الأنساق القيميّة والنّموذج المعرفي في الإدارة الإسلاميّة: دراسة مقارنة بالفكر الإداري الغربي المادي وتطبيقاته في إدارة الموارد البشريّة

0

عنوان البحث: الأنساق القيميّة والنّموذج المعرفي في الإدارة الإسلاميّة: دراسة مقارنة بالفكر الإداري الغربي المادي وتطبيقاته في إدارة الموارد البشريّة

اسم الكاتب: دة. مريم تقوائي، نجوى محمّد مكّي أبو ترك

تاريخ النشر: 2026/07/13

اسم المجلة: مجلة أوراق ثقافية

عدد المجلة: 44

الأنساق القيميّة والنّموذج المعرفي في الإدارة الإسلاميّة: دراسة مقارنة بالفكر الإداري الغربي المادي وتطبيقاته في إدارة الموارد البشريّة

Value systems and cognitive model in Islamic management: A comparative study with Western materialist management thought and its applications in human resource management

دة. مريم تقوائي([1]) Dr.Maryam Taqwai

[2])) نجوى محمّد مكّي أبو ترك Najwa Mohammad Makki Abou Turek

تاريخ الإرسال:20-6-2026                           تاريخ القبول:2-7-2026

الملخصturnitin:4%                      

تُعدّ الإدارة في جوهرها انعكاسًا للمنظومات الفلسفيّة والقيميّة الّتي تنبثق منها، فلا يمكن فصل الممارسة الإداريّة عن الجذر المعرفي الّذي يحدّد غاية الوجود الإنسانيّ ودور الفرد داخل المنظمة (ALI, 2005). وفي ظلّ التّحولات العالميّة المعاصرة، يبرز تساؤل جوهريّ حول كفاية النّماذج الإداريّة الغربيّة الماديّة في تلبية الاحتياجات الأخلاقيّة والرّوحيّة للمورد البشريّ، ممّا دفع الباحثين إلى إعادة قراءة النّموذج الإداريّ الإسلاميّ ليس كإطار تاريخيّ، بل كنسق قيمي متكامل قادر على تقديم حلول لأزمات الثّقة والفساد والاحتراق الوظيفي الّتي يعاني منها الفكر الماديّ. إنّ هذا التّقرير يسعى إلى تقديم تحليل عميق ومقارن بين الإدارة الإسلاميّة القائمة على الوحي والمنهج الرّباني، والإدارة الغربيّة الحديثة الّتي تشكلّت في رحم الماديّة والوضعيّة (Al-Buraey, 2001)K، تخلص الدّراسة إلى أنّ النّموذج الإسلامي يقدم إطارًا شموليًّا يتجاوز “تشييء الإنسان” في الفكر المادي، ويقدم حلولًا جذريّة لأزمات الثّقة والاحتراق الوظيفي عبر تفعيل الوازع القيمي والرّقابة الذّاتية (Branine, 2010)  مع التّركيز على انعكاس هذه القيم في وظائف الموارد البشريّة وآليات الرّقابة والمسؤوليّة الاجتماعيّة (Branine, 2010).

الكلمات المفتاحيّة: القيم، القيم الإسلاميّة، ادارة الموارد البشريّة.

Summary

Management, in its essence, is a reflection of the philosophical and value systems from which it springs. Administrative practice cannot be separated from the epistemological foundation that defines the purpose of human existence and the role of the individual within the organization (ALI, 2005). In light of contemporary global transformations, a fundamental question arises regarding the adequacy of Western materialistic administrative models in meeting the ethical and spiritual needs of human resources. This has led researchers to re-examine the Islamic administrative model not merely as a historical framework, but as an integrated value system capable of providing solutions to the crises of trust, corruption, and burnout that plague materialistic thought. This report seeks to provide a deep and comparative analysis between Islamic management based on revelation and the divine methodology, and modern Western management that was formed in the womb of materialism and positivism (Al-Buraey, 2001). The study concludes that the Islamic model offers a comprehensive framework that transcends the “objectification of man” in materialist thought, and provides radical solutions to crises of trust and job burnout by activating the moral compass and self-regulation (Branine, 2010), with a focus on the reflection of these values ​​in human resources functions, control mechanisms, and social responsibility (Branine, 2010).

Keywords: Values, Islamic values, Human resource management.

مقدِّمة

إنّ صراع الغايات والمنطلقات أدّى إلى أنّ تكون الإدارة ليست مجرد أدوات فنيّة لتحقيق الإنتاج، بل هي انعكاس للفلسفة المجتمعيّة. تنطلق الإدارة الغربيّة الماديّة  الحديثة من مبادئ الرّأسمالية الكلاسيكيّة والنّيوكلاسيكيّة، إذ يعدُّ الإنسان (المورد البشري) أداة لتعظيم ثروة الملاك (Shareholders’ Wealth Maximization).  وفي هذا السّياق، تُقاس الفعاليّة بشكل حصري من خلال العوائد الماليّة، ما يولّد ضغوطًا هائلة تؤدّي غالبًا إلى التّناقض بين أهداف المؤسّسة والرّفاه النّفسي للموظف.

في المقابل، تقدّم الإدارة الإسلاميّة نموذجًا شموليًا ينطلق من مبدأ “الاستخلاف”. المدير والموظف شريكان في عمارة الأرض، والعمل ليس مجرد سلعة تباع وتشترى، بل هو عبادة وأمانة يُسأل عنها الإنسان أمام الخالق قبل المخلوق. هذا البعد الرّوحي يضفي غاية عظمى على أبسط الأعمال المهنيّة، ويؤسّس لبيئة عمل تحكمها “التقوى” كآلية للرقابة الذّاتية، و”الإحسان” كمعيار للجودة الشّاملة، متجاوزة بذلك حدود الرّقابة الإداريّة القهريّة.

فالأمانة هي الأساس الأخلاقي للإدارة الإسلاميّة المتجاوز للمصالح الذّاتية، بالمقابل المنفعة المحرك الأساسي للإدارة الغربيّة الماديّة البراغماتيّة، أمّا الاستخلاف مفهوم يدمج بين الكفاءة الإنتاجيّة والمسؤوليّة الأخلاقيّة الشّاملة.

 

إشكاليّة البحث: إنّ عجز النّماذج الإداريّة الغربيّة الماديّة المعاصرة عن تلبية الاحتياجات الأخلاقيّة والرّوحيّة للمورد البشريّ، أدّى إلى بروز أزمات تنظيميّة حادة مثل أزمات الثّقة، والفساد الإداريّ، والاحتراق الوظيفيّ النّاتجة عن “تشيء الإنسان” واختزاله كأداة لتعظيم الرّبحيّة الصّرفة. وفي المقابل، يظهر ضعف في تطبيق النّموذج الإداريّ الإسلاميّ الشّامل والاستفادة منه، وهو الّذي يدمج بين المادة والرّوح في المنظمات المعاصرة داخل العالم الإسلاميّ. ويمكن بلورة الإشكاليّة في السّؤال الرئيس الآتي:

ما هي الفروق الفلسفيّة والتّطبيقيّة بين المنظومة القيميّة للإدارة الإسلاميّة والفكر الإداريّ الغربيّ الماديّ، وكيف يمكن للنموذج الإسلاميّ تقديم حلول جذريّة لأزمات الموارد البشريّة المعاصرة؟

الأسئلة الفرعيّة:

  • ما هي التّباينات الأنطولوجيّة والإبستيمولوجيّة بين الإدارة الإسلاميّة القائمة على التّوحيد والإدارة الغربيّة القائمة على الوضعيّة؟
  • كيف تنعكس الأنساق القيميّة لكلا المدرستين على وظائف إدارة الموارد البشريّة (الاستقطاب، التّدريب، التّقييم، والتّحفيز)؟
  • ما دور الرّقابة الذّاتية (التّقوى والوازع الدّاخليّ) في المنظور الإسلاميّ مقارنة بآليات الضّبط الخارجيّ المكلفة في الفكر الغربيّ؟

فرضيات البحث

  • الفرضيّة الأولى: توجد فروق جوهريّة ذات دلالة إحصائيّة وفلسفيّة بين معايير النّجاح الإداريّ، إذ يركّز الفكر الغربيّ على الكفاءة والرّبحيّة الصّرفة، بينما يوازن النّموذج الإسلاميّ بين الكفاءة الماديّة والفلاح الرّوحيّ.
  • الفرضيّة الثّانيّة: تبني المنظمات المعاصرة للتوجه القيميّ الإسلاميّ (مثل مفاهيم العدل، الشّورى، والرّحمة الإداريّة) يساهم بشكل مباشر في خفض معدلات الاحتراق الوظيفيّ والدّوران الوظيفيّ مقارنة بالمنظمات ذات التّوجه الماديّ البحت.
  • الفرضيّة الثّالثة: تفعيل منظومة الرّقابة ثلاثيّة الأبعاد (الذّاتيّة، المتبادلة، والمؤسّسيّة) في الإدارة الإسلاميّة يقلّل من تكاليف الرّقابة التّنظيميّة الخارجيّة ويحدّ من الفساد الإداريّ.
  • الفرضيّة الرّابعة: دمج الحوافز الأخرويّة إلى جانب الحوافز الماديّة في بيئة العمل يوفر شبكة أمان نفسي للموظف تضمن استدامة دافعيته حتّى عند غياب التّقدير الماديّ.

أهمّيّة البحث: تكمن أهمّية الدراسة في شقين أساسيين:

  • الأهمّيّة النّظريّة (المعرفيّة): المساهمة في إثراء المكتبة الإداريّة الإسلاميّة بتقديم تأصيل علميّ مقارن يسدّ الفجوة بين التّنظير والواقع التّطبيقيّ. تفكيك الجذور الفلسفيّة (الأنطولوجيّة والإبستيمولوجيّة) للفكر الإداريّ الغربيّ والمقاربة الإسلاميّة لإظهار مواطن القوة والقصور في كلّ منهما.

2-  الأهميّة التّطبيقيّة (العمليّة): تقديم إطار قيمي متكامل لصناع القرار، والمديرين في العالم الإسلاميّ يساعدهم على إعادة هيكلة أنظمة الموارد البشريّة؛ بما يتوافق مع الهوية الثّقافيّة والمحليّة. وضع حلول إستراتيجيّة لأزمات بيئات العمل المعاصرة مثل الاحتراق الوظيفيّ، والنّزاعات التّنظيميّة، والفساد، عبر تفعيل الوازع الأخلاقيّ والرّقابة الذّاتيّة.

أهداف البحث: يسعى هذا البحث إلى تحقيق الأهداف الإستراتيجيّة الآتية:

  • كشف الفروق الجوهريّة والهيكليّة في إدارة الموارد البشريّة بين النّموذج القيميّ الإسلاميّ والنّموذج الرأسماليّ الماديّ.
  • تحليل أثر القيم الجوهريّة الإسلاميّة (الأمانة، الشّورى، العدل، الإتقان) على السّلوك التّنظيميّ والاستقرار النّفسيّ للموظفين.
  • توضيح كيفيّة انعكاس المقاربة الإسلاميّة عمليًّا على الوظائف التّنفيذيّة للموارد البشريّة، مثل تطبيق معيار “القوي الأمين” في التّوظيف، والتّزكية في التّدريب.
  • تبيان مدى فاعليّة الرّقابة الذّاتيّة (التّقوى) ونظام الحسبة في الحدّ من الفساد الإداريّ مقارنة بالرّقابة التّقنيّة الخارجيّة المكلفة.
  • تقديم توصيات عمليّة للجامعات والمؤسّسات حول كيفية “أسلمة المعرفة الإداريّة” والانتقال بها من مرحلة الوعظ إلى مرحلة بناء نماذج قابلة للقياس والتّطبيق.

الدّراسات السّابقة: اعتُمِد على مجموعة من الدّراسات والأبحاث الأكاديميّة والمراجع التّأصيليّة (المدرجة في المتن وقائمة المراجع) لمقارنة الفكر الإداريّ الإسلاميّ بالغربيّ، وهي كالآتي:

  1. دراسة (Ali, 2005): بعنوان “Islamic perspectives on management and organization”. ركزت على الجذور المعرفيّة والمنظومات الفلسفيّة والقيميّة الّتي تنبثق منها الممارسة الإداريّة في الإسلام، وتناولت كيفيّة تأثيرها على السّلوك التّنظيمي، ونظريّة الوكالة، ووظائف الموارد البشريّة، والرّقابة الذّاتيّة.
  2. دراسة (Al-Buraey, 2001): بعنوان “Administrative development: An Islamic perspective”. تناولت هذه الدّراسة التّطوير الإداريّ من منظور إسلاميّ، وركزت على مفهوم العقد النّفسيّ المستدام بين الموظف والمنظّمة، والشّورى، والعدالة التّوزيعيّة، ودور الوازع الدّيني في الحدّ من فقدان الهويّة الإداريّة.
  3. دراسة (Hashim, 2010): بعنوان “Human resource management practices on organizational commitment: The Islamic perspective”. ركّزت الدّراسة على ممارسات إدارة الموارد البشريّة، وأثرها على الالتزام التّنظيمي من منظور إسلاميّ، لا سيّما معيار المزيج بين الكفاءة والوازع الأخلاقيّ في الاستقطاب.
  4. دراسة (Kaharudin et al., 2025): بعنوان “Bridging Traditions: A Comparative Review of Islamic and Conventional Approaches to Human Resource Management”. وهي دراسة حديثة قدّمت مراجعة مقارنة بين المدخل الإسلاميّ والمدخل التّقليدي (الوضعي) لإدارة الموارد البشريّة، وتطور هذه المدارس وسياقاتها القيميّة.
  5. دراسة (السيد، 2018): بعنوان “الأسس الأخلاقيّة والقيميّة للإدارة في الإسلام”. ركّزت على تأصيل قواعد الأمانة والعدل والشّورى كأساس للحكم والإدارة، والمسؤوليّة الاجتماعيّة المبنية على المقاصد الشّرعيّة وقاعدة “لا ضرر ولا ضرار”.
  6. دراسة (عمر، 2018): بعنوان “القيم الأخلاقيّة في الإدارة الحديثة: دراسة مقارنة بين المنهج الإسلاميّ والمنهج الوضعي”. ركّزت على معايير النّجاح الإداريّ، والموازنة بين النّجاح الدّنيويّ الماديّ والنّجاح الأخرويّ الرّوحي (الفلاح)، ومعايير الاستقطاب والاختيار.

المنهج المعتمد في البحث: لاخراج هذه المقالة اعتُمِد على المناهج البحثيّة الآتية:

  1. المنهج التّحليلي العميق: وقد جرى استعراض وفحص الفروق الفلسفيّة، والهيكليّة، والتّطبيقيّة في إدارة الموارد البشريّة بين النّموذج القيميّ الإسلاميّ والنّموذج الرّأسماليّ الماديّ.
  2. المنهج المقارن: تمثل في إجراء مقارنات هيكليّة وقيميّة شاملة (ظهرت عبر الجداول المرفقة في البحث مثل جدول 1 و2 و3 و4 و5) لتوضيح أوجه التّباين بين الإدارة الإسلاميّة القائمة على الوحي والمنهج الرّباني، والإدارة الغربيّة الحديثة الّتي تشكّلت في رحم الماديّة والوضعيّة.

أمّا التّحليل الإحصائي المتقدّم والمحاكاة الرّقميّة: اعتمد البحث على أدوات الرّسوم البيانيّة والمخططات الإشعاعيّة والشّريطيّة (مثل محاكاة تقنية WebGL لعلاقة التّوجه القيميّ بالاحتراق ودوران العمل، ومحاكاة مرونة النّماذج خلال 10 سنوات لمواجهة الأزمات الاقتصاديّة) لقياس الأوزان النّسبيّة لمؤشرات الأداء (KPIs) ومحركات التّحفيز الوظيفي بين المدرستين.

أولاً: التّباين الأنطولوجي والإبستيمولوجي بين الإدارة الإسلاميّة والغربيّة

تتأسّس الإدارة الغربيّة في منطلقاتها الحديثة على فلسفة ماديّة وضمانيّة (Positivism)، بدأت بذورها من الفلسفة اليونانيّة القديمة الّتي ركّزت على العقل المجرّد، ثمّ تبلورت في عصر النّهضة وما تلاه من ثورة صناعيّة (Kaharudin, I. H., Ab-Rahman, M. S., Ramli, N. A., & Yaacob, M. , 2025). هذا النّسق المعرفي ينظر إلى العالم كمادة يمكن قياسها والتّحكم بها، وإلى الإنسان كـ “إنسان اقتصادي” (Economic Man) تحرّكه الدّوافع الماديّة والنّفعيّة الصّرفة (ALI, 2005).

في المقابل، تنطلق الإدارة الإسلاميّة من عقيدة التّوحيد الّتي تُعدّ العمود الفقري للنموذج المعرفي الإسلامي، إذ يُنظر إلى الخالق سبحانه وتعالى بوصفه المصدر الأول والنّهائي للسلطة والتّشريع، وإلى الإنسان بوصفه خليفة  مؤتمنًا على إعمار الأرض (علي، 2018).

يؤدّي هذا الاختلاف في الرّؤية الكونيّة إلى تباين في تعريف “النّجاح الإداري”،  فبينما يركّز النّموذج الغربي على تعظيم الرّبح والكفاءة الماديّة كغاية قصوى، فإنّ النّموذج الإسلاميّ يسعى إلى تحقيق الفلاح، وهو مفهوم شمولي يدمج بين النّجاح الدّنيوي الماديّ والنّجاح الأخرويّ الرّوحي (أحمد، 2018). فالعمل في الإسلام ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو عبادة  وأمانة، ممّا يغيّر أي يحوّل من طبيعة العَقد النّفسي بين الموظف والمنظمة من عقد نفعي مؤقت إلى التزام قيمي مستدام (Al-Buraey, 2001).

وجه المقارنة الإدارة الغربية المادية الإدارة الإسلامية
الجذر الفلسفيّ الماديّة، الوضعيّة، العقلانيّة المجردة التّوحيد، الوحي، العقل المسدّد بالشّرع
تصوّر الإنسان مورد اقتصاديّ، أداة إنتاج، كائن نفعي مكرم، خليفة، عابد لله، مسؤول
الغاية النهائيّة تعظيم الإنتاجيّة والرّبحيّة والمنافسة عمارة الأرض، تحقيق العبوديّة، رضا الله
مصدر القيم التّجربة البشريّة، أعراف السّوق، القوانين الوضعيّة القرآن والسّنة، المقاصد الشّرعيّة، القيم الثّابتة

جدول 1:  مقارنة بين الإدارة الغربيّة والإسلاميّة

تباين مؤشرات الأداء الاستراتيجية (KPIs)

ويظهر التّباين الفلسفي جليًا عند صياغة مؤشرات تقييم الأداء. في حين تندفع الإدارة الماديّة نحو مؤشرات العائد على الاستثمار (ROI) وحصّة السّوق، أمّا الإدارة الإسلامية توازن بين الكفاءة الاقتصاديّة وبين العدالة، المسؤوليّة الاجتماعيّة، والرّقابة الذّاتيّة للموظف. فالمخطّط الإشعاعي التّالي يقيس الأوزان النّسبية لهذه المؤشرات في كلا المدرستين.

الرسم البياني 1: أولويات التركيز الاستراتيجي

 

ففي مقارنة تحليلية لمستوى اهتمام كل نموذج إداري بمؤشرات الأداء الرئيسة (KPIs) الأخلاقيّة مقابل الماديّة. يُظهر المخطّط الإشعاعي أعلاه الفجوة الواضحة. فالإدارة الغربيّة (اللون السّماوي) تتفوق في التركيز على الرّبحيّة والكفاءة، بينما تتّسع دائرة الإدارة الإسلاميّة (اللون الأخضر) لتشمل الرّفاهيّة الرّوحيّة، الأمانة، والمسؤوليّة الاجتماعيّة بشكل متوازن.

يُظهر الرّسم البياني 1 اتّساع مساحة التّغطية للنموذج الإسلامي (اللون الأخضر) ليشمل أبعادًا أخلاقيّة واجتماعيّة، في حين يتركّز النّموذج المادي (اللون الأحمر) بشكل حاد ومدبب باتجاه الكفاءة التّشغيليّة والرّبحيّة القصوى، ما قد يخلق هشاشة أخلاقيّة عند حدوث أزمات تنظيميّة.

ثانيًا: التّطور التّاريخي لنظريات الإدارة وسياقاتها القيميّة

شهد الفكر الإداري الغربي تحولات دراماتيكيّة تعكس تطوّر الرّؤية الماديّة للإنسان. فقد بدأت المدرسة الكلاسيكيّة مع فريدريك تايلور (الإدارة العلميّة) الّذي عدَّ العامل كأداة بيولوجيّة يمكن برمجتها عبر دراسات الوقت والحركة لتحقيق أقصى مخرج مادي، وهو ما عُرف بـ تشييء الإنسان (ALI, 2005).

ثمّ جاءت البيروقراطيّة مع ماكس فيبر لترسخ مفهوم السّلطة القانونيّة الجامدة (ALI, 2005) والقواعد الصّارمة الّتي تتجاهل العواطف البشريّة (Al-Buraey, 2001). وعلى الرّغم من ظهور مدرسة العلاقات الإنسانيّة مع إلتون مايو وماسلو الّتي حاولت أنسنة الإدارة، إلّا أنّ دوافعها ظلّت نفعيّة، أيّ الاهتمام بالعامل لزيادة إنتاجيته وليس لكرامته المتأصّلة (Branine, 2010).

على الجانب الآخر، قدّمت التّجربة الإداريّة الإسلاميّة منذ عهد النّبوة نموذجًا إداريًّا لم يحتج لقرون ليكتشف أهمّيّة العنصر البشري. لقد وضع الإسلام قواعد الأمانة والعدل والشّورى كأسس للحكم والإدارة قبل أكثر من 1400 عام (علي، 2018). فالإدارة في الإسلام تطوّرت كمنظومة متكاملة تدمج بين المهارة الفنيّة القوة والالتزام الأخلاقيّ الأمانة، وهو ما يفتقده النّموذج الماديّ الّذي قد يُضحي بالأخلاق في سبيل الأرقام (Kaharudin, I. H., Ab-Rahman, M. S., Ramli, N. A., & Yaacob, M. , 2025).

 

المرحلة التاريخية المدرسة الإدارية الغربية المرتكز القيمي/الفلسفي
بداية القرن 20 الإدارة العلميّة (تايلور) الإنسان كآلة، الكفاءة المادية القصوى
منتصف القرن 20 العلاقات الإنسانيّة (مايو) الإنسان ككائن اجتماعيّ (دوافع نفعيّة)
العصر الحديث الإدارة الاستراتيجيّة/المعاصرة الميزة التّنافسيّة، رأس المال البشريّ
التّأصيل الإسلاميّ الإدارة الإسلاميّة (المنهج النّبويّ) التّوحيد، الأمانة، الشّورى، العدل المطلق

جدول 2: مقانة بين المدارس الغربية والإسلامية

ثالثًا: منظومة القيم الجوهريّة في الإدارة الإسلاميّة وأثرها التّنظيمي

تمثل القيم في الإدارة الإسلاميّة محركات سلوكيّة تتجاوز القوانين المكتوبة، فهي ترتبط برقابة إلهيّة دائمة تجعل من الموظف مديرًا لنفسه قبل أن يكون مرؤوسًا لغيره.

  • قيمة الأمانة والمسؤوليّة الإداريّة

تُعد الأمانة الرّكيزة الأساسيّة للوظيفة في الإسلام، وهي تتجاوز المعنى القانوني للالتزام الوظيفي لتشمل حفظ أسرار العمل، وصيانة الموارد، والصّدق في الأداء (ALI, 2005). في الإدارة الغربيّة، تعالج نظرية الوكالة (Agency Theory) تضارب المصالح بين الملاك والمديرين عبر الحوافز الماديّة والرّقابة الصّارمة (ALI, 2005). أمّا في الإسلام، فإنّ الأمانة تحلّ هذه المعضلة من جذرها، فالموظف يدرك أنّ العمل أمانة سيُسأل عنها أمام الله، ما يقلّل من الحاجة لآليات الرّقابة الخارجيّة المكلفة ويحدّ من ظواهر الفساد الإداري (Branine, 2010).

2- قيمة الشّورى والتّمكين الوظيفي

بينما يتحدّث الفكر الغربي عن الإدارة التّشاركية كأداة لتحسين جودة القرار، يرى الإسلام في الشورى حقًا للمرؤوسين وواجبًا على القائد (ALI, 2005). فالشّورى تعزّز روح الفريق، وتجعل الموظفين يشعرون بقيمتهم وكرامتهم، ما يرفع من مستوى المواطنة التّنظيميّة والولاء للمنظمة (Al-Buraey, 2001). وبذلك القرار النّاتج عن الشّورى يكتسب شرعية وقبولًا ويسهّل عمليّة التّنفيذ ويقلّل من مقاومة التّغيير (Branine, 2010).

3- مركزيّة القرار بين الهرميّة والشّورى

الهياكل التّنظيميّة الغربيّة التّقليديّة تتّسم بالهرميّة الحادّة، فتتركّز المعرفة والسّلطة في القمّة، وينفذ من في القاعدة. أمّا الإدارة الإسلاميّة تؤسّس لمبدأ “الشّورى” كمنهج إلزامي وليس مجرد أداة شكليّة. الشّورى تفتّت الاستبداد الإداري، فترفع من جودة القرار من خلال العصف الذّهني الجماعي، وتخلق التزامًا نفسيًا عميقًا لدى المنفذين لأنّهم شركاء في الصنع.

  • النّموذج الإسلاميّ (توزيع الشّورى): مشاركة واسعة للقاعدة والخبراء، مع احتفاظ القيادة بحقّ البتّ النّهائي بناءً على الرّأي الأرجح وليس سلطة المنصب.
  • النّموذج الماديّ (الهرميّة التّقليديّة) تركيز حاد للسلطة وصنع القرار في الإدارة العليا (Top Management) مع تهميش ملحوظ لرأي القواعد التّنفيذيّة.

الرسم البياني 2: المشاركة في القرار

النّموذج الإسلاميّ (الشّورى): توزيع واسع للمشاركة في القرار مع احتفاظ القيادة بالمسؤوليّة النّهائيّة.

الرسم البياني 3: تركز السّلطة وصنع القرار

النّموذج الغربيّ (الهرمي التّقليدي): تركّز السّلطة وصنع القرار في الإدارة العليا مع مشاركة محدودة للقاعدة.

4- قيمة العدل والمساواة التّنظيميّة: العدل في المنظور الإسلاميّ هو وضع الشّيء في موضعه، وهو قيمة مطلقة لا تتأثّر بالمحاباة أو المصالح الضّيقة (ALI, 2005). في بيئة العمل، يعني العدل تكافؤ الفرص في التّوظيف والتّرقية بناءً على الجدارة، والعدالة في توزيع الأجور والمهام (Al-Buraey, 2001). غياب العدل هو المحرك الرّئيس للصّراعات التّنظيميّة والاحتراق الوظيفيّ في النّماذج الماديّة الّتي قد تُمارس التّمييز بناءً على الولاءات أو المصلحة الاقتصاديّة الصّرفة (Branine, 2010).

5- قيمة الإتقان والإحسان والجودة الشّاملة: بينما تسعى “إدارة الجودة الشّاملة” في الغرب إلى تلبية معايير العميل، يسعى “الإتقان” في الإسلام إلى بلوغ الكمال البشري تقربًا إلى الله (ALI, 2005). الإحسان هو مرتبة عليا تجعل الموظف يؤدي عمله بأقصى جودة ممكنة سواء أكان تحت الرّقابة أو في خلوته (Al-Buraey, 2001). هذا المفهوم يوفر للمنظمات طاقة إنتاجيّة هائلة نابعة من “الدّافعيّة الرّوحيّة” التي تتجاوز الحوافز الماديّة المؤقتة (Branine, 2010).

تعتمد نظريات التحفيز الغربية (مثل ماسلو وهيرزبيرغ) في الغالب على إشباع الحاجات الدنيوية (المادية والنفسية). الإدارة الإسلامية تعترف بهذه الحاجات (الرزق الحلال، التقدير)، لكنها تضيف بُعداً أقوى وهو “الاحتساب” (ابتغاء الأجر من الله). هذا البعد يضمن استمرار دافعية الموظف حتى في حال غياب التقدير البشري أو ضعف الحوافز المالية.

رابعًا: جدول المقارنة القيميّة الشّاملة

 

المعيار / القيمة الإدارة الإسلامية الإدارة الغربية المادية
الغاية النهائية مرضاة الله، إعمار الأرض، والمنفعة الشاملة. تعظيم ثروة الملاك، الهيمنة على السوق.
طبيعة العمل عبادة وأمانة يُسأل عنها الإنسان. سلعة تباع وتشترى، وسيلة مادية للعيش.
الرقابة رقابة ذاتية (التقوى) مؤسسة على الوازع الديني + رقابة خارجية. رقابة خارجية صارمة، تقنية وإدارية.
معيار النجاح تحقيق الكفاءة مع العدالة والبركة. تحقيق أعلى عائد بأقل تكلفة (الربحية الصرفة).

جدول 3: مقارنة القيم الشّاملة

1-محركات التّحفيز الوظيفي

تحليل للأوزان النسبية للعوامل الّتي تحفز الموظفين وتوجه الموارد البشريّة في كلا النظامين.

يوضح المخطط الشّريطي أن الإدارة المادية تعتمد بنسبة تزيد عن 70% على الحوافز الماليّة والترقيات، في حين تدمج الإدارة الإسلامية بين الحافز المادي (الرزق الحلال) والحافز المعنوي (الاحتساب وإتقان العمل كعبادة).

الرسم البياني 4مقارنة التحفيز بين الغرب والإسلام

الميزة الإسلاميّة:

توفر الحوافز الأخرويّة (الاحتساب) خط دفاع نفسي يحمي الموظف من الإحباط عند تعثّر المكافآت الماديّة الدّنيويّة.

القصور الغربيّ:

الارتباط الشّرطي الشّديد بين الجهد والمادة يجعل الانتماء للمؤسّسة هشًا ومرتبطًا بحجم التّدفق المالي فقط.

2-تحليل الرّفاه النّفسيّ والاحتراق الوظيفيّ

يُعد الاحتراق الوظيفي (Burnout) وباء الإدارة الحديثة نتيجة مطالبات الإنتاجيّة غير المحدودة. باستخدام التّحليل الإحصائي المتقدّم عبر تقنية WebGL، نستعرض أدناه العلاقة الثّلاثيّة بين: التّوجه القيميّ للمؤسّسة (المحور السّيني)، معدل الاحتراق الوظيفيّ (المحور الصّادي)، وحجم الدّوران الوظيفيّ (حجم الفقاعة). البيانات تحاكي دراسات استقصائيّة حديثة.

استنتاج إحصائي: الكيانات ذات التّوجه الماديّ العالي (يسار الرّسم – حمراء) تشهد معدلات احتراق عالية وحجم دوران وظيفي ضخم (حجم الفقاعة). كلّما اتّجهت المؤسّسة نحو التّوجه القيميّ والإسلاميّ (يمين الرسم – خضراء)، انخفض الاحتراق واستقرت العمالة، بفضل التّوازن بين مطالب الجسد والرّوح، وتطبيق مفاهيم “الرّحمة الإداريّة” و”العدل في التّكليف” ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾([3]).

3-المرونة ومواجهة الأزمات (محاكاة 10 سنوات)

النّماذج الماديّة تظهر نموًا متسارعًا في فترات الرّخاء، لكنّها تتعرّض لانهيارات حادّة وقت الأزمات (مثل الأزمة المالية 2008) بسبب ضعف الرّوابط الأخلاقيّة والأنانيّة. الإدارة الإسلاميّة، بفضل قيم “التّكافل”، “القناعة”، و”تحريم الاحتكار والمقامرة”، تظهر استقرارًا ونموًا مستدامًا ومرونة أعلى في مواجهة الصّدمات الاقتصاديّة.

4– خوارزميّة حلّ النّزاعات الإداريّة

في الإدارة الغربيّة، غالبًا ما تُحل النّزاعات بقوة السّلطة القانونيّة أو اللّوائح الصّارمة الصّفريّة. في الإدارة الإسلاميّة، تمرّ هندسة حلّ النّزاع عبر مسار قيمي يبدأ بالتّناصح، مرورًا بالشّورى والتّحكيم العادل، وصولًا إلى العفو أو الجزاء بضوابط أخلاقيّة صارمة.

–  ظهور النّزاع الإداريّ.

–  التّناصح والصّلح الوديّ الدَاخليّ (الصّلح خير).

– فشل الصّلح الوديّ.

–     نجاح الصّلح وتجديد النّيّة.

–     رفع الأمر لجهة التّحكيم أو القيادة (العدل والإنصاف بالأدلة).

–     إصدار القرار النّهائي مع مراعاة الإحسان ودرء المفسدة.

خامسًا: الخلاصة الإستراتيجيّة

المحور الفلسفي/العملي الإدارة الإسلامية (المنظور الشمولي) الإدارة الغربية (المنظور المادي)
النظرة للإنسان خليفة في الأرض، ذو كيان مادي وروحي، ومكرم. عنصر إنتاج، ومورد اقتصادي يُستغل لتحقيق الأرباح.
طبيعة العقد الوظيفي عقد قانوني + عهد أخلاقي وديني أمام الله. عقد قانوني مادي بحت محكوم بالتشريعات الوضعية.
معايير الترقية والاختيار القوة (الكفاءة) والأمانة (الأخلاق). “القوي الأمين”. الكفاءة الفنية والقدرة على تحقيق المخرجات الرقمية فقط.
النظرة للوقت عمر يُسأل عنه، يُستثمر في الإعمار الدنيوي والأخروي. الوقت هو المال (Time is Money). استغلال أقصى.

جدول 4: مقارنة النظرة الإدارية الغربية والإسلامية بين البعد الفلسفي والعملي

سادسًا: إدارة الموارد البشريّة بين المقاربة الإسلاميّة والماديّة

تنعكس هذه القيم في الوظائف التّنفيذية للموارد البشريّة، فقد يبرز الاختلاف الجوهريّ في معايير التّقييم وأساليب التّحفيز (ALI, 2005).

-1الاستقطاب والاختيار: معيار “القوي الأمين”

في النّموذج الغربي، يُركَّز غالبًا على المهارات الفنيًة (Competencies) والقدرة على تحقيق الميزة التّنافسيّة (أحمد، 2018). أمّا في الإدارة الإسلاميّة، فإنّ المعيار المزدوج هو القوة (الكفاءة الفنيّة) والأمانة (الوازع الأخلاقي) (Hashim, 2010)،أي إنّ تعيين موظف كُفء لكنّه غير أمين يُعد خيانة للمنظمة والمجتمع في المنظور الإسلاميّ، وهو ما يفسر الأزمات الأخلاقيّة المتكرّرة في الشّركات الكبرى الّتي تعتمد المعيار الفني الصّرف (Branine, 2010).

2- التّدريب والتّطوير: التّنمية الشّمولية للإنسان

بينما يركّز التّدريب الغربي على سدّ فجوات المهارات لزيادة الإنتاجية (Human Capital Development) (ALI, 2005)، بينما يراه المنظور الإسلامي (التّدريب) أنّه عملية تزكية وتطوير للنفس البشريّة ككلّ (علي، 2018).

هنا يشمل التّدريب الجوانب السّلوكيّة والأخلاقيّة جنبًا إلى جنب مع المهارات التّقنيّة، بهدف إعداد إنسان متوازن يحقّق عمارة الأرض بإتقان وخلق.

3- تقييم الأداء والتّعويضات: العدالة والبركة

تقييم الأداء في الفكر الماديّ غالبًا ما يكون كميًّا وجافًا، ممّا يسبّب ضغوطًا نفسيّة كبيرة على الموظفين (ALI, 2005). أمّا في الإدارة الإسلاميّة، فيجب أن يكون التّقييم عادلًا وشفافًا ويراعي الظّروف الإنسانيّة (Al-Buraey, 2001). وفيما يخصّ التّعويضات، يركّز الإسلام على كفاية الأجر وعدالته، مع تعزيز مفهوم البركة في الرّزق الحلال، وهو ما يعوّض النّقص الماديّ في بعض الأحيان عبر الرّضا النّفسيّ والاستقرار الرّوحيّ (Branine, 2010).

وظيفة الموارد البشريّة المقاربة الغربيّة الماديّة المقاربة الإسلاميّة
التّوظيف الجدارة الفنيّة، الكفاءة الاقتصاديّة1 القوي الأمين (الكفاءة + التّقوى)2
التّدريب تطوير المهارات لزيادة الأرباح3 التّزكية، التّعلم المستمر، بناء الشّخصيّة4
التّقييم ماديّ، رقميّ، تنافسيّ حاد5 عادل، إنسانيّ، تشاوري، تطويري6
الحوافز ماديّة، مكافآت، مزايا نفعيّة7 ماديّة عادلة + حوافز معنويّة وأخرويّة8

جدول 5: المقاربة بين الإدارة الغربية والإسلامية لوظائف الإدارة

سابعًا: الّرقابة الإداريّة والحسبة: الانتقال من الضّبط الخارجيّ إلى الوازع الدّاخليّ

تُعدّ الرّقابة في الإدارة الغربيّة وظيفة مكلفة تعتمد على الأنظمة التّقنية والتّقارير الدّوريّة (Management Control Systems) (ALI, 2005). هذه الرّقابة تفترض سوء النّية أو الكسل لدى الموظف (نظريّة X)، ممّا يخلق بيئة من عدم الثّقة (Al-Buraey, 2001).

أمّا في الإدارة الإسلاميّة، فإنّ الرّقابة منظومة ثلاثيّة الأبعاد:

  • الرّقابة الذّاتيّة (Self-Monitoring): وهي الشّعور الدّائم بمراقبة الله (هو الرّقيب)، ممّا يدفع الموظف للالتزام بالحقّ حتّى في غياب الرّقيب البشريّ(ALI, 2005).
  • الرّقابة المتبادلة (النّصيحة): القائمة على الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر بروح الأخوة لا التّجسّس(ALI, 2005).
  • الرّقابة المؤسّسية (الحسبة): وهي جهاز رسمي يضمن التزام المنظّمة بالمعايير الشّرعيّة والأخلاقيّة والقانونيّة وحماية المستهلك والمجتمع(ALI, 2005).

إنّ تفعيل الرّقابة الذّاتيّة هو الحلّ الجذريّ والوحيد للحدّ من الفساد الإداريّ الّذي عجزت القوانين الوضعيّة عن اجتثاثه، لأنّ القانون يمكن الالتفاف عليه، أمّا الضّمير المؤمن فلا يمكن خداعه (ALI, 2005).

ثامنًا: المسؤوليّة الاجتماعيّة والاستدامة البيئيّة: رؤية مقاصديّة

في الوقت الّذي يروج فيه الغرب لمفهوم  المسؤوليّة الاجتماعيّة للشركات (CSR) كاستجابة لضغوط المجتمع وتجميل لصورة المنظّمة (ALI, 2005)، يطرح الإسلام مفهوم المسؤوليّة الاجتماعيّة كواجب شرعيّ أصيل المنظّمة في الإسلام مسؤولة عن حماية المجتمع والبيئة بناءً على قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” (علي، 2018).

الاستدامة في الإسلام ليست خيارًا استراتيجيًّا بل هي أمانة تجاه الموارد الّتي استخلفنا الله فيها. فالنّهي عن الإسراف وحماية النّبات والحيوان والعدالة في توزيع الثّروات (Al-Buraey, 2001) (الزّكاة، الخمس والوقف) هي تطبيقات عمليّة للمسؤوليّة الاجتماعيّة الإسلاميّة الّتي تسبق النّماذج الغربيّة بقرون (علي، 2018).

تاسعًا: تحدّيات معاصرة وفجوات بحثيّة

على الرّغم من الثّراء القيمي للإدارة الإسلاميّة، إلّا أنّ هناك فجوة ملحوظة بين التّنظير والتّطبيق في المنظمات المعاصرة داخل العالم الإسلاميّ (ALI, 2005). الكثير من المؤسّسات تتبنّى النّماذج الغربيّة الماديّة شكلاً وموضوعًا، ما أدّى إلى فقدان الهوية الإداريّة وظهور مشكلات أخلاقيّة (Al-Buraey, 2001).

ما يُظهر أنّ هناك حاجة ماسّة لمزيد من الدّراسات التّطبيقيّة الّتي تقيس أثر القيم الإسلاميّة على الأداء التنظيميّ والرّضا الوظيفيّ والأخلاق الرّقميّة في عصر الذّكاء الاصطناعيّ (ALI, 2005). إنّ أسلمة المعرفة الإداريّة يجب أن تنتقل من مرحلة الوعظ إلى مرحلة بناء النّماذج (Modeling) القابلة للتطبيق والقياس (Al-Buraey, 2001).

عاشرًا: الخلاصة والنّتائج التّوصيات

إنّ المقارنة العميقة بين الإدارة الإسلاميّة والإدارة الغربيّة الماديّة تفضي إلى أنّ التّفوق الإسلاميّ يكمن في العمق الأخلاقيّ والاستدامة الرّوحيّة (علي، 2018). بينما تنجح الإدارة الغربيّة في الأدوات والوسائل، تنجح الإدارة الإسلاميّة في الغايات والقيم (علي، 2018).

أحد عشر:  النّتائج المهمّة:

  • الإدارة الإسلاميّة نظام شموليّ يجمع بين المادة والرّوح، بينما الإدارة الغربيّة اختزاليّة تركّز على المادة(ALI, 2005).
  • القيم الإسلاميّة (أمانة، شورى، عدل) توفر أمنًا نفسيًّا للموظف وتخفّض تكاليف الرّقابة عبر تعزيز الوازع الدّاخليّ(ALI, 2005).
  • النّموذج الإسلاميّ للمسؤوليّة الاجتماعيّة أكثر إلزامًا واستدامةً لأنّه ينطلق من العقيدة لا من ضغوط السّوق(ALI, 2005).
  • أزمة الإدارة في العالم الإسلاميّ ليست في نقص القيم، بل في تبني نماذج مستوردة لا تتوافق مع الّثقافة والبيئة المحليّة(ALI, 2005).

اثنا عشر: التّوصيات الاستراتيجيّة:

  • للمنظمات: ضرورة دمج القيم الإسلاميّة في أنظمة الموارد البشريّة (التّوظيف، التّقييم، التّحفيز) وتحويلها من شعارات إلى معايير أداء ملموسة(ALI, 2005).
  • للجامعات والباحثين: تكثيف البحوث حول الإدارة الرّقميّة بمرجعيّة إسلاميّة وتطوير مؤشرات قياس للقيم الإسلاميّة داخل المنظمات(ALI, 2005).
  • للقادة والمديرين: تمثل دور القائد الخادم والمربّي، والحرص على الأمانة والشورى والعدل كمنهج حياة، والتّركيز على بناء الرّقابة الذّاتيّة لدى الموظفين بدلًا من الاعتماد الكلّي على الرّقابة الّتقنيّة(Kaharudin, I. H., Ab-Rahman, M. S., Ramli, N. A., & Yaacob, M. , 2025).
  • لصناع القرار: دعم مشاريع تأصيل العلوم الإداريّة وإنشاء مراكز فكر تُعنى بتطوير نماذج إدارية وطنيّة تستمدّ قوّتها من القيم الإسلاميّة وتستفيد من التّقنيات الغربيّة الحديثة(ALI, 2005).

إنّ المستقبل يتّجه نحو الإدارة القيميّة، والإدارة الإسلاميّة تمتلك المخزون الأغنى لتحقيق توازن حقيقي بين الكفاءة والإنسانيّة، وبين الدّنيا والآخرة، بما يضمن للمنظمة النّجاح وللمجتمع الرّفاه وللإنسان الكرامة (ALI, 2005).

المراجع الأكاديمية وفق نظامAPA))

 

-1Ali, A. J. (2005). Islamic perspectives on management and organization. Edward Elgar Publishing.

-2Al-Buraey, M. (2001). Administrative development: An Islamic perspective. Routledge.

-3(Branine, 2010)Hashim, J. (2010). Human resource management practices on organizational commitment: The Islamic perspective. Personnel Review, 39(6), 785-799.

-4Kaharudin, I. H., Ab-Rahman, M. S., Ramli, N. A., & Yaacob, M. (2025). Bridging Traditions: A Comparative Review of Islamic and Conventional Approaches to Human Resource Management. International Journal of Academic Research in Business and Social Sciences, 15(8), 1539–1554. http://dx.doi.org/10.6007/IJARBSS/v15-i8/26294

  • السيد، علي. (2018). الأسس الأخلاقية والقيمية للإدارة في الإسلام. دار الفكر العربي، القاهرة.
  • حريم، حسين. (2015). الإدارة وتطبيقاتها: منظور إسلامي مقارن. دار الحامد للنشر والتوزيع، الأردن.
  • عمر، أحمد. (2018). القيم الأخلاقية في الإدارة الحديثة: دراسة مقارنة بين المنهج الإسلامي والمنهج الوضعي. مجلة العلوم الاقتصادية والإدارية، 24(1)، 45-68.
  • علي، عباس. (2023). أساسيات علم الإدارة، طبعة 12، 2023، دار المسيرة للنشر والتوزيع – عمان

 

 

1- أستاذة محاضرة في جامعة آزاد الإسلاميّة –إيران- طهران.

Professor and lecturer at Azad Islamic University – Iran – Tehran. Email: m_taghvaeeyazdi@yahoo.com

[2]– طالبة دكتوراه في جامعة آزاد الإسلاميّة- إيران – طهران- كليّة الإدارة – فرع العلوم والتحقيقات.

– PhD student at Azad Islamic University – Iran – Tehran – Faculty of Management – Department of Science and Research.  Email: najwaabouturek48@gmail.com

 

[3]– القرآن الكريم، سورة البقرة، آية286

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.