن إدماجها ضمن مخططات ذاتية ذات معنى أخلاقي وتاريخي، لكن هذه الفرضيّة سرعان ما واجهت إشكاليّة منهجيّة ونظريّة، كبرى كيف يمكن لسرديّة دينيّة تاريخيّة حدثت قبل قرون أن توفر أدوات نفسيّة فعالة لمواجهة صدمة آنية ومعاصرة كحرب 2024؟ وهل يمكن اختزال تعقيد الأعراض النّفسية العصبيّة لاضطراب ما بعد الصّدمة إلى مجرد معتقدات وقيم ثقافيّة، أم أن هناك تفاعلًا ديناميكيًّا بين العمليّات العصبيّة الحيويّة، والتّمثيلات الرّمزيّة، والآليات التّكيفيّة الاجتماعيّة التي تجعل من القيم الحُسينيّة عاملًا حاميًّا، وليس مجرد متغير دخيل هذه الأسئلة قادت إلى ضرورة تجاوز النّماذج الخطيّة السّببيّة في علم النّفس الصّدمي، نحو نماذج أكثر تعقيدًا تراعي البعد الزّمني للصّدمة (الماضي التّاريخي للقيم مقابل الحاضر الآني للمعاناة)، والبعد العلائقي (ارتباط الفرد بالجماعة المؤمنة بنفس القيم)، والبعد السّردي (كيف يروي النّازح قصته مستعينًا بشخصيّة الحسين كبطل صامد)، تتعمق الإشكاليّة أكثر عندما نأخذ بالحسبان أنّ القيم الحُسينيّة ليست مجرد أفكار مجردة، بل هي منظومة سلوكيّة وعاطفيّة تتضمن ممارسات طقسيّة كالعزاء والنّدب والزيارة والخطاب الحسيني، وهذه الممارسات بدورها تحفز دوائر عصبيّة مرتبطة بالتّنظيم الانفعالي، والتّعاطف، وإفراز الأوكسيتوسين، مما يشير إلى أنّ أثر القيم الحُسينيّة قد يكون له ركيزة بيولوجيّة عصبيّة، وليس فقط تفسيرًا ثقافيًّا سطحيًّا. ومع ذلك، تظل الإشكاليّة الأكثر إلحاحًا هي أنّ غالبيّة الأدوات التّشخيصيّة، والعلاجيّة المعتمدة لاضطراب ما بعد الصّدمة، قد صُممت في سياقات ثقافيّة غربيّة تفترض فرديّة التّجربة، وانفصال الرّمز الدّيني عن الفضاء العلاجي، في حين أنّ النّازحين بعد حرب 2024 يعيشون في سياق ثقافي جماعي إذ الذاكرة التّاريخيّة والقيم الدّينيّة ليست خلفيّة ثانوية بل هي النّسيج الأساسي للذات والجماعة. هذا التّباين الابستمولوجي بين نموذج علم النّفس الغربي القائم على الفرد العقلاني المستقل، والنّموذج الثقافي الشّرقي القائم على الذَّات المتداخلة مع الجماعة والتّاريخ، يطرح إشكاليّة كبرى في قابليّة تعميم النتائج، وتطبيق البروتوكولات العلاجيّة من دون تكييف ثقافي جذري، وعليه تطرح الدّراسة السؤال الإشكالي الرئيس الآتي:

الى أي مدى يمكن للقيم الحُسينيّة بوصفها منظومة دلاليّة ثقافيّة تاريخيّة، أن تعمل كآليّة وسيطة ومعدلة في مسار اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين اللبنانيين جراء حرب 2024؟

ويتفرع من السؤال الإشكالي الأسئلة الفرعية الآتية:

  • هل هناك أثر ذو دلالة معنويّة للتمثيلات المعرفيّة التي يبنيها النّازح للصّدمة عندما يؤطر معاناته ضمن السّرديّة الحُسينيّة؟
  • هل هناك أثر ذو دلالة معنويّة للممارسات المرتبطة بالقيم الحُسينيّة تؤدي الى تغييرات فسيولوجيّة عصبيّة قابلة للقياس وتعمل على تخفيض أعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة في اضطراب ما بعد الصّدمة؟
  • اهداف البحث
  • تحليل طبيعة العلاقة بين التّمثيلات المعرفيّة المستمدة من السّرديّة الحُسينيّة وبين تعديل المخططات الذّاتية السّلبيّة المرتبطة باضطراب ما بعد الصّدمة (لدى النّازحين اللبنانيين جراء حرب 2024.
  • قياس الفروق في شدة أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة بين النّازحين الذين يدمجون القيم الحُسينيّة كإطار مرجعي أساسي لمعالجة صدمتهم، وبين النّازحين الذين لا يعتمدون هذا الإطار، وذلك لكشف الأثر الوسيط للقيم الحُسينيّة في مسار الاضطراب.
  • استكشاف التّغيرات الفسيولوجيّة العصبيّة المصاحبة للممارسات الطّقسيّة المرتبطة بالقيم الحُسينيّة (كالبكاء الجماعي المنظم، والعزاء، والاستماع للخطاب الحسيني)، وتحديد ما إذا كانت هذه التّغيرات (كمستويات الكورتيزول، ونمط تنشيط اللوزة وقشرة الفص الجبهي الإنسي) تسهم في تخفيض أعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة الصّادمة، أم أنها قد تؤدي في سياقات معيّنة إلى تعزيز مسارات الذاكرة الصّادمة.
  • تقييم دور التّفاعل بين القيم الحُسينيّة والدّعم الاجتماعي في تخفيف أعراض الاغتراب، والانفصال العاطفي والميل إلى التّجنب الاجتماعي.
  • فرضيّات الدّراسة
  • الفرضيّة الرئيسة : توجد علاقة دالة إحصائيّا بين تبني القيم الحُسينيّة، بوصفها منظومة دلاليّة ثقافيّة تاريخيّة، وبين انخفاض شدة أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين اللبنانيين جراء حرب 2024.
  • الفرضيّة الفرعيّة الأولى: يوجد أثر ذو دلالة معنويّة إيجابيّة للتمثيلات المعرفيّة المستمدة من تأطير المعاناة ضمن السّرديّة الحُسينيّة (كإعادة تفسير الفقد كفداء، وتحويل العجز إلى ثبات على المبدأ، واستيعاب الظلم كجزء من صراع أوسع بين الحق والباطل) في خفض درجة المخططات الذّاتية السّلبيّة المرتبطة باضطراب ما بعد الصّدمة.
  • الفرضيّة الفرعيّة الثانية: توجد فروق ذات دلالة معنويّة للممارسات المرتبطة بالقيم الحُسينيّة؛ تؤدي الى تغييرات فسيولوجيّة عصبيّة قابلة للقياس وتعمل على تخفيض أعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة في اضطراب ما بعد الصّدمة.
  • أهمّيّة البحث

تكتسب هذه الدّراسة أهميتها النّظريّة من موقعها على مفترق طرق بين علم نفس الصّدمة، وعلم النّفس الثقافي، وعلم الأعصاب الوجداني إذ تسهم الدّراسة في سد فجوة معرفيّة كبرى تتعلق بغياب النّماذج التّفسيريّة التي تدمج المتغيرات الثقافيّة الدّينيّة كآليات وسيطة في مسار اضطراب ما بعد الصّدمة، كما تقدم اختبارًا تجريبيًّا لنظريّة “إعادة بناء الارتباط” لدى روبرت جيه ليفتون في سياق ثقافي غير غربي، مما يسمح بفحص قابليّة تعميم هذه النّظريّة أو الحاجة إلى تعديلها جذريًّا لمراعاة الذات المتداخلة مع الجماعة والتّاريخ، وتفتح الباب أمام مراجعة نقدية للتّمييز التّقليدي في أدبيات الصّدمة بين “آليات التكيّف الإيجابيّة” و”آليات الدّفاع المرضيّة”، إذ تظهر القيم الحُسينيّة كحالة حدّية قد تكون شافية في سياق ومرضية في سياق آخر.

وتتمثل الأهمّيّة العمليّة في كونها تقدم دليلًا إرشاديًّا مبنيًّا على الأدلة لصناع السياسات، والمنظمات الإنسانيّة حول كيفية دمج القيم الحُسينيّة بشكل آمن، وفعال في برامج الدّعم النّفسي الاجتماعي للنازحين بعد حرب 2024.

  • مراجعة الأدبيّات

تتوزع أدبيات موضوع القيم الحُسينيّة واضطراب ما بعد الصّدمة عبر ثلاثة مسارات رئيسة أولها: يتناول علم نفس الصّدمة والنّماذج التّفسيريّة الكلاسيكيةّ، وثانيها: يختص بالتّكييف الثقافي للعلاجات النّفسيّة في السّياقات الإسلاميّة، وثالثها: يركز بشكل مباشر على الطقوس الحُسينيّة بوصفها ممارسات تجسيديّة جماعيّة لمعالجة المعاناة، وسنحاول في هذه المراجعة تتبع هذه المسارات بهدف تحديد الفجوة المعرفيّة التي تسعى الدّراسة الحاليّة إلى سدها، يُعد اضطراب ما بعد الصّدمة من أكثر الاضطرابات النّفسيّة المرتبطة بالصّدمات الجماعيّة دراسة في الأدبيّات المعاصرة، وقد تطورت النّماذج التّفسيريّة لهذا الاضطراب من النموذج السّلوكي المبكر القائم على نظريّة الخوف الشّرطي، إلى النّماذج المعرفيّة الأكثر تعقيدًا التي تؤكد دور التّمثيلات الذّهنيّة والمخططات الذّاتيّة في استمرار الأعراض، ومن أبرز هذه النّماذج نموذج المعالجة المعرفيّة الذي يفترض أنّ الصّدمة تؤدي إلى تعطيل المخططات المعرفيّة الأساسيّة حول الذات والعالم والآخرين، وأنّ التعافي يتطلب دمج المعلومات الصّادمة ضمن هذه المخططات من خلال عمليات إعادة التقييم والتّأطير. إلّا أنّ هذه النّماذج، على الرَّغم من قوتها التّفسيريّة، بقيت محصورة في فهم الفرد ككيان مستقل عن سياقه الثّقافي والتّاريخي، وهنا يأتي الإسهام النظري لروبرت جيه. ليفتون كنقطة تحول محورية، ففي كتابه “الارتباط المنكسر: الموت واستمراريّة الحياة” (The Broken Connection: On Death and the Continuity of Life)، يقدم ليفتون نقلة نوعيّة من خلال نظريته حول “رمزية الخلود” و”إعادة بناء الارتباط” بعد الصّدمة، مستندًا إلى دراسات ميدانيّة مكثفة أجريت على النّاجين من هيروشيما، والمحرقة النازيّة، وحرب فيتنام، ليخلص إلى أنّ الشّفاء من الصّدمة لا يحدث عبر نسيان الحدث أو كبته، بل عبر إدماجه في سرديّة ذات معنى يعيد من خلالها الفرد بناء ارتباطه بالحياة. يحدد ليفتون خمسة أنماط لرمزيّة الخلود: الخلود البيولوجي من خلال الإنجاب والامتداد العائلي، والخلود الإبداعي من خلال الأعمال الفنيّة والعلميّة، والخلود اللاهوتي من خلال فكرة الحياة بعد الموت في الأديان، والخلود من خلال الطبيعة من خلال الاندماج في دورات الكون، والخلود من خلال التّجربة المتعالية التي تتيح لحظات من الانفصال عن الزّمن المادي. ما يجعل نظريّة ليفتون وثيقة الصلة بموضوعنا هو تركيزه على فكرة أنّ الصّدمات الجماعيّة الكبرى تهدد أنماط الخلود جميعها في آن واحد، مما يخلق حالة من “الانقطاع” التي تتجلى سريريًّا في أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة، ومن هنا يبرز السؤال: كيف يمكن لسرديّة دينيّة تاريخيّة، تقوم على التّضحية والفداء، أن توفر نمطًا من الخلود الرّمزي يعيد بناء الارتباط المنكسر؟ على الجانب التّطبيقي، شهد العقدان الماضيان تطورًا مهمًّا في مجال التّكييف الثقافي للعلاجات النّفسيّة المسندة بالأدلة، ولا سيما العلاج المعرفي السّلوكي المرتكز على الصّدمة، بما يتناسب مع معتقدات وقيم المرضى المسلمين، إذ يقدّم جلال وسامر وهنتون (Jalal, Samir, & Hinton) نموذجًا رائدًا في هذا المجال من خلال العلاج المعرفي السّلوكي المكيف ثقافيّا للمصريين، إذ يدمجون استراتيجيات إسلاميّة مثل الذّكر والصّلاة والدّعاء كأدوات لتنظيم الانتباه وإعادة التّوجيه المعرفي، ويؤكد الباحثون مفهوم “التأصيل الثقافي” و”الجسر التّفسيري للنموذج” كآليتين علاجيتين تزيدان من الالتزام بالعلاج والتوافق الثقافي. يمتد هذا الاتجاه ليشمل تطوير نماذج علاجيّة أكثر تخصصًا، كما لدى تشينار أوغلو (Çınaroğlu) الذي اقترح نموذجًا للعلاج المعرفي السّلوكي المرتكز على الصّدمة وموجه إسلاميًّا في أعقاب زلازل كهرمان مرعش 2023، إذ يشدد هذا النّموذج على دمج مفاهيم إسلاميّة أساسيّة كالتّوكل على الله، والصبر، والأمة، والدّعاء، والصّدقة، والإيمان بالقضاء والقدر ضمن البنية العلاجيّة، مع الحفاظ على الدّقة للمكونات الأساسيّة للعلاج المعرفي السّلوكي، كما يبرز البحث أهمّية التدخلات المجتمعيّة وليس فقط الفردية،  حاسبًا أنّ اضطراب ما بعد الصّدمة ليس مجرد اضطراب فردي بل قضية اجتماعيّة تتطلب معالجة السّياق الجماعي. في السّياق نفسه، يقدم قسقس (Qasqas)  في كتابه “العلاج المعرفي السّلوكي المعدل إسلاميًّا” منهجًا منظّمًا لتكييف العلاج المعرفي السّلوكي مع العملاء المسلمين، مع أمثلة تطبيقيّة لحالات واقعيّة، كما توجد برامج مجتمعيّة مثل “الشّفاء من الصّدمة إسلاميًّا” الذي يدمج المبادئ الإسلاميّة مع الاستراتيجيات المدعومة تجريبيًا في إطار مجتمعي (Bentley et al.).  مع ذلك، تبقى هناك فجوة واضحة في هذه الأدبيات، فعلى الرّغم من تناولها لمفاهيم إسلاميّة عامة كالصّبر والتّوكل والدّعاء، فإنها لا تتعمق في السّرديات التّاريخيّة-الطّقسيّة الخاصة كمصدر للصمود، فالتّكييف الثقافي يبقى غالبًا على مستوى دمج معتقدات عامة، وليس على مستوى توظيف منظومة رمزيّة كاملة ذات طقوس جماعيّة وممارسات تجسيديّة. وهنا يأتي دور المسار الثالث من الأدبيات، إذ شهدت السنوات الأخيرة اهتمامًا أكاديميًّا متزايدًا بطقوس عاشوراء بوصفها ممارسات ثقافيّة-دينيّة تعالج الصّدمة الجماعيّة عبر آليات التّذكر الجماعي وإعادة التّمثيل الرمزي، فتقدم آل عديب (Al-Adeeb) في دراستها الرائدة التي جمعت بين الإثنوغرافيا والفن التركيبي، تحليلًا معمقًا لكيفيّة عمل طقوس عاشوراء في العراق بعد غزو 2004 كموقع للمقاومة والتّدخل وإعادة التفسير، وتستند آل عديب في تحليلها إلى مفهوم “الأرشيف والمرجع” لدى ديانا تايلور، إذ تشكل الطقوس الحُسينيّة “مرجعًا” حيًّا يتجاوز الأرشفة الجافة ليتضمن إيماءات الناجين، واسترجاعات الصّدمة، والهلوسات، وكل ما يعدُّ عادةً أشكال معرفة عابرة وغير صالحة كدليل. توثق آل عديب شهادة خالتها أم علي التي تؤكد أنّ هذه الطقوس تسمح للمجتمع بتجاوز محنه من خلال إسقاط ألمهم ومعاناتهم على مصيبة كربلاء، فيتحول المرقد والطقوس إلى “بوابات” يعبر من خلالها الحّجاج الزّمان والمكان للاتصال بمستوى أعلى يوفر الراحة؛ ويقلل من آلامهم مقارنة بتلك الكارثة الكبرى. هذه الآليّة – أي مقارنة المعاناة الشّخصيّة بمعاناة أعظم لتقليل وطأتها – تجد صدى في مفهوم “إعادة التّأطير” المعرفي في علم نفس الصّدمة، لكنها هنا تأخذ طابعًا جماعيًّا وتاريخيًّا يمتد لأكثر من أربعة عشر قرنًا، وتؤكد آل عديب أن الطقوس الحُسينيّة ليست مجرد تنفيس كاثارسي، بل هي أيضًا تعبير عن devotion لا يتزعزع والتزام بمواصلة الرّسالة الثوريّة للإمام الحسين من أجل العدالة، وهذا البعد النّضالي يحول الناجي من ضحيّة سلبيّة إلى فاعل أخلاقي له رسالة، وهو ما يتوافق مع نموذج ليفتون في تحويل الصّدمة إلى مصدر للنمو والالتزام. في السّياق نفسه، تقدم دراسة حديثة (2025) حول “مكونات الصّمود الفاعل المستندة إلى خطابات السّيدة زينب بنت علي بعد عاشوراء” تحليلًا نوعيًّا لاستخراج مكونات الصّمود من خطابات السّيدة زينب في الكوفة وابن زياد ويزيد، إذ توصلت الدّراسة إلى أنّ خطاب السيدة زينب يتضمن مكونات مثل: الدّعم الروحي، والهُويّة الرُوحيّة، وتصحيح الأخطاء المعرفيّة، والحزن الهادف المتعمد، والمواجهة الفاعلة مع الحقائق، وهذا النّموذج الفريد للصّمود في سياق إسلامي-شيعي يمكن أن يكون مصدر إلهام للتعامل مع الأزمات الاجتماعيّة في العصر الحديث، فيساعد الناس على إعادة بناء الذات من الدّاخل وإحياء الهُويّة الجماعيّة، وتشير النَّتائج إلى أنّ هذا النموذج يتمتع بقدرة عالية على إنتاج قيم مثل المقاومة والاحترام والأمل، ويقدم استراتيجيات جديدة للصمود في الأوقات الصّعبة. على الرّغم من الثراء النّظري والعملي في المسارات الثلاثة المذكورة، تبقى هناك فجوة معرفيّة واضحة تتمثل في غياب الدّراسات التي تجمع بين هذه المسارات في إطار تجريبي واحد، فبينما تقدم أدبيات علم نفس الصّدمة (كعمل ليفتون) إطارًا نظريًّا واعدًا لفهم كيفيّة إعادة بناء المعنى بعد الصّدمة، فإنّها لا تقدم إجابة عن كيف يمكن لسرديّة دينيّة محددة كسرديّة كربلاء أن تعمل كآلية لإعادة هذا الارتباط، وبينما تقدم أدبيات التّكييف الثقافي (كعمل جلال، وتشينار أوغلو، وقسقس) نماذج علاجيّة مطبقة، فإنّها تركز على مفاهيم إسلاميّة عامة وتهمل البعد الطقسي-التجسيدي الخاص بطقوس العزاء الحسيني، وبينما تقدم أدبيات الطقوس الحُسينيّة (كعمل آل عديب) تحليلات نوعيّة معمقة لآليات عمل هذه الطقوس، فإنّها تفتقر إلى البعد التّجريبي-الكمي والقياسات الفسيولوجيّة العصبيّة التي يمكن أن تثبت فعاليِّتها في تخفيف أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة. من هنا، تنبع الحاجة إلى دراسة تجمع بين هذه المسارات الثلاثة، وتختبر بشكل منهجي ما إذا كانت القيم الحُسينيّة، بوصفها منظومة دلاليّة ثقافيّة تاريخيّة، يمكن أن تعمل كآليّة وسيطة ومعدلة في مسار اضطراب ما بعد الصّدمة، وذلك باستخدام منهج مختلط يجمع بين المقاييس الكمية المعيارية، والقياسات الفسيولوجية العصبية، والمقابلات السيرانية المتعمقة، وستكون هذه الدّراسة الأولى من نوعها، حسب علم الباحث، التي تدرس هذا الموضوع في سياق النّازحين اللبنانيين جراء حرب 2024.

  • منهج الدّراسة

يقوم المنهج العلمي بالعمل على مساعدة الباحث في عمليّة ترتيب أفكاره وتنظيمها تنظيمًا منطقيًّا يساعده على اكتشاف الواقع الذي يعمل عليه، ويساهم في زيادة قدرة الباحث على تقصي المشاهدات وجمعها وسبر اغوار المتغيرات وأبعاد الظاهرة التي يدرسها، كما يتيح له القدرة على إبراز العلاقة بين أبعاد المتغيرات التي ساهمت في بروز الظاهرة، بالإضافة الى ذلك يمكن الباحث من الوصول الى وقائع حقيقيّة تدفع باتجاه اقتراح حلول للمشكلات أو المعوقات التي أدت الى ظهور الظاهرة، وعادة ما تقوم المناهج الوصفيّة بوصف متغيرات الظاهرة بشكل مفصل ومنهجي وبعيدًا من الآراء الشّخصيّة ولها بعد واقعي، تساعده على اجتراح الحلول وتقديمها، وتعميم النّتائج التي توصل اليها على الظواهر المشابهة كافة والتي لديها ذات المشكلة والخصائص (احمد، العباس، 2017، ص 46).

من أجل الإجابة على إشكالیّة الدّراسة واختبار صحة الفرضیّات، اعتُمِد المنهج الوصفي من أجل وصف الظاهرة محل الدّراسة، وكذلك المنهج التّحلیلي بهدف تحلیل مختلف المعطیات والبیانات المتعلقة بالدّراسة التطبیقیة.

  • النظريات المفسرة لموضوع الدّراسة


النّظريّة الأولى: نظرية إعادة بناء الارتباط بعد الصّدمة (The Broken Connection Theory) لروبرت جيه. ليفتون: تفترض هذه النّظريّة أن الشّفاء من الصّدمة الجماعيّة لا يحدث عبر نسيان الحدث أو كبته، بل عبر إدماجه في سرديّة ذات معنى يعيد من خلالها الفرد بناء ارتباطه بالحياة من خلال أنماط “رمزيّة الخلود” (البيولوجي، الإبداعي، اللاهوتي، الطبيعي، والمتعالي). وتفسر هذه النّظريّة كيف يمكن للقيم الحُسينيّة، بوصفها نمطًا لاهوتيًّا للخلود، أن توفر إطارًا سرديًّا يعيد ربط النّازح بمصدر متعالٍ للمعنى.
النّظريّة الثانية: نظرية المعالجة المعرفيّة للصدمة (Cognitive Processing Theory) لباتريشيا ريشيك وأندرو مونرو: تفترض هذه النّظريّة أنّ الصّدمة تؤدي إلى تعطيل المخططات المعرفيّة الأساسيّة (مثل “العالم عادل”، “أنا شخص جيد”، “الآخرون يمكن الوثوق بهم”)، وأنّ التعافي يتطلب إعادة بناء هذه المخططات من خلال عمليات إعادة التأطير المعرفي والمواجهة التّدريجيّة للمعلومات الصّادمة. وتفسر هذه النّظريّة كيف يمكن لتأطير المعاناة ضمن السّرديّة الحُسينيّة (كمقارنة الفقد بفداء الإمام الحسين) أن يعيد تنظيم المخططات الذّاتية السّلبيّة لدى النّازح.

النّظريّة الثالثة: نظرية التعلق الروحي (Spiritual Attachment Theory) بناءً على إسهامات كينيث بارجمنت: تفترض هذه النّظريّة أنّ علاقة الفرد بالله أو بالمقدس تتخذ أنماطًا شبيهة بأنماط التّعلق في الطفولة (آمن، قلق، متجنب)، وأنّ الصّدمة يمكن أن تعزز أو تعطل هذا التعلق، كما يمكن للطقوس الدّينيّة الجماعيّة أن تعمل كـ “صورة داخلية لله” توفر الأمان والتّنظيم الانفعالي. وتفسر هذه النّظريّة كيف تشكل الممارسات الحُسينيّة (كالعزاء والزيارة) علاقة تعلقية آمنة بشخصيّة الحسين كنموذج روحي صامد، مما يخفض أعراض فرط الإثارة.

النّظريّة الرابعة: نظريّة التجسيد والطقوس كمنظم فسيولوجي عصبي (Embodiment and Ritual as Neurophysiological Regulator Theory)

استنادًا إلى أعمال يوجين جيندلين وتوماس فوكس: تفترض هذه النّظريّة أنّ التّجارب الصادمة تُختزن ليس فقط على مستوى الذاكرة التّصريحيّة بل أيضًا على مستوى “الإحساس الجسدي” غير المعلن، وأن الطقوس التّجسيديّة (كالبكاء الإيقاعي، واللطم، والحركات الجماعيّة المتزامنة) تعمل على تنظيم الجهاز العصبي الذاتي، وخفض الكورتيزول، وتعزيز إفراز الأوكسيتوسين، وإعادة معالجة الذّاكرة الضمنيّة عبر مسارات حسيّة-حركيّة. وتفسر هذه النّظريّة كيف تؤدي الممارسات الطّقسيّة الحُسينيّة إلى تغييرات فسيولوجيّة عصبيّة قابلة للقياس تخفض من أعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة في اضطراب ما بعد الصّدمة.

  • إجراءات الدّراسة

حُدِّد مجتمع الدّراسة في النّازحين اللبنانيين جميعهم بعد حرب 2024 المقيمين في مراكز الإيواء المؤقتة في جنوب لبنان والضّاحية الجنوبية لبيروت وسهل البقاع، اختيرت عيّنة عشوائيّة طبقيّة بلغ حجمها 460 فردًا، مع مراعاة تمثيل الجنس، والفئة العمريّة، ودرجة التّعرض للصّدمة، ومستوى الانخراط في الممارسات الحُسينيّة، بعد الحصول على الموافقات الأخلاقيّة عقد اجتماع توعوي قصير في مركز إيواء لشرح طبيعة الدّراسة، والحصول على الموافقات المستنيرة ثم طُبِّقت استمارة البيانات الدِّيموغرافيّة والسّريريّة، يليها تطبيق مقياس اضطراب ما بعد الصّدمة (PCL-5) المكون من 20 بندًا موزعة على أربع مجموعات أعراض إعادة الخبرة، والتّجنب، والتّغيرات السّلبيّة في الإدراك والمزاج، وفرط الإثارة، بدرجات من 0 إلى 4، فتشير الدرجة 33 فأعلى إلى احتماليّة وجود الاضطراب سريريًّا طُبٍّق المقياس بشكل فردي في غرف هادئة، مع قراءة البنود بصوت واضح لمن يعانون صعوبات في القراءة، وتسجيل الإجابات على استمارات ورقيّة ثم إدخالها إلكترونيًّا بشكل مشفر تلا ذلك تطبيق أدوات قياس التّمثيلات المعرفيّة للسّرديّة الحُسينيّة، والممارسات الطّقسيّة الحُسينيّة، والدعم الاجتماعي المستمد من الجماعات الطّقسيّة بعد الانتهاء من جمع البيانات الكميّة، حُلِّلت باستخدام برنامج SPSS فشملت التّحليلات الإحصائيّة الوصفيّة (المتوسطات، الانحرافات المعيارية، التكرارات) والتّحليلات الاستدلاليّة (تحليل الارتباط، تحليل الانحدار المتعدد، نمذجة المعادلة البنائيّة، وتحليل المسار) لاختبار الفرضيّات وتحليل العلاقات بين المتغيرات روعيت طوال الإجراءات مبادئ الخصوصيّة والسّريّة، ووُفِّر دعم نفسي فوري لأي مشارك تظهر عليه علامات ضائقة نفسيّة

  • نتائج الدّراسة

أظهرت التّحليلات الوصفيّة أن متوسط درجة مقياس اضطراب ما بعد الصّدمة (PCL-5) بلغ 28.4 (بانحراف معياري 6.7)، وهي درجة أقل من العتبة التّشخيصيّة البالغة 33، ما يشير إلى أن العينة ككل أظهرت أعراضًا تحت السّريريّة، مع وجود تباين فردي ملحوظ. بلغ متوسط درجة التّمثيلات المعرفية للسّرديّة الحُسينيّة 42.3 من 60 (بانحراف معياري 5.8)، ومتوسط درجة الممارسات الطّقسيّة الحُسينيّة 34.1 من 50 (بانحراف معياري 6.2)، ما يعكس مستوى مرتفعًا من التّبني والانخراط في هذه القيم بين النّازحين. أظهرت التّحليلات الاستدلاليّة نتائج إيجابيّة قوية، إذ كشف تحليل الارتباط (Pearson Correlation) عن وجود ارتباط سلبي دال إحصائيًّا بين التّمثيلات المعرفيّة للسّردية الحُسينيّة وشدة أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة  (r = -0.64, p < 0.01)، وارتباط سلبي مماثل بين الممارسات الطّقسيّة الحُسينيّة وأعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة  (r = -0.58, p < 0.01)، ما يؤكد أنّ ارتفاع مستوى التبني للقيم الحُسينيّة يرتبط بانخفاض ملحوظ في الأعراض، كما أظهر تحليل الانحدار المتعدد (Multiple Regression) أنّ التّمثيلات المعرفيّة والممارسات الطّقسيّة والدعم الاجتماعي تفسر معًا 58% من التّباين في شدة أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة (R² = 0.58, F = 84.3, p < 0.001)، فقد كان معامل الانحدار للتمثيلات المعرفيّة (β = -0.41, p < 0.001) وللممارسات الطّقسيّة (β = -0.33, p < 0.01) وللدّعم الاجتماعي  (β = -0.27, p < 0.05)، ما يؤكد أنّ كل متغير يسهم بشكل إيجابي ومستقل في تخفيف الأعراض. أسفرت نمذجة المعادلة البنائيّة (SEM) عن مؤشرات مطابقة ممتازة للنموذج المقترح  (CFI = 0.95, RMSEA =0.048, ، وأظهرت أن القيم الحُسينيّة تعمل كمتغير وسيط جزئي (Partial Mediator) في العلاقة بين شدة التعرض للصدمة وشدة أعراض الاضطراب، إذ بلغ التأثير غير المباشر المعياري 0.37 (p < 0.001) بنسبة وساطة 43%. كما أظهر تحليل المسار (Path Analysis) أنّ التأثير المباشر للقيم الحُسينيّة على أعراض إعادة الخبرة وفرط الإثارة بلغ (β = -0.52, p < 0.001) وعلى أعراض التّجنب والتّغيرات السّلبيّة في المزاج بلغ (β = -0.45, p < 0.001)، ما يؤكد أن القيم الحُسينيّة تُسهم بشكل إيجابي وفاعل في تخفيف جميع مجموعات أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين اللبنانيين بعد حرب 2024.

  • تحليل فرضيّات الدّراسة

لاختبار الفرضيّة الفرعية الأولى، استُخدِم تحليل الانحدار المتعدد (Multiple Regression Analysis)  فأُدخِلت درجة التّمثيلات المعرفيّة للسّرديّة الحُسينيّة كمتغير مستقل، ودرجة المخططات الذاتية السّلبيّة (المقاسة عبر البنود 8-14 من مقياس PCL-5) كمتغير تابع. أظهرت النّتائج وجود أثر دال إحصائيًّا عند مستوى معنوية 0.01، إذ بلغ معامل الانحدار (β = -0.53, t = -11.24, p < 0.001)، وقيمة R² = 0.41، ما يعني أن التّمثيلات المعرفيّة للسّرديّة الحُسينيّة تفسر وحدها 41% من التّباين في انخفاض المخططات الذّاتية السّلبيّة. كما أظهر تحليل الارتباط الجزئي (Partial Correlation) بعد السّيطرة على متغيرات العمر والجنس ودرجة التّعرّض للصّدمة، بقاء العلاقة دالة إحصائيًّا (r = -0.49, p < 0.001). بناءً على هذه النتائج،  قُبِلت الفرضيّة الفرعيّة الأولى، فثبت أن تأطير المعاناة ضمن السّرديّة الحُسينيّة يسهم بشكل إيجابي ودال في خفض المخططات الذّاتيّة السّلبيّة لدى النّازحين اللبنانيين.

ولاختبار الفرضيّة الفرعيّة الثانية، استُخدِم تحليل التّباين الأحادي (ANOVA) لمقارنة المجموعات الثلاث (منخفضي الممارسات، متوسطي الممارسات، مرتفعي الممارسات) في مؤشرات فرط الإثارة وإعادة الخبرة. أظهرت النّتائج وجود فروق دالة إحصائيًّا بين المجموعات الثلاث (F = 27.34, p < 0.001)، فبلغ متوسط أعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة لدى مرتفعي الممارسات 12.3 (بانحراف معياري 3.1)، مقارنة بـ 22.7 (بانحراف معياري 4.5) لدى منخفضي الممارسات، ما يعكس انخفاضًا بنسبة 46% تقريبًا. كما أظهر تحليل الانحدار الخطي البسيط أن تكرار الممارسات الطّقسيّة الحُسينيّة يرتبط بانخفاض دال في مؤشرات فرط الإثارة الفسيولوجيّة (β = -0.61, p < 0.001) ومؤشرات إعادة الخبرة المتطفلة (β = -0.55, p < 0.001). كما أظهرت القياسات الفسيولوجيّة المصاحبة (لمستويات الكورتيزول) فروقًا دالة إذ بلغ متوسط الكورتيزول لدى مرتفعي الممارسات 12.4 ميكروغرام/ديسيلتر مقابل 18.7 لدى منخفضي الممارسات (t = -4.92, p < 0.01). بناءً على هذه النتائج، قُبِلت الفرضيّة الفرعيّة الثانية، فثبت أنّ الممارسات المرتبطة بالقيم الحُسينيّة تؤدي إلى تغييرات فسيولوجيّة عصبيّة قابلة للقياس تخفض من أعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة.

وعليه فقد استُخدِمت مجموعة من التّحليلات الإحصائيّة المتقدمة لتحليل الفرضيّة الرئيسة؛  فقد أظهر تحليل الارتباط (Pearson Correlation) وجود ارتباط سلبي قوي ودال إحصائيًّا بين الدرجة الكلية لتبني القيم الحُسينيّة والدّرجة الكليّة لشدة أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة  (r = -0.68, p < 0.001)، ما يعني أنّ كلما زاد تبني النّازح للقيم الحُسينيّة، انخفضت شدة أعراض الاضطراب بشكل ملحوظ كما أظهر تحليل الانحدار المتعدد أن تبني القيم الحُسينيّة (بمكونيه المعرفي والطقسي) يفسر 62% من التّباين الكلي في أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة  (R² = 0.62, F = 126.7, p < 0.001)، وكان معامل الانحدار المعياري (β = -0.57, t = -14.32, p < 0.001). وأظهرت نمذجة المعادلة البنائية  (SEM)  أنّ النّموذج البنائي الذي يفترض وجود علاقة سلبيّة بين القيم الحُسينيّة واضطراب ما بعد الصّدمة يتمتع بمؤشرات مطابقة ممتازة  (CFI = 0.96, RMSEA = 0.042, SRMR = 0.038)، مع وجود تأثير كلي معياري بلغ -0.64 (p < 0.001). رابعًا، أظهر تحليل المسار (Path Analysis) أنّ التأثير المباشر للقيم الحُسينيّة على شدة الأعراض الكليّة بلغ  (β = -0.59, p < 0.001)، والتّأثير غير المباشر من خلال الدعم الاجتماعي بلغ (β = -0.18, p < 0.01).  بناءً على هذه النّتائج المتقاربة والمتداخلة من أربعة تحليلات إحصائيّة مختلفة، قُبِلت الفرضيّة الرئيسة، فثبت بشكل قاطع وجود علاقة دالة إحصائيًّا بين تبني القيم الحُسينيّة وانخفاض شدة أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين اللبنانيين جراء حرب 2024.

  • الاستنتاج

بناءً على النّتائج الشّاملة للدّراسة، وخاصة تلك المستمدة من التّحليل، يمكن استنتاج ما يلي:

  • أثبتت النتائج وجود علاقة سلبية قوية ودالة إحصائيّا بين تبني القيم الحُسينيّة وشدة أعراض اضطراب ما بعد الصّدمة، مما يستدعي إدراج هذه القيم كمتغير وقائي في نماذج الصمود النّفسي الخاصة بالنّازحين.
  • أظهرت النّتائج أن التّمثيلات المعرفية للسّرديّة الحُسينيّة تفسر وحدها 41% من التّباين في انخفاض المخططات الذّاتيّة السّلبيّة، ما يؤكد أن تأطير المعاناة ضمن قصّة كربلاء يحول العجز إلى ثبات على المبدأ والفقد إلى فداء ذي معنى.
  • ثبت أن الممارسات الطّقسيّة المرتبطة بالقيم الحُسينيّة تؤدي إلى انخفاض ملحوظ في مستويات الكورتيزول وأعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة، ما يؤكد البعد البيولوجي العصبي لأثر هذه الطقوس.
  • أظهر تحليل الانحدار المتعدد أن كلاً من التّمثيلات المعرفيّة (β = -41) والممارسات الطّقسيّة (β = -0.33) يسهمان بشكل مستقل في تخفيف الأعراض، ما يعني أنّ أفضل النتائج تتحقق عندما يجمع النّازح بين الفهم المعرفي للسّرديّة والمشاركة الفعليّة في الطقوس.
  • أظهر تحليل المسار وجود تأثير غير مباشر للقيم الحُسينيّة عبر الدّعم الاجتماعي (β = -18)، ما يؤكد أنّ الجماعات الطّقسيّة الحُسينيّة توفر شبكة أمان اجتماعي تعزز من فعاليّة القيم في تخفيف أعراض الاضطراب.
  • بيّنت نمذجة المعادلة البنائيّة أنّ القيم الحُسينيّة تؤثر بشكل دال على أعراض إعادة الخبرة، والتّجنب، والتغيرات السّلبيّة في الإدراك والمزاج، وفرط الإثارة، ما يجعلها أداة شاملة وليست جزئية في معالجة اضطراب ما بعد الصّدمة.
  • التّوصيات للبحث المستقبلي

بناءً على النتائج ، يُوصى بالآتي للبحث المستقبلي:

  • إجراء دراسات تتابع النّازحين على مدى عامين أو ثلاثة، بقياسات متكررة كل ستة أشهر، وذلك لتحديد اتجاه العلاقة السببيّة بدقة: هل تبني القيم الحُسينيّة يؤدي إلى انخفاض الأعراض، أم أن انخفاض الأعراض يسمح بتبني أعمق للقيم؟ كما تتيح الدّراسات الطوليّة تتبع التغيرات الفسيولوجيّة العصبيّة (كالكورتيزول) على المدى البعيد.
  • تصميم دراسات تجريبيّة عشوائيّة محكومة فيُوزَّع النّازحون المصابون باضطراب ما بعد الصّدمة بشكل عشوائي إلى ثلاث مجموعات: مجموعة تتلقى تدخلًا علاجيًّا قائمًا على القيم الحُسينيّة، ومجموعة تتلقى العلاج المعرفي السّلوكي المرتكز على الصّدمة (TF-CBT) من دون تكييف ثقافي، ومجموعة ضابطة على قائمة الانتظار، وذلك لتحديد الفعاليّة النّسبيّة لكل نهج ومقارنتها.
  • تكرار هذه الدّراسة على عينات من النّازحين من طوائف ومذاهب إسلاميّة أخرى (كالسُّنة، والدُّروز، والعلويين) ومن مجتمعات غير إسلاميّة (كالمسيحيّة اللبنانيّة التي تكن احترامًا لشخصية الحسين)، وذلك لاختبار قابليّة تعميم النتائج ومدى فعاليّة هذه القيم خارج سياقها المذهبي الأصلي، وكذلك إجراء دراسات مقارنة بين النّازحين في لبنان والنّازحين في بلدان عربيّة أخرى.
  • إجراء دراسات نوعيّة وإثنوغرافيّة معمقة، مقترنة بقياسات متطورة كالتصوير الوظيفي بالرّنين المغناطيسي (fMRI) وتخطيط الدّماغ الكهربائي (EEG) أثناء أداء الطقوس الحُسينيّة (كالبكاء الجماعي واللطم المنظم)، وذلك لتحديد الدّوائر العصبيّة المحددة (كاللوزة، قشرة الفص الجبهي الإنسي، والجزيرة) التي تُنشط أو تُثبَّط، ولكشف الآليّة الدّقيقة التي تحول الممارسة الطّقسيّة إلى تنظيم فسيولوجي عصبي يخفض أعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة.

خاتمة الدّراسة

في ختام هذه الدّراسة التي سعت إلى استكشاف دور القيم الحُسينيّة في التّخفيف من اضطراب ما بعد الصّدمة لدى النّازحين اللبنانيين جراء حرب 2024، يمكن القول إنّ النتائج التي تُوُصِّل إليها تقدم إسهامًا نظريًّا وتطبيقيًّا مهمًّا في مجال علم نفس الصّدمة المستجيب ثقافيًّا. لقد انطلقت الدّراسة من إشكاليّة مركزيّة مفادها كيف يمكن لسرديّة دينيّة تاريخيّة حدثت قبل أربعة عشر قرنًا؛ أن تقدّم أدوات نفسيّة فعالة لمواجهة صدمة آنية ومعاصرة، وقد أثبتت النّتائج بشكل قاطع أن القيم الحُسينيّة، بوصفها منظومة دلاليّة ثقافيّة تاريخيّة، تعمل بالفعل كآلية وسيطة ومعدلة في مسار اضطراب ما بعد الصّدمة. فقد أظهرت التّحليلات الإحصائيّة وجود علاقة سلبية قويّة ودالة بين تبني هذه القيم وشدة الأعراض،  ففسرت التّمثيلات المعرفيّة للسّرديّة الحُسينيّة وحدها 41% من التباين في انخفاض المخططات الذّاتيّة السّلبيّة، كما أسهمت الممارسات الطّقسيّة في تخفيض مستويات الكورتيزول وأعراض فرط الإثارة وإعادة الخبرة بنسبة وصلت إلى 46%. تؤكد هذه النّتائج أنّ القيم الحُسينيّة ليست مجرد تراث ثقافي جامد، بل هي مورد رمزي حي يمكن توظيفه في سياقات الصّدمة الجماعيّة الحديثة، من خلال آليتين متكاملتين: الأولى معرفيّة تتمثل في إعادة تأطير المعاناة ضمن سرديّة كربلاء التي تحول الفقد إلى فداء، والعجز إلى ثبات على المبدأ، والظلم إلى صراع أوسع بين الحقّ والباطل، والثانية فسيولوجيّة عصبيّة تتمثل في التنظيم الانفعالي الذي تتيحه الطقوس الجماعيّة المنظمة والتي تحفز دوائر عصبيّة مرتبطة بالتّعاطف، وإفراز الأوكسيتوسين وتخفيض الكورتيزول. كما أظهرت النّتائج أنّ الدّعم الاجتماعي المستمد من الجماعات الطّقسيّة يعزز من أثر القيم الحُسينيّة بشكل غير مباشر، ما يؤكد أن هذه القيم تعمل في سياق جماعي وليس فردياً فقط. لقد تم قبول جميع الفرضيات الفرعية والرئيسة، ما يعكس قوّة النّموذج النَّظري المقترح وملاءمته للسّياق الثّقافي اللبناني. من الناحية النّظريّة، تسد هذه الدّراسة فجوة معرفيّة مهمّة في أدبيات علم نفس الصّدمة، فتقدم نموذجًا تفسيريًّا يدمج المتغيرات الثّقافيّة الدّينيّة ضمن الآليات الوسيطة والمعدلة، وتقدم اختبارًا تجريبيًّا لنظرية ليفتون حول إعادة بناء الارتباط في سياق ثقافي غير غربي. كما تقدم نقدًا بناءً للنّماذج الغربيّة التي تهمش دور السّرديّات الجماعيّة والتّاريخ الرّمزي، وتفتح الباب أمام مراجعة التّمييز التّقليدي بين آليات التّكيّف الإيجابيّة وآليات الدّفاع المرضيّة. من النّاحية التّطبيقيّة، تقدم الدّراسة توصيات ملموسة لصناع السّياسات، والمنظمات الإنسانيّة والاختصاصيين النّفسيين حول كيفيّة دمج القيم الحُسينيّة بشكل آمن وفعال في برامج الدعم النّفسي الاجتماعي، مع تأكيد  ضرورة التّمييز بين التّوظيف العلاجي والتّوظيف الدّعوي، ومراعاة الفروق الفرديّة في درجة الانغماس في الطقوس، وتوفير بدائل لمن قد تسبب لهم هذه الطقوس إعادة صدمة غير منضبطة. كما تؤكد الدّراسة أهمّيّة التّدريب المتخصص للاختصاصيين النّفسيين في مجال التّدخلات المستجيبّة ثقافيًّا، وضرورة تطوير أدوات تشخيصيّة وعلاجيّة تراعي الخصوصية الثقافيّة اللبنانيّة. ومع ذلك، تعترف الدّراسة ببعض المحددات التي ينبغي على الباحثين المستقبليين أخذها بالحسبان، منها اعتماد المنهج المقطعي الذي لا يسمح باختبار السّببيّة بشكل قاطع، واقتصار العيّنة على النّازحين من خلفية شيعيّة ما يحدُّ من قابليّة تعميم النّتائج على طوائف أخرى، ومحدودية القياسات الفسيولوجيّة العصبيّة (اقتصارها على الكورتيزول من دون التّصوير الوظيفي)، واحتماليّة وجود متغيرات مربكة لم يٌسَيطر عليها بشكل كامل كالتّاريخ الشّخصي للصّدمات السّابقة والاضطرابات النّفسيّة المرافقة.

المصادر والمراجع

  • احمد عبد الباقي دفع الله، العباس رقية السيد الطيب، 2017، مبادئ مناهج البحث العلمي، جامعة الخرطوم، السودان.
  • الاعظم، رنا؛ ماكينزي، ميسي؛ بركات، تمارا؛ الخوري، غسان؛ روبرتس، بايارد. (2024). “دعها تبقى في القلب”: التجارب الثقافية والجندرية للمحنة بين اللاجئين السوريين في الأردن، المجلد 15.
  • حسني، نادين؛ طنوس، أسامة؛ كوغا، باتريك ماريوس؛ أبوت، بروس ت.؛ جوزيف، سعاد. (2024). من هو موضوع الصّدمة؟ مراجعة نطاقية متعددة التخصصات للصدمة والذات في المنطقة العربية. SSM – الصحة النّفسية.

 

References

1-Adaptation of CBT for traumatized Egyptians. Journal of Clinical Psychology. Çınaroğlu, A. (2024).

2-Connection: On Death and the Continuity of Life. Washington, D.C.: American Psychiatric Press, 1996, p. 145

3- Fuchs, T., & Koch, S. C. (2014). Embodied affectivity: on moving and being moved. Frontiers in Psychology, 5, 508. Gendlin, E. T. (1981). Focusing. New York: Bantam Books.

4-Islamic Trauma Healing: Community-based intervention. Journal of Muslim Mental Health. Al-Adeeb, S. (2016).

5-Islamically Modified Cognitive Behavioural Therapy. Islamic Publishing House. Bentley, J. A., et al. (2021).

6- Islam-Oriented TF-CBT after Kahramanmaraş earthquakes. International Journal of Islamic Psychology. Qasqas, M. (2024).

7-Lifton, R. J. (1996). The Broken Connection: On Death and the Continuity of Life. American Psychiatric Press. Jalal, B., Samir, S., & Hinton, D. E. (2017).

8-Lifton, R. J. (1996). The Broken Connection: On Death and the Continuity of Life. Washington, D.C.: American Psychiatric Press.

9- Pargament, K. I. (2007). Spiritually Integrated Psychotherapy: Understanding and Addressing the Sacred. New York: Guilford Press.

10-Resick, P. A., & Monson, C. M. (2017). Cognitive Processing Therapy for PTSD: A Comprehensive Manual. New York: Guilford Press.

11-The Archive and the Repertoire: Performing Cultural Memory in the Americas. Duke University Press.

12-The Ashura Rituals in Post-2004 Iraq: Resistance and Re-interpretation. Doctoral dissertation, University of Toronto. Taylor, D. (2003).

 

 

[1] – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية – بيروت- لبنان.

Lecturer at the Lebanese University – Faculty of Education – Beirut – Lebanon.Email: fayoub@ ul.edu.lb-

[2] – طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- طهران- فرع العلوم والتّحقيقات – قسم علم النّفس.

– PhD student at Azad University – Tehran – Science and Research Branch – Psychology Department.Email: houda.muslmani1974@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.